جورج كانغيلام: الفلسفة وخارجها (الجزء الخامس)

أحمد رباص
2024 / 4 / 19

5- من الحيوي إلى الاجتماعي، أفهوم التجربه
إذا كان كانغيلام يحافظ على القطيعة بين التجربة والمعرفة، فهو ضمن تجربة أنثروبولوجية أوسع وهي تجربة التيه، أي القدرة الخاصة بالإنسان على ارتكاب الأخطاء لأنها قادرة على وجه التحديد على إعطاء تقييم معين للمعلومة، من شأنه أن يتعارض مع التقييمات الأخرى. يُظهر هذا الصراع الطابع الدينامي للتجربة الإنسانية، التي تواجه دائما بيئات جديدة تعيد هيكلتها بنفسها، لكن أيضا التحول الضروري والمستمر للمعرفة: "يخطئ الإنسان عندما لا يضع نفسه في المكان المناسب لاكتساب معلومة معينة يحتاج إليها. ولكن أيضا من خلال التنقل يقوم باكتساب المعلومة". إذا كان كانغيلام، في النسخة الأولى من المقال، قد أصر دائما على "القطع" بين الحياة والمعرفة لصالح التكنولوجيا، فقد أصبح انطلاقا من عام 1966 يتصور العلم كشكل من أشكال المعيارية الاجتماعية. يتم بعد ذلك إدراج الخطإ العلمي وكذلك التعارض الحقيقي والزائف في القوة غير المنتظمة للحياة نفسها، في "احتمال الخطأ المتأصل في الحياة" الذي تكتشفه البيولوجيا باعتباره بنية الوراثة ذاتها. وإذا كان للعلوم تاريخ ينطلق من أخطائها، فذلك لأنها أصبحت من الآن امتدادا لقوة غير منتظمة تشكل حياة الإنسان "كحياة محكوم عليها بـ"التيه" و"الخطإ".
تم فعلا إلقاء المحاضرات حول "المفهوم والحياة" خلال السنة التي نشرت فبها "تأملات جديدة حول السوي والمرضي"، حيث يوضح الفيلسوف أن المعيارية الاجتماعية يجب أن تُفهم على أنها امتداد إشكالي للمعيارية الحيوية. في "تأملات جديدة..."، عاد كانغيلام هكذا إلى مسألة معنى المعيار الحيوي كتعبير عن تكيف الكائن الحي مع البيئة من أجل مواجهته بنوع مختلف تماما من "المعايير": المعايير التي تأخذ، في العلوم الإنسانية وعلم الاجتماع والاقتصاد والإثنولوجيا، معناها داخل المجتمع البشري وبالتالي تعبر عن تكيف الأفراد أو استبعادهم من الجماعات. كان هذا السؤال حاضرا بالفعل في المجموعة المنشورة عام 1965، بعنوان "معرفة الحياة"، حيث لاحظ كانغيلام أنه في ظروف الحياة البشرية، "يتم استبدال المعايير الاجتماعية للاستخدام بالمعايير البيولوجية للتمرين [...]، إن مسأللة المرضي لدى الإنسان لا يمكن أن تظل بيولوجية بحتة، لأن النشاط البشري والعمل والثقافة لها تأثير مباشر في تغيير البيئة المعيشية للإنسان باستمرار. ويأتي التاريخ الخاص بالإنسان ليعدل المشكلات”. تحت الدافع المزدوج لفوكو ومؤرخي الحوليات، قدم كانغيلام فرضية مفادها أن الإنسان قادر على التدخل في بيئته الخاصة من خلال معيارية ليست بيولوجية تماما. وبالتالي، نفس المعايير الفسيولوجية لدى البشر يجب أن تكون مرتبطة بمجموعة من السلوكيات المتعلقة بالمعايير الثقافية. وهذا النظام الثاني من المعايير هو بدوره نتيجة جهد الإنسان لتنظيم بيئته الاجتماعية، لكنه لم يعد من الممكن تصوره كمنظمة تمر دون مشاكل لأن "النظام الاجتماعي هو مجموعة من القواعد التي يهتم بها المستعملون والمستفيدون، والقادة في كل الأحوال": "التنظيم الاجتماعي هو، قبل كل شيء، اختراع للأعضاء"، يؤكد كانغيلام. لنلاحظ أيضا أن الفرق بين الأعضاء، العضويات والتنظيم أصبح أكثر وضوحا في محاضرة "مشكلة الأنظمة في العضوية وفي المجتمع":
"العضوية هي وضع استثنائي تماما من الوجود، حيث أنه بين وجوده ومثله الأعلى، بين وجوده وقاعدته أو معياره، لا يوجد فرق، بالمعنى الدقيق للكلمة. [...] إن خاصية العضوية هي أن تعيش ككل وأن تكون قادرة على العيش ككل فقط. صار ذلك ممكنا من خلال وجود مجموعة من الأجهزة أو الآليات التنظيمية في الجسم، والتي يتمثل تأثيرها على وجه التحديد في الحفاظ على هذه السلامة في استمرار العضوية ككل".
بمعنى آخر، تحافظ العضوية على علاقة "استتباب" بيولوجي مع بيئتها وفق آلية تنظيمية بسيطة: أي تباين في الطلب الخلوي، أو أي تغيير في البيئة، يدمر التوازن بين المدخلات والمخرجات الطاقية للعضوية. يعدل البيئة الداخلية ويحدث أثرا رجعيا يجب أن يعيد التوازن بين البيئة الداخلية والخارجية. لكن، كما يتابع كانغيلام، لا يمكننا أن ننظر إلى المجتمع كعضوية، فالمجتمع، بالمعنى الدقيق للكلمة، منظمة "هي ذات نظام فاعل أكثر منه تنظيم عضوي". ويرجع ذلك على وجه التحديد إلى حقيقة أن المجتمع ليس لديه مثله الأعلى وليس له غاية خاصة به. وبالتالي، فهو يدعو إلى ما يسمى بالتنظيم "الخارجي":
"[...] المجتمع عبارة عن مجموعة من الأحياء، ولكن هذه المجموعة ليست فردا ولا نوعا. إنها ليست فردا لأنها ليست عضوية مزودة بغاائيتها وكليتها التي حصل عليها نظام متخصص من الأجهزة التنظيمية؛ فهو ليس نوعاً لأنه، كما يقول برغسون، مغلق. [...] لذلك، نظرا لكونه ليس فردا ولا نوعا، فإن المجتمع، كونه من نوع غامض، هو آلة مثله مثل الحياة، وبما أنه ليس غاية في حد ذاته، فهو يمثل ببساطة وسيلة، إنه أداة. وبالتالي، فإن المجتمع، باعتباره ليس كائنا حيا، يفترض بل يدعو إلى وضع لوائح؛ فلا يوجد مجتمع بدون أنظمة، ولا يوجد مجتمع بدون قواعد، ولكن لا يوجد تنظيم ذاتي في المجتمع".
على عكس العضوية، بخلو المجتمع من جهاز التنظيم الذاتي الخاص به، وهذا هو بالضبط السبب وراء دعوته إلى "التنظيم الأعلى"، أي العدالة، التي لا يمكن أبدا أن تظهر كجهاز منتج تلقائيا من قبل المجتمع نفسه. "العدالة تأتي من مكان آخر"، كما يقول كانغيلام، معيدا صياغة بيرجسون، والعلامة الموضوعية على عدم وجود عدالة اجتماعية مستنتجة من التنظيم الذاتي الاجتماعي تأتي من حقيقة أن "النظام الطبيعي ربما يكون هو الفوضى والأزمة". يعيش المجتمع في أزمة دائمة، ولهذا السبب يدعو بشكل خاص إلى إنتاج معايير اجتماعية جديدة باستمرار.
إن ما يميز المعيار الاجتماعي عن المعيار البيولوجي ليس التهديد بعقوبة قانونية، بل واقعة أن "السجالية" الخاصة بها تنشأ من قرار معياري حتى عندما تشير إلى استخدام يتعلق بمعايير الحياة الجماعية. إن "ادعاء السلطة" للمعيار الاجتماعي، الذي أكد عليه فوكو، يرجع باختصار إلى تأسيسه من خلال تدخل إيجابي وتكويني مرتبط بـ "مشروع معياري" لا يزال، مع ذلك، جزء من تنظيم بيئته من خلال الإنسان، ولكن فقط إلى الحد الذي لا يمكن فيه اختزال الإنسان الاجتماعي إلى جزء من عضوبة. ومن ثم، فإن إحالة المعايير الإنسانية إلى التوازن، وإلى التكيف، وأخيرا إلى السيطرة على البيئة الخارجية، "يعني ذلك
أنها يتم تحديدها على أنها إمكانيات العضوية في موقف اجتماعي للتصرف وليس كوظائف للعضوية باعتبارها آلية مقترنة بالبيئة المادية. إن شكل الجسم البشري ووظائفه ليست فقط تعبيرا عن ظروف الحياة التي توفرها البيئة، بل هي تعبير عن طرق العيش المعتمدة اجتماعيا في البيئة".
ومن ثم فإن المعيار الاجتماعي هو نتاج إرادة تثمين الحياة البشرية، ولكن من خلاله ينظم الإنسان بيئته بطريقة ثقافية. في الواقع، يعمل المعيار الاجتماعي على المعيار البيولوجي من خلال هيكلة السلوك البشري وتعديل بيئته. ومن وجهة النظر هذه، فإن النظام السياسي ليس سوى طريقة معينة لبناء البيئة البشرية على وجه التحديد، ولكنه أيضا ما يميز التكيف مع هذه البيئة عن آلية الاستتباب. مثال مثير للاهتمام لهذه الفكرة كان موجودا بالفعل في الإصدار الأول لكتاب "الطبيعي والمرضي":
"كل شيء يحدث وكأن المجتمع لديه الوفيات التي تناسبه ، وعدد الوفيات وتوزيعها على مختلف الأعمار يعكس الأهمية التي يوليها المجتمع أو لا يوليها لإطالة العمر. باختصار، إن تقنيات النظافة الجماعية التي تميل إلى إطالة عمر الإنسان أو عادات الإهمال التي تؤدي إلى تقصيرها تعتمد على الثمن المرتبط بالحياة في مجتمع معين، وهو في نهاية المطاف حكم قيمي يتم التعبير عنه بهذا الرقم المجرد الذي هو متويط العمر. إن متوسط العمر ليس هو العمر الطبيعي بيولوجيا، ولكنه إلى حد ما هو العمر المعياري اجتماعيا".
إن التحول الذي أحدثه كانغيلام هنا ضروري لأنه يوضح أنه حتى المؤشر الديموغرافي مثل متوسط العمر في مجتمع معين لا يعتمد على التكيف مع البيئة من قبل "عضوية اجتماعية" غير موجودة، ولكن على تنظيم اجتماعي بأكمله يشمل أشكال الحياة الجماعية وأساليب الحياة والسياسات والتشريعات، إلخ. وهذا لا يمنع مؤشرا مثل متوسط العمر من أن يمثل حالة "طبيعية"، بقدر ما يكون تعبيرا عن المعيار وامتدادا له. وكما يشير ديدييه فاسان، فإن صيغة كانغيلام تقول إن "الكمية المقاسة للحياة، كحقيقة ديموغرافية، والتي يشير إليها متوسط العمر المتوقع، تتضمن وتكشف عن نوعية حياة مقدرة، كإنتاج اجتماعي، أي وفقا للاختيارات التي يتخذها المجتمع في الحفاظ على الحياة”. وإذا عدنا إلى موضوع "السكان" الذي سبق ذكره على أساس هذه الملاحظات، فإننا نؤكد أن الساكنة، حتى في جوانبها "الكمية" البحتة، هي كائن شبه طبيعي وشبه اجتماعي من الناحية المادية. علاوة على ذلك، يتبين أن مفهوم السكان يمثل عنصرا أساسيا في البناء المعياري/المعير كآلية اجتماعية سياسية .
باختصار، سواء فُهمت من وجهة النظر الفردية أو من وجهة نظر "الأشكال الجماعية لتنظيم الحياة "، تصبح التجربة الإنسانية هي المكان الذي يمكن فيه سماع عبارة "معرفة الحياة" بمعناها المزدوج: معرفة تكون فيها الحياة ذاتا وموضوعا في نفس الوقت. وبالتالي فإن المعرفة العلمية والموضوعية للحياة ليست معزولة عن تجربة التيه للحياة الإنسانية: “العلم يفسر التجربة، لكنه لا يلغيها بالضرورة ”. غير أن هذه المعرفة لا تتصالح مع التجربة: فهي بالأحرى تحدد موضع الصراع بين المتطلب المعياري للحقيقة العلمية والتقييمات الأخرى التي يعترف بها الإنسان الحي خلال تجربته باعتبارها "مركزا" لبيئته. هذا الصراع، وهو المكان المناسب للفلسفة، وصفه كانغيلام في مقالته عن “الحي وبيئته” هكذا:
"إن بيئة الإنسان الخاصة هي عالم إدراكه، أي مجال تجربته البراغماتية حيث أفعاله، الموجهة والمنظمه بالقيم المحايثة للميول، تنحت أشياء موصوفة، تضع بعضها إزاء البعض وكل شيء في علاقة به. بحيث تكون البيئة التي من المفترض أن يتفاعل معها تتمحور في الأصل حوله وبواسطته. لكن الإنسان، كعالم، يبني كونا من الظواهر والقوانين التي يعتبرها كونا مطلقا. إن الوظيفة الأساسية للعلم هي التقليل من قيمة الأشياء التي تشكل بيئته الخاصة، من خلال طرح نفسه كنظرية عامة لبيئة حقيقية، أي بيئة غير إنسانية. يتم استبعاد البيانات الحساسة وتحديد كميتها وتحديدها. يتم الشك في غير المحسوس ثم اكتشافه وإثباته. القياسات تحل محل التقييمات، والقوانين تحل محل العادات، والسببية تحل محل التسلسل الهرمي، والموضوعي محل الذاتي".
هذا "الكون المطلق" الذي بناه العلم يتناقض مع تجربة الإنسان الواعية، لكنه في الوقت نفسه يبني هذه التجربة بقدر ما ينظم تقنيا البيئة الإنسانية ويعطي الإنسان "نوعا من الغرور اللاواعي الذي يجعله يفضل بيئته الخاصة على بيئة الكائنات الحية الأخرى، باعتبارها تمتلك المزيد من الواقع وليس مجرد قيمة أخرى". إن مفهوم الحياة هو بطبيعة الحال تعبير عن هذا الاتفاق الصراعي بين التجربة والعلم، لدرجة أن ادعاء العلم بتذويب قيم الحياة “في مجهولية البيئة الميكانيكية، الفيزيائية والكيميائية، [..] "يجب أن يشمل الإنسان الحي نفسه"، وهو ما لا يمنع، علاوة على ذلك، من أن تكون المعرفة وإنتاج المفاهيم جزء من النشاط الذي "يسيطر" به الإنسان الحي على بيئته ويهيكلها.
المصدر: https://books.openedition.org/psorbonne/104052?lang=fr

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت