مذكرات هنري كيسينجر.

عبدالله عطوي الطوالبة
2024 / 4 / 16

أحد أهم المفكرين السياسيين الأميركيين في العصر الحديث، حيث فاقت شهرته بعض رؤساء الولايات المتحدة.
قراءة مذكراته، رحلة في العقل السياسي الأميركي بَسَطَها صاحبها في 1305 صفحات موزعة في جزءَين. يسلط كيسنجر الأضواء على محددات السياسة الخارجية الأميركية، ومنطلقاتها والعوامل المؤثرة فيها وأساليب ممارستها وثوابتها ومتغيراتها وأهدافها. وقد كرس هذه المحددات والثوابت، وأضاف إليها ابان توليه منصبي مستشار الرئيس لشؤون الأمن القومي الأميركي ووزير خارجية بلاده.
أول هذه المحددات والثوابت، تمجيد القوة. أميركا تبني سياساتها الخارجية على القوة العسكرية، لتحقيق مصالحها أولاً وأخيراً، بغض النظر عن أي اعتبارات. ومن أجل هذا الهدف، "لا بد من إظهار ثقة أميركا بنفسها وإظهار الإرادة والعزم". وعلى هذا الأساس، تحترم أميركا الأقوياء الملتزمين بمبادئهم، حتى لو كانوا خصومها ممن ألحقوا بها هزائم ما تزال تأثيراتها تفعل فعلها في النفسية الأميركية. من هنا، لا غرابة أن تشغل "عُقدة فيتنام" مساحة واسعة في مذكرات كيسينجر. فنراه يُقر في أكثر من صفحة بشجاعة الفيتناميين وطول نفسهم، في سبيل تحرير وطنهم وتوحيده. ويعترف كيف كان الفيتناميون يفاوضون الأميركيين بندية وصلابة دون وجل وخوف، ويتمسكون بموقف موحد من دون "زروقات لعقد صفقات". وكانوا يتعاملون مع الأميركيين، ومنهم صاحب المذكرات نفسه، بإزدراء وشموخ، ومن موقع صاحب الحق المصمم على تحرير وطنه والمنتصر لا محالة. ومع أن أميركا تمجد القوة، نجد السياسي الأميركي المخضرم يرضخ لمنطق الأشياء، فيقر بأن القوة لها حدود لا تتخطاها. وعليه، فإنه يعترف في الجزء الثاني من المذكرات (ص 408) بأن "الحرب في فيتنام أنهكت أميركا". ولهذا فإن هزيمة راعي البقر الأميركي على يد الفيتناميين، قدمت درساً للأمم والشعوب في أنحاء العالم كافة بأن هزيمة أميركا ممكنة، شريطة امتلاك الإرادة والوطنية الصادقة والتحلي بالصبر ووضوح الهدف والرؤية، والتحرر من "عبادة الكرسي والدولار".
يلفت النظر، توقف كيسينجر عند ما يسميها "حروبنا الخاصة" أو "حروبنا الأهلية". ويقصد الانقسامات الداخلية، التي لا تلبث أن تشتعل في المجتمع الأميركي، عندما تلوح بوادر الهزيمة، كما حصل في فيتنام، أو على أرضية حدث داخلي بحجم فضيحة ووترغيت. هنا، نحن أمام درسٍ ثانٍ، فحواه، أن الأمم المعتدى عليها من قِبَل اليانكي، يمكن أن تزلزل أميركا وتهزها من الداخل، مما يسارع في كسر أنف غطرسة القوة وإلحاق الهزيمة بها. المهم أن يصمد المُعتدى عليهم ويكونوا أهل عزيمة وأصحاب إرادة وذوو عزيمة، لا أحد منهم مستعد لبيع نفسه للشيطان والتخلي عن أقرب الناس اليه من أجل المنصب على خازوق الذل والخيبات والقشل!!!
على صعيد أوروبا، فإن العقل السياسي الأميركي كما يعبر عنه كيسينجر، يخشى أوروبا موحدة قوية مستقلة، "تنقلب ضد أميركا". ويرى في أي وحدة أوروبية، مؤشراً حقيقياً لنهاية التفوق الأميركي وزعامة اليانكي في شؤون الغرب. يركز صاحب المذكرات على ضرورة "أن تكون مصالحنا ومصالحهم( الأوروبيون) متوازنة في جميع المجالات"، وهو ما يعني في فكر كيسينجر وبمعايير العقل السياسي الأميركي، عدم السماح بأوروبا موحدة خارج الهيمنة الأميركية.
وماذا عنا في المذكرات وفق رؤى صاحبها؟ بداية، يدخل العرب إلى مذكرت هنري كيسينجر، من بوابة حرب 1973. ونرى أن ما قال كيسينجر عن القيادات العربية، إنما يقدم دليلاً فاقعاً ساطعاً على أن الخلل في العرب أنفسهم. فلا أميركا عصية على الرضوخ لمنطق الحق، كما تأكد في فيتنام. ولا اسرائيل خارقة وغير قابلة للهزيمة والزوال، كما يفاجئنا كيسينجر في رأي بخصوص الكيان الصهيوني، سنختم به جولتنا المكثفة في المذكرات.
يعترف هنري كيسينجر بداية بمهارة مصر وسوريا في إخفاء نوايا الحرب، وهو ما ينسف ما يروج حتى اليوم أن "ما حصل متفق عليه مع أميركا ومع كيسينجر نفسه". يؤكد صاحب المذكرات أن العرب أخفوا نواياهم بمهاجمة الكيان ببراعة، ولم يكن لدى أميركا علم مسبق بهجوم الجيوش العربية المباغت. ويؤكد ذلك قائلاً بالحرف في الجزء الثاني (ص 582):" لقد رأينا اسرائيل وهي تعاني خطر الموت طيلة الأسبوعين الأخيرين(الأسبوع الأول والثاني بعد نشوب الحرب) وجمدنا كافة الإجراءات الممكن اتخاذها في الأمم المتحدة، عندما كانت استراتيجيتنا المشتركة تقتضي ذلك. ومن ثم اقترحنا وقف إطلاق النار، عندما أصبحت اسرائيل على أتم الاستعداد. وأرسلنا مواد حربية بوفرة وغزارة عندما كانت اسرائيل تقترب من نهايتها". في سياق الصراع العربي الصهيوني، يورد كيسينجر بصراحة ثوابت السياسة الأميركية ومحدداتها إزاءه، بمنتهى الوضوح.
أولاً: دوام بقاء اسرائيل، متوقف على مساندة الولايات المتحدة.
ثانياً: على أميركا تأمين بقاء اسرائيل والمحافظة على أمنها، وفي الوقت ذاته الحفاظ على علاقاتها(أميركا) مع الدول العربية المعتدلة. بالطبع، معروف ماذا تعني "الدول المعتدلة" في القاموس السياسي الأميركي.
ثالثاً: أمن اسرائيل لا يمكن أن يُصان على المدى الطويل، إلا إذا ارتبط بمصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية، لا بعواطف بعض الأفراد. هذا يعني أن اسرائيل خادم مطيع لمصالح أميركا، وتلك هي وظيفتها الأساس.
رابعاً: ليس للأميركيين أية مصلحة في فرض تسوية على اسرائيل نتيجة ضغوط المتشددين، لأن هذا يدعو إلى الإعتقاد، أن الطريقة الفضلى للتعامل مع أميركا هي قسرها على الشيء المطلوب.
خامساً: هزيمة اسرائيل كارثة جغرافية وسياسية بالنسبة للولايات المتحدة.
سادساً: يجب أن تظل أميركا اللاعب الرئيس في الصراع العربي الصهيوني، المحافظ على تفوق اسرائيل.
سابعاً: إذا انتصر العرب على اسرائيل، سيظهرون عناداً ولن يقبلوا بأي مفاوضات.
وفي تطبيق ذلك، وبخاصة بعد اندلاع حرب 1973، يقدم كيسينجر نفسه من ألد أعداء العرب، الحريص جداً وبدأب لا يعرف الكلل على هزيمتهم وحرمانهم من تحقيق أي نصر على الكيان الصهيوني، مهما كان حجمه. هذا الكيسينجر، الذي كان يُستقبل بحفاوة مبالغ بها في عواصم العرب، وهناك من "زعمائهم" من كان يتذلل اليه ويتمنى محادثته وتلبية ما يطلب(الصحيح، يأمر ويوعز). في أيام الحرب الأولى، كانت الأمور تسير في صالح الجيوش العربية، فجن جنون كيسينجر. وما كان منه إلا أن استغل نفوذه والوضع المهلهل لرئيسه ريتشارد نيكسون نتيجة فضيحة ووتر غيت، كما يقول، لتزويد الكيان الصهيوني بأسلحة نوعية تزيد بنسبة 25% عما يتلقى العرب من الاتحاد السوفييتي. ولم يكن رئيسه نيكسون أقل حرصاً منه على ترجيح كفة الكيان الصهيوني، في مجريات المواجهة. كان كيسينجر يلح على وزير الدفاع الأميركي، بإرسال الطائرات المقاتلة من المعامل مباشرة الى الكيان. ولم يكن أقل مواظبة في خدمة اسرائيل على جبهة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي. فما أن بدأت الأمور تميل لصالح اسرائيل نتيجة الجسر الجوي لتزويدها بالسلاح الأميركي النوعي، حتى أخذ كيسينجر يوعز لمندوب واشنطن في مجلس الأمن للحيلولة دون اتخاذ أي قرار يدين اسرائيل أو يدعو لوقف اطلاق النار، إلا بعد إحداث ثغرة الدفرسوار في سيناء وتطويق الجيش المصري الثالث.
يقدم كيسينجر ما يكفي من الأدلة على أن واشنطن تُسْمعُ العربَ ما يحبون سماعه من وعود، في سياقات "تطبيق قرارات الشرعية الدولية" بخصوص الصراع العربي الصهيوني، لكنها على أرض الواقع تعمل كل ما من شأنه ضمان تفوق الكيان ومده بما يزيد من غطرسته وتنكره للحقوق العربية. ومع ذلك، يذكر صاحب المذكرات تصرفات مخجلة، بل ودنيئة لبعض "الزعماء" العرب، قبل حرب 1973 وفي عز اشتداد المعارك. رئيس الدولة العربية الأكبر، بدأ "يغازل" كيسينجر من خلال حافظ اسماعيل عام 1971، واستمر "الغزل" خلال أيام الحرب. ويبدي كيسينجر استغرابه، كيف تأتيه رسائل من القيادة المصرية تركز على "إجراء مفاوضات لإحلال السلام" في وقت كانت المعارك على أشدها بين الجيش المصري وجيش العدو في سيناء. أكثر من ذلك، يبدو كيسينجر مذهولاً من طلب السادات من أميركا استخدام القوة ضد "حليفتنا" اسرائيل لإلزامها بوقف إطلاق النار بعد رجحان الكفة لصالحها بفضل السلاح الأميركي. "زعيم" عربي آخر يبدي "قلقه" من تزايد النفوذ السوفييتي، في المنطقة، وآخر يوصل رسائل "طمأنة" لإسرائيل عبر كيسينجر، ويتمنى عليها(اسرائيل) ألا تعتقد أن مشاركته "الرمزية" في الحرب تأتي من موقع العداء تجاهها.
يعترف كيسينجر، أن من أهم أهدافه آنذاك "دق اسفين" بين العرب وحليفهم الاتحاد السوفييتي، وإبعاد مصر بالذات عن موسكو. ولا يتردد بإيراد ما يؤكد أن السادات كان "يلتقطها عالطاير"، كما نقول في لهجتنا الدارجة، ويفعل ما يحقق هدف كيسينجر حتى وهو ما يزال يصنف أميركيا بأنه حليف الإتحاد السوفييتي، الذي يتلقى السلاح والدعم السياسي من موسكو. فالعرب، للأسى والأسف، معروف عنهم خذلان أصدقائهم. ونختم بما نرى أنه من أهم ما ورد في المذكرات، ويتعلق برأي كيسينجر بمستقبل الكيان الصهيوني رغم كل ما قَدَّم له. في التمهيد لذلك، نشير الى زيارة لم تكن مخططة الى الكيان بطلب من غولدا مائير، رئيسة وزراء الكيان آنذاك، بعد وقف اطلاق النار وانتهاء معارك حرب 1973 لصالح اسرائيل. وقد قدِم كيسينجر الى الكيان من موسكو، حيث كان في زيارة لبحث الأوضاع في المنطقة بعد الحرب. يسجل كيسينجر انطباعاته عن لقاءاته مع قادة الكيان، قائلاً بالحرف:"كان الاسرائيليون يعلمون ومن أعماق نفوسهم، أنهم حتى لو ربحوا المعركة الأخيرة، فإنهم فقدوا هالة عدم الإنكسار، والجيوش العربية لم تُدمر، على الرغم من عدم انتصارها. لكنها لم ترتجف أمام بطش اسرائيل التي قُدِّر لها الإفلات من كارثة محتومة، ومن ثم تمكنت من الانتصاب بعد الركوع، ولو أنها تحارب الآن في أراضٍ محتلة، لكنها تلاقي مستقبلاً غامضاً منعزلاً، يضيق يوماً بعد يوم ويخسر الأصدقاء"(الجزء الثاني، ص 614).
وفي صفحة تالية، يقول كيسنجر ما هو أخطر بالنسبة لمستقبل الكيان:"على الرغم من أن الحرب انتهت لصالح اسرائيل، فإن مستقبلها يفوق إمكاناتها البشرية. والتغلب على أعدائها لا يمكنها من السيطرة، وللتمكن من ذلك، يجب سحقهم حتى لا يستطيعون البقاء، وأنَّى لها ذلك، ما دامت مدينة القاهرة وحدها تُعد ضعفي اسرائيل. والتاريخ لا يروي أن شعباً مهما كان قوياً استطاع تحمل مثل هذه المسؤولية، ولذا فإن السلام ضروري بالنسبة لاسرائيل بقدر ما هو مرعب". (الجزء الثاني، ص618).
اسرائيل إلى زوال، عاجلاً أم آجلاً، وفق منطوق هذا الكلام، الذي يكتسب أهميته من أن قائله هو هنري كيسينجر بالذات.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت