البيئة الاجتماعية والفكرية لنشأة الصهيونية-2

سعيد مضيه
2024 / 4 / 24

خطوة للأمام خطوات للوراء

أجرى شلومو شاند دراسة تاريخية القت الضوء على مجتمعات اليهود في عصر النهضة استخرج معطيات علمية تقدم البراهين على ان الصهيونية ظاهرة تاريخية نشأت في بيئة أواخر القرن التاسع عشر. في هذا الفصل من كتاب ساند تبين ان الصهيونية لم تواكب تطور مجتمعات اليهود عبر التاريخ. ولا تعدو الخرافة الملفقة تلك الفكرة التي تروج لوجود أصل ضارب في القدم ذي جوهر إثني صلب وراسخ لا يتغير على مر التاريخ، و شجرة أنساب متسلسلة ل ’شعب‘ قديم متميز ، تستبعد الانفصال عن الأمة مهما نأت به الترحالات"[ساند:77]
فقد مر اليهود لتجربة النهضة الأوروبية يحملون فكرا مناهضا للفكر الصهيوني . حتى حكايات التوراة لم ىصمد تحت وهج أضواء فكر النهضة خلال الحقبة الممتدة من منتصف القرن الثامن عشر حتى اواخر القرن التاسع عشر؛ أحد منطلقات الفكر الإصلاحي تجلى في وضع المعتقدات الدينية اليهودية في إطاراجتماعي تاريخي. بقيت تلك المعتقدات رؤية سياسية وإيديولوجية انتعشت مع تحولات في نظام الرأسمالية واكبت الأطماع الكولنيالية، لتعرض ثانية على أدوات البحث التنقيبي العلمي. حسم أمرها التنقيبات الأثرية في اواخر القرن العشرين. فقد اهتم المنورون الأوروبيون في عصر النهضة بالدراسة العلمية للظواهر المطروحة، حيث لم تعثر على دلائل علمية في حكايات التورة . بينت أضواء الثقافة التنويرية الكاشفة أن الكتب الدينية جرى تدويتها في أزمنة مختلفة على أيدي مدونين مختلفين ولا توجد لنصوصها ثبوتات خارجية. ونظرا للغموض فلا يمكن أن تشكل أساسا لبحث تاريخي ذي مغزى وأهمية؛ والتوراة بدورها لم تضف اي ميزة للعبرانيين تضعها في خلاف مع بقية الأقوام الوثنية المحيطة بهم.
في فصل من كتابه "اختراع الشعب اليهودي" تطرق ساند الى تجاوب اليهود في عصر النهضة مختارين مع منطق العلم ومع التحديث وانخرطوا في الحركة العقلانية (الهكسلاة) ومعناها التنوير . "الإصلاحية اليهودية انفتحت على التاريخ الإنساني". [ساند: 67]. تطورت الحركة الإصلاحية من 1750 إلى 1880، وتركز اهتمام اليهود في المجتمعات الغربية على الاندماج والانصهار في وطن متنوع الأديان والطوائف؛ طالبوا بالحقوق المدنية الكاملة واستجيب لطلبهم ، كي يغدو الولاء الأول والأخير للبلدان التي يعيشون فيها.. عبرت حركة التنوير عن نفسها بفصل الدين عن الدولة وفي زيادة الاعتبارات العلمانية والعملية في الحكم ، وفي تبني منظور اقتصادي واع لكل الظواهر حتى ظاهرة الأقليات.
ركز دعاة التنوير والتحديث وكذلك المؤرخون اليهود على الدراسة العلمانية. "كان موشى مندلسون أول دعاة التنوير اليهودي؛ ترجم أسفار موسى الخمسة إلى الألمانية كي يطلع عليها اليهود الألمان، وكتب تعليقا مستنيرا عن الكتاب المقدس ."[ساند: 63]. حاول مندلسون تحرير وعي اليهودي من تأثير الجمود المطبق، ومضى إلى حد القول أن الديانة اليهودية ليست دينا مرسلا من عند الله، وإنما هي مجموعة من القوانين الأخلاقية المنزلة."[ساند:64]
شكك عالم الآثار، فيليب ديفيس Davies، في موضوعية دولة إسرائيل القديمة. قال أن إسرائيل القديمة المذكورة في الدراسات التوراتية هي من اختراع عقول العلماء ، وأن هذا الاعتقاد بني على فهم خاطئ للتراث التوراتي، بل إنه بعيد عن الحقيقة التاريخية. [وايتلام: 36].
منذ إيساك يوست مرورا ببعض المثقفين الذين التحقوا في المرحلة الثانية ب "علوم اليهودية" وانتهاء بظهور غريتس، (المجدد الكبير) ، أخذ العهد القديم يشكل نقطة انطلاق في محاولات التأريخ الأولى في عملية اختراع ل" الأمة اليهودية". كتاب يوست لاءم وجهات نظر المثقفين اليهود ، العلمانيين وغير العلمانيين، ممن انخرطوا في العملية التحررية. "كمثقفين كان التراث اليهودي جل رأسمالهم، و لم يكونوا مستعدين للتنازل عن الخصوصية الثقافية ، بل مالوا للمحافظة على أفضل ما فيها؛ ومع ذلك كانوا متعطشين للاندماج في ألمانيا الجديدة الآخذة في التكون"[ساند: 101]؛ غير أنهم لم يسعوا إلى البحث عن جذورهم في الزمن البعيد. .. ظلت اليهودية طائفة دينية ولم تكن قطعا شعبا مشردا أو قومية أجنبية؛ولم يكن رجال الدين اليهود معنيين بالتاريخ القديم. انتقد غريتس ضيق أفق المؤرخين قبله ممن"حكموا على اليهود بتعريف أنفسهم كجزء من حضارة دينية فقط وليس كقبيلة وشعب أزلي"[ساند: 106]. كان هذا دأب المتعصبين قوميا والعنصريين المسيحيين ممن ارتدوا إلى نمط متجدد من اللاسامية . أنكروا على اليهود تعصبهم فأذكوا بتصرفاتهم ( ومنها إصدار قوانين جائرة تميز ضد اليهود) المزيد من التعصب العنصري اليهودي.
بلغ التيار الإصلاحي أقصى مداه في قرارات مؤتمر بيتسبرغ(1885)، الذي قرر أن الكتاب المقدس ليس من صنع الله ، بل هو وثيقة من صنع الإنسان. وتضمنت فكرة الإصلاح بالمؤتمر استبعاد كل ما يشير الى عزلة اليهود او تميزهم من الدين اليهودي . نادى ابراهام جينجر بحذف كل العبارات التي تشير إلى خصوصية الشعب اليهودي من الطقوس والعقائد والأخلاق والأدب، وطالب بإلغاء الطقوس الدينية وطقوس العقيدة والأدب والأخلاق والتخلي عن فكرة الشعب المختار كلية . رفض الإصلاحيون فكرة عودة المشيخ- مفهوم انبثق في الذهن اليهودي قبل القرن الثاني قبل الميلاد، وذلك في فترة اتسمت بالاضطرابات والمعاناة الاجتماعية، تعلقا بخلاص موهوم، ومعناه الممسوح بالزيت المبارك . احل مؤتمر بيتسبيرغ فكرة العصر المشيخاني ، حيث يحل فيه السلام والكمال. سيأتي العصر المشيخاني من خلال التقدم العلمي والحضاري وسيؤدي إلى خلاص الجنس البشري كله[ساند: 66] .
في عام 1882 عالج باحث التناخ[ التوراة الأصلية] المعروف يوليوس ولهاوزن في مؤلفه " مقدمة لتاريخ إسرائيل " تراكيب قرابة مائة عام من النقد الذي حاول حل لغز مواعيد الكتابة المختلفة لسفر الأسفار. فمن خلال تحليل فيلولوجي بارع بدأ يشكك في جزء من قصص التناخ كتبت بعد مرور زمن طويل على الأحداث الموصوفة فيه. فصيرورة الديانة اليهودية كانت ، حسب رأيه،عملية متدرجة وتطورية ، وأن كل جزء من الأجزاء الخمسة يعبر عن مواعيد فترات مختلفة.
هوجمت أفكار ويلهاوزن من قبل المتعصبين اليهود وعلى رأسهم هاينريخ غريتس ( 1818 ـ 1891). وكان ما أغاظهم قول المؤرخ أن التناخ كتب بعد العودة من السبي الأول[ساند: 125].
تشكلت، بتأثير حركة التنوير الأوروبية، قوميات اتخذت توجها ديمقراطيا ، حيث اندمجت العناصر الدينية والعرقية، ومنهم اليهود، في قوميات منحت الحقوق المتساوية للجميع. هدمت سيرورة التحديث في أوروبا الغربية الفواصل بين المراتب الاجتماعية وفيما بين الطوائف والأقليات العرقية.
إلى جانب التوجه الاندماجي تمايزت نظرة عنصرية تتمسك بالمتخيل ؛ رفض الفكر المعادي للتنوير فكرة القانون الطبيعي والحقوق الطبيعية والحقيقة المجردة التي تتجاوز المكان والزمان، ورفض فكرة الجوهر الإنساني التي تعلو على التنوع والتعدد، ويمكن للعاقل أن يصل إليها عن طريق إعمال عقله ومن خلال الملاحظة والتجريب. هكذا "في روسيا وبولندا طبعت القومية بطابع غير عقلاني ورجعي ، وُسِمت التوجهات السياسية بالغيبية والاحتقان القومي المنغلق" [ساند:74]. وحيث أن الثقافة تتأثر بمحيطها الاجتماعي والسياسي ، فقد عقدت ثمرة الوعي القومي اليهودي شرقي أوروبا على رؤية عنصرية تهرب من الحداثة، وتنكفئ إلى كهوف التاريخ. " إن غياب الثورات القادرة على ضخ عناصر مثقفة دينامية أبقى، خارج اللعبة السياسية في المراحل الأولى من تكوين الدولة، مثقفين لاينحدرون من طبقة النبلاء، وبالتالي خارج تشكيل الإيديولوجيات القومية الرئيسة وصوغها"،[ ساند: 87]. وبالنتيجة "انطوت نظرة القوميات المنغلقة على رؤى خرافية أخذت بها النظرات القومية ذات المنحى الاستبدادي ، ومنها الصهيونية، مرتكزة على أصل ضارب في القدم ذات جوهر إثني صلب وراسخ لا يتغير على مر التاريخ، وعن شجرة أنساب متسلسلة ل ’شعب‘ قديم متميز ، تستبعد الانفصال عن الأمة مهما نأت به الترحالات"[ساند:77]
راح ينحسر التيار الإصلاحي أمام اندفاعة التيار الصهيوني؛ وكان للتحول أسبابه ومقدماته:
أولا تغلغلت في ثقافة الغرب دولة إسرائيل القديمة عقيدة سياسية متجذرة في الدين، اعتبرت منذ زمن الإصلاح الديني البروتستنتي جوهر الحضارة الغربية . شرعت الثقافة الاستشراقية تفبرك إسرائيل القديمة التوراتية وتزيف التاريخ الفلسطيني طبقا لرؤية التوسع الكولنيالي ، وفقا للمفهوم التوراتي الجامد. تم استبدال قدوم المشيخ المخلص الى عهد قادم - عودة اليهود الى فلسطين، وإقامة الدولة اليهودية وإعادة بناء الهيكل- كي تستهل حقبة الألفية السعيدة، طبقا للاهوت "ما قبل الألفية"، إحدى الفرق الأنجليكانية في بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية، من اجل بناء إسرائيل الحديثة. اكتسب لاهوت "ما قبل الألفية" دفعة قوية في عصر الامبريالية ومع احتضان الصهيونية وحظي بترويج بروباغاندا الامبريالية الوروبية.
وثانيا، استمرت شرائح من رؤساء الأسباط وأخرى يحركها طموح السيطرة تأمل وتعمل ضد تيار الاندماج كي تبقي جماهير اليهود تحت وصايتها واحتياطي قوة غب الطلب . في هذا السياق وجد هيرتزل من الضروي، في كتابه " الدولة اليهودية "، الصادر عام 1895، أي قبل المؤتمر الصهيوني الأول واعتماد فلسطين وطنا قوميا لليهود بمسوغ ديني، التركيز على مبدأ عدم الاندماج بأهل البلاد الأصليين ؛ إذ سيتم عزل شعب البلاد اًلتي يقيمون فيها دولتهم . برر هيرتزل العزلة بأن اللاسامية متجذرة في الشعوب كافة عاء ولن يامن اليهود على أنفسهم إلا في دولة خاصة.
أشاد المصلح الديني مارتن لوثر باليهود، ثم عاد وهاجمهم بضراوة لما رأى فيهم روح التفرد والشموخ؛ وجد أفضل حل لمشاكلهم في الوسط المسيحي هجرتهم إلى بلاد أخرى، وهي نظرة ألهمت الكنيسة الأنغليكانية. نشط التيار وسط الطائفة الأنجليكانية في بريطانيا ضمن حيز ضيق وانفردت لوحدها من بين الكنائس المسيحية كافة ب"نبوءات " الألفية السعيدة . إلا أن وجودها كان ملموسا ، خاصة لدى السياسيين في اوروبا . ودليل ذلك أن نابليون وجه نداءه ، وهو يحاصر عكا عاجزا عن اقتحامها، فناشد اليهود القدوم إلى فلسطين وإقامة دولتهم. ومن المعلوم أنه تشكلت في ألمانيا حركة تمبلرز (بناة الهيكل) للشبان المسيحيين تدعو لإقامة دولة لليهود في فلسطين.
وثالثا، وهو الأهم والأقوى تأثيرا ، طويل الأمد، ظهرت البرجوازية الاحتكارية اليهودية تطمع في احتلال مركز بين المصالح الطامعة في التوسع والبحث عن أسواق جديدة. بأموالها دعمت التيار المتعصب. قدم تشكل الاحتكارات الامبريالية قوة دافعة ليهودية أصولية تتفاعل معها وتطفو على موجاتها أصولية مسيحية؛ كان لتشكل الاحتكارات اليهودية دور في الانتشار الواسع نسبيا لإيديولجيا الصهيونية. أرادت هذه القوة الاقتصادية المتنفذة أن يكون لها موقع مؤثر داخل حركة الزحف الكولنيالي المتطلعة إلى الأسواق الخارجية. ومثلما عبرت اليهودية الإصلاحية عن النزعة الليبرالية الديمقراطية والاندماجية للبرجوازية التقدمية ؛ فقد عبرت الصهيونية عن مرحلة تشكل الاحتكارات، و حملت المرحلة الجديدة الردة في مجالات الفكر والعلوم الإنسانية. وحصلت كذلك ردة في اللاهوت المسيحي. شحنت بطارية المسيحية الصهيونية بطاقة جديدة.
اندمجت الاحتكارات الرأسمالية لليهود بالاحتكارات الأقوى اقتصاديا ، ومن ثم سياسيا : راوحت بين الألمانية والفرنسية واستقرت مع البريطانية . وأثناء الحرب العالمية الثانية وبروز التفوق الأميركي نقلت الاحتكارات روابطها الرئيسة مع الولايات المتحدة . بتأثير ذلك عقد المؤتمر اليهودي عام 1942 في نيويورك مؤذنا بانتقال الولاء للامبريالية الأميركية، وقرر أن هدف الصهيونية إقامة الدولة الصهيونية بفلسطين.
سوف نجد الدول الامبريالية في أوروبا والولايات المتحدة تدعم وعد بلفور وتساند تفويض بريطانيا بالانتداب على فلسطين كي تساعد في تنفيذوعد بلفور ؛ كما سيقف الرئيس الأميركي داعية حق تقرير المصير للشعوب في ذلك الحين ، ينكر على الشعب الفلسطيني هذا الحق ويتواطأ مع دول الامبريالية على تجريده من القيم الإنسانية.
وحتى يومنا هذا نجد نفس النظرة دارجة لم تتبدل . وقفت دول الامبريالية صامتة حيال حرب الإبادة الجماعية في غزة ، تهاجم الضحية متهمة تصرفاتها بالوحشية بينما تضفي قيمة حضارية ودفاعا عن النفس على الإبادة الجماعية وقتل الأطفال. حكاية جرت بالفعل تجمل العلاقة العضوية للصهيونية في الحياة السياسية المعاصرة:
" بايدن يسعى إلى اعادة انتخابه للرئاسة من جديد! بدل الإصغاء لراي المائة ألفاً من المقترعين الذين رفضوا اعطاءه أصواتهم في ولاية ميتشيغن، والاستجابة لمطلبهم فضل الذهاب إلى بيت البليونير هايم سفان، صهيوني أحد اقطاب هوليوود يتفاخر بالقول: "أنا رجل القضية الواحدة، وقضيتي هي اسرائيل". وهناك تولى هايم سفان استضافة حفل تبرع بمبلغ ربع مليون دولار عن كل رأس، ليمكّن بايدن من جمع مبلغ قياسي للتبرعات في جلسة واحدة والبالغ 42 مليون دولار في شهر كانون الثاني فقط. وقد شارك في استضافة ذلك الحفل قطب هوليوود الصهيوني كيسي واسرمن. لهذا السبب لا تصل المساعدات الغذائية لغزة. لهذا السبب لن يقف بايدن ضد نتنياهو وحكومته المشكلة من أشد المتعصبين الدينيين المعادين للفلسطينيين في تاريخ اسرائيل...." .
كان هايم سفان – رجل القضية الواحدة: اسرائيل – هو أيضاً أكبر متبرع لحملات الانتخابات الرئاسية لكل من كلنتنون وأوباما، قبل بايدن.
اظهرت الإحصاءات ان اتهام الفلسطينيين بالتوحش ،بالميديا الرئيسة في الغرب، بلغ ثلاثة اضعاف إلصاق تهمة التوحش بأفعال الإسرائيليين وتصريحاتهم، كما تبين في يويورك تايمز ، واشنطون بوستن وول ستريت جورنال والفضائيات الرئيسة ، الى جانب الميديا الرئيسة في بريطانيا وفرنسا والمانيا.
رابعا ، واصل أغلبية اليهود في النمسا وفي روسيا وشرق أوروبا التمسك بذهنية محافظة ترفض التغيير، تشربوها بصورة تلقائية كمسلمات لا تقبل التشكيك. واصل يهود شرق أوروبا البقاء على جمودهم فرفضوا إدخال أطفالهم إلى مدارس علمانية جرى إغلاقها فيما بعد . برزت اليهودية الأرثوذكسية حركة محافظة تؤمن بقدوم المشيخ المخلص ولا تؤمن بالتطور والتغيير، وتقبل المقولات التقليدية والأساطير القديمة ؛ فالعقيدة اليهودية ، في نظر الأرثوذكسية عبادات ونظام ديني يغطي كل جوانب الحياة اليهودية، وتؤمن بصورة شخصية للمشيخ المخلص وبالعودة إلى فلسطين.
أكد رئيس اليهودية المحافظة ، زكريا فرانكل، أن الدين اليهودي تعبير ديني من روح "الأمة" اليهودية ، وهو بمثابة إجماعها الشعبي العام. موقف فرانكل يتماهى مع موقف بن غوريون من بعده من أسطورة الوعد . فلا يهم بالنسبة له إن كانت الواقعة حقيقة إلهية ام لا، بل المهم هو أن تغرس هذه الأسطورة في الوجدان اليهودي [ المسيري: 92] .
وخامسا، نشأت خلال حقبة الإصلاح طبقة من الأثرياء التجار قاموا ببناء الطرق الحديدية وفتح المناجم وتأسيس البنوك . وظهرت شرائح البرجوازية المتوسطة أطباء ومحامون ومهنسون وصحفيون. وجاء هيس مؤرخا يهوديا بعد غريتس. رأى هيس أن استمرارية " الأمة اليهودية" كامن في عقيدتها . سخر من دعاة الإصلاح، ومن أنصار التحرر في ألمانيا .لسان حالهم يقول:" ليست التوراة وإنما العرق يصوغ شكل الحياة؛ ليست التوراة هي التي أوجدت الحياة العائلية اليهودية ، بل بالعكس فالحياة البطريركية لآباء أمتنا هي أساس نشوء العقيدة الدينية المضفورة في التناخ، والتي كانت دوما وأبدا عقيدة انبعاث قومي نمت وتطورت من خلال تقاليد عائلية مستمرة."[ساند 115]
أضحى الزحف السرطاني نحو سفر الأسفار المقدس بمثابة مسيرة التقدم القومية في خيال المثقفين اليهود. وعلى غرار النهوض الثقافي للبحث عن الأصول لدى قوميات أوروبا ،" وجهت البراعم الأولى نحو القومية اليهودية ازدهارها صوب الضوء الساطع المنعكس من مملكة داوود الميثولوجية ، والذي احتفظ بوهجه طوال مئات السنين في شواحن العقيدة الدينية [ساند:110].
رأى لينين في مطلع القرن العشرين في الصهيونية حركة طوباوية ورجعية وامبريالية، تحمل برنامجا تلفظه الحياة. فالمشروع الصهيوني مناقض لسنن الوجود . ولكنها حقبة التوسع الكولنيالي للامبريالية ، تشيع ردتها بالفكر وبالعلوم، أحيث التراث المتخلف في الثقافة العربية الإسلامية وتعهدت التظم الأبوية، هادنت استبدادها ورعت حداثتها الزائفة . تمنح نسغ الحياة لمن يواكب توسعها ، سواء كانت فكرا أم حركة سياسية. وحيث أن العبرة في الممارسة العملية، كان التحالف مع القوة الأشد بأسا والطامحة للهيمنة على المنطقة هو الخيار.
ختارت الصهيونية موقعها في ترتيب القوى الدولية


أقر مؤتمر الصهيونية الأول اقتران مبدأ امن دولة الصهاينة بارتباطها بالقوى المهيمنة عالميا؛ بهذه الرابطة ظهرت الحركة على المسرح ضد تيار التاريخ ، بجانب قوى الهيمنة والعدوان ـ وضد حركة تحرر المضطَهدين. وفي العام 1907 ظهر على مسرح الفكر الصهيوني مقالة حسمت علاقة تناحرية صدامية للصهيونية مع الشعب الفلسطيني. كتب المقالة الناقد الأدبي الصهيوني، يوسف كلاوزنر[20 آب 1874- 27 اكتوبر 1957]. ، ونشرها في مجلة " هشيلواح"؛ حضر المؤتمر الصهيوني الأول، وكان المنتج الرئيس للموسوعة العبرية ، استقر مع أسرته في أوديسا، كان عضوا في دائرة الناشطين السياسيين الصهيونيين الروس من أوديسا، والتي شملت زائيف جابوتينسكي ومناحيم أوسيشكين. ترأس تحرير مجلة هشيلواح بعد أن اعتزل الصهيونية أحد هعام. رحل الى فلسطين عام 1919 ونشط في لجنة اللغة العبريبة ، وفي العام 1925أصبح استاذا للأدب العبري بالجامعة العبرية بالقدس.انضم لحزب حيروت وترشح لرئاسة الدولة وفشل امام وايزمان.
بعد رحيل هيرتزل عام 1904؛ قاد الحركة الصهيونية مثقفون علمانيون أدباء؛ وتباينت المواقف تجاه العرب في فلسطين بين مثقفي الحركة الصهيونية؛ نشرت أعمال أدبية تبشر بعهد من التعاون مع الفلسطينيين وانتشالهم من تخلف القرون وتطوير أوضاعهم . انتهت النقاشات بهذا الصدد عام 1907 بالمقالة النقدية اللاذعة . ادعى كلاوزنران اليهود عاشوا الفي عام في أوساط أقوام متحضرين، والسعي لدمجهم مع العرب سقطة تاريخية لا تغتفر. نجاهل كلاوزنر الاضطهاد الذي مأسس اللاسامية في أوروبا، كما اغفل غرق أوروبا في الظلام حيال حضارات الشرق ، ومنها الحضارة العربية الإسلامية؛ استهجن الناقد كون " "اليهود يتحدثون العربية و يتشبهون بالعرب". حذر من "التلاشي في العرب، ومن الأفضل البقاء في الغربة والذوبان في الآخرين.
استقبل المقال النقدي بمثابة النذير. حقا ، ان دمغ عرب فلسطين بالتوحش نزل مقدمة لنظام الأبارتهايد ومجازر الإبادة الجماعية.

عمّد وعد بلفور الحركة الصهيونية إحدى فصائل الامبربالية العالمية ومكونا عضويا لنظام العدوان والهيمنة والتمييز العنصري على نطاق المعمورة ؛ تماهى القرار السياسي البريطاني مع "وعد الرب". عثرت المصالح المتنفذة في اللاهوت المسيحي ـ اليهودي على غطاء يموه سياساتها، ويوطد نفوذها وسط الجمهور المتدين؛ احتضنته وأمدته بأسباب الانتشار. جاءت الحركتان الأصوليتان مظهرين لردة البرجوازية الامبريالية عن عقلانية العلمانية بتسخير الدين والخرافات في تبرير السياسات. "أصبحت الصهيونية الديانة اليهودية وحولت تاريخ الجماعات اليهودية إلى سيرة شعب إثني ذي خصائص عرقية تمنحه التفوق الاستثانئي والتميز عن غيره من الشعوب، خاصة الشعوب العربية؛ طرحت الصهيونية حركة ملازمة لما زعم انه شعب يهودي ثابت في التاريخ ؛ اضطلع البحث التوراتي بمهام تبرير مختلف الممارسات الإسرائيلية أو التمهيد لها وطرحها كضرورة أو حقا مكتسبا منذ القدم. والأحداث التي جرت منذ بداية القرن العشرين تركت آثارا لا تمحى في عقول الباحثين التوراتيين وفي مخيلتهم ( وهذا هو الأهم ) ، حيث كانوا في خيالهم صورة عن الماضي المتعلق بمملكة داوود وكأنها العصر الذهبي للتاريخ الإسرائيلي". [ كيث وايتلام :179]
أوردت الباحثة في التراث ،ريجينا الشريف، أن ريتشارد ماينرزهاجن ، كان من الصهاينة المسيحيين وكان أحد الضباط السياسيين للجنرال اللنبى لدى احتلال القدس. وعرف بولائه للمشروع الصهيوني أثناء الخدمة مع الانتداب. ومن فكر الصهيونية المسيحية استمد الجنرال البريطاني فكرته " الآن انتهت الحروب الصليبية". والمعروف أن الصهيونية المسيحية تدرس في الأكاديميات العسكرية حتى الوقت الراهن طالما تمنح الشرعية لمغامرات الامبريالية. يقول الدكتور إبراهيم حجازين "مهد لوعد بلفور بيان ـ وثيقة صدرت عن مركز أبحاث حملت اسم رئيس وزراء بريطانيا آنذاك ، كامبل بنرمان، الذي دعا لعقد المؤتمر. استمر عمل المؤتمر مدة عامين ( 1905 ـ 1907) ،. جاء في نص الوثيقة: " .. ان الخطر ضد الاستعمار يكمن في البحر المتوسط، فعلى الشواطئ الشرقية والجنوبية لهذا البحر يعيش شعب واحد له وحدة التاريخ والدين واللغة وكل مقومات التجمع والترابط، هذا فضلا عن ثرواته الطبيعية ونزعته للتحرر(...) فيجب على الدول ذات المصالح المشتركة ان تعمل على استمرار تجزئة هذه المنطقة... وإبقائها في حالة تخلف مستمر.(..) وتقترح اللجنة لذلك إقامة حاجز بشري قوي وغريب... بحيث يشكل في هذه المنطقة وعلى مقربة من قناة السويس قوة صديقة للاستعمار وعدوة لسكان المنطقة". بناء عليه تم ربط تحول كلاوزنر في دراسته النقدية بنتائج مؤتمر كامبل بنرمان.
تناولت الباحثة مادتها من وثائق بقيت مقيدة في الملفات الأميركية ردحا من الزمن؛ يمكن اختزال المنطلقات الإيديولوجية والسياسية للوثائق الموجهة بالعداء للإنسانية في " تضليل الوعي وإشاعة الارتباك" لدى متلقي الرسائل الإعلامية. فهي لا تعنى بنشر الحقيقة، وتقاوم بضراوة مبدأ سيطرة الإنسان على واقعه والمساهمة في تقرير مصير مجتمعه؛ انها لا تخرج عن كونها "قنابل دعائية تقصف المواقع الأمامية لوعي المتلقي" . رأى المبادرون في إنتاج ثقافة الحرب الباردة ان مهمتها تحقيق الانتصار بدون خوض حروب ساخنة مباشرة؛ باتت الثقافة صراعا من اجل السيطرة على عقول البشر وإراداتهم.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت