كاتدرائية رايموند كافر تحفة من الواقعية التأملية

حكمت الحاج
2024 / 4 / 17

"كاتدرائية" رايموند كارفر: تحفة من الواقعية التأمّلية..
ذات يوم من أيام سنوات بغداد العجاف، كنت أتمشى في شارع سوق السراي (قبل أن يتحول اسمه فيما بعد الى شارع المتنبي) أبحث عن أخطاء الكتب (كما كان دائما يقول صديقنا الموسوعي سعيد الغانمي) وليس كتابا بعينه، إذا بالصديق العتيد، كاتب القصة والروائي حميد المختار يستوقفني بعد التحية والسلام، ويقول لي "سأهديك كتابا سيجعلك تتذكرني بخير دائما، مثلما سيمتعك دائما". وأخرج من حقيبته كتابين، مد لي أحدهما فتلقفته مشكورا ووضعت عيني على الغلاف دون انتظار فكان "كاتدرائية"، مجموعة قصص من تأليف كاتب كنت ألتقيه لأول مرة: رايموند كارفر.
كنت متأكدا وأنا أودع صديقي حميد المختار أنني سأظل أذكره بخير دائما وأبدا لما يربطنا من محبة واحترام وإبداع وجمال، لكني لم أكن أتصور أن رايموند كارفر سيستحوذ بهذا الشكل على ذوقي في قراءة القصص وقابليتي على نقدها وتحليلها، وأن الكاتدرائية ستحل معي أينما حللت، طيلة عقود ثلاث تلت تلك الحادثة.
لقد قرأت قصص رايموند كارفر مرارا وتكرارا، وكتبت عنه وعنها في مناسبات كثيرة، وكان حديث نجواي بيني وبين خلاني في معظم أوقاتي معهم، وكأن نبوءة حميد المختار قد صدقت، وصدق معها إنني لحد هذه اللحظة أذكره بخير وأشكره على تلك الهدية القيمة، وإن كان الزمن والمنفى والترحال والشتات قد تحالفوا جميعا ليفقدوني تلك النسخة الجميلة النادرة من "كاتدرائية" مفعمة بأريج صداقة بغدادية أثيرة، ولم تبق منها في الذاكرة إلا أنها قد طبعت في القاهرة في ثمانينات القرن الماضي، أما اسم المترجم فقد طوته يد النسيان، بكل أسف.
واليوم، تقع بين يدي الطبعة السويدية للمجموعة القصصية "كاتدرائية" لرايموند كارفر، بترجمة قامت بها الشاعرة كريستين غوستافسون، وقدمت لها الناقدة أولين ستيغ. ونشرتها دار نشر باكهول عام 2023، في كتاب أنيق بواقع 238 صفحة.
تشكّل "الكاتدرائية" شاهداً على مهارة رايموند كارفر الاستثنائية ككاتب. تسبر هذه القصص الحادة أعماق الطبيعة البشرية، كاشفة ما هو استثنائي داخل المألوف. يلقي كارفر اهتمامًا رائعًا للتفاصيل، ويستكشف عمق العواطف بلا تردد، ويستطيع التقاط تفاصيل العلاقات البينية ببراعة، مما يجعل من "الكاتدرائية" شاهدة بلا جدال على روعة الواقعية التأمّلية. إنها مكتوبة من وجهة نظر ضمير المتكلم المفرد مما يتيح للقراء تجربة الحكاية من خلال منظور بطل القصة واكتساب نظرة ثاقبة على أفكاره وعواطفه.
تتألف هذه المجموعة القصصية التي أهداها مؤلفها إلى زوجته الشاعرة تيس غالاغر، وإلى ذكرى صديقه الشاعر جون غاردنر، من القصص التالية:
الريش، بيت الشيف، الحفظ، المقصورة، شيء صغير وجيد، الفيتامينات، حذر، من أين أتصل، القطار، حمى، اللجام، كاتدرائية.
لقد عشت طوال هذه السنوات مع رايموند كارفر وقصصه وقصائده ومقالاته، ومع من كتبوا عنه في العربية والانكليزية، وظللت متأرجحا بين من صنفه ضمن تيار الواقعية القذرة، وبين من صنفه في فئة المينيماليين التقليليين، ومن وضعه مع الواقعية التأملية. لكنه في كل أحواله وتقلباته بقي عندي كاتبي الأثير الذي أعيد قراءته كل حين.
أرسل إلي صديقي الشاعر البغدادي حسين علي يونس نسخة من كتاب "كاتدرائية" لرايموند كارفر بترجمة عربية جديدة انتشرت بسرعة في الآونة الأخيرة، ففرحت بها جدا، ولكنني سرعان ما أحجمت عن المضي في قراءتها عندما لاحظت أن المترجم (وربما الناشر!) قد حذف قصة من القصص الإثنتي عشر التي يحتويها الكتاب في لغته الأصلية. لكني أشكر كل من يهتم برايموند كارفر، وقصصه وشعره ومقالاته، وأظل أذكر بخير مترجم الطبعة العربية الأولى، وصديقي الجميلين، حميد المختار وحسين علي يونس، وبغدادنا طبعا.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت