الشخصية الكارزمية و دورها في تاريخ السودان

عثمان فارس
2024 / 5 / 8

الشخصية الكارزمية وأثرها في تاريخ السودان
___________________
   الشخصية الكارزمية هي مجموع صفات وسمات، فكرية و سلوكية، إيجابية يتمتع بها شخص ما، وتكون جاذبة و ملهمة تجعله يتصدر و يقود جماعة او مجموعات او حزب (شخصية قيادية) .
   وتتمظهر الشخصية الكارزمية بشكل واضح وأكثر رسوخاً  في المجتمعات القبلية، منها في المجتمعات الحضرية و المتقدمة، ولكنها لا تنتفي، قطعياً، حتي هذا التاريخ .
   في المجتمعات العربية قبل الإسلام كان للشخصيات الكارزمية ممثلة في زعماء القبائل و العشائر، دوراً بارزاً في قيادة تلك القبائل في حالات الحرب والسلم وفض النزاعات، كذلك في المجتمعات و القبائل السودانية، العربية والافريقية، و قد تصل لدرجة التقديس مثل (الكجور)* في جبال النوبة و (الرث)* لدي الشلك وقبائل جنوب السودان .
    بعد الإسلام وفي سودان الوسط والشمال، أضيفت للشخصية الكارزمية، او أضافت لنفسها، البعد الديني/العقائد ممثلة في شيوخ الطرق الصوفية (السادة والخلفا) و (الفكيا جمع فكي)، وهي سودنة لكلمة (فقيه) في غرب السودان .
بما في ذلك شخصية المهدي وقادة الثورة والدولة المهدية، فالمهدي منذ بواكير دعوته لجأ لزعماء القبائل والطرق الصوفية الذين اتبعهم اتباعهم ومريديهم، وشكلوا فيما بعد  (الأنصار) بمعني انه لم يلجأ مباشرة ل (الجماهير الشعبية) اذا وضعنا في الإعتبار ان الثورة المهدية تخاطب قضايا الكادحين والبسطاء من الناس، الذين يرزحون تحت نير/ ظلم وتسلط الحكم التركي !
    الشخصية الكارزمية في تاريخ السودان الحديث :
__________
    من الحقائق التاريخية، التي يجب الاعتراف بها، ان الاستعمار البريطاني كان علي دراية بعلم النفس الاجتماعي عن شعوب مستعمراتهم وهذا ما يسر لهم إدارة المستعمرات وحكم شعوبها .
   بعد هزيمته ل الدولة المهدية و بسط سلطته علي السودان، نمّيّ وطوّر علاقته مع زعماء القبائل والعشائر والطوائف الدينية باعتبارهم (مداخل) لكسب وُّد الاهالي، او ليأمن شرهم، علي الاقل .
     قامت الإدارة البريطانية بمنح زعماء القبائل و العمد والشراتي (الإدارة الاهلية) منحتهم سلطات ادارية/ تنفيذية/ و قضائية لتسيير دولاب الحكم، بجمع الضرائب وحل النزاعات الأهلية و هذا ساعدهم في إدارة شئون البلاد و البعد، قليلاً، عن المواجهات المباشرة مع الأهالي في كثير من الأحيان و المواقف !
  الشخصية الكارزمية في السودان
   ابان مقاومة الاستعمار وما بعد الاستقلال
                   
     ظلت الشخصية الكارزمية لزعماء القبائل تلعب نفس الدور القيادي، الاجتماعي و السياسي، بعد تبلور الفكر والخط الوطني المعادي للاستعمار، مع تفاوت في درجات (معاداة الإنجليز) بين المهادنة، الحِدّة والسفور !!
    عند قيام مؤتمر الخريجين كان للزعماء علي المرغني، الختمية، و عبدالرحمن المهدي، الانصار، والشريف يوسف الهندي . تأثيرهم البالغ علي (الخريجين) حتي هيمنوا كلياً علي نشاطات المؤتمر و التحكم في مجريات انتخابات لجانه التنفيذية وبالتالي تحول المؤتمر الي مُعبّر عن أراء هولاء الثلاثة الكبار من خلال الأحزاب التي أسسوها وقتذاك ؟؟!!
    سارت الأمور علي ذات المنوال بعد الاستقلال، وكأن الاستقلال ورفع العلم هو جهدا ونضالاً حصرياً لرافعي العلم، علي المرغني و عبدالرحمن المهدي، دون سواهم !!
   في فترة حكومات ما بعد الاستقلال برزت او أظهر الصراع والنضال الوطني بعض الشخصيات الكارزمية من المتعلمين (الخريجين) كقوي حديثة، ناهضة و واعية، رغم سمو منطلقاتهم وافكارهم علي زعماء الطائفية  لكن شخصياتهم لم تطغي علي الزعماء التقليديين ومن تناسلوا من اصلابهم، وكمثال لذلك :
    إجبار السيد/ محمداحمد المحجوب الدبلوماسي والسياسي المحنك، لتقديم استقالته لتنصيب (اليافع ابن ال30 ولم يشغل اي وظيفة عامة)، الصادق المهدي، رئيساً للوزراء ؟؟
   سؤال: هل كان بالإمكان رفض هذا التغول من الزعماء وقتذاك ؟؟
   الإجابة قد تأتي من خلال اجابتنا ل:
   هل للمجتمعات القبلية دور حاسم في سيادة وزعامة الشخصية الكارزمية و كيف يمكن تجاوز تلك الزعامات، بتواضع ومحدودية أفكارها و رؤيتها المستقبلية، لتحل محلهم رؤي وأفكار جيل جديد وأكثر مواكبة ؟؟
   اعتقد ان الموضوع ليس رغبات ذاتية، انما رهين بتطوّر المجتمع وتجاوز مفاهيم القبيلة/الطائفة  التي تحكم وتتحكم في المجتمعات السودانية منذ وقبل ذاك التاريخ و حتي الآن والي حين إخطار أخر !!

سلطة مايو ومحاولاتها (الثورية) في هدم اركان القبلية :
__________________
    حكومة مايو الأولي والتي كانت تشتط في قراراتها، الاشتراكية، متجاوزة العلمية والموضوعية، حتي صارت في نظر القوي الاشتراكيين انفسهم، والشوعيين علي وجه الخصوص، انها (كاثلوكية اكثر من البابا)  .
   من قراراتهم الشاطحة:
  1 / قرارات (المصادرة والتأميم) والتي لم تشمل رأس المال الأجنبي بل طالت حتي المصانع التحويلية الصغيرة لملاك سودانيين .
   تم مصادرة معظم شركات القطاع الخاص للراسمالية السودانية، الناشئة، وحل مجالس اداراتها، وتعيين محسوبي النظام المايوي و كبار الضباط في مجالس اداراتها، مما أدي الي شل حركتها او اندثارها ، مما أثر سلباً في الاقتصاد فيما بعد !
   و كان للحزب الشيوعي رأياً قاطعاً، بانها قرارات متعجلة وغير مدروسة، راجع: كتابات الشهيد/ عبدالخالق محجوب سكرتير الحزب الشيوعي السوداني، وقتذاك، في مقالات بجريدة (الرأي العام) .
2 / من القرارات الادارية الخطيرة، والتي تمت بلا دراسة او تروي، قرار حلّ الإدارة الأهلية .
  هذا القرار أدي لفراغ اداري، أمني، حقوقي كبير لم يستطع ملؤه (الضباط السيارة) و هم مجموعة من الضباط الإداريين، حديثي، او عديمي، التجربة فيما يخص تلك الاقاليم، تم توزيعهم في ارجاء الوطن الواسع، المتباين الاعراف والتقاليد، و متداخل و مُتشعِّب المشاكل و بالتالي معالجة و طرق حلها  .
  بالطبع لم يستطع هؤلاء ان يحلوا مواقع النظار ،العمد ،الشراتي والمشائخ، أصحاب الشخصيات الكارزمية واصحاب الاحترام و (الكلمة المسموعة) بين افراد ومجموعات مناطقهم . وكان هو بداية الفشل الإداري و ما تناسل عنه من تفاقم المشاكل والنزاعات بين القبائل و جنوح للفوضي . و وصلت الأن لتجييش وتمليش القبائل، وتمضي لاشتعال الحروب فيما بينها او الي (حرب القبائل السودانية) _ لا قدر الله .
   لذي اضحي من الصعب جداً ان لم يكن مستحيلاً، تجاوز (دولة 56) والصعود/ القفز بالزانة ل(دولة المواطنة الحديثة) دون التدرج الموضوعي الذي يبدأ بالوعي بضرورة تطور، افراد و جماعات، مجتمعاتنا القبلية نفسها لتقف علي مشارف الوعي بمفاهيم الوطن/ الوطنية وعلي ضوء ذلك صياغة برامج (وطنية ديمقراطية) للتنمية والتقدم . اشتراكية، رأسمالية او نيوليبرالية .
     يري الباحثون، واتضح الآن جلياً، ان حلّ نظام الإدارة الأهلية كان من الأخطاء الكبيرة وانه كان بالإمكان تطوير وتحديث النظام نفسه (الإدارةالاهلية) و بمزيد من التثقيف للنظار والعُمد... الخ . و أيضا بنشر الوعي بين افراد  تلك القبائل .
  وليس بقرارات فوقية دون دراسة للواقع !!
    وهذا، للأسف، ما يسير علي نهجه معظم المتصدرين للعمل السياسي والتغيير، وهو استنباط حلول قياسية من تجارب دول ومجتمعات أخرين تختلف اختلافاً بائناً عن مجتمعاتنا السودانية، دون الاجتهاد في دراسة وسبر اغوار تلك المجتمعات بتعددها وتنوعها الثقافي والجغرافي والتاريخي !!

 
  

 
    

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت