كاظم الساهر ما بعد الحب

كرم نعمة
2024 / 4 / 30

لا ينبغي على النقد الموسيقي أن يمر عابراً على الألبوم الأخير للفنان كاظم الساهر “مع الحب”، كما لا ينبغي عليه أيضاً أن يكتفي بالاحتفاء الشعبي، فهناك أكثر من ذلك ويكمن في الانتقائية الشعرية لنصوص الأغاني، كما أن الألحان تكشف عن مؤشر التطور الموسيقي في صياغة الجملة اللحنية عند الساهر عندما يتعلق الأمر بلحن القصائد تحديداً، فالأغاني الثلاثة عشر في هذا الألبوم تكاد ترسم فاصلة زمنية في تجربة هذا الفنان القلق على الإخلاص للقيمة المثالية للغناء.
حظي هذا الألبوم بإنتاج وتسويق على درجة عالية من الاحترافية عندما تم اختيار شركة (believe) إحدى أشهر شركات الموسيقى الرقمية العالمية لتسويقه للمستمع العربي، ويبدو أن الحوار الذي أجراه وسام نجل الفنان الساهر مع أبيه وبث على المنصات الرقمية كان إحدى طرق التسويق الذكية لتلك الشركة، عندما اختارت “يوتيوب” في بث مُهد له بوقت كافٍ بدلاً من أي محطة فضائية عربية.
بيد أن السؤال الحقيقي مازال معلقاً أمام الفنان كاظم الساهر، مع أن نجله وسام في هذا الحوار يبعث على الفخر “على الأقل بالنسبة إليّ” فوسام الذي كان عمره خمسة أعوام في آخر مرة رأيته فيها، يبدو اليوم جزءا من صناعة نتاج أبيه.
فهل كانت أسئلة حوار الساهر ونجله جديرة بالتعبير عن قيمة أغاني الألبوم، وهل وجد المتابعون فيها الإجابات المرتقبة؟
وفق التقويم المفرط بالتفاؤل، كان وسام يردد بثقة أسئلة كُتبت له، ويعرف مسبقاً الإجابات عليها، والأسئلة تطلق للحصول على إجابة لا أحد يعرفها وإلا انتفت أهميتها. لكن الأهم من ذلك لماذا لا يمنح الفنان كاظم الساهر حق الاستماع إلى الأسئلة المؤجلة في تجربته، فتلك جزء من المسؤولية الفنية المترتبة عليه وعلى دأبه وإخلاصه ونجاحه، فعشرات الحوارات التلفزيونية مع الساهر كانت تكرر المكرر وتتناول جوانب شخصية تغيب فيها على الأغلب مناقشة القيمة اللحنية في أغاني هذا الفنان الذي صار يمثل جائزة ترضية للعراقيين برمتهم، مثلما شكل ظاهرة تاريخية من الولع بالنسبة إلى الجمهور العربي.
وبوسعي القول مع ألحان قصائد “مع الحب”، ينبغي على الساهر العودة إلى الأسئلة الأهم التي تركها من دون إجابة منذ سنوات، فشرف الأغنية، كما يدرك أبو وسام، هو وثوق صلتها بالبيئة، وبما أنه يطمح إلى الارتقاء بالذائقة السمعية العربية في انتقاء القصيدة كمعبر رصين عن روح الأغنية، فإن أسئلة عن النسيج اللحني الذي يتخذه والأنغام المستخدمة والإيقاعات، مازالت قائمة، وأن أسئلة “ابتلاع نهايات الحروف العائدة للكلمة الشعرية وضبط أواخر الكلمات ومسألة اختلاس الأنفاس في القصيدة خاصة في حروف الامتداد وتلحين المعنى الشعري وليس المبنى” ينبغي الحصول على إجابات عليها من الساهر وهو يرتقي بالأسماع.
ويبقى سؤال: متى يمنح الساهر الملحنين الكبار حق التعامل مع صوته لاسيما وقد منح هذا الحق لملحنين خليجيين أقل موهبة منه بكثير! في وقت “ترفّع” على الملحنين العراقيين وجعل من لحن معلمه الأول الموسيقار فاروق هلال “قبل ما اشوفك” التي كتبها أسعد الغريري ولحن الفنان جعفر الخفاف لقصيدة كريم العراقي “شجاها الناس” في هامش تاريخه الفني، مع أن هاتين الأغنيتين كانتا تمثلان البداية السليمة للساهر.
قبل أيام أرسل لي الفنان فاروق هلال تسجيلا لآخر ألحانه عندما اختار قصيدة “رسمت غيمة” للشاعر عارف الساعدي وقدم لنا جملة موسيقية باهرة وهو في عقده الثمانيني، متسائلا عما إذا كان قد أضاف ما يرقى بالذائقة السمعية وهو في هذا العمر؟ فقلت له لم يتأخر الوقت بعد لترك لمستك اللحنية في صوت كاظم الساهر. وبينما ترك هلال السؤال بلا إجابة، لا يبدو أننا نترقب إجابة قريبة من الساهر على ذلك ونحن نحتفي معه بتقدير ومع نجله وسام بقصائد “مع الحب”!

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت