لماذا لن تحارب إيران إسرائيل ؟!

أحمد فاروق عباس
2024 / 4 / 16

الأديان والمعتقدات والتلاعب بها لعبة بريطانية قديمة ، وقد أقامت بريطانيا في كل الأديان والمذاهب أبنية فكرية ، سرعان ما حولتها إلي مذاهب سياسية ، وسرعان ما اوصلتها إلي السلطة فى بلادها ..

والأديان كلها غالية عند معتنقيها ، وهي من أقوي الدوافع والحوافز في حياة الإنسان ، ومن السهل جدا تحويل المؤمنين بدين ما أو مذهب إلي متعصبين له أو متطرفين في فهمه ..

وفيما يتعلق بالشرق الأوسط فقد أقامت بريطانيا - واستلمت منها الإرث أمريكا فيما بعد - مذاهب دينية كبري ، في الديانات الرئيسية ..

أقامت في الديانة اليهودية مذهب أو إتجاه اليهودية السياسية أو الحركة الصهيونية ، مستندة على اسطورة قديمة بعودة شعب آلله المختار - شعب إسرائيل - إلي أرض الميعاد .. أرض فلسطين ..

وأقامت في الإسلام مذهب أو اتجاه الإسلام السياسي ، ولما كان الإسلام قد انقسم مع الفتنة الكبري إلي أهل السنة والشيعة ، فقد أقام العقل البريطاني داخل الاتجاهين الرئيسيين في الإسلام مذاهبه ورجاله ..

في الإسلام السياسي السني وقفت بريطانيا وراء رجل غامض هو جمال الدين الأفغاني في القرن ١٩ ..
ثم أنشأت بريطانيا حركة الإخوان المسلمين في القرن ٢٠ ، علي يد مدرس خط عربي - وليس رجل دين أو أحد علماءه - اسمه حسن البنا ..

وجاء تأسيس حسن البنا لحركة الإخوان المسلمين في مدينة الإسماعيلية ، وهي معقل النفوذ البريطاني الأكبر في مصر والشرق ، وموطن أهم المصالح العسكرية والتجارية والاستراتيجية لبريطانيا في الشرق .. وهي قناة السويس ..

وقدمت شركة قناة السويس مبلغ ٥٠٠ جنيه بأسعار العشرينات لحسن البنا - باعترافه - مساهمة في بناء وتكوين تنظيمه الجديد ..

وفي الإسلام السياسي الشيعي وقفت بريطانيا وراء رجال الدين الإيرانيين في المدينتين المقدستين قم ومشهد ، واستخدمتهم مرارا ..

- استخدمتهم مرة في أوائل الخمسينات لطرد الدكتور محمد مصدق - رائد تأميم البترول في إيران - واعاده شاه إيران الهارب من طهران خوفا على حياته ..

- واستخدمتهم مرة في أواخر السبعينات لطرد الشاه نفسه من إيران وتنصيب أحد رجال الدين الإيرانيين - وأكثرهم تعصبا - حاكما لإيران ..

وبطبيعة الذكاء البريطاني المعتاد لا تترك تنظيماتها ورجالها بدون نظرية سياسية ، تجلب الأنصار ويلتف تحت لواءها المتحمسين والمتعصبين والمتطرفين ..

في الإسلام السياسي السني وفي حركة الإخوان المسلمين كانت نظرية عودة الخلافة هي اللافتة التي رفع الإخوان المسلمين لواءهم تحتها ، بغض النظر عن صلاحية أو منطقية عودة الخلافة الإسلامية في تلك العصور الجديدة ..
لا يهم ذلك بالطبع ولكن المهم أنها هي اللافتة التي سيتجمع تحتها الأنصار والمتحمسين ..

وفي الإسلام السياسي الشيعي كانت نظرية ولاية الفقيه هي اللافتة التي رفعها أية آلله الخميني والتي سيجمع تحتها أنصاره من المتحمسين ...

ووراء كل ذلك جهد فكري هائل وراءه أموال طائلة لما سمي بأسلمة العلوم وأسلمة كل مناحي الحياة .. بدءا من الفن الإسلامي إلي الإقتصاد الإسلامي ..

وفيما يخص الاقتصاد الإسلامي فقد كان أول من تكلم عنه ودعا إليه رجال الحركتين الكبيرتين في الإسلام السياسي بفرعيه .. الإخوان المسلمين ، وأنصار نظرية ولاية الفقيه ..

كان سيد قطب - ثم محمد الغزالي - هما أول من تكلم عن الاقتصاد الإسلامي في الأربعينات والخمسينات من القرن العشرين .. وكلاهما من أقطاب حركة الإخوان المسلمين ..
وإن كان الشيخ الغزالي قد تركها فيما بعد ، بعد أن تبين له فساد الكثير من أوجه نشاطها ، ثم تحول إلي داعية إسلامي معتدل ..

وقد كلفت السعودية بقيادة الجهد المالي والإعلامي لهذا الموضوع ، وقد قامت به خير قيام حتي وقت قريب افترقت فيها الطرق ، ووصلت الأمور إلي حدود الخصام ..

وكان محمد باقر الصدر - وهو رجل دين شيعي - هو أهم من تكلم عن الاقتصاد الإسلامي بصورة منهجية في كتابه الشهير - ذو الجزأين - اقتصادنا ..

وكان علي شربعتي - ملهم الثورة الإسلامية في إيران - من أكبر المفكرين الإسلاميين وذو التأثير الكبير علي الشباب الإيراني ..
ومن المعروف أن الراعي الأهم - أدبيا وماديا - لعلي شريعتي كان مؤسسة برتراند راسل البريطانية !!

إذن فالفكرة الرئيسية هي أن الإسلام السياسي بنسختيه السنية والشيعية واليهودية السياسية بنسختها الصهيونية كلها احدي منتجات العقل - والمخابرات - البريطانية ..

ولكن لماذا ؟

وكيف يكون كل هذا العداء - ولو ظاهريا - بين الإسلام السياسي وبين اليهودية السياسية ..

للسيطرة على منطقة ما من العالم لا تكتفي الإمبراطوريات الكبيرة - التي وضعت العالم كله تحت قبضتها - من امتلاك أدوات وتنظيمات ورجال معينين ، وليس هناك مشكلة من وجود تناقض بين هذه الأطراف التي يحركها خيط واحد .. بل هذا بالضبط هو المطلوب ..

فقد كانت سياسة بريطانيا الشهيرة في أوربا طوال القرون الماضية عدم ترك المجال لدولة أوروبية معينة للسيطرة علي القارة كلها ، لئلا تلتفت تلك القوة - التي سيطرت على أوربا - للإمبراطورية البريطانية تنازعها السيادة على العالم أو ربما يصل بها الغرور - كما فعل نابليون القرن ١٩ وفعل هتلر في القرن ٢٠ - إلي تهديد الجزر البريطانية ذاتها ..

لذا كانت بريطانيا تقف مع الطرف الأضعف في القارة العجوز ، فإذا وصلت القوة بالطرف الضعيف إلي وضع يسمح بتهديدها تركته وبحثت عن قوي اخري ، تصنع معها وبها توازنا اخر .. وهكذا ..

لذا كانت بريطانيا تقف إلي جانب فرنسا اذا احست أن قوة ألمانيا زادت فوق اللازم ..
وكانت تقف إلي جانب ألمانيا اذا احست أن قوة فرنسا زادت فوق اللازم ..
وتقف إلي جانب ألمانيا أو فرنسا - أو الإثنين معا - اذا احست إن قوة روسيا أو الإمبراطورية النمساوية المجرية زادت عن اللازم ... وهكذا ..

وهي السياسة الشهيرة والكلاسيكية والتي أطلق عليها " سياسة توازن القوي " ..

وما فعلته بريطانيا قديما في أوروبا هو نفسه ما فعلته بريطانيا نفسها بالأمس وأمريكا اليوم - بعد أن ورثت الأصول البريطانية - في الشرق الاوسط ..

فاليهودية السياسية - ممثلة في الحركة الصهيونية - وايضا الإسلام السياسي - وكلامنا اليوم عن الإسلام السياسي الشيعي في نسخته الإيرانية - منتجات سياسية كان الغرب هو من اكتشفها ، ودفعها إلي الإمام ، حتي اعتلت مقدمة الصفوف ..

وكل دوره الآن هو حفظ التوازن بين هذه القوي ، التي تتنازع منذ عقود علي السيادة في الشرق الأوسط ..

والغرب لن يسمح لواحدة منها بالسيادة المطلقة في عموم المنطقة ..

لن يسمح بسيادة مطلقة للإسلام السياسي السني ، ممثلا في حركة الإخوان المسلمين ، أو في الإسلام السياسي السني في نسخته التركية مع رجب طيب اردوغان ..

ولن يسمح بسيادة مطلقة للإسلام السياسي الشيعي في نسخته الإيرانية ، تحت لواء ولاية الفقيه ، حتي لو صنعت إيران لنفسها نتوءات وتنظيمات في بلاد عربية عديدة .. كالعراق ولبنان واليمن مثلا ..

ولن يسمح بسيادة مطلقة - حتي - لليهودية السياسية ممثلة فى الحركة الصهيونية ..

فالذي لا يدركه كثيرون أن الغرب نفسه لن يسمح للصهيونية - وهي مجرد أداة من أدواته - بالسيادة والتحكم في الشرق الأوسط ..
هي أداة وعصا في يده يحركها كما يشاء ، لتحقيق مصالحه هو وليس الأوهام الخاصة للمؤمنين بالصهيونية ..

واذا تجاوزت إسرائيل الحد المرسوم لها فالعقاب جاهز .. وربما كان تخويفها بالاسلام السياسى السني أو الشيعي احدي هذه الوسائل ..

لكل ذلك لن تحدث حربا حقيقية بين إيران وإسرائيل ..

ولن تحدث حربا حقيقية بين تركيا - التي ترفع لواء الإسلام السياسي السني في هذه الحقبة من الزمن - مع إسرائيل ..

كلهم - مهما بدا فيما بينهم من عداء - مجرد أدوات ، يحركها مايسترو ذكي يعرف ماذا يفعل ، ويعرف أن الكبار علي جانبي الصراع يفهمون حدود الدور المتاح لكي منهم ..

ومادام حديثنا عن إيران ، فهي فرصة لدراسة التغيرات التي حدثت فى إيران منذ ما يقرب من خمسين سنة ، واعني ما أطلق عليها الثورة الإسلامية في إيران ..

فهل كانت فعلا ثورة إسلامية ؟!
وهل كانت فعلا إيرانية ؟!
وهل كانت - أصلا - ثورة ؟!

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت