هواجس في الثقافة مقتطفات 133

آرام كربيت
2024 / 4 / 19

الله
كان الله ماشيًا في الجنة بالكلاش الديري، في يده مسبحته، يغني ويصفر ويتمايل على الجانبين كأي غانية لعوب، سعيدًا بالهواء الطلق، يلتقط حبة كرز من هنا وحبة مشمش من هناك.
انتبه لصوت غريب، وشوشات نابعة من صدر مجروح، أكثر الإصغاء، ثم اتجه إلى مصدر الصوت، ليعرف ماذا يجري في جنته العصماء.
اقترب أكثر فأكثر، رأى أدم فوق حواء، يهز ويلز، كلاهما يصرخان من الوجع اللذيذ، قال بصوت متقطع، متهدج:
ـ ماذا تفعلان مع بعضكما، لماذا تضربها يا أدم حتى تصرخ هذه الصرخات الموجعة؟
ولأن أدم لم يستطع الوقوف أو الرد عليه بسبب انتصاب عضوه، وبسبب النشوة، أكتفى بالصمت وخفض رأسه، عاد الله لسؤاله:
ـ يا أدم ماذا تفعل بحواء، لماذا تضربها يا وحش؟
ـ إنها سعيدة يا الله، ومبسوطة. أسألها؟
ـ هل تخفيان شيئًا عني يا أدم وحواء؟
ـ لا يا سيدنا الله، كنا نلعب الغميضة ودون انتباه منّا التصقنا ببعضنا ولم نرغب في الانفصال.
ـ أليس هناك سبب أخر.
ـ لا.
ـ قف على قدميك يا أدم لأراك عن قرب.
وعندما وقف أدم على قدميه، وقف معه الأخر، صرخ به:
أتلعب بزبك يا ديوث، هل هذا لعب يا منحوس، الم أنبهك سابقًا أن لا تلعب به؟
ـ إنه لحواء، وضعته في حضني للضرورة كرهن أو أمانة، وللضروة أحكام يا الله.
انقلع من وجهي، أنت مطرود من وظيفتك في الجنة إلى أبد الأبدين، وخذ معك حواء لا أريد أن أراكما بعد اليوم.
فسقط أدم إلى الأبد بسبب حبة الكرز أو المشمش.
وعندما نزالا من الجنة إلى الأرض، ركضا بسعادة وفرح، شعرا بالحرية والفردانية، قالت حواء:
ـ جهز الأمانة يا أدم لاضعها في حضني، لقد تخلصنا من ذاك الفضولي القميء، من تدخله في شؤوننا الداخلية، أشعل النار في المنقل، لنشوي اللحم، أنا ذاهبة لأجلب الكونياك والعرق، خلينا نفرح ببعضنا دون رقابة من السمج الثقيل دم، هذا المريض البائخ.
ونزل الله على الأرض، بعد أن شعر بالغيرة من أدم وحواء، من لعبهما معًا، بيد أنه انكر الموقف، بل حاول غض النظر حتى لا يعاب عليه، وتظاهر، بل اعتبر نفسه غشيمًا لا يعرف أي شيء، من أجل أن يتلصلص عليهما في اللحظة الحميمية.
وعندما رأى الله، إير أدم، انبهر، بل ذهل، ومن كثرة استغرابه صرخ عليه:
يا هذا، يا أدم يا قليل الناموس، هل أنا خلقتك في هذه الدنيا من أجل أن تستمتع وتنبسط أم لتعبدني؟
ولإن هذا الله مغرور ومتكبر، لم يتنازل ويتكلم عن غيرته وحسده، لهذا قال لأدم في نفسه:
ـ يا أدم، يا ريت كان عندي واحدة مثل حواء اتمتع بصحبتها ووجودها إلى جانبي.
وفجأة، وفي هذه اللحظة العصيبة الصعبة، غضب غضبًا شديدًا، لهذا طرده من المكان الواقف عليها، سماها الجنة.
وعندما بقي لوحده، شعر بالوحدة والفراغ، ولأنه أناني لم يشأ أن يخلق واحدة له تشاركه المكان، وربما لأنه لم يرغب أن يتحمل المسؤولية واعباء وجود كائن أخر وجميل بالقرب منه، لهذا استغنى عن اللذة.



ما زلت أرى أن المبارايات التي كنت أشاهدها في فترة طفولتي على أرض ملعب الحسكة، هي الأجمل، وأرى أن نبيل نانو هو أفضل لأعب في العالم، وبقية الطاقم في منتخب الحسكة.
كانت تلك الأيام مثل الفاكهة الطازجة، والخضروات الطبيعية قبل أن تدخل فيها الهندسات الوراثية.
كانت المبارايات طبيعية، لا هرمونات فيها ولا منشطات.
كان اللاعب يخرج من عمله إلى الملعب يتدرب أو يمارس التمارين السويدية أو الجري خلال المباريات.
كل شيء كان طبيعيًا إلى حد كبير، العلاقات الاجتماعية، الحب، هموم المستقبل البسيطة.
زمن اللإنسان صنّع الرياضة، أفقدها براءتها وجمالها، حولها إلى دولارات، وحول اللاعب إلى عبد رخيص، حصان سباق، وتحولت الرياضة إلى شيء يباع ويشترى.
ما زالت صورة اللاعب جوزيف عارف ونبيل نانو وايشايا وفيزي خليل، ونادي الخابور، ونادي غازي في ذاكرتي حيًا يرقص، وأصبحت إنسانًا حنونًا يرى في الطبيعة البريئة هو المرجع للحياة والإنسان.
لم أعد أرى في عالم الآلة أي شيء يشدني، عالم إيلون ماسك وبيزوس وبيل كيتس، وميسي وبنزيمه والحشاش مارادونا أو هذا البوسني التافه ابراهيموفتش الكريه.
عالم الانحطاط، بالتأكيد سينهي الإنسان قريبًا.
استفحال قدرة الآلة والمال على التحكم في حياتنا، تعني أن عالم التنوير وصل إلى نهايته، إلى الانحطاط.

في فترة طفولتي، بحدود الستة سنين إلى تسعة، في مدينة الحسكة كنّا مجموعة أطفال، ندور في عيد الفطر أو الأضحى او الميلاد أو الفصح، على البيوت، نعيد الجيران، الذين نعرفهم والذين لا نعرفهم، كانوا يعطونا السكاكر والشوكولا، وكمان كانوا يعطونا مصاري، هاهاهها، كنّا نفرح ونبتهج، ونضحك وندور نريد أن ندخل أي بيت يضحك في وجوهنا أو يفتح الباب لاستقبالنا.
لم نكن نميز عيد الأضحى عن عيد الفطر أو عيد الميلاد.
كانت كلها أعياد وابتسامات من كبار السن في ذلك الوقت.
الأطفال أولاد الحياة الحقيقيون، الأوفياء لها.
وعندما كبرت وأصبحت في الصف الخامس الأبتدائي، في العاشرة من العمر، كنت التقط من الشوارع جعوب السجائر. وبمرور أول رجل يمر من أمامي أطلب منه ولاعة من أجل إيقادها.
كنت أضع السيجارة في فمي وأنفث دخانها في الهواء، لأثبت لنفسي والآخرين أنني أصبحت رجلًا كبيرًا في السن.
وكنت أقلد أمي وأبي، لأنهما كانا يدخنان في البيت، وأمامنا كأطفال.
لم أبلع الدخان ابدًا.
مرة سألت أمي:
ـ كيف تدخنين؟ قالت:
ـ أبلعه
ـ تبلعيه، كيف؟
في اليوم الثاني التقطت جعبًا، وولعت السيجارة من أول عابر سبيل، وبلعت الدخان.
وفي اللحظة ذاتها سقطت على الأرض من الدوار والدوخة.
ورأيت الأرض والسماء يميدان، ويدوران، يرتفعان ويهبطان، يرتطمان في بعضهما، ويسقطان.
من تلك اللحظة اقلعت عن الدخان وإلى اليوم. وارتبطت السيجارة في ذاكرتي بالدوخة والدوران ولعي النفس والرائحة الكريهة.
يقول المثل:
رب ضارة نافعة

هل يعلم الأهل ماذا يحدث لطفلهم عندما يغتصبون براءته، عندما يجبروه على التعلم في المدرسة، عندما يجلس فيها ساعات طوال يتلقى ما خزنه السابقين عليه؟ هل سألوه:
ـ هل تريد هذه العلوم؟
ستقولون في أعماقكم:
ـ ما هذا الهراء؟
معكم حق، تعلمنا على التلقين، لأنه المسار الوحيد لإنتاج العبيد والتافهين.
يجبر الطفل على القراءة، على معرفة ما يريده الأكبر سنًا، وكأن هذه العلوم هي ما يريده الطفل، يغتصبون ذاكرته ويشكلون له ذاكرة على مقاسهم المريض.
هذه الحياة تبدأ باغتصاب كل شيء، البراءة والجمال والحرية، وتبدأ مسيرة الخضوع، ولكن لمصلحة من؟
هل يبقى الإنسان كما هو عندما يتم تلقينه علوم الأخرين من خارجه؟
هل هذا هو الطريق الأمثل أن يتحول الجميع إلى مجرد عبيد جدد في هذا المارستان الكبير؟
وهناك من يفرح في إنتاج العشرات من الأطفال من ذرية واحدة، من رجل واحد عاجز وامرأة عاجزة، ذرية قطيع مصنع ثقافيًا، خاضعين بكل نبل لكل هذا الهوس القائم في حياتنا، يعيدون إنتاج أنفسهم يومًا بعد يوم، في اجترار متواصل.
آه، لو نعلم، كم نحن مشوهين، متعبين، نعيش الخواء في كل مجالات الحياة، في الحب، في الاستقامة، في غياب القدرة على الوصول إلى الغايات النبيلة بحرية.

كلما خففت المسؤولية عن كاهلك، كلما أصبحت أكثر حرية.
ففي الاستغناء عن الأحمال الثقيلة، ستكون أكثر قربًا من نفسك.
وكلما توسعت مسؤولياتك، كلما أصبحت أكثر عبودية وأسر.
ففي انخراطك في المزيد من الاستهلاك، كلما فقدت أشياء كثيرة وجميلة كانت معرشة في ذاتك.
إن الاستغناءات هي البدء، هي العودة إلى البراءة والفطرة والطيبة.
وعودة إلى الهدوء والصمت. والبعد عن الضوضاء والضجيج.
ابتعد عن شراء الكثير من الأشياء لأنها فخ جاهز للإيقاع بك وتدميرك.
الاستهلاك مرض قاتل.


هل وصل التنوير إلى طريق مسدود؟
وهل هذا العالم السياسي ضيع خطاه أو طريقه؟
أغلب المفاهيم التي كنّا نتداولها انقلبت على ذاتها، هل وصلنا إلى نهاية الدولة، القومية، الدين؟
لم يعد هناك اسئلة حسب وجهة نظري، وعندما تموت الاسئلة، نكون قد وصلنا إلى طريق مشوش أو مسدود.

المرضى لا يحتاجون إلى السلام الداخلي، ولا إلى الحرية يا ولدي.
ولا يحتاجون إلى العلاج من الوباء النفسي والعقلي الذي ابتلوا به.
ولا إلى القرابين والشموع العذبة، تشعلها لهم في الليالي الباردة.
إنهم سعداء بما هم عليه.
إنهم سعداء
دعهم
لا أحد يستحق دمعة من عين أمك يا ولدي.
دعهم
كلهم يزاولون الحياة بمنتهى الدعة والقذارة.
إنهم سعداء في قيئهم، ويتمرغون فيه.
لمن جعلت أمك تبكي في وحدتها دون أمل في الانتظار، أو في سلام عابر من رسول عابر.
لمن فعلت هذا؟
لمن سقيت كرومك، وخمرتها؟
وتركت لذائذ طعامك؟
المياه الملوثة لا تعطيك ثمارًا طيبة.
المياه الملوثة ملوثة يا ولدي
والأرض والسماء والتراب
ليسوا لك
وأنت تعلم هذا
ومع هذا أقدمت على صعود الجبال
ونزلت الوديان العميقة
لمن فعلت هذا؟
لمن كنت أضحية؟
لمن؟

لا تسمح لكائن من يكون أن يجرك إلى ملعبه. أبق في مكانك, ملعبك, هادئا, معتدلا. ولا تأخذنك الرياح الهوجاء من بعض الناس والأصدقاء. فن الحوار, وتبادل الأفكار صنعة جديدة علينا, لأننا خريجو مدرسة الاستبداد بأمتياز.
ألتفت حولك, غني أو أرقص قبل أن ترد, لأن الروح الساكنة فيك ليست نقية, إنها ملوثة.

الموت، هو اللحظة الأكثر صدقَا مع الذات، هو لحظة التوحد مع الوعي الذي انفصل عنه، وعاد إليه، ليستقر فيه، ويمحي ذلك الزيف الذي علق فيه.
بعد أن أخذ الجسد ذاته إلى ذات الكون, أمتلأ بالوجود بالكامل, راح يبحث عن مسافة واسعة ليعود إلى المكان ذاته. في هذه اللحظة يشعر بالقرف من هذا الهبوط المفاجئ على هذه الأرض الصلبة القاسية. دائمًا يتمنى أن يبقى هناك, محلقًا, بعيدًا عن الثقل الذي يشده إلى ما كان عليه.

ما أن تسمع أغنية, موسيقى حتى تتغير, تبدد كل الغيوم السوداء في داخلك. وترمي جميع العباءات الثقيلة الكامنة في أراضيك بعيدا, لتبقى وحدك مع تلك الرعشة الجميلة التي دخلت لبك للتو, جعلتك تسرح في الهواء الطلق, ترقص وتدبك وتطير.
لقد أرسلت
كانت نورنبرغ محاكمة للرجل الأبيض، وللحداثة الغربية كلها، وانتقامًا منها.
اليوم تعمل اليهودية السياسية على تدمير أوروبا والولايات المتحدة من الداخل، كما فعل الهمج في روما عندما أسقطوها من داخلها في العام 476 م.
عقدة الاضطهاد الذي عاشه ويعيشه اليهود، دفعهم ويدفعهم لتدمير هذا العالم بكل ما فيه.
بالرغم من أنهم يحكمون هذا العالم كله، إلا أنهم يشعرون بالخواء والبؤس والفراع، لأنهم مرضى بجنون العظمة والدونية، ولأن لديهم روح العبد الذليل.
اليوم يدعمون الصين، بنظامها الاستبدادي القرون وسطي ليحل محل الحداثة الغربية، وبهذا، سيأخذون العالم كله إلى الخراب.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت