البيئة الاجتماعية والفكرية لنشاة الصهيونية -3

سعيد مضيه
2024 / 4 / 26

التاريخ التوراتي والسيطرة الامبريالية
في بحث نشرته المحامية من حيفا، ليندا بورشتاين براير، ه " الحق المطلق للمقاومة الفلسطينية" كشفت عن مختلف المكابدات التي المت بالشعب الفلسطيني كي تقوم وتحيا دولة صهيونية. عملية الإقصاء التي تعرض لها الشعب الفلسطيني بتاثير النزعة الامبريالية، والتي استمرت تطارده حتى الوقت الراهن. نقلت عن مذكرة بعث بها الوزير البريطاني صاحب الوعد إلى لورد كيرزون في11 أغسطس / آب 1919، قال " إن الدول العظمى الأربع ملتزمة بالصهيونية. والصهيونية ، سواء كانت على خطأ او صواب تتجذر في التقاليد المديدة القديمة وفي حاجات الزمن الراهن وفي آمال المستقبل، وتنطوي على أهمية أعظم بكثير من رغبات وتحيزات سبعمائة عربي يقطنون هذه الأرض العتيقة" . النظرات العنصرية انطباعات تلقائية ونفاهيم دارجة تطورت عبر تتابع الأجيال واكتسببت صفة المسلمات يعتنقها الناس جيلا بعد جيل دون ان يناقشوا مصدرها او جدارتها.
بالتزامها بوعد بلفور، الحقت الدول الامبريالية الأربع مظلمة بالشعب الفلسطيني. تجاهل نص وعد بلفور الإشارة اليهم، وتجاهلت الدول الامبريالية وجودهم حين عهدت لبريطانيا الانتداب على فلسطين "كي تنفذ وعد بلفور". كما تجاهل الصهيوني هربرت صموئيل ، أول مندوب سام عينته الحكومة البريطانية على فلسطين.. تجاهل الوجود العربي بفلسطين في لوائحه ونظامه الأساس ؛كرس سلطة الانتداب لفرض الوجود الصهيوني بفلسطين. حسب مطالعة براير لحقت " أضرار فادحة بعرب فلسطين. شملت نواحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية والتاريخية والجغرافية"، وخلصت من ذلك إلى تأكيد " إن تدمير فلسطين وطرد الأغلبية الساحقة من سكانها، وكذلك مواصلة الهجمات المخطط لها والهادفة إلى إبادة الجنس ضد الجماهير الباقية تحت الاحتلال اليهودي توفرإلإثبات بعدم مشروعية الوجود اليهودي وعدوانه المتواصل ضد الشعب الفلسطيني".
تزامن تصفيد فلسطين بقيود وعد بلفور مع اكتساح السيطرة الامبريالية للمنطقة بأسرها ؛ جرى استخدام الاستيطان اليهودي لتمكين السيطرة الامبريالية على المشرق العربي، كما وظفت الكولنيالية الامبريالية لتوطيد دعائم الكيان الصهيوني بفلسطين. وبذا التحمت مكابدة الشعب الفلسطيني من الغزوة الصهيونية مع معاناة شعوب المنطقة جمعاء. تجلت العلاقة الجدلية بين سيطرة الامبريالية وتعزز الكيان العنصري خلال العقود التالية ؛بات متعذرا تحرير أقطار عربية وتطورها الوطني الديمقراطي بدون اعتراض التدابير الإسرائيلية؛ وكذلك المقاومة الفلسطينية تعثرت بعراقيل ومطبات نصبتها الدوائر الامبريالية المتحكمة بأقطار عربية مجاورة.
رفع وايزمن شعار لسنا قادمين بل نحن عائدون؛ وفي بيان إنشاء دولة إسرائيل تم النص على "إعادة إقامة" الدولة . في مجال الجهود الثقافية لتزوير المكان اتخذت عدة اتجاهات: من ناحية مضت الحركة الصهيونية منفردة في تكريس ماضي فلسطين وفقا لتوجهاتها العنصرية . "لحظتان حاسمتان في تاريخ إسرائيل: إقامة دولة داوود وسليمان في الحقبة بين العصر البرونزي المتأخر وبداية العصر الحديدي ،حوالي 1200 ق.م والثانية إن شاء دولة إسرائيل. وهذا مجرد وهم زائف" .[ شلومو ساند : 12].
اعتبرت الصهيونية أن توفير المناخ الملائم للعمل في مجال التاريخ والتنقيب عن الآثار لا يقل أهمية عن توفير المناخ السياسي والاقتصادي والإداري لإنشاء الوطن القومي اليهودي. هكذا حمل الصهاينة معاولهم وأدواتهم وتوجهوا بها إلى فلسطين كي يجسدوا على الواقع الفلسطيني اختلاقات الاستشراقيين. لم يشكلوا حينئذ الأكثرية بين اليهود، فتركوا اليهودية الإصلاحية والاندماجيين يلعبون في الزمن الضائع، ومضوا في كنف الكولنيالية الامبريالة وفكرها الاستشراقي يجربون موقعا في حركة استعمار الشرق العربي.
تشكل على عجل نظام للحفريات وأقرت له القوانين ؛ ثم شرعت البعثة الأميركية الحفريات في القدس ومنطقة بيت مرسم من أراضي دورا الخليل في الجنوب الفلسطيني ابتداءً من عام 1919 وحتى العام 1936. برز في المضمار "وليام فوكسويل اولبرايت" Albright. كان مسيحيا أصوليا ، متحمسا لمشروع إعادة اكتشاف "إسرائيل التوراتية" ـ إسرائيل القديمة . يذكر ان رسام الخرائط ،كاتروود، وهوأيضا يابع المسيحية الصهيونية، وفي الخارطة تعسف ووضع اسماء توراتية للأماكن مثل منطقة حرم الأقصى أطلق عليها الاسم الدارجحاليا "تمبل ماونت".
الأبحاث الآركيوبوجية الإسرائيلية ، وقد راوغت عن منهجية البحث العلمي، وأخضعت مقدمات البحث للنتيجة المتوخاة ، رسمت صورة لإسرائيل القديمة مستوحاة من مخططات الحاضر ومطابقة للنهج المرسوم لدولة إسرائيل الحديثة: قيام دولة سيطرت في الحال على ما حولها وتحولت إلى قوة مهيمنة على منطقتها. فمن صلب الخطاب الصهيوني المعاصر استمد خطاب الدراسات التوراتية إنكار القيم الثقافية للكنعانيين، المتقدمة عليها زمنيا وطمس تاريخيتها الخاصة . استدعى إبراز التاريخ اليهودي المفبرك إسكات التاريخ الفلسطيني . وللأسف الشديد تأثر البحث التاريخي العربي للمنطقة ولفلسطين على وجه الخصوص، بتخيلات مدوني التوراة في العصر القديم وتأويلات النصوص التوراتية على يد الفكر الاستشراقي. أذكر في هذا الصدد أصل الفلسطينيين من كريت وخروج اليهود من مصر إلى فلسطين وقيام مملكة داوود وسليمان في فلسطين وامتداد دولتهما من النيل إلى الفرات . كل هذا اللغو حصيلة ترجمة مغلوطة لنصوص التوراة القديمة ؛ و لا شك أن الخطأ متعمد ومقصود .
الحق في الإبادة الجماعية
أكثر من قرن والحفريات تنقب ، وكانت النتيجة هي الفشل في العثور على مدينة " الملك العظيم"، ولا معالم تشهد على قيام مملكة ترامت حدودها بين النيل وضفاف الفرات، وتصعد هضبة الجولان وتمضي إلى ما وراء نهر الليطاني.البحوق العلمية في الأنثروبولوجيا تنفي نشوء مثل هذه الامبرياطورية ؛حيث ان الامبراطوريات في ذلك العصر احتاجت الى فائض إنتاج يطعم جيوش الفتح الجرارة، وهذا لم يتوفر إلا في أحواض الأنهار ، مثل النيل والفرات. ازدهر البحث الأثري حين قصر تنقيباته على تحديد المواقع المتخيلة توراتيا في أعمال أشبه بالمسح الطوبغرافي. ولما اتضح هزال المعطيات التنقيبية ، بل وتناقضها مع نصوص التوراة أخذ ت التنقيبات التوراتية تتراجع وتتكشف الحكايات التوراتية عن خرافات.
يحدوه إيمان عميق بصدق التكهنات التوراتية أمسك أولبرايت المعزق بيد والتوراة بيد. ومن منطلق الثقة اللاهوتية عبر اولبرايت عن " التقدم الرائع الذي حصل في علم الآثار الفلسطيني في مجال ما قبل التاريخ. لم يكن التنقيب متطورا مع بداية حقبة الانتداب البريطاني؛ إلا أنه بعد عام 1920 تغير الوضع ، وفيما بين عامي 1923 و1928 تم من خلال حملات تنقيب اكتشاف أوان فخارية ومبان حجرية ، هي حسب تعبير أولبرايت، " كافية لتأكيد بداية مملكة داوود"، كا نقل عنه عالم الآثار ،كيث وايتلام ، حوى كتابه "اختلاق إسرائيل القدقمة شطب التاريخ الفلسطيني"،عرضا لتطور علم الآثار في القرن العشرين.. مضى اختلاق إسرائيل القديمة طبقا لنمط يراد تطبيقه باسم إسرائيل الجديدة.
بقيت المقاربة المسترشدة بالتوراة، والقائمة على التكهنات بوصلة الآثاريين التوراتيين وفي طليعتهم اولبرايت حتى ثمانينات القرن الماضي؛ تلقن على يديه مئات الآثاريين وملايين القراء منطق الصراع الدموي على المنطقة. عكست مفاهيمه التراثية تلك المفاهيم المعاصرة للتطورات الجارية في فلسطين في ظل الانتداب . فتاريخ تطور الديانة اليهودية من موسى حتى عيسى ـ حسب مفهوم أولبرايت ـ إنما هو درب الصعود للوقوف " في ذروة التطور البيولوجي تماما مثل تطور الجنس البشري"، كما نقل وايتلام.
كان أولبرايت، بتلفيقاته المذكورة، قد وضع منهج التعامل اللاحق مع الشعب الأصلي في فلسطين؛ فهو يحكم برفعة آداب الإسرائيليين على الكنعانيين ، كمواز مناظر لرفعة أخلاق الصهيونية المعاصرة على الشعب الفلسطيني. ينقل وايتلام عنه (أولبرايت 1957:88،89) قوله " ولا يمكن لأي شعب آخر أن يضاهي الإسرائيليين في موضوعيتهم بمثل هذه الأمو"ر، إذا حكمنا عليهم من خلال آدابهم وعقلانيتهم ، مقابل لا عقلانية الكنعانيين ، والتي يجب استبدالها بعملية لا ترحم"[ وايتلام :130]. ثم يمضي في تبرير العنف المعد لطرد الشعب الفلسطيني من دياره : لا يمكننا الارتقاء روحيا إلا من خلال الكوارث والمعاناة ، بعد التخلص من العقد النفسية ، وذلك عن طريق التطهر . وهذا التنفيس والتطهر العميق هو الذي يرافق التحولات الرئيسة . كل فترات المعاناة الذهنية والمادية هذه ، والتي يتم فيها إعادة القضاء على القديم قبل ولادة الجديد تثمر نماذج اجتماعية مختلفة عقيدة روحانية أعمق" [ وايتلام : 131].
يربط البروفيسور وايتلام طروحات أولبرايت بالفكر الاستشراقي السائد حينئذ: "لا يمكن اعتبار هذه الأفكار نتيجة لأفكار شخص ما في فترة زمنية معينة . دراسته وكتاباته شكلت، ولا تزال تشكل، إدراك أجيال من دارسي التوراة والباحثين في هذا المجال ، خاصة الأميركيين والبريطانيين منهم. حتى الثمانينات اعتبر أولبرايت رمزا للموضوعية. إعادة بناء الماضي لدى أولبرايت ارتبط إلى حد بعيد بالحاضر السياسي الذي عاش فيه . "فما هو أهم من الحق التاريخي الصريح هو قوة الدفع العاطفية الهائلة لإحياء صهيون" [ وايتلام :133] وعلى الأجنحة المحلقة لهذه الأفكار اللاهوتية مضت إسرائيل ومضى، الى أن يخلص الى القول أن "بن غوريون هو الذي خط نهج تيار الصهيونية المسيحية خلف مغامراته الحربية، وشكلت نهج الأبارتهايد المتجسد في حياة الدولة منذ أيامها الأول".
م يمارس أولبرات التنقيب في باطن الأرض؛إنما راح يركّب البحث الأثري على معطيات التوراة، " يثبت" من خلالها "أن حق إسرائيل في الأرض يعتمد بشكل أساسي على حقها في الغزو"، مستلهما في قوله سفر يشوع. ومضى إلى القول "لا يوجد أي سبب للشك في أن هذا الغزو كان، كما هو موصوف في سفر يشوع ،عملية وحشية دموية؛ لقد كانت هذه هي حرب يهوه المقدسة التي سوف يعطى فيها شعبه أرض الميعاد" [إبراهيم حجازينعلم الآثار الفلسطيني ميدانا لعلاقات العرب والغرب/ الحوار المتمدنعدد 1765 بتاريخ 10 سبتمبر 2009]. ومن بعد اولبرايت، واصل أعوانه و مفسرو أعماله تأكيد المجازر (المقدسة)، وأوردوا تقليد (المذابح المتبادلة بين البروتستنت والكاثوليك في القرن السابع عشر) ومذابح أخرى لتبرير المذابح المنوي اقترافها ضد سكان البلاد الأصليين . إذ أن ما يدبر لشعب فلسطين لن يكون أسوأ من تلك. كل المجازر التي تعرضت لها شعوب على مر التاريخ مبررة باسم الرب، لكنها لا ترقى إلى المحرقة التي تعرض لها اليهود على يد النازية، كما يدعي الصهاينة . ذلك أنه لا يجوز في العرف الصهيوني أن يتطلع شعب لمشاركة إسرائيل دور الضحية .
وحيث أن الدعاية تراعي الجانب النفسي السائد ، فقد عكست رؤية أولبرايت ( أبو التأريخ التوراتي) مفاهيم معاصرة للتطورات الجارية حاليا في فلسطين أثناء قيامه بالحفريات: المجتمع الفلسطيني الحديث في ثلاثينات القرن الماضي مجتمع مفكك من الداخل وقبلي وغير قادر على تنظيم نفسه ؛ فأسقط أولبرايت ملاحظته على التاريخ الفلسطيني القديم حيال مملكة داوود وسليمان واسقط المواصفات على الكنعانيين . ويحتفظ بأهمية أن بيان إعلان إسرائيل عام 1948 جاء على صورة بيان "إعادة إنشاء إسرائيل". ونقل عن ألبرايت أنه طالب عام 1969 في حفل عشاء أقيم تكريما له في بيت رئيس الدولة بعدم الانسحاب من الأراضي التي تم الاستيلاء عليها في حرب الأيام الستة . وقال أن قناة السويس يجب أن تبقى الحدود الدولية الفاصلة بين الغرب والشيوعية. ونقل عن الجنرال يادين أنه طلب من اولبرايت أن يخفف من غلوائه.
لم تتعرض استخلاصات أولبرايت للنقد من أي جهة ، بل صرح تلميذه برايت مباشرة بما أضمره الرائد، أولبرايت، فدعا إلى ضرورة "إبادة السكان الأصليين".
حدث التصدع في جدار التأرخة التوراتية مع اكتشافات كاتلين يينون في منتصف القرن الماضي(عقدي الخمسينات والستينات)، ؛تحول التراثيون الملتزمون بالمنهجية العلمية الى التنقيب الأثري وطوروا الأبحاث الى أن تجاسر توماس طومسون وعبر عما يجول بدواخلهم ولا يجرأون على الإفصاح عنه. تطور على إثرها التنقيب الأثري الذي خرجت نتائجة تطعن في موضوعية حكايا التوراة .
أجمل المؤرخ المرموق كيث وايتلام الأبحاث التاريخية خلال عقود سلفت في كتابه الهام "اختلاق إسرائيل القديمة إسكات التاريخ الفلسطيني". صدر الكتاب عام 1996 ، وظهر مترجما إلى العربية عام 1999، ضمن منشورات (عالم المعرفة) ترجمة الدكتورة سحر الهنيدي. رسالة الكتاب تختزلها مقولة وردت بالكتاب الفكرة القائلة إن "تاريخ فلسطين القديم موضوع قائم بذاته، يحتاج إلى التحرر من قبضة الدراسات التوراتية».
في فصل «نصوص منحازة وتواريخ متصدعة» ينسخ بروباغندا الاستشراق، من حيث توفر العوامل الإمبريالية نتيجة الاستعمار الأوروبي. فلسطين أرض الميعاد، فلا جرم أن تطمس وقائع السكان الأصليين، بالتجاور مع طرد فلسطين والفلسطينيين من الوعي، وتنميطهم مقابل مقولة (إسرائيل الحضارة) أو العقلاني، في حين أن الكنعانيين هم الآخر غير العقلاني، وهذا يماثل عملية خلق إسرائيل القديمة على صورة إسرائيل في العصر الحديث، في حين أنّ الوقائع تشير إلى أن الحضارة الكنعانية كانت متقدمة مقابل الوجود الإسرائيلي، الذي تميز بحضارة فجة وفقيرة ومادية كما جاء في الكتاب.
إن تمرد الحفريات الأثرية على حكايات التوراة ، وخيبة الأمل في العثور على الهيكل وقصر الملك فضلاً عن انهيار فكرة وجود مملكة داود وسليمان على أرض فلسطين قد ادت الى اختلاق وقائع وجود إسرائيل لم تدعم بأدلة كافية؛ إنما هي حاجة وعي كولونيالي إمبريالي بضؤورة إبادة الشعب صاحب الحق في الأرض واقعياً وتاريخياً.
أكد المؤرخ أن تاريخ إسرائيل القديم "حكر على كليات الدين واللاهوت ولكن لا يدخل مناهج كليات التاريخ بالجامعات". تضمن الكتاب دعوة إلى الباحثين العرب لتركيز الاهتمام بتاريخ فلسطين القديم، وليس الاقتصار على التاريخ الحديث.حاكم أفكار المستشرقين من خلال مناقشة ما كتبه فولبرايت. كا لا بد من نقض فكر الاستشراق ، مستلهما موضوعات الدكتور إدوارد سعيد في الاستشراق اتهم الفكر الاستشراقي بالتحيز وعدم الموضوعية. نقل المؤرخ عن سعيد قوله، "معركة الاستعمار الرئيسة تدور حول الأرض ؛ ولكن عندما نأتي إلى من له الحق في استيطانها والعمل فيها ، ومن جعلها تستمر في العطاء ومن استعمل ملكيتها ومن يخطط لمستقبلها الآن، هذه المسائل تنعكس ويجري التنازع عليها ويقرر مصيرها في بعض الأحيان في الأعمال الروائية . وكما أشار أحد النقاد فإن الأمم هي ذاتها سرد روائي . والقدرة على سرد الروايات أو إعاقة سرد روايات أخرى بديلة ومنعها من التشكل والظهور هي عالم مهم جدا بالنسبة للثقافة والامبريالية بل تشكل أحد أهم الارتباطات بينهما."
ينطلق وايتلام من استنتاج إدوارد سعيد ليمضي إلى القول " هذا يعني أن التاريخ الإسرائيلي ويهودية الهيكل الثاني ، اللذين كانا حكرا على الدراسات التوراتية قد سيطرا على المشهد العام لفلسطين لدرجة أنها أسكتت فعليا كل مظاهر التاريخ الأخرى في المنطقة من العصر البرونزي حتى الفترة الرومانية".
أسند الحاضر رغباته وآماله على تخيل للماضي يسند به ادعاءاته المعاصرة . والأحداث التي جرت منذ بداية القرن العشرين تركت آثارا لا تمحى في عقول الباحثين التوراتيين وفي مخيلتهم ( وهذا هو الأهم ) ، كانت بمثابة تعبئة إيديولوجية، حيث كانوا في خيالهم صورة عن الماضي المتعلق بمملكة داوود وكأنها العصر الذهبي للتاريخ الإسرائيلي. [ وايتلام : 179]. تلك هي قيم الحضارة العظيمة التي رشدت العاملين من أجل إسرائيل! ولتبرير تلك القيم يورد الوصف العنصري للكنعانيين " المنحطين أخلاقيا" [ لتبرير "الانحطاط الخلقي" للفلسطينيين المعاصرين]، وهم ضحية التاريخ التوراتي المتخيل.
صدر كتاب أولبرايت" دولة إسرائيل" المتضمن هذه الرؤى عام 1940 وأعيدت طباعة الكتاب عدة مرات، منها طبعة صدرت عام 1957. " لم يشعر أولبرايت بضرورة إعادة النظر في آرائه بعد اكشف عن جرائم الهولوكست النازية ، ولم يعترف بالتناقض المروع لأفكاره اللاهوتية إنقل وايتلام عنه ’ان الديانة التوحيدية اليهودية قد أنقذت أخلاقها التوحيدية العالية عن طريق إبادة السكان المحليين".[ [وايتلام: 129] إن ذروة التقدم البشري ومنجزات الأمم المتحضرة كانت قمة العقيدة اليهودية والإسرائيلية ذاتها ؛ ومن خلال أبحاث أولبرايت كان المجتمع الغربي يعود إلى جذوره. ليس ذلك مصادفة عشوائية؛ لأن التاريخ يقع في مضمار الوحي الإلهي. التاريخ برمته ملك لعلم اللاهوت، وليس التاريخ الإسرائيلي فقط. [ وايتلام : 126]. لم يستشر أولبرايت الحفريات الآركيولوجية في استنتاجه المذكور ؛ إنما هي جبرية المسار التاريخي المقررة سلفا حسب المنطق التوراتي . الحفريات الحديثة التي جرت في أريحا عاي وحشبون، تلك المدن " الحصينة " و "القوية" التي قيل إن بني إسرائيل احتلوها وسط نفخ الأبواق وإطلاق صيحات النصر[ تماما مثل تساقط القرى العربية بأيدي العصابات الصهيونية1947-49] أكدت مجددا معطيات معروفة في نهاية القرن الثالث عشر ق.م كانت أريحا قرية صغيرة بائسة وبالقطع غير محصنة بالأسوار. ويتباهى أولبرايت إذ قامت حضارة بلاده، أميركا، على "إننا أبدنا السكان الأصليين في كل بقعة من أمتنا العظيمة ووضعنا البقية الباقية في معسكرات اعتقال" [ وايتلام : 127)
تزامن ظهور الصهيونية ثم تبلورها في حركة سياسية وإيديولوجيا رجعية عنصرية مع بروز الاحتكارات الرأسمالية ونزعتها الكولنيالية . فالصهيونية ليست حركة تحرر وإحياء قومي؛ إذ تزامن نشوؤها مع نضوب المنحى التنويري والتحرري للبرجوازية الأوروبية. ومن ثم لم تحمل تجربة الحركة الصهيونية مع الأرض الفلسطينية عواطف الولاء للأرض والتاريخ بقدر ما حملت شهوة الاستثمار الرأسمالي على طريقة السطو المسلح ، وفق النمط الكولنيالي.
الصهيونية تجمّع قومي رجعي شكل ردة عن مسيرة التنوير الأوروبي، وانحراف عن مسيرة الانفتاح والاندماج الديمقراطي في أقطار التنوير الأوروبي. واكبت إرهاصات الصهيونية، ثم تبلورها في حركة سياسية وإيديولوجيا رجعية عنصرية، بروز الاحتكارات الرأسمالية ونزعتها الكولنيالية . والحقائق العلمية التي قدمتها الأبحاث الأركيولوجية ، كما عرضها البروفيسور كيث وايتلام في مؤلفه الصدامي الجسور، أكدت أن "خطاب الدراسات التوراتية قد شكلته الصراعات الدولية المعاصرة المتعلقة بقضية فلسطين ومستقبلها...". أوضحت معطيات البحث التاريخي أن "البحث عن إسرائيل القديمة ليس مجرد إعادة بناء نزيهة للماضي؛ ولكنه يتعلق بموضوع بالغ الأهمية يتصل بالهوية وبميزان القوى المعاصرة. الإجماع الذي أحاط بفترات النشوء ومملكة داوود ردحا طويلا من الزمان قد انهار بوتيرة مثيرة خلال السنوات الأخيرة الماضية .." كما يقول البروفيسور وايتلام.
ترجم كتاب وايتلام إلى العربية ، غير أن مضمونه النفيس والحيوي بالنسبة لمقاومة نهج الاقتلاع الصهيوني ظل مجهولا ومغيبا؛ ذلك أن السياسات الفلسطينية استخفت دوما بالثقافة وأقصت المثقفين عن سلطة القرار الفلسطيني. ظلوا مجرد ديكور وجهاز بيروقراطي لا يحفل بالجديد ولا يمارس الثقافة كوظيفة مجتمعية.
اطلعت البيروقراطية الفلسطينية على بعض حقائق التأرخة الجديدة بصدد فلسطين. إذ طلب مني أصدقاء في وزارة الثقافة موضوعا عاجلا لمجلة ثقافية تقرر إصدارها بمناسبة يوم الثقافة الفلسطيني في 13 آذار2011، ذكرى مولد الشاعر الراحل محمود درويش. انحصر البحث في ما يلقي الضوء على زيف الرواية الصهيونية وأساليبها القرصنية المخادعة. طلع البحث المنشور بالمجلة صادما للبعض في قيادة السلطة وآخرين في قيادة الفصائل الفلسطينية؛ إذ اطلعوا لأول مرة على منجزات ثقافية لمؤرخين غربيين تطوعوا بتقديمها لنا مخاطرين بأنفسهم ، كي نهملها ونغيبها!حقا اطلعوا وذهلوا ثم تناسوا كل جديد ومضوا سيرتهم المعرفية المعتادة. ! فإخراج الحقائق المغيبة والمعتقة في الجرار والتعليق عليها في مؤلف مستقل لم نبد للقيادات الفلسطينية ضرورة وطنية، وضرورة ملحة.
في العام 1996، صدور كتاب "اختلاق إسرائيل القديمة "، وكان أيضا موعد انتخابات في إسرائيل إثر اغتيال رابين، وجه المحافظون الجدد بالولايات المتحدة مذكرة أعدها ريتشارد بيرل وأعوانه الى رجلهم في إسرائيل ، بنيامين نتنياهو، طالبوه بأن يضمن برنامجه الانخابي عدم الانسحاب من الضفة. كان المحافظون الجدد قد أصدروا عام 1992 بيان "القرن الأميرك" اعده قادة المحافظين الجدد ، ديك تشيني وبول فولووتز وآخرون. مذكرة ريتشارد بيرل تحمل توجهاات بيان القرن الميركي، استراتيجية الهيمنة الأميركية المنفردة على العالم. مضى نتنياهو ينفذ برنامجه/ كما أشار دعليه أقرانه بالولايات المتحدة الى ان حاصر التجمعات السكنية العربية بالاستيطان اليهودي ثم أقدم على حرب الإبادة الجماعية بقصدالتهجير الجماعي، مصحوبة بهجمات دورية للمساوطنين على المناطق العربية باتت نمط حياة يومية.هذا بينما بقي كتاب وايتمان غريبا عن ثقافة التحرر الوطني الفلسطيني.
للبحث بقية –يتبع لطفا

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت