فكرة قِدم الصهيونية في بطن التاريخ عصفت بها في لجج ازمة مستعصية

سعيد مضيه
2024 / 4 / 18

أطروحات ثلاث جول الصهيونية
"هذا العرض - إسرائيل إنجاز مسياني (قديم الأزل) - قد هيمن على الفكر الصهيوني منذ تأسيس الدولة، وباتت صارخة في الوقت الراهن عواقبه التراجيدية: الفصل العنصري والإبادة الجماعية"، يقول الكاتب الأميركي ستيفن ف. آيزنمان، أستاذ فخري لتاريخ الفن بجامعة نورث وسترن، نشرمع الفنانة سو كو كتاب "الفاشية الأمريكية" لـ Rotland Press، وسيتم نشر كتابه التالي مع الفنانة سو كو "دليل الشباب المصور للفاشية الأمريكية" في أواخر هذا الصيف . ما يلي ورد في مقال نشر في 12 أبريل 2024. يؤكد آيزمان ان رابطة اليهود ب"أرض إسرائيل " هي أضعف من أي رابطة لشعب عاش على أرض وطنه:


"إلى المنتصر تذهب الغنائم"
يعود تاريخ هذا التعبير إلى العام 1828، حين استخدمه عضو مجلس الشيوخ عن ولاية نيويورك، ويليام س. مارسي، لتمجيد المواهب السياسية التي ساهمت في فوز أندرو جاكسون في انتخابات الرئاسة ذلك العام؛ غير أن فكرة استحواذ المنتصر على أصول المهزوم أقدم بكثير. في الإلياذة، تقاتل ديوميديس اليوناني مع هيكتور من طروادة للفوز بالغنائم وبالمجد. حتى أخيل، أعظم المحاربين اليونانيين ونصف إله، اعتبر لصًا. بعد قتل هيكتور، أخذ ديوميسديس درعه وشوه جسده، انتقامًا لمقتل باتروكلوس وتدنيسه، وادعاء التفاخر بالشهرة (كليوس).
لم يُظهر الرومان، الذين كانوا يقلدون اليونانيين، أدنى تهيب من النهب. على قوس تيطوس، الذي تم تشييده عام 81 م للاحتفال بالنصر على المملكة اليهودية قبل عقد من زمن، يُظهِر نقش منحوت موكبًا من الجنود الرومان، يرتدون أكاليل النصر، ويحملون الشمعدان وغنائم أخرى من الهيكل.
طلبا للراحة، ناقش والتر بنيامين[ فيلسوف يهودي ألماني توفي عام 1940، ناقد ثقافي ومفكر انتقائي قدم مساهمات دائمة ومؤثرة في النظرية الجمالية، والنقد الأدبي، والمادية التاريخية] ناقش لماذا ينحو السياسيون والمؤرخون للتركيز فقط على إنجازات الملوك والنبلاء والأثرياء والأقوياء؛ كتب في الأطروحة السابعة من كتابه "حول مفهوم التاريخ" (المعروف أيضًا باسم "أطروحات حول فلسفة التاريخ"):
«[إنهم] يسيرون في موكب النصر الذي يدوس فيه حكام اليوم أولئك المنبطحين تحت الأقدام. باتت الغنائم… تراثا ثقافيا لا يستطيع المادي التاريخي … أن يفكر فيه دون رعب؛ وهي مدينة بوجودها ليس فقط إلى جهود العباقرة العظماء الذين أبدعوها ، إنما كذلك لكدح معاصرين مغمورين؛ ما من وثيقة ثقافية إلا وهي في ذات الوقت إحدى وثائق الهمجية".
من بين أقوى فرضيات الصهيونية المبكرة كان رفض هذا النسب؛ الرابي الليثواني ، آرون صمويل تماريس، كان مثالاً في هذا الصدد؛ فعلى إثر صدمة نفسية تلقاها في صغره بوفاة جاره الشاب في الحرب الروسية العثمانية (1877-1878)، تولاه حنين لوطن يهودي خالٍ من العنف. غير أنه تخلى عن الصهيونية السياسية في أعقاب الحرب العالمية الأولى، نظرا لكونها مظهرًا لنفس القومية والاحتفال بالنصر الذي ادى إلى ذبح الملايين. نادى تماريس أن جوهر اليهودية المتمثل في عيد الفصح هو رفض العنف، وكتب: " نظرا لسريان الروح في الدم، كما تقول التوراة... فهذه الآية بالتوراة لن تزيَّف إذا ما فسرت بأنها تعكس أيضا روح الجانب الآخر"؛ اليهود والأمميون يستحقون الحماية على حد سواء. ربما كان سيقول عن الإبادة الجماعية بعد قرن من الزمن: "لن يتكرر ذلك ، لأي شخص وفي أي مكان".

"الصهيونية ليست في السماء"
شارك تماريس رؤيته للقومية وللامبريالية صهاينة بارزون آخرون في تلك الفترة، خاصة مثقفو جماعة بريت شالوم (ميثاق السلام) في العشرينات وأوائل الثلاثينات، بما في ذلك الفيلسوف مارتن بوبر والمنظر النقدي والكابالي ، غيرشوم شولم[ إضافة لرئيس الجامعة العبرية إيهودا غانتس، والفيلسوفة حنه آرندت وآخرين]. لقد اعتقدوا أن الدولة الشرعية الوحيدة في فلسطين الانتدابية هي الدولة القائمة على المساواة بين العرب واليهود. وإلا فإنها سوف تقع في نفس الشرك الذي وقعت فيه الدول الإمبراطورية التي خاضت الحرب المنتهية للتو ــ عدم الاعتراف بالطموحات الوطنية حتمية مسيانية.
تسارع التحول من الصهيونية التحررية إلى الصهيونية القومية أو السياسية في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي. يمكن توضيح الانتقال من خلال بطاقة بريدية غير عادية ظهرت مؤخرًا في دار مزادات في القدس. يُظهر ثلاثة رجال مزراحيين (صهاينة أرثوذكس من الشرق الأوسط) يقفون بجانب قوس تيطوس. أحدهم، الحاخام يهودا ليب ميمون، أرسل البطاقة البريدية إلى والده في فلسطين. وكتب بالعبرية، وترجمتها هنا:
“في رحلتي إلى مؤتمر المجلس العام الصهيوني في ذكرى تدمير هيكلنا المقدس [9 آب]، توجهت الى قوس النصر تيطس – وأرسل إليك تحياتي من هناك. نجحنا! شعب إسرائيل حي!

يشير الحاخام في رسالته أن المعركة الطويلة لتأمين إيرتز يسرائيل (أرض إسرائيل) كانت تقترب من نهايتها وأن اليهود قد كسبوا الحرب؛ وفي وقت قريب سوف تسترجع غنائم الهيكل الثاني التي نهبها تيطس والمعروضة على قوس النصر - على الأقل مجازيًا – وان ميمون الذي اعادت إسرائيل اليه الاعتبار تحول لآن يغدو شخصية رئيسة في تأسيس إسرائيل. بعد واحد وعشرين عاماً من إرسال بطاقته البريدية، وهو جالس بجانب ديفيد بن غوريون في لجنة الأمم المتحدة الخاصة بفلسطين، قال ميمون للوفد مخاتلا: "هناك رابطة غير قابلة للانفصام بين شعب إسرائيل وتوراته، وهناك بالتماثل رابطة متينة ودائمة بين شعبنا وهذه الأرض، رابطة لن تجدوا لها مثيلا في أي مكان آخر... منذ زمن يشوع وحتى يومنا هذا،أي طوال 3318 عامًا، عاش اليهود في أرض إسرائيل في تتابع لم ينقطع."
في الحقيقة ، لدى العديد من مجتمعات السكان الأصليين في العالم روابط بالمكان أطول وأعمق بكثير مما يربط اليهود بما تسمى "أرض إسرائيل"؛ فالاستيطان اليهودي بالمنطقة تقلص وتضاءل منذ أيام التوراة . قبل الحروب اليهودية الرومانية في القرنين الأول والثاني الميلادي، بلغ التجمع السكاني اليهودي ذروته ــ ربما مليون أو أكثر ــ غير ان عدد السكان تناقص بشكل حاد بعد ذلك. خلال حقبة الألفي سنة التالية، كان اليهود أقلية بفلسطين، نادرًا ما فاقت نسبتهم ال 15%. وبحلول العام 1880، بلغ عدد السكان اليهود في المنطقة حوالي 40 ألفًا، مقابل حوالي 50 ألف مسيحي و500 ألف مسلم. بعد نصف قرن، بعد إنشاء فلسطين الانتدابية وتوسيع الهجرة اليهودية، بلغ عدد اليهود حوالي 75 الفا، مع حوالي عشرة أضعاف العدد عربا (مسلمين ومسيحيين). بالمقارنة، بلغ عدد اليهود سكان أوروبا قبل المحرقة 9.5 مليونا، منهم ثلاثة ملايين في بولندا وحدها. واليوم اضخم تمركز يهودي موجود بمدينة نيويورك – 1.6 مليون – أي أكثر من سكان القدس وتل أبيب مجتمعين.
في نوفمبر 1947، احتفل الحاخام ميمون بقرار الأمم المتحدة الاعتراف بإسرائيل بينما انتقد اعترافها المتزامن بالدولة الفلسطينية. ومع ذلك، قال إن الإعلان دشن “بدء خلاصنا ، الشفق الخافت لصباح جديد قادم نحونا بحزم ”. هذا العرض - لإسرائيل إنجازا مسيانيا(قديم الأزل) - قد هيمن على الفكر الصهيوني منذ تأسيس الدولة، وباتت صارخة في الوقت الراهن عواقبه التراجيدية: الفصل العنصري والإبادة الجماعية. اتخذت الإبادة الجماعية تعريفها في ميثاق منع جريمة الإبادة الجماعية ومعاقبة مقترفيها[التأكيد من الكاتب] تظرا لكونها "أي من الأفعال التالية المرتكبة بقصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية،وبالتحديد:ا ) قتل أعضاء الجماعة؛ ب) الحاق ضرر جسدي أو عقلي خطير بأعضاء المجموعة؛ ج) إ تعمد تعريض الجماعة لظروف معيشية محسوبة لتدميرها المادي كلياً أو جزئياً؛ د) فرض تدابير تهدف لمنع الإنجاب بين الجماعة؛ هـ) نقل أطفال الجماعة قسراً إلى جماعة أخرى". والآن، حيال مقتل ما لا يقل عن 33,000 من سكان غزة ، وتشريد أكثر من مليون شخص، ليس من شك في أن الحظر الذي فرضته الأمم المتحدة قد تم انتهاكه.
تنبأ شولم عام 1929 بدخول الصهيونية في أزمتهاالراهنة - نشر عنف الإبادة الجماعية أو المخاطرة بالإطاحة بها على يد حركة مقاومة شعبية، وذلك بعد ثلاث سنوات من اجتماع المجلس العام الصهيوني في روما، والذي حضره الحاخام ميمون وأصدقاؤه. رغم أن شوليم أيد في وقت لاحق الصهيونية السياسية، إلا أنه حذر باستمرار من رؤية إسرائيل مراكمة لنبوءة الكتاب المقدس. اللغة التي استخدمها في مقال دافع فيه عن منظمة بريت شالوم مهدت للغة استخدمها صديقه والتر بنيامين بعد عقد من الزمن:
غير ان هذا النصر بات الآن عائقا وحجر عثرة أمام الحركة بأكملها؛ فالقوة التي كسبتها الصهيونية خلال تلك الانتصارات كانت…[قوة] المعتدي. نسيت الصهيونية الارتباط ب... المظلومين، الذين سوف ينهضون ويكشف عنهم الغطاء سريعا . [شهدت فلسطين في عقد العشرينات احتجاجات ضخمة ] ...الصهيونية ليست في السماء، ولا تمتلك القدرة على الجمع بين النار والماء. فإما أن يطاح بها في مياه الإمبريالية، أو تُحرق في لهيب الحراك الثوري للشرق المستيقظ".

ميتزفه تانتز
واليوم، تفاقم التناقض الذي وصفه شوليم بسبب الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة التي تتبنى الاقتصاد الليبرالي الجديد، والدين الأصولي، وسياسة الاستبداد؛ فضلاً عن وجود عدد من الإسرائيليين اليوم ـ ولا أحد منهم في الائتلاف الحاكم ـ يتماهون مع ضحايا الإمبريالية. الاشتراكية تعرضت لمنغصات لكنها لم تستأصل في إسرائيل، ويظهر سلوك الجيوش في غزوة غزة نفس الاحتفال بالانتصار الإمبراطوري الذي ميز الجيوش الرومانية عام 70 بعد الميلاد؛ يبدو أنهم يتلذذون بالقتل والنهب والتدمير؛ بل إن البعض يرى في ذلك فرصة لتحقيق ميتزفه، المعادل الأخلاقي اليهودي لكليوس في اليونان القديمة.
سار جنود جيش الدفاع الإسرائيلي على طول قطاع غزة حاملين معهم غنائم النصر: الملابس، والآلات الموسيقية، والساعات، والمجوهرات، والدراجات، والمرايا، ومستحضرات التجميل، وسجادات الصلاة، وحتى المصاحف. عمليات النهب منتشرة على نطاق واسع ويتم تنفيذها دون خجل. أحد الجنود قال: "لم يصدر عن القادة أي حديث عن ذلك ". "يعلم الجميع أن الناس يأخذون الأشياء. يعتبر الأمر مضحكا – الناس يقولون: أرسلوني إلى لاهاي. هذا لا يحدث سرا”. يشير عدم الندم إلى أن غالبية قوات جيش الدفاع الإسرائيلي تشاطر العديد من الإسرائيليين اعتقادهم بأن احتلال غزة مع توسيع الاستيطان في الضفة الغربية يمثل الخلاص الذي طال انتظاره والذي أعلنه الحاخام ميمون: السيطرة الكاملة على أراضي فلسطين من نهر الأردن إلى البحر الأبيض المتوسط.
الموت والدمار في غزة ترافق مع الرقص الإسرائيلي. أحيانا، يُجري الجنود رقصات دائرية وسط الدمار ، مثل تلك التي تقام في حفلات الزفاف أو (بار ميتزياهز). أحيانا يرقصون مع لفائف التوراة، كما لو كانت (سيمحات التوراة)، العطلة التي يُحتفل خلالها بالانتهاء من الدورة السنوية للقراءات التوراتية. أحد مقاطع فيديو نشره جندي على الإنترنت يظهر حفل رقص مماثلة في مبنى كلية الطب بالجامعة الإسلامية، قبل ساعات من تفجيره. ويكشف مقطع فيديو آخر عن جنديين يؤديان رقصة بهلوانية في منطقة سوتها الجرافات بالأرض . يرقص الجنود لمختلف الأسباب التي تتجاوز مجرد الترفيه. إنهم يرقصون لإضفاء الطابع الإنساني على أنفسهم وسط الظروف اللاإنسانية للحرب الحديثة، ولاستعراض سيطرتهم على أعدائهم الفلسطينيين. يتجلى نفس الشعور بالانتصار في إذلال جيش الدفاع الإسرائيلي للسجناء الفلسطينيين، وخاصة الرجال، حين يعتقلون في كثير من الأحيان وتجريدهم من ملابسهم الداخلية ونقلهم جماعياً للاعتقال والاستجواب والتعذيب في بعض الأحيان. يرقص الجنود "في موكب النصر... فوق المنطرحين تحت الأقدام". وردّاً على ذلك، يتعين على المجتمع الدولي أن يتحرك لتوجيه الاتهام إلى مرتكبي الغزو والعمل على إنشاء الدولة التي تصورنها حركة بريت شالوم، والتي يتمتع فيها الفلسطينيون واليهود بحق متساو في الأرض، والأملاك، والسلطة السياسية. إن المحرقة ووحشية السابع من أكتوبر لا تبرر جرائم الإبادة الجماعية الجديدة، لأن "الروح في الدم"، الفلسطيني واليهودي.
Stephen F. Eisenman is Professor Emeritus of Art History at Northwestern University and the author of Gauguin’s Skirt (Thames and Hudson, 1997), The Abu Ghraib Effect (Reaktion, 2007), The Cry of Nature: Art and the Making of Animal Rights (Reaktion, 2015) and other books. He is also co-founder of the environmental justice non-profit, Anthropocene Alliance. He and the artist Sue Coe have just published American Fascism, Still for Rotland Press. His next book with the artist Sue Coe The Young Person’s Illustrated Guide to American Fascism‘will be published late this summer by´-or-Books. He can be reached at: s-eisenman@northwestern.edu

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت