في يوم الصحافة الكردية قراءة نقدية لواقع الصحافة والاعلام

صلاح بدرالدين
2024 / 4 / 20

في يوم الصحافة الكردية
قراءة نقدية لواقع الصحافة والاعلام

في المراحل الأربعة التي اجتازتها الحركة السياسية الكردية السورية في غضون نحو قرن من الزمن ، كان لكل منها مشهدها ( الصحافي – الإعلامي – الثقافي ) كانعكاس طبيعي لماهو قائم ، وتعبير عن ماهو سائد من فكر ومفاهيم ، وقدرات .
المرحلة الأولى كانت " تشكل وتنامي الوعي القومي " وامتدت من ( ١٩٢٧ – ١٩٥٧ ) ، والتي كان للمتنورين الذين اجتازوا – خط السكك الحديدية – من الشمال نحو – بني ختي – تحت ضغط السلطات التركية خصوصا بعد اخفاق انتفاضة الشيخ سعيد عام ١٩٢٥ الدور الأبرز .
تليها مرحلة – الاستيقاظ – التي تمخض عنها ولادة الحزب الكردي المنظم الأول ، وتمتد بين ( ١٩٥٧ – ١٩٦٥ ) ، وماسبقت الولادة من نشاطات ذات الطابع الثقافي الاجتماعي .
ومرحلة – النهوض – التي افرزت التحول العميق في إعادة التعريف ، وتصويب المسار التي امتدت بين ( ١٩٦٥ – ١٩٩٥ ) ، وكان المحرك الرئيسي ( البارتي اليساري – الاتحاد الشعبي ) ، مع مساهمات أخرى جماعية ، وفردية .
ثم مرحلة " الردة ، والتراجع " منذ ( ١٩٩٥ وحتى الان ) ، وعنوانها الرئيسي ( الزمرة المنشقة عن الاتحاد الشعبي + حزب اليمين + البارتي ) وهم اول من تجاوبوا مع مشروع السلطة بشخص – محمد منصورة - ، تلاهم ( مجموع الأحزاب الكردية ) عندما اتفقوا مع – جنرالات النظام – في وأد الهبة الكردية الدفاعية عام ٢٠٠٤ ، ثم أحزاب طرفي الاستقطاب منذ اندلاع الثورة السورية المغدورة عام ٢٠١١ . .
وفي هذه المراحل الأربعة اختلفت مستويات الأداء في الجانب – الصحافي والإعلامي من حيث الشكل والمضمون ، ودرجات التاثير في وعي المجتمع الكردي ، وفي الراي العام الوطني ، والإقليمي ، والعالمي ، ومدى النجاح والاخفاق في نشر مشروعية القضية القومية الكردية ، وخدمة الثقافة بكل تفرعاتها من لغة ، وآداب ، وفنون ، ولاشك ان المرحلة الأولى التي أحدثت تجربة فريدة بغاية الأهمية على ايدي البدرخانيين في طبيعة الكفاح القومي الكردي عندما تم الاندماج بين السياسي الثوري ، والثقافي فكانت غنية ، ومنتجة ، ومبدعة ، في مجال اللغة ، والثقافة القومية العامة ويعود الفضل الأكبر بذلك الى أبناء تلك العائلة العريقة حيث اصدر احد أبنائها وهو الأمير مقداد مدحت بدرخان في 22 أبريل 1898 في العاصمة المصرية القاهرة ، ( وهذا التاريخ يعتبر يوم الصحافة الكردية ) اول صحيفة كردية باسم – كردستان – من الخارج ووصلت اعدادها الى معظم المدن الكردية ، إضافة الى مجلة – هاوار – التي اشرف عليها الأمير جلادت بدرخان ، ومطبوعات أخرى ، ومن الملاحظ ان جميع الصحف ، والمجلات التي صدرت في تلك المرحلة كانت مفتوحة لكل من يكتب ، او ينقد ، او يرسل ملاحظات ، وكانت تتضمن مساهمات مختلف الاطياف من متدينين ، وعلمانيين ، ويسار ، ويمين ، وهذه ميزة متقدمة بعكس قيود الأحزاب المفروضة ، وشروطها في نشر مساهمات الوطنيين المستقلين .
بخلاف جريدة الحزب الكردي الأول – دنكي كرد – لم تشهد المرحلة الثانية نشاطا إعلاميا بحسب المطلوب ، ( وقد يكون لاسباب موضوعية ) كما لم تصل الينا ( على الأقل حسب علمي ) نحن الجيل – المخضرم - بعد التاسيس وثائق فكرية ، وسياسية حول تحليل بنية المجتمع الكردي ، والقضية الكردية السورية ، والأوضاع العامة في سوريا ، وقضايا الخلاف ، وسبل حلها ، وتطورات الفكر القومي ، فقط أتذكر انني استلمت عبر منظمة حزبنا – بجياي كرمينج – رسالة موجهة الي من المرحوم المحامي – شوكت حنان - احد مؤسسي – البارتي – كانت عبارة عن دراسة موسعة حول الحركة الكردية عموما والحزب خصوصا ، وتناول نقدي لادوار عدد من المسؤولين الحزبيين المؤسسين في منطقة عفرين ، ودعوة الى التغيير ، ومناقشة موضوعية لمسالة التحول الذي حصل في الكونفرانس الخامس عام ١٩٦٥ ، والوقوف من حيث المبدأ الى جانب قرارات ، وتوجهات الكونفرانس ، وبيانه الختامي ، مرفوقة بملاحظات هامة ، للأسف الشديد لااعلم الان اين تلك الرسالة – الوثيقة .
اما المرحلة الثالثة التي شهدت ولادة اليسار القومي الديموقراطي في الكونفرانس الخامس عام ١٩٦٥ ، وتصديه لانجاز المهام الموكولة اليه ، فقد تميزت بعطاء ثري في الجانب الفكري ، والثقافة السياسية القومية والوطنية ، والترجمة ، والنشر ، فمن تناول القضية القومية بالتحليل العلمي التاريخي ، وطرح المشروع الكردي السوري بشقيه القومي والوطني ، وإعادة تعريف الشعب ، والقضية ، والحقوق ، والتكامل بين القومي والوطني ، والكردستاني ، والاممي ، والعمل على توفير شروط تعميق مسالة الاعتراف المتبادل بالوجود ، والحقوق ، وعلاقات التضامن ، والعيش المشترك مع الشعوب الأخرى ، ورافقت تلك المبادئ الثابتة ، والمنطلقات المتقدمة ، ترجمة عملية وعلى ارض الواقع من الناحية الإعلامية ، والثقافية ، حيث ظهرت أبحاث ، ودراسات ( بعد طول غياب ) ، حول القضية الكردية ، والمسالة القومية ، والتاريخ ، والاداب ، والفنون ، وتم اصدار مجلة – روهلات – بالكردية والعربية ، في عاصمة الثقافة والاعلام – بيروت – ومطبوعات أخرى من داخل الوطن بالكردية والعربية ، وتم تأسيس – رابطة كاوا للثقافة الكردية – في بيروت التي أصدرت العشرات من الكتب هناك حول الكرد وتاريخهم ، وحركتهم السياسية ، وادابهم ، وكذلك تم تشكيل – الجمعية الثقافية الاجتماعية – ونجحت مساعي رفاقنا في تشكيل فرقة فنية كردية شارك فيها فنانونا المبدعون ( محمود عزيز ، ومحمود شاكر ، وسعيد يوسف ، وشيرين ) كما بدانا المساهمة بالكتابة حول قضيتنا في الصحافة العربية اللبنانية والفلسطينية ، خصوصا في مجلتي – الحرية ، والهدف ، وصحيفة بيروت المساء ، وفي فترة لاحقة جريدة الحياة وغيرها .
لقد شكلت سنوات تسعينات القرن الماضي بداية مرحلة الردة في العمل السياسي الكردي السوري ، وباكورة نجاح الأجهزة الأمنية في سلطة نظام الاستبداد البعثي – الاسدي في اختراق صفوف الأحزاب الكردية ، واستمالة عدد كبير من العاملين في المجال الحزبي وبينهم مسؤولون ، وبعد موجة – الانشقاقات – المتتالية وكانت باكورتها شق – الاتحاد الشعبي – باشراف الضابط الأمني – محمد منصورة - ، لم يعد الحزب الكردي السوري بشكل عام بامان ، ولم يعد يتمتع بالشروط الأدنى لكسب مواصفات المؤسسة السياسية الديموقراطية الحرة ، وبما انه من حيث البنية التنظيمية أيضا لم يمثل مصالح طبقة بحد ذاتها ، او فئات اجتماعية معينة ، او مجموع الشعب بحيث يتبلور بناء عليه نهجه الفكري ، ويتحدد توجهاته السياسية ، وصولا الى امتلاك المشروع القومي والوطني ، وعلى ضوء التراجع ، وفقدان الاستقلالية ، والتبعية للأجهزة الأمنية ، لم يعد للكرد السوريين صوت واضح ، حتى صحافة الأحزاب – الصفراء – باتت ابواقا لمدح الدكتاتور ، وعنوانا للخنوع والمذلة ، مليئة بعبارات النفاق ، والمجاملات الفارغة .
وباء الاعلام الحزبي
استقر الامر أخيرا على الاعلام الحزبي الكردي الذي اصبح باعثا للانقسام ، ومصدرا للفساد والافساد ، ووسيلة في خدمة شراذم ، ومجموعات ، ولم تختلف سلطة الامر الواقع التابعة لحزب – ب ي د – عن سلطة نظام الاستبداد في مجال قمع الحريات العامة ، وانتهاك حرية الراي ، والاعلام ، والنشر ، والطبع ، وحلت عبادة الفرد محل احترام الشعب ، والقيادة الجماعية الديموقراطية ، وبدأ اعلام أحزاب طرفي الاستقطاب يضع الأولوية لاخبار واحوال المحاور الخارجية ، الى جانب شن الحملات المسعورة التخوينية ضد الراي المخالف ، ويكاد يقتصر تناول الداخل إعلاميا على رسائل التعزية ، والزيارات البينية ، والاحتفالات ، ومجاملات لاتخلو من المزايدات اللفظية حيث برع في ممارستها الى جانب مسؤولي الأحزاب بعض مدعي الثقافة والاعلام الذين يفتقرون الى الحدود الدنيا من المعرفة .
ولاشك ان هذا المشهد الإعلامي المؤدلج – الموبوء – انعكس على معظم منظمات ، واتحادات المجتمع المدني في الداخل والخارج التي تتخذ المسميات الصحافية ، والإعلامية ، والثقافية ، مع الإشارة الى صمود بعض المواقع الفردية ، والمؤسسات الإعلامية المستقلة ، والشخصيات الثقافية المحصنة الجريئة بالرغم من كل التحديات .
في يوم الصحافة الكردية أقول : طوبى لكل صحفي ، واعلامي مازال ملتزما بقضايا الشعب والوطن ، صامدا ، مستقلا ، يبحث عن الحقيقة .

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت