المعتزلة...مدرسة العقل الأولى في تاريخنا

عبدالله عطوي الطوالبة
2024 / 5 / 2

يستصعب الباحث النابه مطالعة أسفار تاريخنا، من دون المرور على صفحات المعتزلة، وخاصة اذا كان من الموقنين بأن العقل هو الرافعة الرئيسة لمسيرة الانسان التطورية، منذ مرحلة الكهوف والصيد حتى العصر الرقمي. هنا، في صفحات المعتزلة على الباحث أن يتبصّر وهو يتبحّر، ثم يتفكّر.
كان للمعتزلة قصب السبق على ديكارت، الملقب بأبي الفلسفة الحديثة، في تأسيس الشك المنهجي، وكانوا رواده بحق في ثقافتنا. لكن ويا للأسى والأسف، فان الفكر الظلامي حال دون سطوع شمس هذه الحقيقة، التي من حقنا أن نرفع رؤوسنا بها تباهيا، في فضاءات الثقافة الإنسانية. انه الفكر التكفيري ذاته، الذي تمكن من المعتزلة في الماضي، وما يزال يلاحق منظومتهم الفكرية بتهم الزندقة والهرطقة، ليحول دون تمكين الأجيال من تنوّر مضامينها.
الشك عند المعتزلة، طريق الوصول الى التعيين بواسطة العقل. فقد رفضوا الايمان على سبيل التقليد أو الوراثة، من دون شك. وهو ما أفضى بهم الى اعتماد العقل كأول الأدلة في فهم العقيدة. الشك برأيهم أول الواجبات، كما كان يردد أبو هاشم الجبائي، أحد أكبر علمائهم. تأسس الشك المعتزلي على رؤية تقول انه اذا كنا أمام قضية، فحكمنا بصحتها أو خطئها يتوقف على وجود دليل عقلي واضح وصريح، يرجح أحد الأمرين. واذا كان هناك غموض في أدلة الاثبات أو النفي، أو أن كلا الدليلين متساويين، فالشك برأيهم هو الخيار المنطقي. فلا حُكم يصدر حتى يثبت أحد الأمرين بدليل واضح وموثوق. هذه العملية الفكرية المعرفية، تسمى بالشك المنهجي القائم على الدليل العقلي، للتوصل الى الحقائق بشكل موضوعي بمنأى عن الانحياز المسبق. على هذا الأساس وانطلاقا منه، تعامل المعتزلة مع أية قضية كانوا يتعرضون لها أو طُرحت في مرحلتهم.
وقبل أن نغوص أكثر في فكرهم، نرى من المناسب التذكير بالظروف التاريخية الممهدة لظهور المعتزلة.
بدأ المعتزلة كفرقة سياسية دينية، ثم تحولوا الى حركة فكرية رائدة بمعايير عصرهم، وعلى وجه الخصوص باعتماد العقل في الحكم على كل شيء.
نشأت هذه الحركة في بدايات القرن الهجري الثاني في البصرة، وكانت آنذاك الحاضرة الثقافية للدولة العباسية. وقد هيأت الأرضية التاريخية لظهور المعتزلة أحداث جسيمة شهدتها الدولة العربية الاسلامية، نتج عنها اغتيال الخليفة الراشدي الثالث عثمان بن عفان، ثم اندلاع صراع دموي عنيف بين علي بن ابي طالب ومعاوية بن ابي سفيان في معركة صفين. وبلغت أحداث ما يُعرف بالفتنة الكبرى، حسب مؤرخينا، ذروتها باغتيال الخليفة الراشدي الرابع، علي بن أبي طالب.
كان من الطبيعي أن تفرض أحداث مفصلية كهذه نفسها على أهل الرأي، وأن تدفعهم الى اثارة العديد من الأسئلة في محاولات للإجابة عليها، من نوع: لماذا يقتل المسلم أخاه المسلم؟! فمن على حق ومن على باطل؟! وهل الخلافة تكليف الهي أم تخضع لاختيار الأمة؟! وما حُكم من يخرج على الخليفة؟!
بلغت المنظومة الفكرية المعتزلية ذروة اشعاعها في عهد الخليفة العباسي المأمون. وتلك مرحلة تُعرف في تاريخنا بالعصر الذهبي للحضارة العربية. وما كان لذلك العصر ولا لذهبه الحضاري أن يكونا، لولا الانعطافة التاريخية التي أحدثها المعتزلة في العقل العربي، لجهة توسيع مداركه نحو آفاق جديدة على صعيد الفكر والتفكير العقلانيين بشكل خاص. شكلت أفكار المعتزلة ومنظومتهم المعرفية أساس البناء الفكري للحضارة العربية في أوج ازدهارها آنذاك.
كان المأمون نفسه مفكرا يحب العلم، ويؤمن بدور العقل. ولم يلبث أن اعتمد الفكر المعتزلي مذهبا رسميا للدولة. في عهد المأمون المعتزلي، نشطت الى حدّ كبير حركة الترجمة عن الفكر الفلسفي اليوناني. وهذا معروف، لكن المجهول للكثيرين، وهناك من يريد أن يظل غير معلوم للأجيال، أن الترجمة عن الفلسفة اليونانية تمت تحت اشراف المعتزلة. هنا، تجدر الاشارة الى أن المعتزلة لم يكونوا صدى للفكر الفلسفي اليوناني، كما يدعي البعض، بل أعادوا صياغة الكثير من الأفكار القادمة من اليونان وأضافوا عليها. ومن ضمن ما أخذوه عن اليونان، مبادئ انتاج الأفكار، كالمنطق الأرسطي. وقد استخدموا هذه المبادئ في سبيل اثبات عقائدهم.
وبالعودة الى المنظومة الفكرية المعتزلية، نعيد التذكير أولا بميزتها الأهم، وهي أنهم أخضعوا كل شيء لأحكام العقل، بما في ذلك النص الديني، أي أنهم قدموا العقل على النقل في العقيدة ومسائل الدين. لقد جعلوا العقل هو الحاكم على الشرع وليس العكس. فالعقل عندهم، قادر على تمييز الصواب والخطأ من خلال عمليتي التحسين والتقبيح العقليتين. وهذه قاعدة أساسية في منهجهم. فما استحسنه العقل فهو حسن حتى لو استقبحه الشرع. العقل بمنظورهم، أداة نقد، أخضع المعتزلة لنقده النصوص الدينية من ايات وأحاديث. على صعيد الآيات، ما يوافق العقل قبلوه وأخذوا به، وما يبدو معارضا للعقل لجأوا الى تأويله ليتوافق مع العقل. ومن هنا قالوا بالمجاز في تفسير القرآن. أما بالنسبة للأحاديث، فأي حديث لا يتوافق مع العقل رفضوه جملة وتفصيلا، كائنا من كان ناقله. ولم يستثني نقد المعتزلة الصحابة، اذ قالوا بأن صحبتهم للنبي لا تعدو كونها صحبة معنوية، لا تعطيهم قدرات أو ميزات عقلية أو فكرية أكثر من باقي الناس. واعتبروهم كسائر البشر، فيهم الصالح ومنهم الطالح.
ولما كان العدل أحد المبادئ الرئيسة في منظومتهم الفكرية، فقد كان من الممكن البناء على جوهر مقصودهم بالعدل، لوضع أساس مكين للحرية والتعددية في تكوين العقل العربي. لكن هذا لم يحصل، والسبب معروف، وسبقت الاشارة اليه. وفق العدل المعتزلي، الانسان مسؤول عن أفعاله، يُقدم على فعل الخير والشر بكامل ارادته، والله سبحانه يحاسبه على ما منحه من حرية واختيار. وقال المعتزلة أيضا بمبدأ المنزلة بين المنزلتين. وعليه أسسوا قولهم بعدم تكفير حتى مرتكب الشرك. فقالوا انه في منزلة بين منزلتين. فلا هو بمؤمن وليس بكافر، وحسابه في الآخرة. وبذلك فقد نأوا بأنفسهم عن التكفير واستباحة دماء الأبرياء وأموالهم وأعراضهم بأساليب همجية تحت شعار التكفير، بادعاء الدفاع عن العقيدة. كما رفض المعتزلة حد الردة، ورأوا أنه غير عقلاني وغير انساني. فمن الممكن أن يعود المرتد عما فعل.
وفي ضوء ما يجري في عالمنا العربي اليوم، في القرن الحادي والعشرين، فان الكلام عن التكفير يحيلنا الى ما يُعرف بقضية "خلق القرآن" المرتبطة بالمعتزلة أكثر من غيرهم. لا نريد الدخول في تفاصيل رؤيتهم بهذا الشأن، لكنها أفضت بهم الى القول بأسباب النزول والتأكيد عليها. وبهذا فتحوا الباب مذّاك لتفسير النصوص الدينية في سياقاتها التاريخية وليس بظاهرها وبحرفيتها. هنا بالذات، نصل الى معاناتنا أكثر من شعوب الأرض كلها مع التكفير، ومنهج التكفيريين والظلاميين لتبرير توحشهم بزعم تنفيذهم كلام الله. هؤلاء يأخذون نصوص الدين منتزعة من سياقاتها التاريخية وأسبابها ويطوعونها على مقاسات تخريجاتهم المريضة. والدليل الأفقع، على سبيل المثال لا الحصر، الآية 44 في سورة المائدة: ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فاؤلئك هم الكافرون). فالسياق التاريخي للآية وتفسيرها المُجمع عليه، يختلفان جذريا عن توظيفاتها لتبرير ممارسات التكفيريين وارتكاباتهم. وها هي كتب التفسير موجودة لمن يريد ان يقرأ ويستوعب!
ولا شك أن تأكيد المعتزلة على أسباب النزول، انما وضع حجر الأساس للقراءة العصرية للنصوص الدينية بالنسبة للأجيال اللاحقة، مما يوفر أرضية مناسبة لحشد الدين في خدمة مسيرة النهوض والتقدم وليس توظيفه بالعكس من قبل قوى التخلف والمستكينين للاقامة في اقبية القرون الوسطى. الدين مطلق ثابت. والحياة نسبي متحرك. وأي محاولة لتقييد حركة النسبي المتحرك بأقانيم المطلق الثابت انما تفضي لا محالة الى الجمود والتخلف عن ركب التقدم والمسيرة التطورية.هنا، لا بد من الاجتهاد واعادة النظر، ولكن بمعايير العقل وموازين العصر، والا فالصدام بين المطلق والنسبي حاصل لا محالة. هذه هي بالضبط مشكلة مجتمعاتنا مع قوى الاسلام السياسي في واقعنا العربي، وتتمثل في عدم الاجتهاد من داخل الدين ذاته بمنطق الحاضر وشروطه، اما عن عدم رغبة أو لضعف قدرة. وبهذا، فانهم يظهرون على الناس كما لو أنهم في حرب مع الحياة، وفي تجاف عن نواميسها في الحركة الدائبة والتجدد.
انطلاقا من نزعتهم العقلية، رفض المعتزلة الغيبيات. فقد نفوا عذاب القبر. وقالوا بأنه لا عذاب قبل يوم القيامة. كما نفوا وجود علامات لقيام الساعة. ورفضوا المزاعم حول الخوارق وكرامات الأولياء ومعجزاتهم. وبطبيعي أمرهم، أنكروا السحر والشعوذة والاتصال مع الجن. وبرأيهم، فمن يقُل بالتواصل مع الجن فإن هو الا دجّال.
على صعيد المعرفة، قسّموها الى حسية تتحصل بالحواس وعقلية تنهض على مدركات العقل. وبتكامل المعرفة الحسية والعقلية، تنشأ المعرفة. لكن العقل بحسبهم، يظل هو الأصل في المعرفة، وفي ادراك ما لا تصل اليه الحواس.
وللتذكير بالمكانة الكبيرة للمعتزلة في تاريخنا وتأثيرهم الهائل بمعايير عصرهم، نشير الى أعلام أفذاذ في فنون المعرفة والابداع انضووا تحت لواء المعتزلة أو تأثروا بفكرهم. فالكندي وابن الهيثم وسيبويه والجاحظ كانوا معتزليين وغيرهم كثير. ومن الذين تأثروا بفكر المعتزلة، ابن سينا والفارابي وابن الراوندي.
انهم المعتزلة، مدرسة العقل الأولى في التاريخ العربي الاسلامي. فما أحوجنا الى تنوّر نفحاتها في واقع يختنق فيه العقل بتمدد النقل واستشرائه، بكل ما لذلك من تداعيات بائسة تعبر عن نفسها بتمحّل الفكر والتقهقر الحضاري. تداعيات ظاهرة للعيان، لا نظنها بحاجة الى مزيد بيان.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت