الإبداع والابتكار بين الإهمال وفقدان الاستراتيجية وبين ضرورة اهتمام يلبي أسس التنمية

تيسير عبدالجبار الآلوسي
2024 / 4 / 18

هذه معالجة توضح بعض جوانب مبدأ الإبداع ونهجه ومعه الابتكار ودوره في تقرير مصائرنا في عالم لم يعد يقر الجمود والكسل والسلبية.. وفي ضوء اليوم العالمي للإبداع والابتكار واحتفالية بذياك النهج البنيوي المهم، عسى تثير دافعا لتوطيد متغيرات ودفعها إلى أمام بدءا من طريقة التفكير التي نتبناها وليس انتهاء بما ننجزه ماديا معنويا من جديد يلبي حاجاتنا في عصر جديد نكاد ننفصم عما وصل إليه بسبب التلكؤ والمراوحة وذرائع من يشاغلنا بعيدا المتغيرات.. كل عام والعلماء والمتخصصين والأساتذة وجموع التنوير كافة بخير وصحة لأهمية بل خطورة خياراتنا للنهج المؤمل أن نحيا في ضوئه بانتماء لعصر التكنولوجيا الأكثر تقدما وعصفا بمتغيراتها
**************

في اليوم العالمي للإبداع والابتكار: تحية لحركة التنوير والتقدم حركة اختيار نهج الإبداع والابتكار من أجل أروع مخرجات جهود الإنسان المعاصر




تعاني بلدان المنطقة من ظروف معقدة خطيرة في مخرجات افتقاد أغلبها للاستقرار والسلم الأهلي ولاستراتيجيات البناء والتنمية؛ بخلفية انشغال في صراعات محلية مفتعلة بتدخلات مباشرة وأخرى بالوكالة. وفي مثل هذه الأجواء لا يمكن إلا أن نؤكد أن مفاصل العيش ومحاور الاهتمام بالإنسان سواء صحيا أم تعليميا أم بغيرهما من المطالب الحياتية تظل محيَّدةً لصالح أولويات من تحكَّم ويتحكم بالمشهد..

ولعل من تلك الأمور كبيرة الأهمية، هي منح الإبداع والابتكار فرصهما في أداء مهامهما على وفق منطق توظيف العقل العلمي بخدمة الإنسان ومسيرة تقدمه. وقبل أن نمضي في تناول هذا المحور إعلاءً لنداء الاهتمام الواجب، فلنتعرف إلى مفاهيم الإبداع والابتكار.

فالأول أي الإبداع يقوم على استيلاد الأفكار الجديدة وتفعيل التفكير بالأداء الخلاق، فيما الآخر أي الابتكار ينهض بتنفيذ تلك الأفكار من خطط نظرية مرسومة إلى منجزات أو منتجات أو خدمات عملية تُثمر قيمة مضافة.

والإبداع، في ضوء هذا الفهم: يجسد (تميّزاً في العمل ومنجزه بكيفية تؤدي إلى إضافات في القيمة عما لو كان العمل من دون ذاك التميز.. ويتحقق الإبداع عبر القدرة على إيجاد وسائل تربط ما يبدو كونه غير مترابط بقصد تحسين الأداء ومخرجاته سواء كان ذلك قيمةً مادية أم جمالية معنوية..

ليأتي مرافقا أو تاليا وبشكل مرتبط دور الابتكار في تنفيذ الفكرة الإبداعية وتحويلها إلى منتج (جديد) أو فعالية جديدة ذات قدرة على تقديم الأحسن والأفضل بشروط العمل (الإبداعية) الجديدة. حيث يتم كسر القيود المحددة للمنجز بالتقليدي من الأعمال وقوانينها ومناهجها، ليتم هنا خلق فرص التطوير والتنمية عبر حلول جديدة لكل ما يجابه العمل ومخرجاته من محددات..

إنَّ واقعنا المعقد فرض ويفرض مزيداً من التعقيدات التي تطلب حلولا لا تستطيع إلا حركة الإبداع والابتكار الاستجابة لصنعها (صنع تلك الحلول) ومجابهة تحديات الحركة الاقتصادية الاجتماعية ومتغيراتها ومجمل الأنشطة الإنسانية..

ومن هنا فإنّ الابتكار بهذا المفهوم هو المدخل الأوضح نحو أبرز المنجزات من اختراع واكتشاف، بدءا من تفاصيل حاجات الإنسان إلى أكثر مفردات التكنولوجيا الحديثة حاجة.. وعليه فإن تلكم الإبداعات النظرية هي التي وفرت فرص معالجة المعضلات والتحديات.. ولأن أغلب بلدان منطقتنا مازالت بحال من التأخر عن ركب التقدم فإن توظيف المنجزات وابتكار وسائل تلبيتها محليا وطنيا هو الفرصة الوحيدة والممر الرئيس نحو اللحاق بركب التطور واطلاق تنمية مستدامة لا تسمح بالتلكؤ الذي سيتضاعف بحال إهمالنا الإبداع والابتكار…

فأهمية الابداع والابتكار في تلبية شروط التقدم، تبدأ بتطوير مناهج اشتغالنا وخلق الفرص المناسبة لتطبيق جديد منجزاتهما وتنمية منظمات العمل ومؤسساته؛ الأمر الذي يُثمر في خلق فرص عمل جديدة وتنويع الخدمة المتاحة بين يدي المستهلك ما يخلق بدوره دورة اقتصادية دائبة وهو كذلك يعزز الاستقرار الاجتماعي ومزيد متغيرات إيجابية فيه..

ومن أجل مزيد من دوافع الأداء وأفضلياته فإننا نجد ذلك في اشتغالنا على مجمل أنواع الإبداع وميادينه ومنها: الإبداع التكنولوجي، الإبداع الإداري، الإبداع الجمالي: الفني والأدبي، والإبداع اللغوي وغيره. وطبعا علينا بكل ميدان أن نتحدث عن حرية التعبير والحق بإبداع لا يقبل التقييد طالما التزم احترام الإنسان ومطالبه. ولابد من الاستجابة لأوسع حراك في تبني المعارض التشكيلية والعروض المسرحية والسينمائية ومهرجاناتها وتكريم المتميز فيها ووضعها بخدمة بناء الشخصية الإنسانية المعاصرة الجديدة بقيم الحداثة بجانب اهتمام بنهج التعليم القائم على احترام شخصية الطالب وأدائه الحر ورعاية ما يقدم وتنمية مواهبه…

لكننا بالمقابل نحن نشهد في مجتمعاتنا معوقات وعراقيل بوجه الابداع والابتكار من قبيل نسبة غير قليلة لا تحظى بالتنشئة المناسبة فتظهر مشكلة أو عقبة ضعف الثقة بالنفس، أو بناء شخصية تقوم على تبني نهج مَن يفكر بالنيابة عن تلك الفئة ويكون مرجعاً لها واجب التقليد والكارثة يكون بصورة التقليد الأعمى على أساس قدسية و-أو عصمة من يقلده المرء المحشو بثقافة الخرافة ونهجها.. وبهذا سنجابه مشكلة مركبة أكثر تعقيدا تكمن بتقييد التفكير وجعله محدوداً غير قادر على الإبداع بل ولا على إعمال العقل بمنطق علمي ينتمي لعصر لا يرحم من يهمل العقل ونهجه وعلمنته وعلميته حيث التفكير النمطي الذي يؤشر بل يؤدي إلى ظواهر الإخفاق في الإبداع والابتكار بصورة شاملة محبطة.

إننا بحاجة اليوم إلى كسر تلكم التابوات بكل تفاصيلها ومحاورها لأن الابتكار لا يحيا خارج نهجٍ منظم يوجه الشخصيات والمنظمات في جهودها بما يستند إلى مأسسة منظومة الإبداع والابتكار مجتمعيا وبمستوى بناء الشخصية فرديا جمعيا؛ مثلما يوفر استراتيجية ثابتة للحراك والتنمية ولبناء الشخصية بأسس تعزيز القدرات التنافسية التي تتنامى إيجابا في ضوء تلك الأسس التنموية الخلاقة..

على أننا لا نمضي من دون محددات إطارية للابتكار وصنع فلسفته ومنهجه ولعل من ذلك نذكر الأمور الآتية بوصفها التأطير المنشّط المفعّل:

المنهجية والتنظيم في إدارة حراك الإبداع والابتكار ما لا يترك ذلك الفعل للطفرات والمصادفات في حدوثه ولا للفردنة وعدم التنسيق بل للانتظام بجهود متعاضدة بنيوياً..
استراتيجية خدمة أهداف الجماعات والمؤسسات والشعوب ووضع الابتكارات موضع التنمية التكاملية غير المنفصلة عن الواقع المجتمعي..
تحسين استثمار جميع الموارد المتاحة لأفضل منجز ما يؤكد الاهتمام بالكفاءات واستيعاب تأثيرها لا إقصاء أي منها أو تعطيلها.
خلق حال ديناميكية في الأداء والإنجاز بروح تنافسي يعزز النمو المتصاعد وهو ما سينعكس على التقدم بالمنجز إلى أمام..
الاهتمام بالمستهلك المتلقي وبحاجاته وبتسهيل حصوله على أفضل خدمة وأجودها الأمر الذي يقع في مهام الابتكار وليس الجمود والتكرار في مخرجات العمل..
ومع متغيرات الحياة هناك مطلب المرونة في مطاردتها للتكيف مع المستجدات وتبني تفعيل أية طاقة معطَّلة أو تتلكأ بقصد التفعيل..
استمرارية البحث في الجديد وتبني كل طروحات التغيير عند بناة المؤسسات والجماعات والشعوب..
وفي الابتكار سنجد أنفسنا قادرين على التحقق من مستقبل كل منتج أو خدمة أو نشاط وعلاقته بغد المؤسسة أو المجتمع ومطالبه ومن ثمّ النهوض بمهمة تسخير العلم والتكنولوجيا و حتما آلية الابتكار في خدمة أغراض التنمية والتقدم.. أما كيف سنمضي في تحديد أطر الابتكار فلربما كان علينا توكيد الحقائق الآتية ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

رسم خارطة طريق استراتيجية توائم بين الأهداف وميادين التركيز والاهتمام..
خلق بيئة داعمة للإبداع والابتكار من قبيل دعم آلية التفكير عبر ندوات وجلسات بآليات مثلما آلية التعليم القائم على الجدلية والتحقق لا الإملاء السلبي وحشو الذهنية ما يعني وجود ثقافة لمثل تلك البيئة المنتجة.
إجراء دراسات جدوى وتقييم للأفكار والمشروعات على وفق معايير إطارية غير جامدة.
توظيف آلية التجريب واستطلاع الرأي والتفاعل بين الرؤى إيجاباً.
إدامة التعليم والتعلم من الأداء وأفعاله ومخرجاته ومقارنة المنتج باحتمالاته في ضوء مستقبل الطلب ومحدداته.
إيجاد وسائل قياس ومراجعة في بيئة من قبول المخاطرة والاستعداد لتلافي ما قد لا يلبي الهدف بإعادة دراسة الأسباب وتجنبها في الأداء التالي..
إن هذه المحاور التي أوجزنا بالمرور عليها وغيرها من دواعٍ وأسباب دفعت الأمم المتحدة لاعتماد يوم احتفالي عالمي بعنوان الإبداع والابتكار بقصد تشجيع الأمم والشعوب ودول العالم للاهتمام اليوم قبل الغد بهذا النهج الذي يعني تفعيل العقل العلمي وربط منجزه الإبداعي وابتكاراته بالمجتمع وخدمة الإنسان واحترام وجوده..

والاحتفال هنا لا يجري شكليا بدعوة كرنفالية أو إلى حفلة بصالة مزينة ولكنه يعني اتخاذ القرارات والإجراءات اللازمة لكسر مسار الأعمال التقليدية الرتيبة ونهج التعليم الكتاتيبي وفلسفة المرجعيات المؤلَّهة المعصومة وفرض ذلك على فئات وجماعات بطريقة تسحب منهم حق التفكير وتصادر أية فرصة للإبداع والابتكار وتعد ذلك بدعة وضلالة تقضي بتحريمها في استغلال سطحي فارغ لعبارات بعينها يحيلون بها صحيح إيمان الناس إلى حال من الإيقاع بهم بميادين دجل الخرافة وأباطيلها..

والمستهدف هنا هو التطور البشري وخدمة الإنسان والإنسانية بتوظيف التقدم التكنولوجي في ذلك وفيي اعتماد مناهج إبداعية ابتكارية سليمة..

إن القرار الأممي ليس اختيارا فائضا لمناسبة أخرى للاحتفال ولكنه تذكرة دخول إلى عالم جديد فرضته ظروف التطور ومستويات التنمية التي وصلت ببعض البلدان وشعوبها لمنطقة تستطيع بها أن تحيا بكرامة وبأفضلية عيش حر كريم..

فلنواصل تمكين الإنسان من تعليم بمنهج جديد يشجعه على إبداع حلول مناسبة لمستجدات ما يجابهه وابتكار ما يمكنه من تفاصيل يومه ومطالبه.. ولنبحث عن تبادل الخبرات والاستفادة ممن وصل هذا النهج وأدائه فيما سنسميه الابتكار المفتوح وإطاره ولنمتلك شجاعة إيجاد الابتكار الانقلابي الذي قد يُنهي أو يعكل القديم القائم راهنيا لكنه حتما سيستفيد منه لتقديم الجديد ولنبحث عن أطر ابتكارية كتلك التي تعنى بتحديث نماذج أولية في ضوء استطلاعات رأي وخبرات رصد الثغرات وبأية تسمية ستأتي تلك الابتكارات ومناهجها فإنها جميعا ضرورة..

أجدني هنا أدعو الإنسان فرديا جمعيا وشعوبنا ومجموع منظماتها التنويرية وكل مؤمن بالعقل العلمي أن يتبنى الإبداع والابتكار في خلق بنيته وبيئته وثقافة ترعاهما وتشجعهما لأنهما وسيلتنا للعيش في عصر لا يرحم من ينقطع عن شروط العيش فيه ويبرر لتكلس أو جمود في خطابه و وسائل عيشه على طريقة التقليد الأعمى والجمود وتعطيل التفكير والاعتماد على من ينوب عن المرء في أداء..

لنمضي في إعلاء شأن العمل وتحديدا منه القائم على إبداع يتقدم بمخرجاته ويؤكد التنمية والتطور ويستند لابتكار يستجيب للحاجات ولمطالب تحترم الإنسان وجوديا في يومه وغده لا في ماضيه الذي انتهى ولن يعود ولن يفيده الجمود والانقطاع عنده..

فهلا تفكرنا في المبدأ والمنهج؟ وهلا ولجنا عوالمه الخفية على من تعطل التفكير عنده؟ هل استجبنا لمبدأ الحياة مقبلة لمن يصنعها لا لمن يحيا على هوامشها السلبية المتبلدة؟؟؟

ولنا لقاء كرنفالي منتج في اليوم العالمي للإبداع والابتكار يوم الحادي والعشرين من نيسان أبريل أحييكم فيه وكل العلماء وكل حملة قيم العقل العلمي ومنجزه بإطار التفكير المتجدد بمرونة الأداء وتبني متغيرات الحياة وقيمها الجديدة وكل عام وأنتن وأنتم بإبداعات جديدة بهية تعيد بناء الشخصية شعوبا وأوطانا…

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت