هل ما يزال تعبير الطبقة العاملة صالحاً للتداول؟

عبدالله عطوي الطوالبة
2024 / 4 / 30

سؤال استفهامي، نرى أنه حقيق بالطرح بمناسبة عيد العمال العالمي، وفي ضؤ ما شهده ويشهده عالمنا من تحولات خلال العقود الثلاث الأخيرة.
بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، طفت على السطح وما تزال تطفو آراءٌ تنعى الجملة التاريخية لكارل ماركس، التي بدأ بها البيان الشيوعي سنة 1848:"إن تاريخ أي مجتمع حتى الان، ليس سوى تاريخ صراعات طبقية".
الفيلسوف الأميركي، ريتشارد رورتي، يرى أن مفهوم الطبقة العاملة لم يعد أكثر من إطار سياسي نظري تضامني يلف مبادئ مقارعة الظلم والاستغلال. لكن المتمسكين بترديد هذه المبادئ اليوم، بحسبه، لم يعودوا كلاً واحداً وليسوا محصنين من الانقسامات والخلافات حتى لو كانوا ينتمون إلى الطبقة العاملة بمفهومها الماركسي. وينعى رورتي على الماركسيين المعاصرين، إغماض عيونهم عن صعود الهويات العابرة للطبقات وحلول السياسات المتعلقة بهذا المستجد مكان الصراع الطبقي. يذهب رورتي في هذا الإتجاه، وفي ذهنه صعود الحركات الشعبوية والأصوليات الدينية في عالمنا. وهي بطبيعي أمرها، تقدم الإنتماء الديني واللون الهوياتي على ما سواه، مع أن هذا الأخير قد يتخذ منحىً عنصرياً أحياناً.
في السياق، برزت معتقدات ترى أن المجتمعات المعاصرة شهدت تحولات أحالت المدخل الطبقي الماركسي في فهم حركة التاريخ إلى التقاعد. من العناوين الأهم لهذه التحولات، "الاقتصاد المعرفي"، و"المجتمع الرقمي"، و"المجتمع ما بعد الصناعي". على هذا الأساس، يرى أصحاب هذه الرؤى أن تصنيفات من نوع البنى التحتية والبنى الفوقية لم تعد قائمة. ويلحقون بها أيضاً ثنائية العمل اليدوي والعمل الذهني، ويضيفون إليها ثنائية برجوازية وبروليتاريا.
رأي آخر، يركز على أن مجتمع الحقوق الفردية حلَّ في هذه المرحلة محل مجتمع الطبقات والجماهير. وبذلك، تحولت تعابير الصراع الطبقي والنضال الطبقي إلى متحف التاريخ.
رؤية رابعة تركز على أن الرأسمالية في شروطها وتحولاتها الحديثة، عابرة للهويات والبلدان والقارات. وقد ترتب على ذلك تبلور أشكال جديدة من البروليتاريا لا تتوفر على أي ملكية خاصة، وتعمل فقط للحصول على راتب شهري تعتاش منه.
هذا النوع من البروليتاريا عبّرت عنه على سبيل المثال لا الحصر، حركة "احتلوا وول ستريت" تحت شعار "نحن 99%". هذا الشعار يرمز إلى أن هذه البروليتاريا بهذا المعنى تشكل الأغلبية الساحقة في عالم اليوم، لكنها في الوقت عينه منقسمة سياسياً وثقافياً ومادياً، وهو ما يدعو إلى التخلي عن مفهوم البروليتاريا الماركسي.
إذا جاز لنا اختزال هذه الرؤى في واحدة، نقول إنها تتضافر معاً لتكريس فكرة دخول الإنسانية عصر الفرد والفردانية. وهو ما يطلق عليه مفكرو الرأسمالية "المجتمع ما بعد الصناعي". أما أكثر ما يعنيهم من هذه التسمية، فهو تكريس الرؤية القائلة بتجاوز عصر الطبقة العاملة والعصر الصناعي، بهدف تكريس وعي جمعي يعم العالم لتقبل الرأسمالية في مرحلة النيوليبرالية المتوحشة وأطاريحها ومنظوماتها الأيديولوجية. ولا يفوتنا التنويه بأن الرؤى المومأ اليها فوق، تمتح من أطروحة "نهاية التاريخ". ومن هنا بالذات، يتأكد زيفها وعدم قابليتها للبقاء.
التاريخ لا يتوقف، أقله من زاوية الحقيقة الثابتة ومفادها أن الحركة والتغيير هما الثابت الرئيس في الحياة. الحركة والتغيير يعنيان أولاً، الإتيان بالجديد المستجد دائما، وهو ما ينفي نفياً قاطعا القول بأن الرأسمالية في مرحلة النيوليبرالية المتوحشة نهاية التاريخ. على أرض الواقع، نجد الكثير مما يمكن إدراجه في سياق تعزيز هذا الرأي. فقد توسع النهب الرأسمالي المتوحش، وزاد تركيز رأس المال مقابل اتساع جيوب الفقر وتضخم أعداد العاطلين عن العمل في العالم كله. وماذا عن اختلاق بؤر التوتر وفبركة الذرائع لشن الحروب على الدول المستضعفة بخاصة، لتخريبها من الداخل كما حصل في العراق، ونهب ثرواتها؟!
على صعيد تركيز رأس المال وللتذكير، نكتفي بإيراد مثالين. ففي أميركا يملك 400 ثري أكثر مما يملك 150 مليون أميركي. وفي الأردن، أكدت منظمة أوكسفام الدولية المعنية بحقوق الفقراء، أن ثريَّيْن أردنيين يملكان ثروة تفوق ما يملك أربعة ملايين أردني. ألا يصب ما ذكرنا توَّاً لصالح القول والاستنتاج بتصاعد حدة الصراع الطبقي وليس العكس؟!
لكننا أيضاً نرى ضرورة اجتراح تعريف جديد وإحاطة مختلفة للصراع الطبقي، بمفردات ومفاهيم تلحظ تحولات العصر المتسارعة من منطلق أن الإتيان بالجديد المستجد من أبرز سنن الحياة وأهم شروط التقدم.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت