بدر بن عبدالمحسن العراقي

كرم نعمة
2024 / 5 / 6

فيما كتب قصيدته الأخيرة كمن يترقب موته “إن شلت حملك على كتوفكْ/ بتموت ما أحد ترى يمّكْ”. لوّح لنا الأمير الشاعر بدر بن عبدالمحسن بيديه أمس الأول مودعا، فما أقسى على الشاعر انتظار موته! هكذا رحل الأمير الشاعر، لكن من قال إن الأغاني تموت؟
مع أن قصيدة هذا الشاعر الذي يمثل فاصلة باهرة في الغناء العربي، لم تكن مثقلة بمحليتها السعودية، فروح الأغنية عنده لا تفرط بمعاصرتها وتكاد تجد تلك الروح نفسها في واحات المغرب العربي كما تجدها في الحقول على ضفتي الفرات. لكن لسوء الطالع لم يصل شعر عبدالمحسن إلى الغناء العراقي إلا في وقت متأخر نسبيا عن تجربته وعبر الفنان سعدون جابر الذي اختار له الموسيقار السعودي عبدالرب إدريس لحنا معبرا عن طبيعة الغناء الذي يمثله في ثمانينات القرن الماضي “أنا معك” فكانت المفاجأة العراقية مثيرة للاهتمام في لحن ونص سعوديين.
ولم يتكرر هذا التعاون إلا في مرحلة متأخرة عبر اختيار الفنان كاظم الساهر خمسة نصوص للشاعر عبدالمحسن وترك في واحدة من المرات النادرة لحن تلك القصائد لغيره عبرالملحن السعودي الراحل محمد شفيق، إذ بقي الساهر على مدار تجربته في العقود الثلاثة الأخيرة، مصرا على احتكار صوته على ألحانه.
مع ذلك تستحق قصائد الأمير الراحل بصوتي جابر والساهر، على قلتها، الدراسة، فيما تبقى ألحان هذه القصائد موضع جدل نقدي وتساؤلات مشروعة.
لا يفرط الشاعر بدر بن عبدالمحسن بابتكار علائق جديدة بين الكلمات، إلى درجة أنه يستثمر مفردات يومية تبدو للوهلة الأولى غير شعرية، لكنه يصنع منها صورا هائمة. خذ مثلا قصيدته “ليلة عمر” التي لحنها وغناها الموسيقار عبدالرب إدريس، تكاد تكون درسا باهرا في تلحين روح المفردة وليس آليتها، وتلك لعمري المهمة الحقيقية للملحن في انتزاع روح الكلمة ونثرها بين الكمانات.
في أغنية “أنا معك” لسعدون جابر صنع عبدالمحسن من قصة الحضور والغياب في حضرة الحبيب حكاية “أنا معك/ هذا المهم/لا صرت اشوفك واسمعك” حتى يصل إلى لحظة الفراق.
تلك كانت تجربة الشاعر السعودي الأولى مع الصوت العراقي، وبقيت هذه الأغنية حية في لحن إدريس وصوت جابر، على الرغم من مرور أكثر من أربعة عقود على أدائها.
وعندما أراد الشاعر السعودي اكتشاف نصه من جديد في صوت عراقي كان لا بد من أن يكون كاظم الساهر حاضرا، ففي خمس أغان: “ناي”، “صور”، “الجريدة”، “ممكن توصلني” و”تحبني”، اختار الساهر قصائد بمثابة حكايات، وغير مفهوم إلى الآن لماذا وقع اختياره على الملحن السعودي الراحل محمد شفيق، دون أن يقوم هو بتلحينها؟ مع ذلك بقيت تلك الأغاني جزءا مهما من تجربة الفنان كاظم الساهر، من دون أن تأخذ المكانة التي أخذتها بقية ألحانه في الوجدان العربي، ولا يمكن أن نعزو ذلك إلى الأسباب الفنية وحدها.
حاول الملحن السعودي محمد شفيق أن يضفي لمسة أوبرالية في لحني “ناي” و”صور” مستفيدا من العُرب الصوتية العالية الكامنة في صوت الساهر، ومع أنه كما يبدو فكر بالموسيقى الرحبانية خصوصا في أغنية “ناي” واستعان بأوركسترا ضخمة، لكنه في النهاية لم يصل إلى روح الناي الكامن في نص القصيدة وحاول الساهر في أداء عميق الإخلاص إلى روح المعنى، لكن لحن شفيق في النهاية خذله، فمثل هذا النص “ناي في صوتها ناي/غنى وجرحني الشجن” ينبغي أن يجد روحه اللحنية المفعمة بالشفافية.
وإذا كانت تجربة أغنية “الجريدة” جديدة كليا على الغناء العربي، فإن أغنية “صور” تصنع قصتها أيضا “لو شكيتي من الضجر ناوية فراقي/قصي وجهي من الصور واتركي الباقي” اجتهد فيها أداء الساهر، فيما بقي اللحن خارج المهج والذاكرة معا.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت