المقامة المونغولية

حسن الشرع
2024 / 4 / 19

جريا على عادتي فقد كتبت هذه السطور على أمل أن اجد لها لاحقا عنوانا مناسبا بغية نشرها، لكني سرعان ما وجدت تفكيري قد تخشب وعقلي قد تصدا ورصيدي قد تأكل بل ونفذ..منذ فترة فارقت الكتابة بعدما لمح لي أحد المقربين مازحا او ساخرا او متبرما باني اجهد نفسي دون مسوغ فلا احد يقرأ وان قرأ لن يصل إلى المعنى وإن اصاب القصد فلن يكون معنيا ..حملت نقده محملا حسنا وصرفت ذهني من المعلولات إلى المعلومات من النتائج إلى الأسباب فرحت انسب للأمية شوطا واسند للعلم دورا .انتبهت هنا الى جدل مثير حول امر كبير أصاب الهيئة الاجتماعية وهو الأمية الأبجدية التي للأسف أصبحت متفشية بين أوساط كثير من الشباب والشابات ، أحسست حينها بحاجة لان اكتب حتى وان كنت الوحيد الذي سيقرا ما يكتب. صحيح انني توقفت عن الكتابة لكني بالتأكيد لم أتوقف عن القراءة ولا المتابعة ، ومن خلال متابعاتي الثقافية لفت نظري موضوع المقامات في الأدب والفن العراقي خاصة والعربي عامة . ليس معيبا ان استعير منهج بديع الزمان الهمداني والحريري البصري برواية أبي حيان التوحيدي حتى دون امتاع ولا مؤانسة فاشير ولا اروي روايتي وزير صاحب مجلس ولا في مضيف شيخ قبيلة ولا محفل شعائري او عشائري ولا حتى مجمع وقتي في حافلة نقل عام..فذلك كله غير متاح ..اقول ان الامر لم يكن سهلا هذه المرة في اختيار العنوان ..لكني ساحدثكم عن المقامات وعن أشياء أخرى تفرض نفسها في السياق..متأثرا بأسلوب جاري القديم رحمه الله فقد كان يروي لنا احدى مغامراته ثم لا يلبث ان ينسى الموضوع( رباط ، بفتح الراء وتشديد الباء) وفجأة يتحدث عن حروب هتلر وبطولات رومل فإذا انتبه بأن السياق جرفه بعيدا عن وجهته راح يضرب جبهته براحة يده معربا عن اسفه ..لا استغرب ان اصبح هذا شاني انا الاخر.فلطالما هاجر خيالي الى براري منغوليا عندما أروم الحديث عن الأرجنتين . صبرا..صبرا فما زلت هنا.
حسن الشرع..اذهب الى القاعة الامتحانية لقد حان وقت المراقبة! صوت مرتعد يجتمع فيه الغضب والحياء والصرامة والرجاء ..نعم سأفعل! صوت مرتعش مجلجل بنبرة حادة . نعم حادة جدا سبرانو وبشدة عاليه يصدر من سيدة يفزع الطلبة وينهرهم. اتجهوا بسرعة إلى القاعات .ضجيج ،فوضى ،صخب ،صراخ، مزاح ، قهقهات ،خوف، سخرية .كل ذلك في الممر الضيق الذي ترتجف علي جانبيه (قاعات) سعتها كالخيام المونغولية .
في القاعة يتكدس الطلبة في حيز صغير متعلقين ببعضهم البعض،وبشكل.فوضوي سريالي مضحك كما تتكدس الخيول المنغولية في ليلة مثلجة باردة طلبا للدفء. القاعدة عندهم هي ان المعرفة جمهورية منغولية شعبية تشاركية تعاونية ،كيف لا فالشريعة تدعو إلى عدم التهاون في فعل وإظهار التعاون في كل مكان وزمان ،في قاعات الامتحان وفي أيام رمضان خاصة! حيث يتضاعف الثواب ويثبت الأجر ويعم الخير
اكعد عدل! :انا يسراوي ،كوم اكعد بالاخير: الكرسي مكسور. لا تحجين: طلبت من صديقتي قلم. اقطع نفسك،:صار استاذ .راح اوزع الأوراق!!!
انا خلصت .اطلع؟..لا..انتظر الله اكبر.. الله اكبر....اشهد ان .اشهد ان ..اشهد ان ..اشهد ان..اشهد ان ..اشهد ان ..حي ..حي ..حي ..حي .. الله اكبر لا اله الا الله..لمن هذا الموبايل..لي استاذ..ليش ما سويته صامت؟ نسيت ! شبيه الأذان استاذ! مابيه شيء ابني !
عند التشهد الثاني من ذلك الهاتف بدا اخر بالتكبير على مقام العجم وفي الوقت ذاته اطلق مؤذن الجامع القريب الاذان بمقام اخر هو النهاوند ! ما اجمل مقامات الشرق! أيها الشرق العتيق ان هذا كله (صنع بسحرك). لا تلتفت على صاحبك. عينك بورقتك..انا؟: جاوب..ليش تحجي؟:..انا احجي ويا نفسي!..
أستاذ تسمح افوت للقاعة ؟ انت شنو ومنو؟ :انا طالب متأخر. ليش تأخرت؟ :انا موظف..وانت؟ اانا طالب أيضا .ليش متأخر حوالي 40 دقيقة ؟ظروفي استاذ. تفضلو اهلا وسهلا بكم وان تأخرتم واحمد لله انني لم أسمح لأي من الطلبة الذين أتموا إجاباتهم حتى قبل أن يبدأ الامتحان.بمغادرة القاعة.
هل عندكم مشكلة في الإجابة؟ صاحت احدى الوافدات التي يبدو أنها مكلفة ضمن مجموعة الإدارة الامتحانية : نعم دكتورة. رد اكثر من طالب :مانعرف شلون نكتب الكود..استفاضت في البيان والتبيين، رن أحد الهواتف ( وجاءت سكرة الموت بالحق) ، كل شيء هنا يدل على التدين مع وجود الغش الذي لا يعد ذميما بل هو مستحب وجوبا على الأحوط عند الكثيرين.
انتهت المحنة بانتهاء الامتحان . عشت فيها لتسعين دقيقة بدويا منغوليا فاقدا للفهم .
عدت إلى المكتب الصاخب والمتخم بالمناضد والكراسي عساني اتخلص من حالة فقدان الفهم . عذرا سيدي الهمداني فانا لست ضمن تصنيف شنغهاي ..عذرا سيدي ابا حيان فليس بإمكان المنغولي ان يكون توحيديا .عذرا سيدي الحريري فابي زيد السروجي لم يعد يدرك حيلة فقهاء هذا العصر!عذرا ساداتي بإمكانكم تجاوز لغتي الشعبية المنغولية وان شئتم تجاوزوا الأمر برمته، فانا لم اتحدث عن إنقاذ قطة سيامية او ظبوية ولا حتى سياسية أثناء عاصفة ماطرة هوجاء بغيمة سوداء او خضراء.انا منشغل منذ مدة بأمر جلل يتعلق بالتغيرات المناخية وآثارها على الرغبات والحاجات الاجتماعية في إهمال التعليم العلمي والزراعي والهندسي ..ان كنت عراقيا فتذكر ولا تغفل ان تنوي لأبنائك وبناتك قبل ان يرتد اليك طرفك أن يدرسوا الطب والصحة .نعم على الجميع أن يفعلوا ذلك قبل أن يؤذنوا في أذان مواليدهم الأذان الأول، حي على خير العمل فذلك هو خير العمل ..تعلموا الدرس المنغولي الأول فهناك من سيبدأ بتلاوة سورة قاف وهناك ستاتي سكرة الموت بالحق وعندها تنتهي المقالات والمقولات والمقاولات والمقاسات ولات حين مناص . لا تقرؤها ان شئتم!!!

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت