إعادة هندسة المجتمعات .. الطريق إلى -الثورة الإسلامية في إيران- .

أحمد فاروق عباس
2024 / 4 / 29

تمثل "الثورة الإسلامية" في إيران المثال الكلاسيكي لإعادة فك وتركيب الدول طبقا لمصالح ورؤية الأقوياء في هذا العالم ، والصورة الأبرز لإعادة هندسة المجتمعات في الشرق الأوسط ..

ونشأة تيارات سياسية معينة لا يأتي صدفة في كثير من الأحيان ، وللغرب باع طويل في ذلك ، ويأتي الأمر في العادة في صورة إختيار عناصر معينة في ثقافة أو دين دولة أو منطقة معينة من العالم ، ومن هذه العناصر التي تم اختيارها بعناية يقوم بناء فكري له قوام محدد ، وهنا دور حركة الاستشراق الأساسي أو دور المستشرقين ..

ومن هذا البناء الفكري يأتي إقامة تيارات سياسية متنوعة ، ولكن يجمعها بناء فكري واحد ، وانما تختلف في طريقة التنظيم أو في أسلوب العمل ..

وهنا يأتي عمل السياسة أو السياسيين .. ويأتي ضمنهم دور اجهزة العمل السري .. أو أجهزة المخابرات ..

ونعود الآن إلي "الثورة الإسلامية في إيران" ..

هل كانت فعلا ثورة إسلامية ؟!
وهل كانت فعلا إيرانية ؟!
وهل كانت - أصلا - ثورة ؟!

واعتمادنا الأساسي هنا علي كتاب صدر في الغرب بعد عام واحد من قيام "الثورة الإسلامية في إيران" وكاتبه رجل عمل ودرس أجهزة العمل السري في الغرب طويلا ، والمؤلف رجل أمريكي اسمه روبرت دريفوس ، والكتاب عنوانه :
Hostage to Khomeini .
أو رهينة بيد الخوميني ..
ولكن ما سبب إختيار هذا الكتاب بالذات ، مع ان ما صدر من كتب عن "الثورة الإسلامية في إيران" يعد بالألاف ..

وسبب ذلك يرجع إلى الآتي :

١ - الكتاب صدر في الغرب ولم يصدر في دولة شرق أوسطية ، سواء عجبتها التغيرات الجديدة في إيران أو لم تعجبها ، وانطلق بعد ذلك لسان كتابها مدحا أو قدحا في التغيرات الجديدة في إيران طبقا لمصالح دولهم ..

٢ - الكتاب صدر عام ١٩٨٠ اي بعد سنة واحدة من نجاح الثورة ، وبالتالي لم يكن الوليد الجديد في طهران قد أبان وجهه بصورة كاملة بعد ، وبالتالي لا يمكن القول أن الكاتب متحيز او غير منصف ..

٣ - الكتاب يقدم الصورة الأخري التي لا تتحدث عنها وسائل الإعلام والكتابات الأكاديمية في الغرب أبدا ، وهي رواية تستحق أن تأخذ حظها من العلم العام ثم النقاش حولها اتفاقا أو اختلافا .. وليس طمسها في مجاهل النسيان وتقديم صورة واحدة تتسيد العلم والنقاش العام ..

٤ - الكتاب يسرد وقائع أكثر بكثير مما يقدم آراء ، وهي ناحية نفتقر إليها هنا في الشرق الأوسط ، حيث أغلب الكتابات اراء ووجهات نظر ، وتأتي الوقائع والأحداث - إذا جاءت - باهتة في خلفية الصورة ..

وبالتالي لا يهمنا وجهه نظر الكاتب هنا بقدر تقديمه لوقائع تاريخية محددة ، ترسم بذاتها صورة ناطقة لما حدث فى إيران في تلك الأيام البعيدة .. التي مر عليها اليوم خمس وأربعون عاما ..

ونبدأ رحلتنا مع الكتاب ، ومع الثورة الإسلامية في إيران ..
وسوف نقسم حديثنا إلي ثلاث أقسام ..
القسم الأول .. الطريق إلى الثورة الإسلامية في إيران ..
القسم الثاني .. ماذا فعلت أمريكا وبريطانيا لإنجاح الثورة في إيران ..
القسم الثالث .. كيف تم "صنع وترتيب" الثورة الإسلامية في إيران ؟!

ونبدأ بالاطار العام - أو الأفق الأوسع - الذي حكم التغييرات في بنية المجتمع والدولة في إيران ..

يقدم المؤلف في البداية سؤالا تعجبيا ..أني لملا مهووس يتقد حقدا وتعصبا أن يطيح بالشاه القوي العنيد ؟!

ثم حديث لزبجنيو بريجنسكي - وهو مستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس جيمي كارتر - في صحيفة نيويورك تايمز حول استخدام الاسلام السياسي ، وأن هناك ٥٠ مليون مسلم سوفيتي يمكن للإسلام السياسي أن يجذبهم ، وقد كان الإخوان المسلمين في صلب تفكير بريجنسكي ل " قوس الأزمات " الذي كان ينوي صنعه حول الاتحاد السوفيتي ..

بريطانيا - ويقصد بها في المقام الأول العائلات الحاكمة من الأقلية التي حكمت بريطانيا منذ عام ١٦٦٠ دون منازع - كانت تملي سياستها من خلال مؤسسات مثل المعهد الملكي للعلاقات الدولية ، والمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية ، وفي الولايات المتحدة من خلال مؤسسات رفيعة مثل مجلس نيويورك للعلاقات الخارجية ومعهد أسبن وغيرهم ..

وكان الخطر الأعظم - منذ قرون وحتي الآن- علي عائلات النبلاء الأوروبية هو قيام دول وطنية بقيادات ملتزمة بتنمية بلدانها ، كما أثبتت الثورة الأمريكية ..
وهذه العائلات لا يعتمد تفكيرها وتخطيطها على الشهور والسنين بل علي العقود والقرون أحيانا ..

وقد سيطرت سياسة " العصور الوسطى الحديثة" البريطانية علي معظم دوائر صنع القرار في أمريكا ، وهي تتستر تحت شعارات مثل "المجتمع ما بعد الصناعي" و "تصفير النمو" و "رعاية البيئة " ..
وغيرها ويقول المؤلف أنها ردة أخلاقية تستهدف تدمير العقول بثقافة لها أثر المخدرات على العقل ..

شهد عام ١٩٧٥ الأخذ بسياسة " العصور المظلمة الحديثة "بريطانية الاصل في ادارة كارتر المقبلة ، وتجسد ذلك في مشروع مجلس العلاقات الخارجية لحقبة الثمانينات ، وهو مشروع ضخم ، وجاء في ٣٠ مجلد ، وقد انتقل المشاركون في المشروع مثل سايروس فانس وأنتوني سلومون وهارولد براون وزبيجنيو بريجنسكي وليزلي جيلب .. وغيرهم لتسلم مناصبهم في إدارة كارتر الجديدة في يناير ١٩٧٧ ..

وقد ارتكز هذا المشروع الهام جدا والذي أتي هؤلاء لتنفيذه على الآتي :

أ - التفكيك المنضبط لاقتصاد العالم ، ويجب أن تكون قطاعات رئيسية مثل قطاع الطاقة ، وقطاع المال ، وقطاع الغذاء تحت إدارة عالمية واحدة ..

ب - استبدال مفهوم الدولة - الأمة بكيانات أخري ، والإشراف العالمي للأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي ..

ج - وقف تام لتدفق منتجات القطاع التقني المتطور إلي الأمم النامية ، وتقديم " التقنيات المناسبة " فقط ، وهي التقنيات المستوجبة للعمل الشاق ، وينفرد صندوق النقد الدولي بتحديد أي دولة نامية مستحقة للتمويل ..

لم يكن هدف بريجنسكي وتصريحاته بخصوص تحالف إدارة كارتر مع الأصولية الإسلامية هو فقط الاتحاد السوفيتي بل كان الهدف الرئيسي هو اقتصاد حلفاء الولايات المتحدة في أوربا - ألمانيا وفرنسا تحديدا - اللتين انشقتا عن الحلف الانجلوساكسوني ، وكان السلاح الرئيسي هو النفط ..

وقد فهمت ألمانيا وفرنسا ذلك وتصرفتا بمقتضاه ، وكان أبرز بنود الرد الألماني الفرنسي قيام الدولتين بتأسيس النظام المالي الأوربي عام ١٩٧٨ ، وهو في نظر البلدين البذرة المفضية إلي خلافة صندوق النقد الدولي ، وقد واجه النظام المالي الأوربي مع صندوق النقد الأوربي التفكيك المنضبط الذي تطرحه إدارة كارتر ، ثم قيام ألمانيا وفرنسا بالتوسع في إنتاج الطاقة النووية وتصدير التقنيات الفائقة ، وهو ما واجهت به ألمانيا وفرنسا التحدي الأمريكي البريطاني ..

عندما اكتشفت بريطانيا أنها عجزت عن منع ألمانيا وفرنسا عن مشروع النظام المالي الأوربي صدر الضوء الأخضر للاسراع بوتيرة تقويض الإستقرار في إيران ..

من أوائل الإجراءات التي اتخذها كارتر بعد وصوله إلى الحكم عام ١٩٧٧ أن أرسل نائبه إلي ألمانيا وفرنسا لاخبارهما معارضة أمريكا بيع التكنولوجيا النووية لدول العالم الثالث ومنها إيران ، وبذا تعرض إتفاق ألمانيا النووي مع البرازيل وبيع فرنسا التفنية النووبة لباكستان لهجوم شديد ، وفي إيران كان هناك برنامج شامل للتنمية النووية بمساعدة فرنسا وألمانيا ، وأعلن الشاه أن إيران ستكون ضمن أكبر عشرين دولة صناعية بحلول عام ٢٠٠٠ ..

وقد كان هناك فريق بريطاني أمريكي لرسم الاستراتيجية الانجلوامريكية في الخليج بعد الإنسحاب البريطاني منه خلال أعوام ١٩٦٨ - ١٩٧١ وظهور الممالك والمشيخات الجديدة هناك ، وضم الفريق من الجانب الأمريكي روبرت كومر ، الذي كان يعمل كوكيل وزارة الدفاع للشئون السياسية في إدارة كارتر ، وكومر هو الذي كان يقف وراء فكرة قوة الانتشار السريع - ١١٠٠٠٠ ألف مقاتل - ومهمتها الأولي السيطرة على مناطق معينة في الخليج ..

وقد أعطت أزمة الرهائن والمواجهة الأميركية الإيرانية فرصة العمر لأمريكا لتوسيع تواجدها في المنطقة ، فقد أرسل في غضون أسبوع أسطولا من حاملات الطائرات الحربية ونحو ٣٠ قطعة بحرية إلي الخليج ، وبدء مفاوضات إنشاء قواعد عسكرية دائمة في الدول الساحلية المطلة على المحيط الهندي مثل عمان والصومال وكينيا ، وكانت النخبة الأوربية في القارة تفهم مغزي التحرك الأمريكي ومعناه ..

وصفت صحيفة برافدا السوفيتية التحركات الأمريكية وقتها بالأتي إن هذه الاستراتيجية قد حيكت لوضع أوربا الغربية واليابان في وضع الشريك المضطر للدخول في لعبة صممت أساسا لتقوية الوضع المترنح للأمبريالية الأمريكية في الشرق الأوسط ..

ويوضح كيف انتقد رامزي كلارك - وزير العدل الأمريكي السابق - بشدة محاولات الشاه جلب الطاقة النووية إلي إيران ، وكيف جند الغرب ومفكروه عودة إيران إلي " الأصالة " وكيف ذكر أحدهم أن تحول إيران إلي دولة صناعية بمثابة " قتل جماعي " !!

وفي الكتاب صور من نهضة إيران أيام الشاه - وخصوصا في العقد الأخير من حكمه - والتي لا تتحدث عنها الصحف في الغرب أبدا ، وكيف قضي الغرب عليها بيسر بإيصال الخوميني ومن معه إلي السلطة ..

فقد تكونت لدي شاه إيران ثروة طائلة بعد ارتفاع أسعار البترول عقب حرب أكتوبر ١٩٧٣ ، وكان لدي الشاه تصورات لبناء إيران علي أسس أكثر حداثة ..

وقبل الدخول في خطط الشاه لتحديث إيران نتوقف بالسؤال المهم ..

هل كان الشاه حاكما مستقلا ، أو هل كان الشاه حاكما يستطيع أن يتصرف بصورة مستقلة عن الغرب ؟!

والإجابة على السؤال هي .. لا لم يكن شاه إيران حاكما مستقلا .. ولم يكن في الغالب يتصرف بعيدا عن استراتيجية الغرب وخططه ، ولكن بعد عام ١٩٧٣ زادت جرأة الشاه وأصبح - إلي حد ما - يتخذ من المواقف والسياسات ما لا يتفق مع المعسكر الانجوساكسوني - بريطانيا وأمريكا تحديدا - مقابل تقارب أكثر مع ألمانيا وفرنسا وبعدهم الاتحاد السوفيتي ..

هل تصور الشاه أن بإمكانه صنع توازن في سياسته الخارجية بعيدا عن السيطرة الخانقة للأمريكان والبريطانيين عليه ؟!

ربما ..

وربما كانت الثروات الطائلة التي هبطت عليه وعلي إيران فجأة قوت عزيمته وجعلته يعتقد أن بمقدوره أن يأخذ خطوة بعيدا عن رعاته الأصليين ..

كان الشاه ومستشاروه الاقتصاديون يخططون للمستقبل عند نضوب البترول ، وكيف يمكن لإيران بناء قطاع صناعي يكون هو الأساس المتين لقوة إيران ، بديلا عن اعتمادها على سلعة واحدة ..

ففي عام ١٩٧٨ كانت هناك ٣٢ محطة نووية في إيران ، إما قيد الإنشاء أو في مرحلة إعداد الرسومات الهندسية ، وكان من المقرر أن يري معظمها النور قبل عام ١٩٩٠ ، وقد أبرمت إيران مع فرنسا وألمانيا الغربية عقودا لإقامة محطات نووية بقيمة ٣٠ مليار دولار ( بأسعار السبعينات ) ..

وفي عام ١٩٧٨ كانت إيران تتفاوض مع الولايات المتحدة للحصول على حزمة نووية بقيمة ٢٥ مليار دولار ، ولكن الصفقة لم يكتب لها أن تكتمل نتيجة لمعارضة إدارة كارتر لامتلاك إيران قدرات نووية ، كما بدأت إيران كذلك استغلال ما كان يعتقد أنها احتياطات ضخمة من وقود اليورانيوم النووي ..

وكانت صناعة الصلب عصب التحول الإيراني إلي دولة صناعية ، وكانت مصانع الصلب في أصفهان هي الموقع الصناعي الرائد في البلاد ، وكانت تنتج ما يقارب ٢ مليون طن من الصلب سنويا ، وكان من المقدر أن تنتج ٨ مليون طن بحلول ١٩٨٥ ، وهو ما يجعلها واحدة من أكبر منتجي الصلب في العالم ، وبدأت الشركة الإيرانية الوطنية للصلب إنشاء العديد من المنشآت والصناعات الاخري ..

وتقدمت صناعة تعدين النحاس في إيران بما جعلها سادس منتج للنحاس في العالم ، وتم إنشاء مدينة جديدة حديثة بالقرب من المناجم ، مزودة بمصانع الصهر والتنقية ومصانع جديدة للتصنيع ..

وكانت تبريز - وهي من أكبر المدن الإيرانية - موطنا لمصنع تبريز الضخم للماكينات ، وقد تكلف المجمع الضخم مليارات عديدة من الدولارات ، وقد أنشأ بمدخلات ألمانية وفرنسية ، وكانت ينتج سنويا ١٠ آلاف طن من الحفارات والمضخات والمخارط والمطاحن والضواغط والمكابس ..

ومنذ عام ١٩٦٦ أصبحت تبريز مركزا لصناعة الماكينات ، وكانت تضم مصنعا للجرارات ومصانع للمحركات ومحطات تجميع حافلات وشاحنات وغيرها من الصناعات الثقيلة ، واخرجت المدينة من مدارسها المهنية الآلاف من المديرين والعمال المهرة ..

وكان يعمل ١٠% من قوة العمل الإيرانية في صناعة السيارات ، تحت رعاية الشركة الوطنية لتصنيع المركبات ..

وفي مجمع البُرز الصناعي - غرب طهران - كان يعمل ١٢٥ مصنعا ، وكانت البرز تمثل واحدا من اكثر مشروعات التطوير الصناعي غير النفطي الطموحة في إيران ، باستثمارات تزيد عن ٢٠ مليار دولار في أكثر من ٢٠٠ مشروع في مجال التصنيع عاملا أو قيد الإنشاء ..

وقد اوقفت أو الغيت كثير من المشروعات بعد نجاح " الثورة " في إيران ..

وفي سبتمبر ١٩٧٥ عقد معهد أسبن ندوة في إيران ، وفي المناقشات من خلف الستار تم وضع خارطة لعملية تغيير إتجاه التحول الصناعي في إيران الذي بدأه الشاه إلي نظام من طراز عصور الظلام ..

ومن مصادفات القدر الغريبة - وإن بدت دليلا علي سذاجة الشاه ونظامه - أن شاه إيران ذاته وزوجته فرح ديبا قدما مبالغ ضخمة لمشروع أسبن !!

كانت الفكرة الأساسية لجهد معهد أسبن في إيران هي أن التحديث والصناعة يقوضان القيم الروحية غير المادية للمجتمع الإيراني ، وأنه يجب المحافظة على تلك "الاصالة" قبل أي شئ ..

ومنذ عام ١٩٧٥ أقام معهد أسبن علاقات أوثق مع مع وزارة التعليم الإيرانية ، وتم بذر بذور مناهضة المادية بين الشباب الإيراني ، وهناك في الكتاب تفاصيل ووقائع مهمة في هذا المجال ، وكيف تسلل رجال المعهد عن طريق رجاله وأصدقاءه من " علماء " إيران واستطاعوا تحويل وتغيير المفاهيم بصورة كاملة ..

بناء فكري كامل ، بالإضافة إلي جهد سياسي مواز سار بإيران إلي الطريق المرسوم لها بعناية وذكاء وإتقان...

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت