فلسفة الفيزياء والرياضية في ضوء النموذج الارشادي لتوماس كون

محمد احمد الغريب عبدربه
2024 / 4 / 19

مقدمة
شهد القرن العشرين وما قبله كثير من التطورات العلمية الفيزيائية والرياضية، واهتم كثيرون بمحاولة فهم وفلسفة هذه التطورات العلمية، ويتناول هذا البحث احد التفسيرات لتطورات العلم عند فيلسوف العلم توماس كون الذي بدأ فيزيائيا، وانتهى كفيلسوف. وقد ولد في عام 1922، وتوفي في 1996، وهو مفكر أمريكي أنتج بغزارة في تاريخ العلوم وفلسفة العلوم. انحدر كوهن من عائلة يهودية الأصل. ونال شهادته الجامعية في الفيزياء من جامعة هارفرد عام 1943، ثم الماجستير في 1946، ومن ثم درجة الدكتوراه في 1949. ودرس منهج تاريخ العلوم للفترة من 1948 إلى 1956 وحصل على درجة الأستاذية في تاريخ العلوم عام 1961.
وفي العام 1962م، نشر كون كتابه بنية الثورات العلمية الذي نصَّبه بين أهم فلاسفة العلم المعاصرين، وقد أثار الكتاب جدلا واسعا، وأصبح حدثا فارقا في دراسة المعرفة العلمية من نواحيها التاريخية والفلسفية والاجتماعية والنفسية، بما أضافه من رؤية جديدة في موضوعه. وتبدأ رؤية (كون) مع ملاحظته أن أمهات الكتب العلمية التي أسست للعلم الحديث غالبا ما تعطينا صورة مغلوطة عن تطور العلم، ذلك أنها قد كُتبت بعد أن استقرت المناهج العلمية واكتملت، بينما هي لا تفصح عن الوضع ما قبل هذا الاستقرار. إن لجوءنا لهذه الكتب كمراجع لتأريخ العلم يجعلنا نتلقى صورة غير كاملة عن العلم، مفادها أن العلم عملية تطور تراكمية عن طريق تجاوز نقص المعلومات وخلط المفاهيم والخرافات . وقد بدأت قصة الكتاب كما يروي توماس كون عندما كان يعمل على أطروحة الدكتوراه في الفيزياء في جامعة هارفارد، حيث طلب منه رئيس الجامعة أن يعطي درساً في تاريخ العلوم لطلاب العلوم الإنسانية في الجامعة، و كان ذلك أول عهد توماس كون بقراءة الكتب العلمية القديمة. لذلك فقد فوجئ أثناء قراءته لكتاب "الفيزياء" ﻷرسطو بدرجة الاختلاف بينه و بين الفيزياء عند نيوتن في مفاهيم المادة و الحركة، ليصل إلى نتيجة أن فيزياء أرسطو ليست "فيزياء نيوتن" بل شيئاً مختلفاً تماماً. و من تلك اللحظة بدأ اهتمامه بدراسة تاريخ العلوم الذي أثمر هذا الكتاب بعد سنوات.
وقد يبيّن كون من خلال كتابه بنية الثورات أن العلم يعمل من خلال ما يسميه النماذج الإرشادية، ويتطور من خلال الثورات على هذه النماذج الحاكمة، ويشير سالم يفوت أن هذا الباراديم يعني النموذج الموجه أي الإطار النظري والأساس الذي يسمح بطرح المشكلات وطرق حلها عند متحد علمي ما. بعبارة أخرى فالباراديم يعني مجموع القواعد والمسلمات والمفاهيم والأدوات التي يتحرك من داخلها العلماء، فالعلماء ينظرون للواقع بعين هذا الباراديم. فهو بمنزلة الخلفية التي تسمح برؤية دون أخرى. فالعلم وهو يشتغل وفق مبادئ البارادايم يكون بحسب تعبير توماس كون: "علما سويا" أو "علما معياريا" يتدرب عليه العالم ويقدم له على شاكلة تربية مهنية، تصبح بمنزلة الأطر الصريحة وغير الصريحة المشكلة لرؤية العالم.
ويعرض البحث فلسفة العلم قبل توماس كون، وابرز التطورات العلمية خلال القرن العشرين وما قبلها، ثم ينتقل الي ملامح وسمات فلسفة العلم لدي توماس كون، ثم ينتقل الي المبحث الثالث الذي بعض التعريفات المتعلقة بالنموذج الارشادي والعالم القياسي، ويعرض بعض افكار وملامح النموذج الارشادي، وبجانب مراحل الثورة التي تبدأ بشذوذ، ثم تتحول الي ازمة التي ينتج عنها ثورة علمية، وأيضا يستهدف البحث بعض الاثار المتربة علي الثورة مثل ملامح النموذج الجديد، وتغير الثورة في رؤية للعالم، واخيرا يتعرض بعض الاستخلاصات البحثية، حول الرؤية الجمالية، والمركب الجدلي بين التراكم والثورة لدي توماس كون، وملاحظة بحثية اخيرة حول مبدأ السلطة في المعرفة بين توماس كون وميشال فوكو.



المبحث الاول : فلسفة العلم قبل وبعد توماس كون
يتناول هذا المبحث بعض خصائص العلم خلال فترتين الاولي قبل القرن العشرين، والثانية بعدها، وبعض فلاسفة العلم مثل كارل بوبر ولامري لاكاوتش، ومقارنتهم مع توماس كون، وذلك ما يتم توضيحه في الاتي:
1- خصائص العلم خلال فترتين
تميز العلم بخصائص استقرائية فيما يتعلق بالعلوم التجربيبة، وذلك خلال الفترة 1600 حتي القرن العشرين، حيث كانت نظرية نيوتن بمثاليتها المعرفية والمنهجية هي الاطار السائد حيث كان المنهج التجربيبي التقليدي الذي يبدأ بالملاحظة ويصعد منها الي الفرض، الا أن مع مع مرحلة العلم المحدث المعاصر منذ العام 1900، وما تلاه منذ ان تفجرت ثورة النسبية والكوانتم التي احدثت انقلابا في مثاليات المعرفة العلمية وذلك تماثل مع انقلاب في نظرية المنهج التجريبي بيحث انه يبدا من الفرض ويهبط منه إلي الملاحظة والواقع التجريبي فيما يعرف بنظرية المنهج الفرضي الاستنباطي لقد انتقلت نظرية المنهج التجربي من الاستقراء الي المنهج الفرضي الاستبناطي . وذلك يوضح ان هناك اختلاف بين خصائص العلم قبل القرن العشرين وخصائص العلم منذ القرن السادس عشر حتي نهاية القرن التاسع عشر. حيث تميز الفترة الاولي وخاصة القرن التاسع عشر وملامح العلم بالعقل واليقين، والايمان بالنظريات والمذاهب، وواحدية النظرية او المذهب، والثقة في الانسان والاستقرار وانتصار الانسان، وقرن الذات والجوهر الفاعلة المتعالية علي السياق والتاريخ، والتنوير والعقل وانفصال الانا عن الموضوع ، بينما تميز القرن العشرين وخصائص بالنسبية، وتداخل الذات مع الموضوع، وعدم الاستقرار، وانخفاض وجود مساحة الانسان.
وقد شهد القرن العشرين، نقلة ثورية في العلم، تمثلت في ثورة الكوانتم ونسبية اينشاتين، وقد سيطرت الكوانتم علي مجالات العلم في هذا القرن، وقد اتسمت بعدم التأكد وعدم اليقين، وازالة مبدأ الحتمية، وخاصة عند العالم فيرنر هيزنبرج والعالم شروندجر بما يسمي بقطة شرودنجر . ومثلت ميكانيكا الكم قفزة ثورية في العلم، ويمكن الاشارة إلي أن المفهوم الاول التي تعتمد عليه ميكانيكا الكم هو أن الجُسيمات في العالم الكمّي هي موجات، ومن خلال تجربة الإنشطار المزدوج، يكون التفسير الوحيد لسلوك الإلكترونات هو سلوك موجة تتكون من قمم وقيعان، فحين تَعْبر موجيتين من خلال شقين فإنهما تعبران للجانب الآخر، وأثناء عبورهما تتحد قممها وقيعانها؛ فتُكوِّن موجة أكبر، أو يلغي بعضها بعضاً. هذه العملية تسُمّى بـ «النمط المتداخل» الخاص بالموجات. فلو أُجريت تجربة الإنشطار من خلال مصدر موجات، تكون النتائج هي ظهور أعمدة متوازية على اللوح المُصْمت، وهنا ظهرت النتائج التي خرجت بها تجربة الإنشطار المزدوج للإلكترونات أن الجسيمات – الإلكترونات – في العالم الكمِّي تسلك سلوك موجة .
وبخلاف ثورة الكوانتم اثرت في تيارات التفكير الفلسفي العلم، كانت هناك الوضعية المنطقية، التي نزعت الي اغفال تاريخ العلم باعتباره غير ذي صلة بفلسفة العلم، بناء علي الاعتقاد بأنه لا منطق للاكتشاف، وان عمليات ملاءمة الاكتشاف العلمي والتقدم العلمي هي موضوع تختص بدراسته علوم اخري مثل علم النفس او الاجتماع او غيرهما حيث أن فلسفة العلم مقتصرة علي منطق البحث فحسب، وأن عالم المنطق مهمته تحديد اللغة ضمانا لدقة وتطابق الاصطلاحات. وأن ما يعينه هو البنة المنطقية لكل القضايا الممكنة التي تزعم انها قوانين علمية . ويرفض كون رأى الوضعية المنطقية في اعتبار بنية النظريات العلمية نسقا من العلاقات الشكلية الخالصة لأبنية لغوية. إذ يرى أن نسق النظرية غارق أو منغمس في مخططات معرفية هادفة تحدد كلا من طابع ومسارات كل تطور جديد للنظرية وكذا أسلوب تحديد التجارب وتفسيرها.
2- فلاسفة علم أخرون وكون
**كارل بوبر وتوماس كون
نقاط الاتفاق: أنهما معا يهتمان بالمسار الديناميكي للمعرفة العلمية أكثر من التركيب المنطقي لنتائج البحث العلمي، وأنهما معا يؤكدان علي الاهتمام بالوقائع ويرجعان إلي التاريخ للعثور عليها. كلاهما يستبعد الرأي القائل أن العلم يتقدم بالنمو، ومن ثم فإنها يؤكدان التقدم الثوري . ويركزان علي أهمية الدور الذي يلعبه الفشل المتكرر للنظريات القديمة في مواجهة تحديات المنطق والتجربة. يؤكدان التداخل الحتمي بين الملاحظة العلمية والنظرية العلمية . ونقاط الاختلاف حول أن العلم عند كون مبرر بأصوله البراديمية، أكثر منه مبررراً بتطلعاته التقدمية وذلك عكس بوبر الذي اهتم فقط بالجانب التقدمي، وكون يتبني التاريخانية التي امضي بوبر عمره يناوئها، وهذا المذهب يعني تفدر الظواهر التاريخية والبحث عن مناهج علمية في درساتها ، وقد تخصص بوبر في معاداة التاريخانية بكل اشكالها، بل أن لديه كتابا شهيرا بعنوان بؤس التاريخانية. والاختلاف الثالث أن ظلت افاق بوبر المعيارية دائما أوسع نظاقا من افاق كون، والاختلاف الرابع ان بوبر العلم عنده أهم بكير من أن يترك لتقدير العلماء وسلطة العلماء المتنامية في المجتمع تهيئ فرصاً عديدة لقساد العلم، وذلك عكس كون الذي يعطي لسلطة المجتمع والعلماء تأثيرا في ظهور العلم، وهو لا يدعو لها، وانما يؤكد علي دورها عكس بوبر ، ووفقا للارتباطات الأسكولائية يعرض بوبر علي أنه من اشياع الموضوعانية، والنزعة الواقعية والوضعية، في حين يعد كون من اشياع الذاتانية، والنسبانية، والتاريخانية، هكذا يتم تصور بوبر علي أنه أخر المدافعين عن مفهوم موحد للعلم مغلق تحت سلطة الفيزياء الحديثة، في حين يبدو كون مثل حواري التعددية العلمية والانفتاحية المنهجية . ركز كون خصوصيا علي العلم مشروعا معرفيا، في حين شحن بوبر العلم بمحتوي رمزي حاملاً قياسيا للعقلانية النقدية، وفضيلة في كل مناحي الحياة.
إمري لاكاتوش وتوماس كون
فلسفة العلم عند المجري إمري لاكاتوش تقف في منتصف الطريق بين «نظريات» كارل بوبر وآلياته المعيارية و«نماذج» توماس كون الإرشادية وآلياته الوصفية ، بحيث تجمع بين عقلانية المنهجية العلمية واستمرارها على مدى تاريخ العلم فتضعها في مركز العملية العلمية مرة أخرى من جهة، وبين الحاجة لبرنامج بحث أكثر عمومية تنطلق منها النظريات العلمية من جهة أخرى. ويتمركز مشروع لاكاتوش الفلسفي حول اصطلاح برامج البحث وهي تشبه الباراديجمات –النماذج الإرشادية– التي تتضمها فلسفة توماس كون بدرجة ما. فهي مجموعة من العناصر الأساسية التي يعتمد عليها العلماء في أثناء وضع نظرياتهم، تلك الأفكار الموجودة في المراجع ويستخدمها الباحثون دون الحاجه إلى مُراجعة، والتي تتغير من فترة لأخرى بعد تراكم حالات الشذوذ غير المحلولة. يبدأ الاختلاف بين وجهتي نظر كون ولاكاتوش في تكوين برنامج البحث نفسه، حيث إنه من وجهة نظر لاكاتوش يتكون برنامج البحث من جزأين: نواة صلبة من المعتقدات والأفكار السائدة أو البديهيات والتي لا مجال لانتقادها أو ، وحزام واقي من النظريات التي تتلقى الانتقادات لتمنعها من الوصول للنواة الصلبة. يشبه الأمر أن يقوم العلماء بوضع عساكر الشطرنج – النظريات والفروض – حول الملك لحمايته، فالمساس به هو مساس باللعبة ككل، ببرنامج البحث ككل.




المبحث الثاني : ملامح فلسفة توماس كون
اتسمت فلسفة توماس كون حول النموذج الارشادي
التحكمية والسلطة : يشير كون إلي هناك تواجد للسلطة العلمية والمعرفية، وهذه السلطة او التحكمية متنوعة، فقد تكون سلطة المجتمع، او سلطة الجماعة العلمية التي تعترف بالاكتشافات العلمية، أو سلطة المنهج بغض النظر عن جودة النظرية العلمية المتكشفة ويقول كون ان هناك سلطة ما تساهم في حركة التفسيرات، والاكتشافات، حيث يكون تكتسب بعض الاكتشافات اهمية ويتم اعطائها بعض الاجهزة لتجريبها واستخدامها ورفض بعض الاكتشافات الاخري، وهذه الاكتشافات التي تم اختيار لا تتسم بالجدة التي يلتمسونها ويبحثون فيها حقائق هامة وذات شأن. ولقد اكتسب بعض العلماء منذ أيام تايكو براهي وحتى أ. أ. لورانس شهرة واسعة لا لأن مكتشفاتهم تتسم بالجدة والإبداع بل بسبب دقة ومصداقية وخصوبة المناهج التي استحدثوها من أجل إعادة تحديد نوع من الوقائع المعرفة سابقا. ويتحدث كون عن عنصر التحكمية، ويقول أنه قائم فعلا، وله اثره الكبير والهام علي التطور العلمي، فالعلم القياسي هو النشاط الذي يرصد له العلماء جل وقتهم ويقوم علي افتراض إن المجتمع العلمي يعرف صورة العالم، ويتوقف القدر الأكبر من نجاح المشروع علي رغبة هذا المجتمع في الدفاع عن هذا الافتراض، حتي ولو كلفه ذلك كثيرا عند الضرورة. مثال ذلك أن العلم القياسي غالبا ما يقمع الابداعات الجديدة الاساسية لأنها تدمر بالضرور التزاماته واعتقاداته الراسخة .
اللاعقلانية : وجهت انتقادات كثيرة لتوماس كون حول مفهوم معني الثورة العلمية لديه التي تعني الانتقال من إطار فكري أو نموذج ارشادي الي اخر، وما ينطوي علي هذا الفهم من ايحاء بوجود عناصر لاعقلية ونفي الارتقاء الحضاري العلمي علي نحو متتابع ، وقد يبدو من الكتاب هذا البعد اللاعقلاني، وذلك من ذكر بعض المباديء التي تحكم النموذج الارشادي مثل عدم تراكمية العلم، وعندم مناسبة النموذج الارشادي للفترة التي ظهر فيها، والفرق بينه وبين القواعد التي تحكم العلم والعلم القياسي، وجود حالة من اللاحتمية في القوانين والتي تحكم منطق العلوم الفيزيائية والكيميائية، والي اخره من نتائج توصل اليها توماس كون، وقد اشار الي هذا الملحوظة في ختام كتاب.
عدم التراكمية : البنية الثورية وعدم التراكم هي ملمح مهم ورئيسي في فلسفة العلم لدي كون، حيث رفض كون ان التطور في العلم هو نتيجة التراكم الحاصل في النظريات والاكتشافات لأن العلم يمكنه أن يتطور بغض النظر عن التراكم في الاختراعات والاكتشافات، فهناك بنية ثورية تحدث ليس لا علاقة مباشرة بالتراكم في العلم، هي تزيل القانون السابق، او تكون نتيجة أزمة في العلم وليس بشكل تراكمي . ويشير كون إلي أن التراكم في العلوم لم يكن بصفة تدريجية، وقليلا ما كان بصورة مفاجئة وواضحة، بمعنى أن التطور كان من خلال تواثر المعطيات وتكاثرها، ومن خلال هذه المعطيات تم استخلاص الأهم منها والاستغناء عن الثانوي، والكهرباء في تطورها تعطينا خير مثال عن التطور بشكل مغاير لما تصوره العلماء الأوائل، وأصبحت تنظر في مشكلات أكثر مادية وغموضا. ويشير كون إلي أن تطور النظريات العلمية يبدأ في مرحلة أولى بالاشتغال داخل نفس الباراديغم من أجل الذهاب به إلى أقصى الحدود، ثم في مرحلة ثانية تتم إضافة بعض النظريات التي لا تخرجنا من الباراديغم، بعد هذا و في مرحلة ثالثة نصل إلى بروز ظواهر عدم توقع جديدة. و في هذه المرحلة يتم الانتقال إلى باراديغم جديد.
التاريخية: اهتم كون بالجانب التاريخي لدراسة العلم، فكما ذكر البحث اعلاه ان قام بتدريس تاريخ العلوم، فهو يدعو الي دراسة العلم تاريخيا بشكل جيد، فيقول كون أن النظر اليه بشكل مغاير، يمكن أن يؤيد الي تحول حاسم في صورة العلم التي نعيش أسري لها الآن ، ويبدي شكه من الكتب التي تتناول الاكتشافات العلمية والقواعد والتي تدرس العلوم، فهي فهي تفيد ضمنا أن محتوي العلم جاء تماما علي شاكلة المشاهدات والقوانين والنظريات المعروضة علي صفحاتها، مما يعطي نظرة غير كاملة لتطور العلم، فكون يهتم بالاختلافات باهتمام الاكتشافات العلمية، ومقارنة خصائص الثورات علمية، ودرجة الوضوح والدقة والشهرة لبعض الثورات العلمية، ودرجة الاستجابة من المتخصصين، فقد كانت معادلات ماكسويل ثورة بنفس قدر معادلات اينشتين بالنسبة للحلقة الضيقة من فريق العلماء الذين تأثروا بها واثارت نفس القدر من المقاومة، ويضيف ا، ابتكار نظريات أخري جديدة من شانه أن يستثير عادة وعلي نحو ملائم ذات الاستجابة من جانب بعض المتخصصين ممن يرون أنها تتعارض مع مجالات تخصصهم. فهو يوضح ان دراسته للتاريخ العلمي احدث تحول مفاهيمي، واسلوبه اتصف بالتأويلي والمهايري، بجانب الوصفي .
البعد الاجتماعي والثقافي لكون : أيدي كون علاقة بين العلم وفكرته حول النموذج الارشادي والابعاد الاجتماعية والتاريخية والثقافية، فالاكتشاف العلمي والقانون العلمي لا ينشأ في ذاته، ولكن هناك ابعاد مؤثرة في ظهوره، وهناك تفسيرات في نموذج الارشاده، ارتبط بمجال العلوم الاجتماعية والثقافية، في الفصول الاخيرة للكتاب اشار كون إلي هذه العلاقة الوطيدة بين العلم والابعاد الانسانية والاجتماعية والسياسية، فهناك علاقة بين لغة الحياة اليومية ولغة العلم في الحياة، فالانسان العام لا يزال من الوجهة الاجتاماعية هو الإنسان بمكوناته الإدراكية ووسائل تعبيره. إذ لا يزال يدرك حسيا أن الشمس تدور حوله ولا يزال يقول، وتفرض عليه لغته قول أشرقت الشمس، كما أن الظروف الخارجية عن العلوم تؤثر علي العلوم وعلي اختيار البدائل وعلي القناعات العلمية . ويقيم كوهن علاقة موازاة وتشابه بين التطور السياسي والتطور العلمي، حيث أن الثورات السياسية تحدث عندما تصبح المؤسسات السياسية القائمة غير قادرة على إيجاد الحلول لمجموعة من المشاكل الاجتماعية. وفي هذه المرحلة يحتد الشعور بأن هناك أزمة تستوجب الحل، لتنقسم النخبة السياسية إلى نخبتين إحداهما مرتبطة بالمؤسسات القديمة، والثانية تنشد تغييرها. في هذه الحالة يتم اللجوء إلى الجماهير التي عليها أن تحسم الأمر. هنا يمكن القول بأن التأثير في الجماهير يكون بشكل عنيف غالب الأوقات. من هذا المنطلق يقول كوهن بأن الثورات العلمية تسير و فق نفس المعطى، ففي حالة ظهور حالات عدم توقع نصل إلى مرحلة أزمة، بعدها يأتي باراديغم جديد ليصارع القديم .
البعد الظرفي: في كتابه بنية الثّورات العلميّة ، وضع توماس كون بعض الأفكار حول طبيعة حركة العلم، وذهب إلى أنّها ليست واقعّية على نحو مطلق، فلا تمثّل الطّبيعيّة المرجع الأخير والأوحد لها، إذ ثمّة عوامل تقع خارج العلم نفسه تحدّد حركته؛ فلكي يستقرّ التّفكير العلميّ حول مركزيّة الشّمس مع كوبرنيكس، لم يكن ينتظر الأخير نفسه؛ فالفكرة ذاتها كانت موجودة سلفًا، لكنّ ظروف قبولها تغيّرت؛ فظهور حقيقة علميّة جديدة ليس وليدًا لاجتهاد العلم نفسه فقط، بل ومحكوم أيضًا بالسّياق التّاريخيّ الّذي يحتّم اعتماد تفسير ما وغضّ الطّرف عن آخر، وهذا ما يدفعه لأخذ البراديغم أو الإطار النّاظم نموذجًا تفسيريًّا في حركة العلم .






المبحث الثالث : النموذج الارشادي لفلسفة الفيزياء والرياضة.
أولا التعريف بالنموذج الارشادي والعلم القياسي
يشير توماس كون بأن النموذج الارشادي يعد أصلا نقيس عليه أي عدد  من الأمثلة المطابقة قدر الاستطاعة والتي يمكن أن تحل محل الأصل من حيث المبدأ. وعلى العكس من ذلك في مجال العلم إذ نادرا ما يكون النموذج الإرشادي قابلا للتكرار. إنه هنا أشبه بحكم قضائي أو قاعدة شرعية قياسية في القانون العام ومن ثم يكون قابلا للتعديل والتحديد مرة أخرى بموجب ظروف جديدة أو ظروف أشد إلزاما . ويعرف توماس كون النموذج الإرشادي بأنه هو القالب المبحثي المنبثق عن مجموعة الإنجازات الراسخة في فرع علمي ما، والذي يتفق حوله أهل ذلك العلم، ويرسم لهم كيف يحددون مشكلاتهم وكيف يبحثون حلولها في المستقبل . ويكون عمل الباحثين هو أن يفسروا كل المشاهدات على أساس الفروض المكونة لذلك النموذج، وبعبارة أخرى استخدمها (كون) «أن يدفعوا الطبيعة قسراً داخل إطار معدٍ مسبقا وجامدٍ نسبيا زودنا به النموذج الإرشادي» .
ويختلف تعريف النموذج الارشادي عن تعريف العلم القياسي الذي اشار توماس كون الي طبيعته بانه هو الارشادت والقواعد التي اشتهرت في عدد من الكتب العلمية والدراسية لعدد من العلماء مثل كتاب أسس الرياضيات وكتاب البصريات لنيوتن، وكتاب الكهرباء لفرانكلفين والكيمياء لافوزييه، والجيولوجيا تأليف لييل، ولا تؤدي هذه القواعد الارشادية نادار الي اختلاف صريح بشأن المباديء الاولية، فالباحثين اللذين يركزون ابحاثهم علي نماذج مشتركة فيما بينهم ملتزمون بذات القواعد والمعايير للممارسة العلمي، وهذه الالتزام وما ينجم عنه من اجماع واضح في الرأي، يمثلان الشروط الالولية للعلم القياسي .
وأشار كون أن الي بعض البؤر القياسية والتحديدات الوقائعية التي يتم الاستعانة بها وتمثل محورا رئيسيا في البحث العلمي ويقول كون أن هناك ثلاث بؤر قياسية من الوقائع يتركز حولها البحث العلمي وهي ليست متمايزة عن بعضها دائما ولا بصورة متصلة. هناك أولا مجموعة الوقائع التي أبان النموذج الإرشادي أنها تكشف على نحو متميز عن طبيعة الأشياء. ولقد أسبغ النموذج الإرشادي عليها أهمية وشأنا من خلال استخدامها لحل عديد من المشكلات بحيث أضحت جديرة باهتمام الباحث من أجل تحديدها بدقة أكبر واستنادا إلى حالات أكثر عددا وتباينا في آن واحد. واشتملت بين حين وآخر تلك التحديدات الوقائعية الهامة على ما يلي: في الفلك-تحديد مواضع وحجم الأجرام السماوية . ودورات كسوف النجوم الثنائية ودورات الكواكب وفي الفيزياء-الثقل النوعي للمواد وقابليتها للضغط وأطوال الموجات والشدة الطيفية وقابلية التوصيل الكهربي وجهد التلامس وفي الكيمياء التركيب وأوزان الاتحاد الكيميائي ونقط الغليان وحمضية المحاليل والصيغ التركيبية والأنشطة البصرية (الضوئية).
وقد بين توماس كون أن هناك فرقا واضحا بين النماذج الارشاية والقواعد فيقول أن تحديد النماذج الإرشادية المشتركة ليس تحديدا للقواعد المشتركة، والقواعد تعني فهم الترابط المنطقي لتقاليد البحث، والقواعد الثابتة للتفسيرات، ولكن النموذج الارشادي يكون دائما متغير ويسعي للتفسير دون الاتفاق، فالنموذج الارشادي يعني بتوجيه البحوث، ولكن لا يقدم تفسير معياري او قواعد اساسية متفق عليها، فوجود نموذج ارشادي لا يحتاج حتي الي أن يفيد ضمنا بوجود مجموعة كاملة من القواعد، فيمكن للعلماء أن يتفقوا علي أن شخصا مثل نيوتن أو لافوازييه أو ماكسويل أو اينشتين قدم حلا دائما في ظاهرة لمجموعة من المشكلات البارزة ولكنهم لا يزوالون مختلفين دون ان يدركوا ذلك عن وعي احيانا بشأن الخصائص التجريدية المميزة التي تجعل من هذه الحلول حلولا دائمة.
ويضيف كون أن النظرية يتم تفسيرها وفهمها في اكثر من طريقة وواتجاه، ويمكن افتراض أن النماذج أنما توجه البحث عن طريق النمذجة المباشرة وكذلك خلال القواعد اﻟﻤﺠردة. والعلم القياسي يمكنه الانطلاق بدون قواعد، ولكن في حالة واحدة فقط وذلك عندما يسلم اﻟﻤﺠتمع العلمي صاحب الاختصاص دون جدال بحلول ا المشكلات الخاصة التي تم إنجازها. وذلك يعني ان دور القواعد متغير، ومختلف وقد لا يمثل أهمية أمام النماذج الارشاية، فالعلماء حين يختلفون حول ما إذا كانت المشكلات الأساسية في مجال بحثهم قد تم حلها أم لا فإن البحث عن القواعد يصبح له دور غير أدواره العادية. إلا أن النماذج الإرشادية حين تبقى آمنة ومؤكدة فإنها تستطيع أداء وظيفتها دون اتفاق بشأن التبرير العقلي أو بدون أي محاولة للتبرير العقلي على الإطلاق . إن كوهن يرسم لنا لوحة يكون فيها الباراديغم بمثابة وعاء كبير والقوانين تشكل جزءا من هذا الوعاء، ومن هنا فإن الباراديغم هو الأساسي، والتغيير في القواعد لا يعني بالضرورة التغيير على مستوى الباراديغم.

ثانيا تطورات النماذج الارشادية
اعتمد توماس كون علي تفسيره للنموذج الارشادي علي ملامح العلم القياسي، حيث يكون العلم القياسي متعلقا بالقواعد في تفسير الظاهرة، والنموذج الارشادي اعم منه ويتعلق بابعاد وملامح اخري تفسر خط سير العلم القياسي وذلك في الاتي:
ويقول كون أن يكون هناك نموذج ارشادي يسيطر علي تفسير ظاهرة ما بخلاف النماذج الارشادية او النظريات الاخري تجاه نفس الظاهره، فمثلا ظاهرة ، هناك تفسير نيوتن يري أن الضوء جزئيات تنبعث من أجسام مادية واعتقد فريق آخر أن الضوء تعديل في الوسط الواصل بين الجسم والعين بينما فسر فريق ثالث الضوء على أساس أنه تفاعل بين الوسط المحيط وبين انبعاث صادر عن العين، هذا علاوة على توليفات وتعديلات أخرى. واستمدت كل مدرسة قوتها من خلال ارتباطها بمذهب ميتافيزيقي محدد. واستندت كل منها على مشاهدات مبنية على „نموذج إرشادي للتأكيد على مجموعة بذاتها من الظواهر البصرية. ولكن نظرة نيوتن هي التي سادت . وذلك يعني الاختلاف في الاراء: ويفيد التاريخ أن السبيل إلى اتفاق كامل في الآراء بشأن البحوث أمر شديد العسر على نحو غير مألوف.
هذا هو الموقف الذي يؤدي إلى نشأة المدارس المميزة للمراحل الأولى من تطور علم من العلوم. فليس بالامكان تفسير أي تاريخ طبيعي مع غياب أدني حد ضمني من المعتقدات النظرية والمنهجية المتكاملة والتي يدعم بعضها بعضا وتسمح بالاختيار والتقييم والنقد . ومع هذا فإنها تتلاشى وتختفي على نطاق واسع جدا ثم تختفي ظاهريا مرة واحدة وإلى الأبد. علاوة على هذا فإن اختفاءها يأتي عادة نتيجة انتصار إحدى المدارس السابقة على النموذج الإرشادي والتي استطاعت بفضل مالها من معتقدات وتصورات خاصة مميزة. وثمة نتائج أخرى ترتبت على تحديد الفريق العلمي تحديدا أكثر دقة، إذ عندما يأخذ العالم الفرد النموذج الإرشادي مأخذ التسليم فإنه لن يكون بحاجة في أعماله الرئيسية إلى بناء مجاله من جديد بادئا بالأسس الأولى ومبررا استخدام كل مفهوم مستحدث.
امثلة علي تطبيق النماذج الارشادية وتحولها في الاكتشافات الفيزيائية والرياضية
1- ( النفي) عدم تطبيق النموذج الارشادي في الكهرباء: ففي القرن الثامن عشر على سبيل المثال كان الاهتمام قليلا بالتجارب التي تقيس التجاذب الكهربي مستخدمة أجهزة مثل الميزان ذي الكفتين أو غيره. وحيث أن نتائج هذه التجارب لم تكن نتائج ثابتة ولا بسيطة فقد تعذر استخدامها لصياغة النموذج الإرشادي التي انبثقت عنه .
2- ( التحول ) النموذج الارشادي يتحول الي تجارب اخري : فبالنسبة للأجرام السماوية استخلص نيوتن قوانين كيبلر عن حركة الكواكب السيارة. وكان كتاب أسس الرياضيات البرنكيبيا وضع خصيصا لتطبيقه أساسا على مشكلات ميكانيكا الأجرام السماوية. اما ما حدث انها تلائمت مع الاستخدامات الأرضية وخاصة الاستخدامات المتعلقة بالحركة المقيدة فلم تكن قد وضحت بعد. لقد كانت المشكلات الأرضية على أية حال قد بدأ التصدي لها بنجاح كبير بفضل مجموعة مغايرة تماما من التقنيات التي استحدثها أصلا جاليليو وهوجينز . وكانت هناك محاولات لملائمة بين النموذج الارشادي وبين المشاهدات.





ثالثا فيزياء القرن العشرين ( ميكانيكا الكم) والنموذج الأرشادي:
يتضح أن مكونات وملامح ميكانيكا الكم تقترب من فلسفة النموذج الارشادي، وملامح فلسفة توماس كون بشكل عام، فقد تكون هذه الثورة هي ما لفتت نظر كون الي افكاره في الكتاب والنموذج الارشادي، خاصة أن اصدر الكتاب في عام 1962 في زخم ونضج ثورة الكوانتم، والكوانتم تتميز بالثورات المتتالية والنسبية، والتطورات والتغيرات، وذلك لطبيعتها، وهناك تغيرات في تطورها لا تتوقف، فمن ملامح هذه الثورة الفيزيائية ما طوره العالم الفيزيائي فيرنير هايزنبرج، حول مبدأ الريبة ( عدم التأكد) والذي ينص علي أنه لا يمكن تحديد خاصيتين مقاستين من خواص جملة كمومية إلا ضمن حدود معينة من الدقة، أي أن تحديد أحد الخاصيتين بدقة متناهية (ذات عدم تأكد ضئيل) يستتبع عدم تأكد كبير في قياس الخاصية الأخرى، ويشيع تطبيق هذا المبدأ بكثرة على خاصيتي تحديد الموضع والسرعة لجسيم أولي. فهذا المبدأ معناه أن الإنسان ليس قادرا على معرفة كل شيء بدقة 100%. ويعني أيضا أن عالم الفيزياء لا يستطيع أن يفعل أكثر من أن تكون لديه تنبؤات إحصائية فقط. فالعالم الذي يدرس النشاط الإشعاعي للذرات مثلا، يمكنه أن يتنبأ فقط بأن من كل ألف مليون ذرة راديوم مليونان فقط سوف يصدران أشعة غاما في اليوم التالي، لكنه لا يستطيع معرفة أي ذرة من مجموع ذرات الراديوم سوف تفعل ذلك. ويشير أيضا هيزنبرج في كتابه "إن أول نقطة مبدئية لنقد نظرية النسبية كان الفرض بأنه لا توجد إشارة ذات سرعة أكبر من سرعة الضوء، وبطريقة مماثلة، فإن الحد الأدنى للدقة التي بها يمكن معرفة آنية للمتغيرات يمكن صياغتها كقانون الطبيعة بصورة يطلق عليها علاقات عدم اليقين وصنعت أول نقطة مبدئية للنقد وقد أعطتنا علاقات عدم اليقين ذلك المقياس للتحرر من قيود المفاهيم الكلاسيكية الضرورية للوصف المتوافق للعمليات الفيزيائية .
وأيضا اثبت أن هناك ثنائية (موجي-جسيمي) للضوء والمادة معاً، ففي 1690 فسر كرسيان هايغنس أن الضوء مكون من موجات، ولكن في 1704 فسر إسحاق نيوتن بأن الضوء مكون من جسيمات صغيرة جدا. التجارب دعمت كل منهما. على أية حال، لا نظرية منهم يمكن أن توضح كل الظواهر المربوطة بالضوء، لذلك بدء العلماء يفكرون بالضوء بكلا الوضعين جسيم وموجة. في عام 1923 لويس دي بروجلي افترض بأن مادة الجسيم يمكن أن يكون لها نفس خواص الموجات، وفي 1927 عرضت ( من قبل دافيسسون وجيرمير ) أن الإلكترونات يمكن أن تتصرف مثل الأمواج. كيف يمكن لشيء أن يكون جسيم وموجة في نفس الوقت؟ إن ذلك خاطئ أن نفكر بالضوء كفيض من الجسيمات التي تتحرك لأعلى وأسفل بطريقة الموجات. في الحقيقة، الضوء والمادة موجدان كجسيمات، ما يتصرف مثل الموجة هو احتمالية اين سيكون ذلك الجسيم.السبب أن الضوء يظهر أحيانا بكونه موجة بسبب أننا نلاحظ تراكم العديد من جسيمات الضوء وزعت على احتمالات حيث يتواجد كل جسيم. على سبيل المثال، لنفترض أن لدينا آلة رمي النبال وهناك احتمال 5% برمي داخل نقطة الهدف و95% لإصابة الحلقة الخارجية ولا يوجد فرصة لضرب أي مكان آخر على رقعة النبال. لنفترض الآن أننا تركنا الآلة لترمي 100 نبلة وتركنا النبال المائة على لوحة الرمي، يمكنا أن نرى كل نبلة منفردة (لذا نعرف انهم طبيعتهم مثل الجسيم ) لكننا يمكن أن نرى نموذج في لوحة الرمي من حلقة كبيرة تحيط عنقود صغير في المنتصف. هذا النموذج هو تراكم النبال الفردية على احتمالات حيث تتواجد كل نبلة قد هبطت، وتمثل حركات الموجات سلوك النبال .
وكان لميكانيكا الكم تأثير كبير علي أكثر من صعيد علمي، فهي احدثت ثورات في أماكن علمية غير الفيزياء، فهي فهي معادلات تصف سلوك الاجسام المتناهية الصغر، بمعني تلك التي في حجم الذرة او اصغر، وتزودنا ايضا بالطريقة الوحيدة لفهم عالم الاشياء المتناهية الصغر. وبدون هذه المعادلات لم يكن يمكن للفيزيائين أ، يصمموا محطات القووي النووية العاملة او القنابل الذرية ولا أن يحصلوا علي أشعة الليرز أو حتي يشرحوا الطريقة التي يتحتفظ فيها الشمس بسخونتها. فلو لا ميكانيكا الكم لظلت الكيميا في عصورها المظلمة، ولما وجد علم البيولوجيا الجزيئية، ولا كنا سنفهم الدنا او الهندسة الوراثية .
مبدأ عدم اليقين : في تفسير كوبنهاجن تخضع خصائص النظام الفيزيائي لمبدأ من عدم التوافق، أي أن بعض خصائص النظام لا يمكن التعرف عليها معًا في نفس الوقت. بينما في مبادئ الفيزياء الكلاسيكية –والبديهة- يمكن قياس أي مجموعة من خصائص أي جسيم معًا في نفس الوقت. ضع كرة بيلياردو على طاولة وراقبها، أنت الآن تعرف مكانها بالتحديد وسرعتها (صفر). هر مبدأ عدم اليقين من التساؤل عن كيفية تحديد موضع الإلكترون بينما هو موجة. توصل هيزنبرج لرياضيات تثبت ذلك، لا يمكن تحديد خاصيتين من خواص نظام كمومي معًا إلا ضمن حدود معينة من الدقة، يندرج ذلك رياضيًا تحت عنوان «non-commuting operators مؤثرات غير إبدالية». أشهر الأمثلة هنا هو استحالة حساب موضع وسرعة الإلكترون معًا في نفس الوقت، بل يمكن تحديد أحدهما بدرجة تقترب من اليقين والآخر بدرجة تبتعد عنه. هناك إذن حد لمعرفة الإنسان يتعين بهذا المبدأ، حيث لا يمكن مهما بلغت بنا الدقة أن نحصل على نتائج صحيحة بشكل مطلق. واحدة من المغالطات الشهيرة هي الخلط بين ما يسمى بتأثير الملاحظ Observer’s effect -ذا الأهمية الكبيرة في الميكانيك الكمومي- ومبدأ عدم اليقين :









رابعاً مراحل التحول للنموذج الارشادي
1- اللغز
وهذه المرحلة تتعلق بالعلم السوي، ومرحلة العلم المستقر، والمشكلات المعتادة التي تتم في نموذج ارشادي معين دون حدوث اي تغيرات وثورات، ويشير توما كون إلي أن مشكلات العلم السوي عبارة عن الغاز، ومهمة الباحث هو ايجاد وسيلة لحلها والالغاز حسب المعني المعني القياسي، تعني تلك الفئة من المشكلات المحددة التي تهييء لكل باحث فرصة لاثبات قدرته الابداعية وبراعته في وضع الحلول، والالغاز تعني قابلية الحل، ومعيار اللغز وجودته ليس في أن يكون مهما أو مفيدا في حد ذاته، لأنه توجد الكثير من المشكلات المهمة والملحة كمشاكل الاجتماعية مثل انتشار مرض خطير لكنها لا تمثل الغازا كونها لا تقبل حلولا، اذ لكي تكون المشكلة لغزا يجب أن تقبل حلا، فمشكلات العلم السوي هي الغازاً لأن رغم صعوبتها تقبل حلولاً. ومشكلات البحث كثيرة والنموذج لا يثير منها إلا الالغاز التي تفسح المجال لقدرة الباحث في ايجاد حل لها، والنموذج هو الذي يزود الباحثين بمعيار اختيار المشكلات التي تمثل الغازاً، وتكون الحلول المقترحة لها مستقاة منه. وهذه المشكلات التي لها حلول هي الوحيدة التي يقبلها الفريق العلمي ويعتبرها علمية، لأنها تضخع لاليات النموذج الارشادي المعتمد. أما المشكلات الاخري ترفض لأنها مشكلات ميتافيزيقية، أو باعتبارها تدخل في مجال بحث أخر، أو لكونها مشكوكا فيها ولا تستحق اضاعة الوقت عليها .
و لا يكفي أن يكون لمشكلة ما حل أكيد لتكون لغزا بل يجب أن تخضع لقواعد تحدد طبيعة الحلول المقبولة والمراحل المؤدية للحل. فوضع لغز يختلف عن شكل يرسمه طفل حتى وإن كان ذلك الرسـم جميلا لأنه عمل عفوي، في حين وضع لغز هو عمل مؤسس على قواعد محددة يتم العمل في إطارها. ومشكلات العلم السوي مثل الألغاز لحلها يجب احترام قواعد وشروط، لأن الحل المقبول يكون في إطارها فقط وإذا تم حل هذه المشكلات في غياب هذه القواعد، فإن هذا الحل يبقى أمرا مرفوضا لأنه لم يتم في حدود الشروط المرسومة. نقصد بهذه القواعد التصور الذهني المسبق أو وجهة النظر المعتمدة في حل المشكلات، وتكشف دراسة العلم السوي عن الكثير من القواعد والشروط التي يعمل اطارها العالم "وأكثرها إلزاما هي أنواع التعميمات" أي أكثر الشروط الحاحا هي القوانين العلمية، فهي القادرة على صياغة الألغاز وحلها، وعلى الباحث أن يربط دائما نتائجه بهذه القوانين لمعرفة مدى صحتها وتطابقها معها .

2- النموذج الارشادي والشذوذ
يتبع ظهور الشذوذ بمحاولات ملاءمته مع النموذج الإرشادي القائم، لأنه أشبه بقرار أو قاعدة شرعية في القانون العام، ومن ثم يكون قابلا للتعديل والتحديد مرة أخري، فقد يكون الشذوذ عبارة عن خط ناتج عن سوء استعمال أدوات العمل ويستعاب بتعديل بسيط في النموذج. و إذا تعذر فهم الشذوذ على ضوء النموذج المعمول به رغم إجراء تغيرات فيه، فإنه يؤدي إلى أزمة، لأن الأزمات " قد يسببها الفشل المتكرر في جعل ماهو شاذ متسقا وهي تحصل إذا لم يتم حل المشكل في إطار النموذج القائم، وتكـرر هذا الفشل مرارا لأنه غير مهيئ لهذا النوع من الوقائع، فيؤدي إلى تناقضات فيه. إن الأزمة تمثل النقطة التي فشلت عندها قواعد العلم السوي فشلا ذريعا بعد أن استحال على ضوئها استيعاب الشذوذ. وإن الشذوذ الذي يؤدي إلى أزمة لا يمكن حله بضبط النموذج وتوسيع نطاقه، لأن الأمر يتطلب أكثر من ملاءمة وتعديل، إنه يحتاج إلى نموذج جديد، وعليه فإن الازمة تعني قد آن الآوان للخروج من سياق العلم العادي" إلى علم جديد يحيط بجوانب المشكلة التي أدت إلى أزمة .
وذكر توماس كون عدداً من الامثلة علي الشوذو ودوي في النموذج الارشادي وتحول الشذوذ الي ازمة ثم حدوث ثورات علمية، ومنها مثاله المتكرر حول لافوزييه والفلوجستين، فيما يتعلق باكتشاف الاكسحين، فقبل أن يجري لافوازييه تجاربه على أكسيد الزئبق الأحمر أجرى تجارب أخرى لم تحقق النتائج المتوقعة منها سلفا بموجب النموذج الإرشادي لعنصر الفلوجستون . كذلك بدأ اكتشاف رونتجن عندما أدرك أن الساتر المستخدم في تجاربه قد توهج في وقت لم يكن ذلك متوقعا منه. وخلال التجارب قد يكون الظن بأن شيئا ما وقع عن طريق الخطأ هو فقط المقدمة على طريق الاكتشاف. إذ لم يظهر الأكسجين ولا الأشعة السينية إلا بعد مزيد من التجارب والاستيعاب. ولكن عند أي نقطة في بحوث رونتجن ينبغي على سبيل المثال أن نقول هنا تم اكتشاف الأشعة السينية فعلا. لن يكون ذلك على أية حال في اللحظة الأولى التي كان كل ما شاهده وقتها هو توهج الساتر. ولابد أن باحثا آخر على الأقل سبق له أن رأى هذا التوهج ولكنه لسوء حظه الذي تبينه فيما بعد لم يكتشف شيئا على الإطلاق .
وحول مثال الاشعة السينية، قال كون أنه تم استقبال الأشعة السينية استقبالا حماسيا لم يكن ممزوجا بالدهشة فحسب بل وبالصدمة أيضاً. فقد وصفها لورد كلفن أول الأمر بأنها خدعة محكمة. وأصاب الذهول آخرين وإن عجزوا عن الشك في الشواهد والدليل. إذ على الرغم من أن الأشعة السينية لا تحظرها النظرية المعتمدة . إلا أنها ناقضت بشدة التوقعات الراسخة. أعتقد أن تلك التوقعات كانت واردة ضمن تفسير وتصور الإجراءات المعملية السائدة آنذاك. ففي العقد الأخير من القرن التاسع عشر كانت أجهزة الأشعة المهبطية منتشرة في عديد من معامل أوربا .
وحول كيفية ادراك الشذوذ، يوضح كون إلي هناك حالات كثيرة حول ذلك،. ففي البداية لا ندرك بالخبرة إلا ما هو عادي ومقدر سلفا حتى ولو كانت ظروف المشاهدة هي ذات الظروف التي نلحظ فيها وجود ظاهرة شاذة في فترة تالية متأخرة. بيد أن المزيد من المعرفة يفضي إلى إدراك أن ثمة خطأ ما أو إلى أن نربط النتيجة بخطأ ما وقع من قبل. وإدراك الشذوذ على هذا النحو يستهل فترة تجرى فيها عملية ملاءمة للمقولات الذهنية إلى أن يصبح ما كان شاذا في البداية هو المتوقع سلفا. وعند هذه النقطة يكون الاكتشاف قد اكتمل. أو عملية أخرى شديدة الشبه بها تحدث عند انبثاق جميع الإبداعات العلمية الأساسية. .
3- الازمات في العلم والنموذج الارشادي:
تداخل حالات الشذوذ وتحولها الي ازمات: يوضح توماس كون التحولات في الشذوذ الي ازمات ثم تغيرات ثورية في بنية العلم ويضرب عدة امثلة، فمثلا. حالة فلك بطليموس بمثابة فضيحة قبل إعلان نتائج أعمال كوبرنيكوس. واعتمدت إسهامات جاليليو في دراسة الحركة اعتمادا وثيقا على المشكلات التي كشف عنها النقاد المدرسيون لنظرية ارسطو . ونشأت نظرية نيوتن الجديدة عن الضوء واللون عند اكتشاف أن جميع النظريات القائمة قبل النموذج الإرشادي لم تنجح في تفسير طول ألوان الطيف . كما ظهرت النظرية الموجية التي حلت محل نظرية نيوتن وسط القلق المتزايد بشأن مظاهر الشذوذ في علاقة آثار الحيود والاستقطاب على نظرية نيوتن. ونشأت الديناميكا الحرارية من خلال الصدام بين نظريتين في الفيزياء كانتا موجودتين في القرن التاسع عشر مثلما ولدت ميكانيكا الكم من خلال مجموعة متباينة من المشكلات التي أحاطت بإشعاع الجسم الأسود والتأثير الكهروضوئي وضروب الحرارة النوعية ويشير كون إلي ان هذه حالات الشوذو والازمات كانت تستلزم تدميرا واسع النطاق للنموذج الإرشادي وتحولات أساسية في مشكلات وتقنيات العلم القياسي . لذلك فإن انبثاق نظريات جديدة كانت تسبقه عادة فترة يغلب فيها على الباحث اﻟﻤﺨتص شعور واضح بالقلق وعدم الأمان. كما من المتوقع إن هذا الشعور بعدم الأمان تولد بفعل الإخفاق المطرد في الوصول إلى النتائج مرتقبة من حل ألغاز العلم القياسي. ومن ثم فإن إخفاق القواعد القائمة هو المقدمة للبحث عن قواعد جديدة .
تأثير الضغط الاجتماعي والاحوال الخارجية: يشير كون أن الضغط الاجتماعي والعوامل الخارجية لها دور في تبلو الازمة ووجود حاجة الي تغيرات في بنية النموذج الارشادي إلي النقد الذي دار في العصر الوسيط ضد أرسطو وظهور النزعة الأفلاطونية الجديدة-مع عصر النهضة وغير ذلك من عناصر تاريخية هامة. موضحا أن الانهيار التقني سيظل هو لب الأزمة. فالعوامل الخارجية تعتبر في أي علم ناضح -وكان علم الفلك علما ناضجا منذ القدم-عوامل هامة وأساسية في تحديد مواقيت الانهيار . وسهولة التعرف على ذلك . وبيان اﻟﻤﺠال الذي أصابه الانهيار أولا وذلك لما تحظى به من اهتمام خاص.
الفرق بين العلم القياسي والعلم في الازمة : ما الذي يفرق بين العلم القياسي وبين العلم في حالة أزمة ليس السبب يقينا أن الأول لا يواجه شواهد مناقضة. بل على العكس تماما هو ما يسمي قبل ذلك الألغاز التي تؤلف العلم القياسي انما توجد فقط لأن أي „نموذج إرشادي معتمد لدى الباحثين كأساس البحث العلمي لا يمكن أبدا أن يحل بشكل كامل وتام جميع مشكلات هذا العلم .وإذا كانت هناك حالات نادرة جدا لنماذج إرشادية بدا أنها حققت ذلك (البصريات الهندسية على سبيل المثال) فإنها سرعان ما توقفت عن طرح أي مشكلة للبحث بل وتحولت إلى أدوات لمهارات تقنية. ومن ثم فإن كل مشكلة . ينظر إليها العلم القياسي باعتبارها لغزا يمكن النظر إليها من زاوية أخرى باعتبارها شاهدا مناقضا . وبالتالي مصدر الأزمة باستثناء تلك التي تحولت كلية إلى أدوات مساعدة. فإن كل ما اعتبره أكثر خلفاء بطليموس ألغازا عند التوفيق بين المشاهدة والنظرية رآه كوبرنيكوس شواهد مناقضة. كذلك فان ما اعتبره بريستلي لغزا حله على نحو جيد في إطار نظرية الفلوجستون إنما „ رآه لافوازييه شواهد مناقضة. ونفس الشيء مع آينشتاين فإن ما رآه كل من لورينتز وفتزجرالد وغيرهما ألغازا في إطار صياغة نظرية نيوتن ونظرية ماكسويل . رآه آينشتاين شواهد مناقضة. علاوة على ذلك فإن وجود الأزمة ذاته لا يحول اللغز تلقائيا إلى حالة معاكسة. إذ ليس ثمة خط فاصل حاد على هذا النحو. بل إن تكاثر الصور المتباينة للنموذج الإرشادي يجعل الأزمة بدلا من ذلك تخفف من سطوة قواعد الأسلوب العادي في حل الألغاز فتتعدد السبل على نحو يسمح في النهاية بانبثاق „نموذج إرشادي جديد .
ويتسائل كون حول مدي استجابة العلماء عند إدراك شذوذ في التطابق بين النظرية والطبيعة. ويشير إلي ان التضارب حتى وإن كان على نحو غير مفهوم أوسع نطاقا من التضارب الذي كشفت عنه الخبرة في التطبيقات الأخرى للنظرية فإنه لا يستثير بالضرورة رد فعل شديد . فهناك دائما بعض مظاهر للتضارب. ويحدث عادة أن أشد الحالات استعصاء على الحل تستجيب في نهاية الأمر للتطبيق العادي. وفي غالب الأحيان يؤثر العلماء التريث والانتظار . خاصة إذا ما كانت هناك مشكلات كثيرة في قطاعات أخرى من مجال البحث. ويمكن الملاحظة علي سبيل المثال أنه على مدى الستين عاما التالية لحسابات نيوتن المبتكرة لم تتجاوز حركة القمر نحو الحضيض التي تنبأ بها سوى نصف الحركة التي بينتها الأرصاد. وبينما لم يكف خيرة علماء الفيزياء الرياضية في أوربا عن التصدي بقوة لهذا التضارب ا لمشهورة. دون أن يحالفهم النجاح كانت تصدر بين الحين والآخر مقترحات تدعو إلى تعديل قانون التربيع العكسي الذي قال به نيوتن. ولكن لم يأخذ أحد هذه المقترحات مأخذا الجد تماما ثم ثبت في التطبيق العملي أن هذا الصبر على هذا الشذوذ الكبير أمر له ما يبرره. فقد استطاع كليروت في عام ١٧٥٠ أن يبين أن الخطأ يكمن فقط في الجانب الرياضي من التطبيق. وأن نظرية نيوتن تحتفظ بكل قيمتها كنظرية صحيحة .
وعندما يبدو شذوذ ما سواء لهذه الأسباب أم لأسباب أخرى مماثلة . إنه أكثر من مجرد لغز آخر من ألغاز العلم القياسي .يكون قد بدأ الانتقال إلى الأزمة وإلى علم غير العلم المعتاد. إذ يصبح الشذوذ ذاته الآن موضوعا مسلما به من حيث هو كذلك على نحو أكثر عمومية بين أبناء التخصص. ويتزايد باطراد عدد الأعلام من الباحثين في هذا اﻟﻤﺠال الذين يولون المزيد من الاهتمام أكثر فأكثر لتلك الحالة. وإذا استعصت حالة الشذوذ على الحل . واطردت مقاومتها . وهو أمر نادر الحدوث عادة , يشرع الكثيرون منهم في اعتبار مهمة حسمها الموضوع الأساسي في مبحثهم. ومن ثم تتغير نظرتهم إلى مجال بحثهم الذي لم يعد هو ذات اﻟﻤﺠال الذي كان عليه من قبل. ويرجع تغير صورته جزئيا إلى النقطة الجديدة التي يركزون عليها بحثهم العلمي وأضحت بؤرة الاهتمام وتدقيق النظر .
ويشير كون الي بعض الملامح الي النموذج الارشادي بعد الازمة حيث يؤكد إن عملية الانتقال من باراديغم مأزوم إلى آخر جديد يكون بمثابة نشأة تقليد جديد، بمعنى أن هذا الانتقال هو أكثر من عملية تراكمية تتحقق عن طريق صياغة باراديغم قديم أو توسيعه. الأصح هو أن هذه العملية (أي عملية الانتقال) هي بمثابة إعادة بناء أسس جديدة . إن الباراديغم الجديد وعلى الأقل في مرحلة جنينيته يظهر قبل أن تذهب الأزمة بعيدا في تطورها، أو قبل إدراكها إدراكا واضحا. حيث أن العالم الذي يدرك حدوث حالة عدم توقع، ويدرك وجود نوع من الأزمة يحاول أن يجد الحلول الممكنة. وهو في هذه المرحلة لا يشتغل بدون نظرية. من هنا يقوم بتوليد نظريات تأملية تكشف في حال نجاحها الطريق إلى باراديغم جديد، وفي حال العكس يتم التخلي عنها بسهولة نسبية.







خامساً : العلاقة بين النماذج الارشادية الجديدة والقديمة
يشير توماس كون الي علاقة النماذج الارشادية الجديدة والقديمة، او الي الاكتشفات الجديدة وتأثير علي الممارسات العلمية القائمة، فيقول كون أن ظاهرة جديدة يمكن أن تظهر دون أن تؤثر تأثيراً هداماً على أي قطاع من قطاعات الممارسة العلمية السابقة عليها. إذ على الرغم من أن اكتشاف حياة على سطح القمر قد يكون اليوم حدثاً هداما للنماذج الإرشادية القائمة ويقلبها رأسا على عقب إذ أن هذه النماذج تحدثنا بأشياء عن القمر تبدو مناقضة لفكرة وجود حياة هناك إلا أن اكتشاف حياة على ظهر بعض كواكب اﻟﻤﺠرة التي نعرف عنها معلومات أقل كثيرا من معلوماتنا عن القمر لن يكون له نفس النتيجة. ويضيف كون أنه قياسا على ذلك فإن ظهور نظرية جديدة لا يستلزم بالضرورة أن تدخل في صراع مع أي نظرية أخرى سابقة عليها. إذ قد تكون قاصرة فقط على معالجة ظواهر غير معروفة من قبل مثلما تعالج نظرية الكم (وإن تكن لا تقتصر على ذلك بخاصة) للظواهر دون الذرية التي لم تكن معروفة قبل القرن العشرين. أو قد تكون النظرية الجديدة مجرد نظرية أرقى مستوى من تلك النظريات المعروفة لنا قبل ذلك وإنها تربط في رباط واحد مجموعة كاملة من النظريات الأدنى مستوى دون أن تغير موضوعيا أياً منها. مثال ذلك نظرية بقاء الطاقة التي تقدم اليوم هذا النوع من الرابطة بين الديناميكا والكيمياء والكهرباء والبصريات والنظرية الحرارية وغيرها. ولا تزال هناك علاقات أخرى متساوقة يمكن تصورها تربط بين النظريات القد يمة والجديدة .
فمثلا ما كان بوسع الديناميكا النسبية أن تثبت أن ديناميكا نيوتن خاطئة طالما لا يزال أكثر المهندسين يستخدمون ديناميكا نيوتن بنجاح كبير كما يستعملها كثيرون من علماء الفيزياء في عدد من الاستخدامات اﻟﻤﺨتارة. علاوة على هذا فإن بالإمكان إثبات ملاءمة وصلاحية استعمال النظرية الأقدم من خلال النظرية البديلة ذاتها التي حلت محلها. و يمكن استخدام نظرية آينشتاين لبيان أن التنبؤات القائمة على أساس معادلات نيوتن ستكون صالحة مثلها مثل أدوات القياس التي نستخدمها في جميع التطبيقات التي تفي بعدد قليل من الشروط المقيدة. مثال ذلك أن نظرية نيوتن إذا كان لها أن تهيئ حلاً تقريبيا جيدا فإن السرعات النسبية للأجسام موضوع الدراسة لابد وأن تكون صغيرة بالمقارنة بسرعة الضوء. والتزاما بهذا الشرط . وبعدد قليل آخر من الشروط تبدو نظرية نيوتن وكأن بالإمكان اشتقاقها من نظرية آينشتاين وأنها لذلك حالة خاصة منها. وأن نظرية نيوتن تظل صحيحة بقدر ما كانت دائما نظرية علمية صادقة يدعمها دليل صحيح. ولكن الدعاوى المبالغ فيها فقط عن النظرية-وهي دعاوى مجافية للعلم على طول المدي هي التي كشف آينشتاين أنها خطأ. ومن ثم فإن نظرية نيوتن بعد أن تم تنقيتها من هذه المبالغات . وهي مبالغات إنسانية خالصة لم يعد هناك ما يتحداها ولا يمكن أن يكون . مثال ذلك أن نظرية الفلوجستون بكل ما انطوت عليه من أضرار أسهمت في تنظيم عدد كبير من الظواهر الفيزيائية الكيميائيه. فقد فسرت اذا تحترق الأجسام-لأنها غنية بالفلوجستون- اذا تحتوي المعادن على خاصيات كثيرة تفوق ما تحتوي عليه خاماتها. ذلك أن المعادن تتركب جميعها من أتربة أولية مختلفة متحدة مع الفلوجستون بينما خاماتها . وهي شيء مشترك بين جميع المعادن . فلها خصائص مشتركة. وفسرت نظرية الفلوجستون عدداً من التفاعلات التي تتكون خلالها أحماض بفعل احتراق مواد مثل الكربون والكبريت.
ويضيف توماس ان يبدو ان. قوانين نيوتن سارية المفعول في لحظة بذاتها . وهي بذلك كأ .ا تبرر V على سبيل المثال ممكن القول إن سائق السيارة حين يسوق سيارته فكأنه . يعيش في عالم نيوتن واستخدمت حجته لتبرير تدريس الفلك القائم على نظرية محورية الأرض لدارسي علم المساحة. بيد أن الحجة لم تنجح في بلوغ هدفها. إنها لم تبين أن قوانين نيوتن حالة محدودة بالقياس إلى قوانين آينشتاين. ذلك لأنه عند تجاوز هذا الحد لن يكون التغير قاصرا فقط على شكل القوانين. إذ سنضطر في ذات الوقت إلى أن نغير العناصر البنيوية الأساسية التي يتألف منها الكون الذي ستطبق عليه هذه القوانين .





سادسا: الثورة والرؤية للعالم ونظرية التقدم في العلم:
يشير توماس كون إلي أن التحولات التي طرأت على النماذج الإرشادية تجعل العلماء بالفعل يرون العالم الخاص موضوع بحثهم في صورة مغايرة. وطالما أن تعاملهم مع هذا العالم لا يكون إلا من خلال ما يرونه ويفعلونه فقد تحدونا رغبة في القول بأنه عقب حدوث ثورة علمية يجد العلماء أنفسهم يستجيبون لعالم مغاير. ويشير توماس كون الي هذا التغير في الرؤية الي تأثير علي الباحث والطالب في حقل العالم ويقول بيد أن العالم أو الدنيا التي يدخلها الطالب حينئذ ليست على الرغم من هذا عالما ثابتا على نحو نهائي بحكم طبيعة البيئة من ناحية وبحكم طبيعة العلم ذاته من ناحية أخرى. بل إن الأمر تحدده معا البيئة والتراث العلمي القياسي الخاص الذي تدرب الطالب على الالتزام به. ولهذا فإنه في أوقات الثورات . وعندما تتغير تقاليد العلم القياسي لا بد أن يتدرب الباحث العلمي من جديد على رؤية بيئته أو العالم من حوله-ففي بعض المواقف المألوفة يتعين عليه أن يتعلم و أن يرى صورة كلية جديدة. وبعد أن يفعل ذلك سوف يبدو له عالم بحثه في مواضع عديدة غير قياسي أبدا مع العالم الذي ألفه وأعده قبل ذلك. وهذا سبب آخر يجعل المدارس التي تسترشد بنماذج إرشادية متباينة تقف دائما إزاء أهداف فيها بعض التعارض .
وفي هذه الرؤية للعالم خلال الثورة، يشير توماس كون إلي أن تاريخ العلم سيكون مفهوما على نحو أفضل وأكثر تجانسا إذا ما تسنى للمرء أن يفترض أن العلماء يمرون بين الحين والآخر بنقلات أو تحولات في الإدراك الحسي تشبه تلك التي أسلفنا الحديث عنها. ولكن على الرغم من ثراء هذه التجارب السيكولوجية طالما تنطوي عليه من إيحاءات إلا أنها لا تسمح لنا والحال هذه بأن „نمضي بعيدا ونتمادى في القياس. إنها تكشف بالفعل عن خصائص الإدراك الحسي التي يمكن أن تكون مركزية بالنسبة للتطور العلمي بيد أنها لا تقوم دليلا على أن المشاهدة، الحذرة والدقيقة والمحكومة بضوابط التي يجريها الباحث العلمي تحمل على الإطلاق بعض هذه الخصائص. زد على ذلك أن نفس طبيعة هذه التجارب تجعل إقامة برهان مباشر على هذه النقطة ضربا من المحال. فلو أن الأمثلة التاريخية تستهدف إثبات ملاءمة هذه التجارب النفسية وصلتها الوثيقة بأن بالموضوع . وهنا اشارة الي البعد الحسي والسيكولوجي لتغير نظرة العلماء نحو العالم خلال الثورات اشار واكد عليها توماس كون، وضرب عدة أمثلة لذلك، ومنها مثال من تاريخ الكهرباء، حيث خلال القرن السابع عشر اعتاد الكهربائيون وقد كانوا يسترشدون بإحدى نظريات البخار غير المرئي أن يروا جزيئات أو دقائق شبيهة بالقش تقفز مرتدة إلى أعلى أو هابطة إلى أسفل الأجسام المكهربة التي تجتذب تلك الدقائق. أو كان هذا على الأقل ما قال الباحثون في القرن السابع عشر أنهم شاهدوه وليس لدينا من سبب للشك في تقاريرهم عن مدركاتهم أكثر ا لدينا بالنسبة لتقاريرنا. ولكن إذا ما وقف باحث معاصر أمام نفس الجهاز فإنه سوف يشاهد تنافرا كهروستاتيكيا (بدلا من ارتداد ميكانيكي أو تجاذبي). غير أن التنافر الكهروستاتيكي لم يكن ينظر إليه تاريخيا على أنه كذلك باستثناء واحد فقط اتفق الجميع على إغفاله. وظل الأمر على هذا النحو إلى أن جاء هوكسبي بجهازه الضخم الذي كبر لدرجه هائلة النتائج ا لمترتبة عليه. غير أن التنافر الحادث نتيجة التماس الكهربائي لم يكن سوى نتيجة واحدة من بين نتائج جديدة كثيرة شاهدها هوكسبي تحدث بفعل التنافر. وحدث مع هوكسبي مثلما يحدث في التحول الجشطلتي إذ أصبح التنافر فجأة في أبحاثه الظاهرة الأساسية الدالة على التكهرب .
وبالاضافة الي بعد تغير رؤية العالم اذا حدث تغيرات وتطورات في العلوم والاكتشافات، يتسائل كون علي فكرة التقدم في العلم نفسها اثناء حدوث الثورات العلمية، حيث يتسائل كوهن لماذا يجب أن يكون التقدم خاصية جديرة بالملاحظة؟ وهل يتقدم الحقل لأنه علم أم هو علم لأنه يتقدم؟ ولماذا على مشروع مثل العلم المعياري أن يتقدم. ويلاحظ ان الفترة التي يمارس فيها العلماء العلم بالمعنى الحالي للمفهوم، هي خلال فترة العلم المعياري، ولكن بعد نشوء الأزمات فإن كل فريق يشكك في أسس الفريق الآخر وهذه هي مرحلة التغيرات والتحول أي مرحلة الثورة. وفي سائر المجالات والحقول العلمية يحدث نفس الشيء والمقياس الذي يستعمل للدلالة على أن حقلا ما هو حقل علمي يتمثل في التقدم. إلا أن هذا التقدم يكون واضحا في حقول معينة أكثر من حقول أخرى بسب غياب المدارس المنافسة. ويقول توماس كوهن بأن الثورات تنتهي بنصر كلي لأحد المعسكرين المتنافسين، فهل يمكن أن تقول المجموعة المنتصرة أن نتيجة انتصارها هي شيء أقل من التقدم؟ وبعد نجاح الباراديغم الجديد فإن أعضاء المتحد العلمي يتخلون عن الكتب، والمقالات التي أنتجت في ظل الباراديغم السابق، وهذا يجعل الجيل القادم والناشئ في ظل الباراديغم الجديد يرون نظامهم المعرفي يسير في خط مستقيم، يرونه في تقدم دائم، هذا مثله مثل إعادة كتابة التاريخ من طرف السلطة القائمة.


سابعا: ملامح الثورة في العلم
العلم عن كون يتطور عبر ثورات علمية يصحبها ظهور نماذج ونظريات جديدة، فالنظرية الجديدة تنبثق عن النموذج وتستمد قوتها منه، وتكون ملمة بجميع المشكلات الرئيسية التي كانت موجودة من قبل في مجال البحث وتضيف افكار علمية ثمينة إلي الحقل المعرفي بحلها لمشكلات علي درجة من الصعوبة والأهمية، ويصحب الثورة العلمية ظهور مفاهيم جديدة، فالمفاهيم القديمة تكتسب مع النظريات الجديدة دلالة مغايرة عن القديمة، لأن النظرية الجديدة تستلزم تحولا في المفاهيم، ومعني كل مصطلح يرتبط بالمضمون أو السباق النظري الذي يرد فيه ذلك أن المصطلحات لا تعني شيئا بمفردها فهي تكتسب معناها داخل النظرية، وعندما تتغير النظريات تتغير معها مفاهيمها. ويشير كون إلي أن الثورة العلمية تأتي بمواضيع جديدة ومناهج بحث مستحدثة ومعايير حل مخالفة للقديمة، فبعض المشكلات قد تحال إلى تخصص آخر أو قد تعتبر غير علمية، كما يمكن أن تصبح تلك المشكلات التي اعتبرت مبتذلة في السابق البراعم الأولى لإنجاز علمي هام.مع تغير المشكلات يتغير أيضا المعيار الذي يميز الحل العلمي عن اللاعلمي. بعد كل ثورة علمية يحدث تحول في مجرى العلم فالخاصية المميزة لهذه الثورة بعد كل ثورة علمية يحدث تحول في مجرى العلم فالخاصية المميزة لهذه الثورة هي جدتها بالمقارنة مع المراحل السابقة للعلم، رغم أن خلالها يتم توحيد مجالات المعرفة السابقة والجديدة إلا أنها تصاغ صياغة جديدة، فتظهر في صورة جذرية غير معهودة .
إن الثورة العلمية ليست مشروعا تفسيريا لأن البحث الثوري عمل يختلف عن التفسير، فالعالم الذي ينتج نموذجا جديدا ليس مفسرا بل يشبه إلى حد بعيد الرجل الذي يضع على عينيه عدسات جديدة، فحتى وإن عالج الموضوعات نفسها إلا أنه يجدها تحولت تحولا كليا وكأنها موضوعات أخرى. أن، العلم الثوري يتعلق بنشاط مخالف تماما لنشاط البحث في العلم السوي حيث يبدأ الأول بنهاية الثاني الذي يفقد القدرة والسيطرة على زمام البحث بظهور حالات شاذة لا تتوافق مع تنبؤاته. إن العمل التفسيري هو طابع العلم السوي الذي يسعى إلى توسيع المعرفة أكثر من تجديدها، ووفرة التفسيرات تساعده على صقل نموذجه وتوسيع نطاقه وإحكام صياغته لكن لا تستطيع تصحيحه، لأن العمل التصحيحي من خصائص العلم الثوري .
أخيرا ملاحظات واستخلاصات بحثية
1- البعد الجمالي في مجالا العلوم: التفت توماس كون الي وجود عوامل خارجية وتأثيرات علي بناء النموذج الارشادي الذي يحدد اكتشاف الظواهر العلمية، الا يكن هناك نظرة جمالية في اختيار قواعد معينة تفسير ظاهرة مثلا، وخاصة ان الفيزياء تفسر الطبيعة التي تلهم الانسان لذته الجمالية، وذلك الوعي العام المحيط بالعلماء قد يحتون هذه النظرة الجالية، فمثلا ظاهرة اكتشاف نيوتن للضوء وان مصدره الاجسام المادية، وكانت طوال هذه الفترة النظرة الجمالية ينظر ان الماديات تكون الجمال، مثل الاهتمام بالملابس والاناقة، والملابس شئ مادي، فكانت الملابس معقدة للغاية وارتدائها، وهذا يحلنا الي معرفة ابرز ملامح الجمال في هذه الفترة، الجماليات لديه ويشير كون إلي أن بعض انواع التفكير في مجال العلوم، تستوهي حس الفرد بالملاءمة أو حسه الجمالي، فأن اكثر النماذج الارشادية الجديدة تبو في أول مارها في صورة فجة، ثم تنمو مع الوقت عوامل جاذبيتها الجمالية، ولكن يحدث هذا بعد ان يكون أكثر ابناء المجتمع العلمي قد اقتنع بها عن طريق وسائل اخري، وذلك يعني ان الاعتبارات الجمالية لها أحيانا أهمية حاسمة.
2- الجدل المركب بين التراكم والثورة : تعني فرضية عدم اشتراكية القياس لدي توماس كون أمور كثيرة معروفة في فلسفة العلم مثل أن العلوم الحديثة تبني علي المعرفة المحتواه في النظريات القديمة، أو أن النظريات الحديثة هي مقاربات أكثر دقة للحقيقة من النظريات القديمة، وذلك في اكثر ظاهرة علمية، ولكن عنوانه كتابه يدل علي لفظ بنية الثورات العلمية، فكيف ان تكون هناك ثورات والعلم الحديث جزء تقدمي وتطوري من العلم القديم، فالحديث لا يزيل القديم الا في حالات الشذوذ والازمات والتغيرات الكيمية والكيفية للعلم، وليس في بنية العلم نفسه، فالثورة هنا لا تكون الا في حدود الحالات التي ذكرت، وليس في كلية العلم كما يوحي عنوان وموضوع الكتاب، وقد فسر توماس كون في اكثر من موضوع حالات التغيير الذي يبدأ في اللغز الذي يقف حيرة امام العالم، ثم يتحول الي شذوذ ثم الي أزمات، وكل هذه الحالات تمثل تغيرا في مسار العلم، ولكن التغير في تراكمية وبنية العلم، فهناك تحولا في ميكانيكا نيوتن، حيث كانت استقرائية ولم تستخدم المعادلات الرياضيات في التجارب، ولكن في اثباتها، مثل ما فعل نيوتن في كتابه وهو التأكيد علي الاكتشافات بمعادلات رياضية ولكنها مرحلة لاحقة، وايضا قام نيوتن بمعادلات رياضية لاثبات افكار كبلر، وهذه المعادلات الرياضية تم اتباع في كواتنم الكم، وهو يمثل تغيرا في مسار الفيزياء ولكنه ليس ثورة، حيث الرياضيات لم تسير في حط تطور الفيزياء، وهذا تحول ثوري، او اضافة ثورية، ولكنه ليس ثورة في البنية العلمية للفيزياء.
وهذا التسائل له مشروعيته خاصة ان الكتاب لديه بناء ثوري، وعدم التركيز علي التراكمية في العلم، والتراكمية ظهرت في عدة امثلة لدي توماس كون خاصة ان يشير ان بعض النماذج الارشادية القديمة يتم الاستعانة بها في اوقات النماذج الجديدة وذلك لحل مشكلات قد تظهر، او الاستعانة بها في الممارسة العلمية، مثل مثال استخدامات فيزياء في فترة ما بعد الكوانتم، ورغم ان مفهوم الثورة لدي توماس كون تعني وجود قطيعة صارمة تؤدي الي ظهور شكل أو نظام جديد يختلف كليا عما كان موجود من قبل، وتمثل القطيعة اقوي تجسيدات الثورة، فهي تقطع الصلة مع كل ما هو قديم وترفض الماضي من اجل استحداث تصور جديد.
ولكن توماس كون صنع جدل مركب للتراكمية والقطعية، فيرفض كون تطرف النظرة التراكمية لتأكيدها علي استمرارية المعرفة العلمية واعتبارها خطا متصلا متناميا. وهذا رأي مؤرخي العلم الكلاسيكيين أمثال جورج سارتون وأميل ميرسون، كما يرفض النظرة الراديكيالية الثورية التي تري أن تقدم العلم يتم كسلسلة متصلة من الثورات والقطائع، فهو ضد تطرف بوبر وباشلار، فقد جاءت فلسفة كون توفيقية بين التيارين السابقين ويري أن العلم يخضع لتصور جدلي، إذ يؤدي التطور التدريجي للعلم إلي ظهور قفزات نوعية تصبح بدورها نقطة بدء لتراكم كمي جديد، بحيث ينتهي العلم السوي بظهور حالة شاذة تنتج عنها أزمة تتوج بظهور العلم الثوري الذي يصير بمرور الوقت علما سويا، فجدلية كون تجمع بين الاتصال والانفصال في العلم، ويكون بذلك قد اغلق باب النظرة السكونية الي العلم كمنجز راهن وباب النظرة الثورية الي كقطائع مستمرة.
3- مبدأ السلطة في المعرفة والعلم بين توماس كون وميشال فوكو : النموذج الارشادي والبنية الثورية لدي توماس كون كان مصطلحين أساسيين لديه في تفسير تطور العلم وتاريخه، وذلك ما وضح في تفسيرات المعرفية والعلمية طوال كتابه الرئيسي بنية الثورات العلمية وكتبه الاخري، ولكن تسائله حول من يصنع هذا التطور بغض النظر كيفية التطور وفلسفته والتي طرحها في امثلة وشروحات كثيرة، فيري ان هذا التطور والتغير والظهور الذي يدعي ثورة يصنعه سلطة المجتمع العلمي، فتوماس كون قال أنه كان يريد بالأولي الحديث عن المجتمع العملي وشرحه بشكل تفسير اكثر من النموذج الارشادي، بمعني ان يحتوي تفسيراته نحو المجتمع العملي ملامح وسمات النموذج الارشادي وليس العكس، ويأتي في المرتبة الثانية الكتب الدراسية والمراجع التي تساهم في تعليم الطالب ومساعدة العلماء والباحثين في البحث عن المشكلات وحلها حتي يصبح اهلا في المجتمع العلمي ويمارس مهنته العملية، فهذه سلطة الكتب العلمية والمعرفية، والتي تحدد كثير من القواعد والتقاليد والمناهج التي يسير عليها العالم والباحث، وهي تمثل سلطة في تشكل المعرفة وايضا في ظهور علوم جديدة، فهناك تشابة بين العلماء حول المناهج والمعارف والمصطلحات تأتي من هذه الكتب والتي تكون في اطار المجتمع العلمي.
ورغم ملاحظة توماس كون عن اهمية المجتمع العلمي إلا انه يلفت الانتباه ان النموذج الارشادي لديه يمثل ذروة تطور العلم وتطور وتبدله مع الثورات والتطورات العلمية، إلا اشارته لسلطة المجتمع العلمي يشير الي ممارسة سلطوية ذات بعد سيكولوجي هي التي تتحكم في تطور العلم، وهي التي تفسر مرحلة ما قبل الثورة، ومرحلة ما بعد الثورة، فمقاومة النموذج الارشادي المستقر ضد الكتب العلمية والمجتمع العلمي وهي مقاومة للعالم ذات بعد سيكولوجي هي التي تولد نظرية او ثورة علمية جديدة، وهي مقاومة ضد هذه السلطة، وقد اشار توماس كون الي البعد السياسي وتشبيه ما يحدث في النموذج الارشادي في العلم وما يحدث في الثورات السياسية، وما يدل اكثر علي البعد السيكولوجي الذي يعد عنصرا حاسماً في تفسير كون، ولكنه لم يصرح بذلك.
وخلاصة الامر هنا ان توماس كون لديه تحليل للسلطة بعيد ان يكون هذا التسائل حول السلطة في المعرفة ما دوره في النماذج الارشادية وفي تحليل العلم وفي تطور العلم وتاريخه، فالملاحظ ان توماس كون لديه عدم التحديد في التفسيرات، فثملا كينونة النماذج الارشادية لم يتم تحديد بشكل صارم، بجانب انه كانه يعتمد علي الجدل حول اكتشافات لافوازيية حول الاكسجين، ولكن يلاحظ ان هذه السلطة في المعرفة والتي سلط الضوء عليها توماس كون لديه بعد سيكولوجي اجتماعي وهي ممارسة سلطوية دائما لا تنقطع الا في اثناء حدوث الثورة التي تمثل عنصر مقاومة وتفجير الكبت. وهناك تنوعيات لشقين لمبدأ السلطة لدي كون، فالشق الاجتماعي للسلطة، لديه جانب المجتمع العلمي، وممارساتها العلمية السلطوية، وايضا العوامل الخارجية والضعوط الاجتماعية، التي تساهم في تحديد النماذج الارشادية واوقات الانهيارات في العلم القائم والتحولات التقنية. وأيضا البعد السيكولوجي له لديه تنويعات منها، البعد السيكولوحي المتعلق برؤية العالم للعالم والاحساس الجمالي لديه، والبعد النفسي الجشطتلي التعلق بالادراك الحسي للاكتشفا العلمي، الذي يعني قيام باكتشاف النظرية بدفعة نفسية عميقة لديه تجاه الاكتشاف.
ويأتي دور عنصر التاريخ في دراسة العلم لدي توماس كون اساسي لفهم هذه الممارسة السلطوية، فتوماس كون يعتبر دراسة التاريخ في الكتب العلمية لم يظهر التطور الحقيقي للعلم، وساعدت هذه النظرة المختلفة للتاريخ كون عن الوصول الي هذه الممارسة السلطوية، فالامثلة التي ذكرها في العلم، توجد وجود صراعات محتدمة بين العلماء والمجتمع العلمي لاثبات نظرية ما امام نظرية اخري جديدة لم تثبت اركانها بعد، وذلك في اكتشافات الكيمياء والفيزياء، فيكون تكون النظرية الجديدة ما هو الا تطور تاريخي تجاوز الممارسة السلطوية للمجتمع العلمي من اجل التقدم، وهذا الامر يتشابك مع اعتماد ميشال فوكو علي التاريخ، الذي نظر عليه علي أنه تكوينات من التشكابات والانقطاعات والتركمات المتتالية، والذي ايضا لم يكتب تاريخ المعرفة والاشياء كما يجب ان يكون فتسائل عن تاريخ انتاج القطن، وتاريخ الاوبئة، وايضا اشار الي الانقطاعات التي تحدث تحول في المفاهيم والافكار، فكانت الرؤية التاريخة مساعدة لكلا من توماس كون وميشيل فوكو في فهم حركة الممارسة السلطوية في المعرفة والعلم، فتتبع الاحداث والاكتشافات والتنقلات والتطويرات والتغيرات في تاريخ العلم والمعرفة بشكل قد يكون اعطاء الظاهرة البسيطة او المهملة حقها في الظهور والتكلم، او ان اشياء واحداث او ملاحظات او تمظهرات معينة لم يهتم بها احد من قبل في التاريخ التفت اليها كلا من ميشال فوكو وتوماس كون لفهمها وتوضيح مقدار الممارسة السلطوية التي تمارس لتطور العلم والمعرفة.
وهناك اتفاق اخري بين توماس كون وميشال فوكو حول منهاجية الوعي التاريخي، والاستعانة بتاريخ العلم او الافكار، فتوماس كون اتأثر بالفيلسوف أرثر لفجوي، الذي كان من مؤسسن علم تاريخ الأفكار الذي يعتمد على مفهوم الوحدات الفكرية كوحدات تحليلية قياسية. هذه الوحدات الفكرية تشكل لبنات البناء الأساسية لتاريخ الأفكار. فمن وجهة نظر لڤجوي، توجد هناك وحدات فكرية ثابتة في التاريخ، ورغم أن هذه الوحدات الفكرية غير متغيرة بذاتها، إلا أنها تنفصل وتلتحم عبر الزمن في سياقات وأنساق مختلفة لتعطي مفاهيم وظواهر تاريخية جديدة. فالتحول الذي يطرأ على الثقافات الانسانية من عهد إلى آخر هو في حقيقة الأمر تحول في أشكال العلاقات والارتباطات بين هذه الوحدات الفكرية الثابتة، وليس تغير في الوحدات ذاتها. وأيضا تأتي رؤية ميشال فوكو قريبة من ذلك فهو يستحد مفاهيم الانفصال والاتصال والسلاسل والروابط والشبكات، في تحليله لتطور المعرفة والعلم، فيشير إلي ان مفهوم الانفصال اصبح يحتل مكانة كبيرة في المعرفة التاريخية، وأننا يشجع طرح النقاش في تطور العلم والمعرفة حول اشكاليات السلاسل والمقاطع والحدود، والمراتب والفوارق، والخصوصيات الزمانية، والصور الفريدة للبقاء.
ويأتي حركية السلطة لدي ميشال فوكو في البنية اللغوية، التي تكوني من العبارات والتشكيلات الخطابية، فهذين الشقين تطورات لبنية اللغة، وينظر فوكو في تطور العلم علي مصطلح الوضعيات في العلم الذي يعني القواعد التي بفضلها يمكن لممارسة خطابية ما أن تنشيء زمر موضوعات ومجموعة من العبارات وشبكة من المفاهيم وسلسلة من الاختبارات النظرية، وهي عناصر لا تشكل علما ذات بنية نظرية، وفوكو هنا يشير الي المراحل السلطوية في العلم التي تساهم في ظهوره او تطوره وتغيره دون أن تكون هذه الوضعيات علما، وهذه الوضيعات تحمل شبكات علاقات وخطابات وبناء لغوي، دائم للدفع بالعلم للعلاقات الاخري مع علوم اخري، او تطوره في اشكال خطية او متباعدة، ولكن يحدث تماثل لها وادراك وذلك للذات التي بتحث في الممارسة العلمية، حيث تأتي نقطة التأثير السلطوي علي المعرفة والعلم لدي فوكو، وهذا المبدأ السلطوي متعدد الابعاد، ولكن شقي اللغوي هو الاغلب والاهم لدي فوكو.












المراجع والمصادر:
1-هل في العلم ثورات؟، موقع اضاءات 1/20171.
https://www.ida2at.com/science-revolutions-thomas-kuhn/-
2- يمني طريف الخولي، مفهوم المنهج العلمي، القاهرة، الهيئة العامة للكتاب.
3- توماس كون، بنية الثورات العلمية، ترجمة شوقي جلال، عالم المعرفة، الكويت، العدد 168، ديسمبر 1992.
4- مي السيد: ميكانيكا الكم .. الجنون الذي ينســف كل قواعد الفيزياء التقليدية! ، 9/2015.
https://www.arageek.com/2015/09/23/quantum-mechanics-that-destroyed-physics.html
5- توماس كون- جون واتكنز- سيتفن تولمن، مقالات نقدية في تركيب الثورات العلمية، ترجمة ماهر عبد القادر، الاسكندرية، دار المعرفة الجامعية، 2000.
6- كون ضد بوبر الصراع من اجل روح العلم، ترجم: نجيب الحصادي، المركز القومي للترجمة، القاهرة، العدد 2034، 2012. .
7- شادي عبد الحافظ، مطاردة العقلانية: نظرة على فلسفة العلم عند إمري لاكاتوش، ابريل 2015، موقع اضاءات.
https://www.ida2at.com/philosophy-of-science-imre-lakatos/
8- طارق خميس، حركة العلم: ما بين الثّوريّة والأيديولوجيّة (2/3)، 19/07/2016. موقع عرب 48.
9- فيرنر هايزنبرج، المبادئ الفيزيائية لنظرية الكم، ترجمة محمد صبري عبد المطلب، دار الكلمة، القاهرة. 2011
10- موقع علوم الكون، الفزياء والكون: ميكانيكا الكم.
http://www.alkoon.alnomrosi.net/KounSinc/quant.html
11- البحث عن قطة شرودنجر، جون جريبين، ت: فتح الله الشيخ، احمد السماحي، كلمات عربية للنشر، القاهرة، 2010.
12- شادي عبد الحافظ، تفسير كوبنهاجن: حالة من عدم اليقين، 3/2016.
https://www.ida2at.com/copenhagen-interpretation-uncertainty/
13- نصر محمد عارف، قضايا المنهجية في العلوم الإسلامية والاجتماعية، المعهد العالي للفكر الاسلامي، القاهرة، 1996.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت