حين يلعب الصغار مع الكبار يعتقدون انهم كبارا

سعيد الوجاني
2024 / 4 / 19

اول تساءل لنا هو ، هل حقا ان ايران أصبحت من الكبار ، حين تجرأت وردت بمقدوفات أسالت لعاب بعد تجار السياسة ، والعديد من الذين يصدحون باسم " القضية الفلسطينية " ، خاصة حين يحولون الهزيمة الى نصر . والغريب ان بُعْدهم من معرفة الحقيقة المسيطرة على الساحة ، زادوا في غيّهم حين اعتبروا ايران ب ( ردها ) انتصرت ، وإسرائيل التي تشتغل في صمت من دون صياح ، انهزمت .
وهناك من دهب بعيدا من شبكة الانترنيت التي لها قراء معلومين ، بان الجزائر الثورة ، هي من حملت ( القضية الفلسطينية ) على اكتافها ، من خلال تحركها سواء بالاتحاد الافريقي حين تم رفض عضوية إسرائيل كمراقب ، او بالأمم المتحدة ، حين تقدمت الجزائر باقتراح قبول منظمة ( التحرير الفلسطينية ) ، عضوا فعالا وليس مراقبا ..
وفي خضم هذا ( التحول ) في ذهن ( القوميين ) على اختلاف مشاربهم الأيديولوجية ، لانهم ليسوا بملة واحدة ، وفي ذهن اليساريين الذين اصبحوا منذ زمان بخيط عنكبوت ، ومن بعض " اليوتوبرز " الذين يقتاتون من عائدات " اليوتوب " You tub .. ، اصبح الجميع يتحدث عن تكوين احلاف ( عسكرية ) و ( أيديولوجية / عقائدية ) ، من جهة الجزائر و ايران وروسيا ، ومن جهة إسرائيل التي ( انهزمت ) ، ومعها الغرب بكل دوله وبكل طبقته السياسية ، واصبحوا ينظّرون لحرب عالمية ، ستكون هي محور التغيير الذي ستعرفه العلاقات الدولية ، التي يرونها غير ديمقراطية .. بل اضافوا حتى جنوب افريقيا ، بسبب موقفها من نزاع الصحراء الغربية ..
فماذا يجري في العالم في ظل هذه الأجواء ( المشحونة ) ؟ . هل أصبحت ايران دولة قوية تخوض الحرب مع دولة إسرائيل ، في شقيها الدبلوماسي والعسكري ، لأنها بعد صدام حسين ، هي من تجرأ على ارسال مقذوفات صوب الدولة العبرية ؟
وهل ( مناشدة ) John Biden لمسؤولي تل ابيب ، بإيقاف التوتر مع ايران الشيعية ، وفي المقابل ، تزكية ومباركة الخطوات الإسرائيلية بالضفة الغربية ، هو دليل على ايران القوية ، كلاعب ممتاز بالساحة الدولية ، هذا دون نسيان ادرعها بالعراق وبسورية ولبنان ..
ما اصغر العقل العربي الذي لم يُرِد الابتعاد عن العاطفة ، وفهم الشيء في صلبه لا في جوانبه ، وبالتالي معرفة القوي من الضعيف ، خاصة عند حصول مناوشات بين اطراف تنتمي الى مدارس ايدلوجية مختلفة ؟ .
ان ما قيل عن الرد الإيراني بقدف إسرائيل ، يبقى محيرا ، لان فرق بين الرد بدليل ، والرد من دون دليل .. وهنا كأن يكون فهم او تفاهم قد حصل بين طهران وبين تل ابيب ، على حجم الرد ، والمناطق التي يكون ( الرد ) قد أصابها ، لان العملية ظلت سرية ، خاصة وان إسرائيل في تصريح لها ، اعتبرت الرد قد خلف خسائر طفيفة ، ولم يسقط إسرائيلي واحد بسبب ( الرد ) .. كما ان طهران التي اعترفت بالرد ، لم تتوصل الى معرفة حجم الخسائر التي يكون ( الرد ) قد الحقها بالدولة العبرية .. فإسرائيل اعتبرت الخسائر طفيفة ، وطهران لعبت بالبراباگوندة La propagande لتعويض الشك باليقين ، والمسرحة بالحقيقة .. وكأن طهران وتل ابيب ، اتفقوا مقدما على ما يجب القيام به إعلاميا ، لتغليف الرأي العام الديمقراطي ، في ( العالم ) ، وفي ايران بالأساس ..
فان ترسل طهران اكثر من 300 قذيفة تتوزع بين طائرات مسيرة ، وصواريخ بالستية ، وصواريخ " كروز " مجنحة ، ومع ذلك تعلن تل ابيب ان الخسائر طفيفة ، ولا تعيرها إسرائيل اية قيمة ولا أهمية ، لان نتيجتها لم تصل الى ما حصل عندما انتحرت حماس الاخوانية في السابع 7 من أكتوبر .. لأمر يدعو الى الشك ، وليس التشكيك فيما حصل .. ، وهنا نتذكر الرد الإيراني على مقتل الجنرال سليماني ، الذي قيل انه رد قوي ، لكن الغريب لم يسقط ولو يهودي واحد ، ولا امريكي واحد من الضربة ، التي صواريخها سقطت في مناطق متفق عليها ، لرد الاعتبار لسمعة ايران بين معارضيها وبين جيرانها ، وبين سمعتها الدولية التي لا يجب ان تخدش .. فعندما يكون الاتفاق على الضربة وعلى أماكن الضربة ، لتحييد المدنيين ، وابعاد الجيش ، وتنزل الصواريخ ولا احد سقط من الجنود الأمريكيين ، هنا السؤال الذي يجب طرحه . هل فعلا ان ما قامت به ايران ، كان ضربة حصلت من دون اتفاق مع أمريكا ، مثل ان ضربة إسرائيل حصلت ، من دون اتفاق مع الحكومة الإسرائيلية ، ولو عن طريق وسيط امريكي ام غربي ؟ . لان ليس من المعقول ان ترسل ايران اكثر من 300 طائرة مسيرة ، وصواريخ بالستية ، وصواريخ " كروز " مجنحة ، مع التهليل والبهرجة ، لكن الخسائر وباعتراف تل ابيب ، كانت طفيفة .. فأي طفيف هذا ، اذا لم يكن ما حصل ، قد حصل باتفاق الأطراف المعنية ، طهران وتل ابيب ، عن طريق وسيط ثالث ؟
فحين تبلغ سذاجة العقل العربي ، سواء جماعة حطاب الليل ، الذين يسترزقون بهكذا سينما ، وحصاد دولار اليوتوب ، او من لا يزال قومجيا ناصريا او بعثيا ، وتَمُرّ كل الاحداث من دون معرفة حقيقتها ، فان ما يوضحه الواقع ، ان لا حرب حصلت ، او ستحصل بين ايران الشيعية ، وإسرائيل اليهودية .. وان الضحية من هذه التمثيلية ، يبقى الأنظمة السياسية العربية ، التي منها من فهم الدرس ، واستوعبه ، ليقدم على التطبيع ، او الأنظمة التي لا تزال تشتغل على هذه المواضيع لدغدغة المزاج الداخلي ، وعطف الشعوب العاطفية اكثر من للازم ، للتحكم باسم ( كلمة ) فلسطين في الساحة السياسية الوطنية ، أي الداخلية ..
وعندما يصرح جنرال إيراني نائب وزير الدفاع ، او وزير الدفاع ، بان العملية ، أي المواجهة مع تل ابيب انتهت ، ومن المفروض ان الذي يجري في الأرض ، هي ( الحرب ) ، وتكتفي تل ابيب ، وتتوعد بالرد ، الذي لم يحصل بتدخل واشنطن .. ، والمسرحية مفروشة ومحروقة من أولها .. يكون كل ما حصل ، من جهة تغليف الرأي العام الداخلي الإيراني ، ومن جهة استئساد تل ابيب بالمنطقة ، ومن جهة إيجاد فرجة تريح نفسيا كل مناصري ايران ، المهزومين الذي يصفقون عندما تتحول الهزيمة الى نصر .. فمنذ 1950 ، وسماسرة الاعلام والكلمة ، يخطبون ، ولا يزالون يخطبون ، واضعين على اعينهم غامّضات ، حتى لا يروا الحقيقة التي تزعجهم . سيما وان الوضع متحكم فيه عقائديا وايدولوجيا ، وان المشاهد اليومي ، لا يعدو ان يكون مجرد لعبة تفرز خيوطا سياسيا بالساحة العربية ، تتوزعها جميع الأطراف ، من ( قوميين ناصريين وقوميين بعثيين ) ، و ( قوميين ماركسيين ) ، و ( ماركسيين ) و ( شيوعيين ) ، وجماعة الاخوان في شكل حماس والجهاد ، وفي شكل فتح التي لم تعد تعني شيئا ، منذ خروج جماعة أبو موسى ، وانقلاب دحلان على رام الله ، خاصة الزام الجميع الصمت ، عن جريمة اغتيال عرفات ، سيما وقد اصبح احد الد أعداء عرفات ، وله نصيب في مقتله محمود عباس ، ومحمد دحلان ، والقيادة المقربة من عباس التي تتواجد بالمقاطعة .. وهي الطابور الخامس برئاسة حسين الشيخ ، في خدمة الدولة الإسرائيلية ، وتجارتهم ( بالقضية الفلسطينية ) التي انتهت والى الابد .
ان ايران وإسرائيل وواشنطن ، لن يدخلوا في حرب ستفتك بهم جميعا ، لكنهم ملزمون بالظهور كأنظمة تدافع عن ثوابت ، سواء دولة شعب الله المختار الذي حسم حرب ارض الميعاد ، او ايران التي لها خلافات حتى مع دول الجوار ، خاصة باكستان ، وأفغانستان ، والامارات العربية المتحدة التي تطالب بجزر إماراتية ، تحتلها ايران بالقوة ، هي طنب الكبرى ، وطنب الصغرى ، وجزيرة أبو موسى .. لكن السؤال . لماذا لم تلجأ الامارات العربية الى محكمة العدل الدولية ، اذا كانت هذه الجزر إماراتية كما تدعي ؟ . ولماذا ايران التي ضمت الجزر في عهد شاه ايران ، تتصرف فيهم وكأنهم أراضي إيرانية ؟ .
عندما تتفتق العقلية العربية القومية ، او القريبة من القومية ، وتتجاهر بالقيمة المضافة التي خلفها ( الرد الإيراني ) ، وتعتبر ان حِلفاً قد اصبح بالأمر الواقع ، وقد اعرب عن نفسه من خلال لقاءات ( جيواسراتيجية ) ، برئاسة روسيا الاتحادية التي تتصرف طبعا تبعا لمصالح روسيا الضيقة ، خاصة الاستراتيجية ، وكيفوا هذه اللقاءات ، بنهاية أحادية القطب .. فالسؤال . منذ متى ساندت روسيا العرب ، في حربهم مع إسرائيل ؟ . ولا ننسى ان اول دولة اعترفت بتقسيم فلسطين ، واعترفت بالدولة العبرية ، كان الاتحاد السوفياتي المنحل ؟ . أيجهل هؤلاء المصفقون لرجوع روسيا كزعيمة ( الحلف الجديد ) ، الى الساحة ، انها كانت تسلم جيش جمال عبدالناصر ، أسلحة قديمة ، من جيل لا يصل ابدا الى جيل أسلحة إسرائيل ، التي زودتها بها واشنطن باريس بريطانيا ؟
لماذا خسر العرب الحرب مع إسرائيل ، في الوقت الذي كانت فيه السعودية تعادي روسيا ، الاتحاد السوفياتي بسبب الالحاد ، وكانت الجزائر تبرم صفقة أسلحة معطوبة مع روسيا بعد النكسة العربية ، وعند حرب أكتوبر ، التي لم تكن حرب تحرير ، وكانت مجرد حرب تحريك اوراق المفاوضات مع الدولة الإسرائيلية ..
ولنا ان نتساءل اليوم . اين ( منظمات التحرير الفلسطينية ) مما جرى ويجري في غزة ؟ . اين الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين FPLP ، وأين الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين FDLP ، وأين يسار فتح ، وأين فتح ، وأين القيادة العامة – الجبهة الشعبية – ، وأين الشيوعيين ... الخ . لماذا لزموا الصمت ، حينما تشفوا في المآل والنهاية التي انتهت اليها حماس بعد انتحارها في 7 أكتوبر الفائت .. ؟
ان الجميع يلهث وراء الدولار الإيراني ، السخية في الدفع . لكن هل ايران تدفع حبا في القضية الفلسطينية ، ام انها تدفع حبا في تشييع " شيعة " المنظمات الفلسطينية ، لإكمال المشروع الإيراني الذي يستهدف المنطقة ..
وهنا . هل حقا ان ايران تعادي إسرائيل ؟ في الوقت الذي عيونها على الأرض العربية ، لإقامة نظام الامامة العظمى ، والتبشير بدولة الخلافة التي اجهضها مؤتمر " سقيفة " ، حين صوت سبعة افراد على تعيين ابوبكر الصديق ، وانقلبوا على الأمام علي بن ابي طالب ، رغم انه الاحق بالخلافة ، ومن بيت النبي ؟ .. فالشيعي لن ينسى سرقة السّنة للخلافة ، وهذا الصراع التاريخي ، هو اصل الصراع الجاري اليوم بالمنطقة ، خاصة العربية الهجينة .. باسم ( استرجاع فلسطين ) ..
ومنذ سنة 1979 ، تاريخ نجاح الثورة الامامية في ايران ، ونحن نسمع من الاعلام العبري الصهيوني ، ومن واشنطن ،وبريطانية العظمى ، بقدوم الحرب مع ايران .. والى الآن لم تحصل هذه الحرب ، رغم تسجيل مناوشات بين اطراف النزاع ، لكن ورطوا صدام حسين بغزو ايران ، التي لم تغزوها لا إسرائيل ، ولا باريس ، ولا لندن .. بل نتذكر عملية " إيران گيط " Iran Gate التي اشرف عليها الرئيس الأمريكي Nixon .. وطبعا دامت الحرب اكثر من ثماني سنوات ، تم فيها تخريب الاقتصاد الإيراني ، وتخريب الاقتصاد العراقي ، ونهب ثروات الخليج ، باسم التخويف من البعبع الإيراني ، المهدد للمشايخ والعشائر الخليجية المختلفة .. فاصبحت كل المنطقة متحكم فيها من قبل أمريكا واوربة ، وحتى الاتحاد السوفياتي الذي بدأ مشروع الإصلاح ( غورباتشوف ) يهدده بالتفكك ..
ان نفس السيناريو تُخيط حباله وخيوطه اليوم بشمال افريقيا . لان حصول حرب بين النظام المزاجي المخزني البوليسي ، ونظام الجزائر العسكري ، وبدافع من باريس ، تل ابيب ، واشنطن .. سيحرق كل المنطقة ، ولن تهرع إسرائيل لانقاد النظام المغربي ، بل ستكتفي ببيعه السلاح بصفقة أثمانها خيالية ، بحيث سيغرق النظام في المديونية ، ويصبح رهينة سياسة باريس ، تل ابيب ، في الوقت الذي ستتحول فيه الجزائر الى رهينة عند روسيا ، لكن دون تدخل الجيش الروسي للدفاع عن الجيش الجزائري .
فعند نشوب الحرب بين النظامين المخزني البوليسي ، والنظام العسكري الجزائري ، فلا جندي واحد للدول الديمقراطية الغربية وإسرائيل ، سيموت في هذه الحرب ، بل سيكون فقراء الشعب المغربي ، وفقراء الشعب الجزائري ، محرقة هذا الحرب La chaire à canon ، مع ما سيترتب عن ذلك من اخطار استقلال الصحراء ، واستقلال الريف ، واستقلال حتى مناطق أخرى ، ما دام استقلال الأطراف قد بدأ واصبح مُؤَيدا ، ومشجعا من قبل إسرائيل ومن قبل الغرب .. فالحرب لا يهدد بها ، ولا يدعو اليها ، غير الخونة المجرمين الكارهين لوحدة المغرب ، والكارهين لوحدة الجزائر . ان جمهورية القبايل الجزائرية ، مؤيدة من قبل باريس ، سويسرة ، واشنطن ، كندا ... بل منذ يومين قرأت في احد المواقع الالكترونية ، خبرا بدعم الخليج ( للماك ) ، أي دعمهم لليد المسلحة لجمهورية القبايل الجزائرية .. والدول الخليجية هي الامارات العربية المتحدة ، التي لن تبق متحدة اذا انتصر دعاة Sayks Picot ، وقسموا المغرب وقسموا الجزائر ، والحبل على الجرار .. والسعودية ، والبحرين ..
ان ايران الشيعية الفارسية ، ليست عدوة للدولة الإسرائيلية ، وليست عدوة لأمريكا واوربة ، ولنتساءل : لماذا صمت الغرب ، وواشنطن ، وتل ابيب ، من الملف النووي الإيراني الذي ينتظر فقط إشارة المرشد حتى تفجر ايران قنبلتها النووية الأولى .. فاين موقف الغرب من هذا الملف ، المسرحية ؟ .. وأين موقف تل ابيب كذلك ؟
ان الضحية الأساس في كل هذه الالاعيب ، يبقى الامن القومي العربي المهدد بالتقسيم ، والجوع والامراض الفتاكة ..
وكل من دعا الى اشعال الحرب بين المغرب والجزائر ، هو جزء من المشروع الغربي إسرائيلي ، الذي يتحين فرصة توريط المنطقة في حرب لا تبقي ولا تدر ..

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت