خدعة إرهابية وخدع بصرية

عادل صوما
2024 / 5 / 4

لفهم هذا المقال الرجاء رجوع القارىء إلى مقالي " تجربة طوفان أستاذية العالم" المنشور في "الحوار المتمدن" خلال الاسبوع الأخير من كانون الأول/ديسمبر الفائت، الذي ورد في فقرته الأولى"من يعرفون قراءة الصور، لابد انهم لاحظوا التنظيم الممتاز وراء التظاهرات التي عمت كبريات عواصم العالم، ضد العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد "حماس" في غزة.
تنظيم دقيق وأعلام فلسطين موحَدة القياسات وهتافات مُوَحَدة المعاني والإيقاع رغم اختلاف اللغات، ووجود شخص واحد ملتح أو نصف محجبة تردد الهتافات والجميع يرددون وراءه أو وراءها، ومشاركة أعداد كبيرة من غير الناطقين بالعربية.
كل هذه الامور العملية تنفي صفة التعاضد الإنساني مع الضحايا أو العفوية عن التظاهرات، أو حتى مجرد العويل لجذب انتباه العالم إلى ما يحدث، وتؤكد وجود تمويل وأهداف أخرى لها، فالمتظاهرون الذين يعانون الغلاء وارتفاع الأسعار والتضخم والبطالة المنتشرة في الدول، وتركوا همومهم أو أعمالهم، على سبيل المثال، في شرقي أميركا وسافروا إلى نيويورك وواشنطن، يستحيل أن يكونوا قد اشتروا تذاكر الطائرات، ودفعوا ثمن الاقامة في الفنادق واشتروا أعلاما من محلات بيع التذكارات من أجل "حماس". فمن هي الجهات الممولة وما هو القصد من وراء التجمهر؟"
الكريسماس والتخرج
أفسد المتظاهرون أنفسهم عدة احتفالات حول العالم بالكريسماس أو إضاءة شجرة الميلاد سنة 2024، واليوم يحاولون افساد حفلات التخرج في بعض جامعات أميركا وأوروبا أو تأجيلها، رغم أن إسرائيل أوقفت بشكل جزئي عملياتها العسكرية في غزة وأعادت تمركز وحداتها، استعداداً لدخول رفح أو كورقة ضغط لتُرجع "حماس" من بقي على قيد الحياة من الأسرى، أثناء مفاوضات غير مثمرة حتى اليوم.
بغض النظر عن ورقة مظلومية الضحايا والمعاقين ودمار غزة التي يرفعها التنظيم العالمي للإخوان المسلمين وملالي إيران، تعتبر "حماس" هي المسؤول الأول والأخير عن أهوال ما يحدث لأهل غزة لأنها بدأت المشكلة، ولو أعادت المنظمة الإرهابية الأسرى قبل بدء العمليات الإسرائيلية، لما كان لإدارة نتنياهو أن تفعل ما فعلته، ما سيجبر الغزاويين على لعق جروحهم وإعادة بناء ما تهدم لمدة عقد على الأقل، إذا لم تتدخل التمويلات الدولية.
ظاهر الخدعة البصرية المتمثلة في الاعتصامات، التي بدأت تنتشر في جامعات دول العالم الغربي اليوم، كما ظهرت قبل الكريسماس واحتفالات رأس السنة، ظاهرها استعطاف العالم من أجل أهالي غزة ومن ثمة الضغط على إسرائيل لوقف عملياتها العسكرية، وباطنها تجربة فرض أستاذية العالم من الميادين ودور العلم، بواسطة خلايا الملالي والتنظيم العالمي للإخوان المسلمين المنتشرة في كافة الحكومات والجامعات والبلديات الغربية، علاوة على المؤتلفة قلوبهم من ليبراليين ويساريين وشيوعيين ووسائل إعلام.
إندبندنت ستان
نشرت "الإندبندنت" مقالا لإيريك لويس تحدث فيه بطريقة التعريض نفسها، والكلام الترقيعي الذي لا نفع منه، عن ضرورة عدم خضوع جامعات العالم للضغط السياسي لقمع الاحتجاجات المؤيدة لفلسطين، من خلال احترام السماح بالاحتجاج بدون عنف، وعدم اعتبار أي فلسطيني معاديا للسامية، أو كل أموال الإسرائيليين داعمة للعنف ضد الفلسطينيين، فلا يحق لأحد من الطرفين منع الآخر من حرية التعبير حتى وإن رأوا في خطاباتهم أنها عدائية.
لم يذكر لويس أي شيء عن إعادة الأسرى ولا الهدف الحقيقي من خدعة الإرهاب التي عَلِمت بها إسرائيل ولم تصدق أن "حماس" تستطيع تنفيذها لوجستيا، أو مغزى الخدعة البصرية التي تحدث اليوم، لتشتت العقول عن فهم الوقائع، كما لم يسأل لماذا لم تقم هذه التظاهرات في العواصم والمدن ذات الغالبية الإسلامية.
الشبكة الأميركية
سأركز على الولايات المتحدة التي بدأت منها ظاهرة الاحتجاجات الطلابية، لأن الناظر للمشهد الأميركي من بعيد قد لا يعرف ما هي التحالفات التي تحرك التظاهرات الطلابية الأخيرة، وبدأت تنتشر دولياً بالتحالفات نفسها تقريباً.
التحالفات في أميركا هي شبكة راديكاليي اليسار الجديد Woke الذي يرعاه حسين أوباما، علاوة على an.ti.fa وBlack Lives Matters وغيرهما، وهما على صلة بالتنظيم الدولي لفلول الشيوعية الدولية التي تحاول إضعاف الغرب بشكل عام، ورد الصاع بسقوط الاتحاد السوڤياتي السابق، وقد أعادت هذه المجموعات تفسير ظاهرة الإسلاميين عبر الديالكتيك الماركسي.
ما العلاقة بين الديالكتيك الماركسي والإسلام السياسي؟ ما العلاقة بين الملحدين وخير أمة أُخرجت للناس؟ لا توجد أي صلة، بل هدف مشترك.
هذه الخلطة الجديدة تبشر بالاشتراكية في بلد رأسمالي قائم على المبادرة الفردية، وآخذت في الانتشار في جامعات أميركا التي تضم طلبة فُرغت عقولهم من أي عقيدة سياسية أو دينية أو اجتماعية، وتحولت إلى قوة عقائدية سياسية تشارك اليسار التقليدي في مواجهته مع المحافظين، بدعم مالي من ملالي إيران وشبكة الإخوان المسلمين أيضا.
استفادت woke وفروعها والجماعات الراديكالية تماماً من حكم يسار حسين أوباما منذ سنة 2008 إلى 2016، لدرجة أن بعض كوادرها أخذت أماكنها ومناصبها العُليا الحساسة في دور العلم والجهاز البيروقراطي والأجهزة الإدارية والإعلام الأميركي، وحسب بعض التحليلات سيطروا على المجالس الطلابية، كما سيطر أساتذة العلوم السياسية والاجتماعية المؤيدون لهم على دراسات الإسلام والاديان المقارنة والشرق الأوسط، بل بعض الجامعات التي انتشرت منها الخدعة البصرية لتسويق مظلومية أشلاء وبنايات غزة.
التجمعات الطلابية والمندسين بينها هتفت ضد مصالح جامعاتها المالية ودعت إلى وقف استثماراتها مع شركات تدعم إسرائيل خصوصا مصانع الأسلحة، وهتفوا ضد سياسات أميركا (دولتهم كما هو مفترض) الخارجية إذ دعوا إلى وقف الدعم الأميركي لإسرائيل، ورفعت التجمعات (الأميركية) عقيرتها ووقاحتها وهتفت في المعاهد الأميركية "الموت لأميركا!" حاملة أعلام "حماس" و"حزب الله" و"فلسطين"، ما يعني أن هذه التجمهرات لا تهدف فقط إلى رفع مظلومية غزة إلى الرأي العام الأميركي والعالمي للضغط على إسرائيل، بل إلى معرفة مدى تأثير قوتها في كل مدينة وعاصمة. تجربة لمدى نفوذ وتأثير أصحاب فكرة أستاذية العالم اليوم ومستقبلا في أي دولة حلوا فيها ولم ينتموا إليها. وفي سياق الانتماء قالت نائب الكونغرس الأميركي إلهان عمر بشكل صريح واضح: أنا صومالية أولا.
الجمهورية الخومينية الإيرانية والتنظيم العالمي للإخوان يتحالفان مع الفلول والجماعات السابق ذكرها ضد الإمبريالية الأميركية وعملائها في الدول الإسلامية، وما يحدث اليوم تجربة حدثت ونجحت في كريسماس الماضي، وغير معروف ما هي الشرارة التي سيشعلونها لتأجيجها في المستقبل.
ما حدث في 7 أكتوبر لا يدرك أهل الأنفاق أبعاده، لأنهم مجرد مرتزقة دُربوا ونفذوا ما طُلب منهم، ولا يعرفون ما يحدث خارج الأنفاق، وإن أدركوا ما يتم فُهم أموات لا محالة ولن تتركهم إسرائيل، وستعتبرهم إيران والإخوان إعلاميا شهداء عند ربهم يرزقون، لكنهم سياسياً أدوا ما عليهم من دور، ولا بأس من موتهم، كما مات خالد بن الوليد وغيره من قادة فتوحات متسولين على أبواب المساجد.
ضد ترمب
تحالفت المنظمات أعلاه كافة بخدعة العويل البصرية نفسها ضد ترمب القومي المحافظ مستغلين حكاية لص لم يقتله ضابط شرطة، بل مات بأزمة قلبية (حسب التقارير الطبية ومحاولة طعن الضابط بالسكاكين داخل السجن ليسود صمت القبور على القضية) واخترقت بتمويلاتها الانتخابات الرئاسية الأميركية سنة 2020، ودخل في العهد الرئاسي الحالي أعدادٌ كبيرة منها إلى الإدارات الأميركية كافة بصفة تقدميين.
هكذا يُفسر مشهد سخط الجاليات الإسلامية والمؤتلفة قلوبهم ضد إسرائيل وتناسي جريمة "حماس" الإرهابية سبب البلاء. تحالف كل التحركات المتطرفة ليس لرفع مظلومية غزة فقط، بل لاحتلال الجامعات وطرد الأساتذة والطلاب اليهود، والاشتباك حتى مع طلاب إيرانيين معارضين لنظام الملالي، والهجوم على أساتذة خليجيين من مؤيدي "السلام الإبراهيمي".
العالم الغربي مصدوم من التحركات الطلابية في أراضيه، ونتائج ردة الفعل الأولى بدأت بإخلاء الشرطة للمعتصمين داخل جامعة كولومبيا، بسبب اعتدائهم على الممتلكات العامة، وردع الشرطة الألمانية للمتظاهرين، ولا أحد يعلم على وجه الدقة كيف ستنتهي الأمور.
الخدعة البصرية صعبة هذه المرة، فبقاء جو بايدن في السلطة مطلوب لتنفيذ أهدافهم، رغم (غضبهم) من مساندته لإسرائيل، واستمرار الاعتصامات بهذه الطريقة قد يجعله يخسر الانتخابات.
أهل الأنفاق
المنطق يقول كان أجدى للمرتزقة الحمساويين شراء صواريخ مضادة للطائرات تطلق من على الكتف عوضاً عن بناء أنفاق، لو كانوا حقاً مقاومين هدفهم تحرير أراضيهم أو التفاوض بجدية. على الأقل هذه الصواريخ لو اشتروها أو أمدتهم إيران بها، لمنعت الطائرات الإسرائيلية من امتلاك الجو بدون خوف، وجعلت أهل غزة في حماية من القصف الجوي وتدميره الرهيب إلى حد ما.
يبدو أن 7 أكتوبر وتوابعه على الأرض خدع بصرية المقصود منها تنفيذ شعار “التغيير"، لأن إسرائيل أمر واقع يستحيل إزالته، لكن "التغيير" ممكن وقد بدأت ثماره تظهر في أميركا والغرب بشكل واضح. "التغيير" هو شعار أوباما أثناء حملته الانتخابية الأولى ويفهمه الحلفاء وينفذه كل على هواه!
هل تفيق دول الغرب من أوهام الحريات المنفلتة وتعترف بفشل تجربة التنوع وفتح أبواب الهجرة خصوصا غير الشرعية وتعي نتائج تفريغ عقول الشباب الغربي من أي عقيدة سوى الاستمتاع بالحياة؟

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت