حركات سياسية واجتماعية مُعارِضة في تاريخنا

عبدالله عطوي الطوالبة
2024 / 4 / 21

بات في حكم المؤكد علميًّا أن الفكر الإنساني، والدين كجزءٍ منه ليس استثناءً، نتاج الظروف التاريخية في مرحلة ما بأبعادها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. تقديم نرى أنه يُلزمنا بالتفريق بين الدين والفكر الديني. الأول، أي الدين، مجموعة نصوص تاريخية ثابتة، اجتهد الانسان في تفسيرها واستخراج دلالاتها، منذ "تأنسُنِها"، أي ظهورها بلغته. هذا الاجتهاد، يشكل جوهر الفكر الديني. بطبيعي أمر البشر، فإن اجتهاداتهم في تفسير النصوص الدينية تختلف من عصر لآخر، وبين واقع اجتماعي تاريخي محدد وآخر. وبالقدر ذاته، تتعدد أيضًا بين مفكر وآخر في المجتمع الواحد من المنتمين للديانة ذاتها. وإذا بحثنا عن الأسباب، فإننا لا شك واجدوها في انعكاس البنى الثقافية المتأسسة على بنى مادية اقتصادية واجتماعية، عبر التاريخ، في نصوص الدين وتفاسيرها. من هذه الأسس ننطلق في نظرتنا للعديد من الحركات السياسية والاجتماعية في المُعارِضة تاريخنا السياسي، التي كان لكل منها اجتهاداتها ومقالاتها بخصوص الدين وممارسة السياسة. الحركات السياسية موضوع حديثنا ظهرت في العصر العباسي، وهو ما يدعونا إلى إضاءة على التحولات الأبرز في هذا العصر، وبخاصة تلك التي كان لها دورها الحاسم في ظهورها. لعل أبرز هذه التحولات انتقال المجتمع الاسلامي في ذلك العصر من نمط انتاج زراعي عشائري ذي صبغة عسكرية بمعايير تلك الأزمنة كان سائدًا في العصر الأموي، إلى تعددية عرقية تغلب فيها التجارة وتبادل البضائع. في سياق هذا التحول، برزت طبقتان رئيستان: طبقة الخاصة، التي بيدها السلطة والنفوذ وتملك المال، وطبقة العامة المحرومة. فإذا كان الفرز المجتمعي في العصر الأموي محكومًا بمعادلة عرب- موالي، فقد أصبح في العصر العباسي اجتماعيًّا، أي ارستقراطية وعامة. في هذا الأخير، نمت الدولة في مختلف المستويات الإدارية والصناعية والتجارية والزراعية بكل ما ترتب على ذلك من علاقات تجارية خارجية، حيث غدت العاصمة بغداد مركزًا تجاريًّا عالميًّا على صعيدي التوريد والتصدير. وقد انعكس ارتفاع دخل الدولة على الظروف المعيشية للناس، كما اختلف أيضًا وضع الخليفة. فلم يَعُد أقرب إلى شيخ قبيلة مهيب، كما كان في زمن الراشدين والأمويين، يستقبل الناس من دون طقوس ووزير ويفصل في المظالم بينهم، بل تحول إلى امبراطور كما في النموذجين الفارسي والروماني. وفي الحالتين، كان الخليفة يسيطر على السلطتين الزمنية والروحية.
هذه التحولات فَرَضَت تعددًا سياسيًّا وفكريًّا. وهكذا فتح المجتمع التجاري في العصر العباسي نوافذه للفلسفة اليونانية، وأخذت تجليات ذلك تجد تعبيراتها في محاولات التوفيق بين العقل والنقل، أو بين ارسطو طاليس والاسلام، وهو ما اضطلع به المعتزلة، كحركة سياسية اجتماعية أفرزتها البرجوازية التجارية الناهضة في العصر العباسي بعد لقائها بالفلسفة اليونانية. وما مبدأ المعتزلة بمسؤولية الانسان عن خلق أفعاله، إلا محاكاة لدور التاجر وبراعته في خلق ثروته. أما شعارهم "الإنسان مُخيَّرٌ وليس مُسيَّرًا"، فيعبر عن مصالح الفقراء والأتقياء، ومثَلُهُمُ الأعلى أبو ذر الغفاري. وقال المعتزلة بأن الإمامة تصلح بغير قريش، وبذلك فقد تجاوزوا محظورًا دونه جز الحلاقيم في الواقع العربي اليوم في القرن الحادي والعشرين، فكيف في تلك الأزمنة؟! لم يكن هذا الطرح المعتزلي إلا صدى لمطامح الرافضين لهيمنة قريش، وبشكل خاص القبائل الضعيفة غير القرشية والموالي. هؤلاء جمعهم الطموح لسلطة حاكمة بمستطاعهم تغييرها، إذا لم تخدم مصالحهم.
لم يكن المعتزلة بمنأى عن التوظيف السياسي، حيث وجدت السلطة العباسية، زمن المأمون والمعتصم والواثق، في كوجيتو "الإنسان مُخَيَّرٌ وليس مسيَّرًا" منطلقًا لإدانة الجبر الأموي. فقد قال الأمويون ب"الجبرية"، لشرعنة حكمهم وتبرير كل ما فعلوه بختم القضاء والقدر. لإزالة هذا الختم، لا بد من كوجيتو موازٍ له في قوة التأثير ومعاكس في الاتجاه وجده العباسيون في المبدأ المعتزلي المومأ اليه فوق والقاضي بمسؤولية الإنسان عن أفعاله.
من المعتزلة ننتقل إلى الاسماعيلية، أصحاب الشعار الأثير عندهم وما يزال ومفاده، "حلول الله في إمام الزمان الثائر وفي الإنسان". ركزوا على "نور العقل البشري" بالقدر الذي رفضوا فيه التعصب الديني مستبدلين به التسامح الفلسفي. وآمنوا بالتحلل من الطقوس الدينية، آخذين بالتمارين الطقوسية بما يشبه ما أسماه هيجل "حالة الشعوب السعيدة". ويقصد بذلك ممارسات تُنسب للشعوب اليونانية الوثنية تشمل كل ما تلتذ به النفس ويميل إلى الطبع من دون شعور بالإثم أو تعذيب ضمير، حتى سيطرت عليهم رؤية أن سيطرة الدين هي دين السيطرة. الاسماعيلية نشأت على أرضية تحولات في الواقع أفرزت أهل سلطان وثروة ونفوذ، على ما أنف بيانه، يقابلهم فقراء وفلاحون بالإضافة إلى الموالي والبرجوازية الصغيرة الكادحة وتشمل أهل الحِرَف وخدم المنازل والعمال والبدو. عن مصالح هؤلاء الأخيرين أشهرت الاسماعيلية نفسها ممثلًا ومدافعًا، كما يؤكد لنا برنامجها، ويتضمن الإطاحة بنظام الحكم السائد بسلطتيه السياسية والدينية وإقامة دولة لكل مواطنيها، أي عالمانية بلغة أيامنا هذه. وأكدت الاسماعيلية شمول أهدافها إلغاء الملكية الخاصة لوسائل الانتاج، وأهم تطبيقاتها بمعايير تلك الآونة توزيع الأراضي مجانًا على الفلاحين الفقراء. ودعت إلى إلغاء تعدد الزوجات والمساواة بين الرجل والمرأة. قابلت السلطة العباسية الاسماعيلية بالعداء والملاحقة وإعمال السيف في رقاب أتباعها، وكانت تنعتهم بالباطنية. الحديث عن الاسماعيلية، يستدعي القرامطة بالضرورة، فهؤلاء امتداد لتلك، بل واختبار عملي لأيديولوجيتها كونهم أقاموا دولة في البحرين وشرق الجزيرة العربية ومناطق في العراق مُتَحَدِّين السلطة العباسية. جوهر مشروعهم الفكري المعتقدي أن الانسان هو جذر الانسان نفسه، وعلى هذا الأساس أنكروا الشرائع والرسل. لذا، لا غرابة أن يغيروا على مكة المكرمة سنة 317ه-908م ويقتلوا الحجيج ويقتلعوا الحجر الأسود، حيث ظل مغيَّبًا في حوزتهم 22 عامًا. على الصعيد الاجتماعي، حدد القرامطة هدفهم الرئيس بالقضاء على البؤس واستئصال شأفة الحرمان. وعليه، اتخذوا جملة من الإجراءات من أجل تمكين الشعب من السيطرة على الثروة ووسائل الانتاج، ومنها إلغاء الخراج على الأرض وكذلك الضرائب المفروضة على العمال والمُلاَّك الصغار. كما أمموا التجارة وألغوا النقود الفضية والذهبية، ومنعوا الرق وحرروا الأقنان. وساووا بين المرأة والرجل، وأقروا حقها بالعمل، كي لا تكون عالة على الرجل وبالتالي يصبح بمستطاعها الاستقلال الفعلي عنه كي تتساوى معه. ونختم بثورة الزنج المسلحة ضد السلطة العباسية، خلال الأعوام 255 – 270 ه/ 869-883 م. الدافع الرئيس للثورة قسوة النظام القائم آنذاك في التعامل مع العبيد، الذين فُرض عليهم الحرمان من الاملاك وأي امتيازات يستحقها البشر، وكانوا محرومين من ممارسة الجنس أيضًا. عاشوا حياة بائسة في فقر وكبد، وكان غذاؤهم الرئيس سويق الشعير. الزنوج جمهور الثورة بشكل رئيس، وبعد اندلاعها شاركهم فيها العمال الزراعيون وخدم المنازل وصغار المُلاَّك المتأثرين بالضرائب والمعاناة من معاملتهم كأُجراء أو شبه أقنان. تشير مصادر تاريخية إلى أن قائدهم علي بن محمد كان ملحدًا أو حلوليًّا (اسماعيليًّا)، لكن هذا لم يمنعه من توظيف النص الديني للتحريض على الثورة وتمرد العبيد على سادتهم، مشيرًا إلى أن الله عز وجل وضع نهاية للرق بقوله (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يُقاتلون في سبيل الله فَيَقْتُلُون ويُقْتَلُون وعدًا عليه حقًّا في التوراة والانجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم)(التوبة 111).
الحديث عن هذه الحركات لا يستقيم من دون استحضار سِمات خاصة بالدين، تجعله "مِطواعًا" في التوظيف السياسي من قِبَلِ السلطات الحاكمة بشكل أساس ومن جانب المعارضة. الموروث الديني، يبرر البؤس بِعَدِّهِ قضاءً وقدرًا. وفي المقابل، يوفر مبرر الإحتجاج عليه (عجبت لمن لا يجد قوت يومه ولم يخرج شاهرًا سيفه). لكن الدين ما إن يتجسد في مؤسسات، حتى ينحاز إلى تبرير البؤس أكثر من الاحتجاج عليه. الدين يُقر بالطبقات ويضع الناس في مراتب عليا وسفلى (ورفع بعضكم فوق بعض درجات). ويقر أيضًا بالفوارق الطبقية (فَضَّل بعضكم على بعض في الرزق).
مقول القول، النصوص الدينية حمَّالة أوجه، ولهذا ما تزال اليوم كما كانت أمس توظف في خدمة السياسة والمصالح الدنيوية من قِبل الحاكم والمحكوم.
على صعيد الغنى والفقر، فإن أقصى ما يقدمه الدين لضحايا البؤس والحِرمان، حَث الأغنياء والمقتدرين على الاهتمام بهم والإحسان إليهم !

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت