عنصرية الغرب الامبريالية تجذرت بفلسطين

سعيد مضيه
2024 / 4 / 15

ترجمة سعيد مضيه
يمكن إرجاع العنصرية المعادية للعرب التي تنتشر في إسرائيل الحديثة إلى مواقف الإمبريالية الأوروبية القديمة، كتب عام 2012 الأكاديمي الأميركي لورنس دفيدسون ، متنبئا ببصيرة ثاقبة حرب الإبادة الجماعية الراهنة ؛ كتب لورنس دافيدسون قبل اثني عشر عاما:

نشوء الكولنيالية الامبريالية وذببولها
بحلول منتصف القرن التاسع عشر، كانت الإمبراطورية متعددة الأعراق في طريقها الى الزوال كنموذج سياسي مهيمن في أوروبا، لتحل محلها الدولة القومية، الشكل السياسي الذي سمح بتركيز المجموعات العرقية داخل حدودها السياسية.
وهذا بدوره شكل حاضنات ثقافية "عنصرية" لقومية "نحن (المتفوقون) في مواجهة هم (الأدنون )" والتي من شأنها أن تدعم معظم حروب الغرب في قابل العقود والسنين . كان العديد من هذه الدول القومية أيضًا قوى إمبريالية تتوسع في مختلف أنحاء العالم؛ وبطبيعة الحال، رافقتها نظرتها الشوفينية المرتكزة على قومية الدولة.
ولدت الصهيونية في هذا الوسط من القومية والإمبريالية، وكلاهما ترك بصمة لا تمحى على شخصية وطموحات دولة إسرائيل. كانت قناعة تيودور هرتزل، الأب المؤسس للصهيونية الحديثة، تتلخص في أن قرون معاداة السامية كانت دليلاً إيجابياً على عدم إمكانية استيعاب يهود أوروبا في التيار الرئيسي للمجتمع الغربي؛ لا يمكن أن يكونوا آمنين إلا إذا امتلكوا دولتهم القومية .
تعكس هذه القناعة أيضًا المشاعر الإمبراطورية الأوروبية في ذلك الحين(أواخر القرن التاسع عشر) . كان مؤسسو الصهيونية الحديثة من اليهود والأوروبيين، وعلى هذا النحو اكتسبوا شعور الغرب الثقافي بالتفوق مقارنة بغير الأوروبيين.
لعب شعور التفوق هذا دورًا مهمًا لدى إبرام صفقة (وعد بلفور) عام 1917 بين المنظمة الصهيونية العالمية والحكومة البريطانية. نصت الصفقة على أنه في مقابل الدعم الصهيوني للمجهود الحربي البريطاني (كانت الحرب العالمية الأولى جارية)، سيساعد البريطانيون (على افتراض النصر) في إنشاء "وطن قومي يهودي" في فلسطين.[ المهم في الأمر] لم ير اي من الطرفين غرابة أو خطأ في عدم إيلاء الاهتمام بالسكان الفلسطينيين الأصليين.
بعد سنوات، بدءًا من عام 1945 (في نهاية الحرب العالمية الثانية)، اضطر البريطانيون إلى التخلي رسميًا عن وجهة النظر الإمبراطورية؛ خرجوا من الحرب مع سكان مثقلين بضرائب الحرب المرتفعة فوق العادة .
الاحتفاظ بالإمبراطورية من شأنه أن يبقي تلك الضرائب مرتفعة؛ من ثم اقترع الناخب البريطاني لصالح السياسيين الذين سيحولون الإمبراطورية إلى كومنولث، ويمنحون الاستقلال لجميع أراضي بريطانيا فيما وراء البحار تقريبًا؛ وكانت فلسطين واحدة من تلك الأراضي.
ومن المثير للاهتمام ملاحظة ان الحقبة التي تلت الحرب العالمية الثانية شهدت في المستعمرات الأوروبية الأخرى، حيث أقامت أعداد كبيرة من الأوروبيين، إجلاءهم في نهاية المطاف مع انتقال السلطة إلى السكان الأصليين. وكينيا والجزائر مثالان يظهران أن هذه العملية كانت صعبة ودموية، لكنها حدثت.
بذلك لحقت الهزيمة بالعقلية الإمبراطورية الرسمية؛ وهذا لا يعني أن كل الأوروبيين (أو الغربيين) رأوا النور وكفوا عن العنصرية؛ الحكومات أدركت في نهاية المطاف ضرورة التوقف عن التصرف على هذا النحو.
بعض العواقب-تطوير الرغبة في الإبادة الجماعية
لكن من المؤسف عدم حدوث عملية تصفية الكولنيالية أبدا في حالة فلسطين؛ إذ لم يرغب المستعمرون الأوروبيون في بقاء الدولة الأم الإمبراطورية تحميهم . أرادوهم أن يخرجوا لكي يتمكنوا من إنشاء متاجرهم لحسابهم الخاص ؛ حصلوا على فرصتهم بعد جلاء البريطانيين عام 1947.
مضى زمن قصير حين شرع الصهاينة ينفذون خطة معدة للاستيلاء على "الأرض المقدسة" وطرد السكان الأصليين أو إخضاعهم. وماذا بصدد وجهة النظر الإمبراطورية التي ترى أن الأوروبي متفوق والمواطن الأصلي أدنى مرتبة؟ تمت مأسسة العنصرية في ممارسات دولة إسرائيل الجديدة.
وهذا ما جعل إسرائيل واحدة من الدول القليلة جدًا (دولة أخرى في جنوب أفريقيا في عهد الفصل العنصري) حددت لنفسها بأنها دولة قومية "غربية" تواصل تنفيذ سياسات إمبريالية عتيقة : فقد مارست التمييز ضد السكان الفلسطينيين بكل الطرق التي يمكن تخيلها، ودفعتهم إلى مناطق مغلقة من التركيز وسعت للسيطرة على حياتهم بكل تفاصيلها .
إذا أراد المرء أن يعرف ماذا يعني ذلك بالنسبة لشخصية في طور التكور لمواطن إسرائيلي مقدر عليه ان يحيا دراما استعمارية كقوة إمبريالية بجدارة ذاتية فبمقدوره إلقاء نظرة على كتاب من تأليف سفين ليندكفيست عنوانه "بادة جميع المتوحشين" (إصدار برينت بريس 1996). يُظهر هذا العمل بشكل مقنع أن السيطرة على سكان أصليين رافضين في أغلب الأحيان، الحط من قدرهم وإذلالهم، وقتلهم بانتظام أو معاقبتهم بطريقة أخرى عندما يحتجون، يفضي بالقوة الكولنيالية إلى تطوير رغبة في الإبادة الجماعية.
الدلائل قائمة تشير الى ان الصهاينة الذين أنشأوا دولة إسرائيل وحاليا يحافظون عليها يمرون بهذه المكابدة . لفترة طويلة حاول المسؤولون الحكوميون في إسرائيل التفكير في أمر تنفيذ الإبادة الجماعية ؛ مضوا في ذلك شوطا بتأكيد عدم وجود شعب فلسطيني .

الشعب الفلسطيني بين الإنكار و تجريد الإنسانية

أشهر الحالات غولدا مائير، رئيسة احكومة إسرائيل، ادعت في 15 حزيران/يونيو 1969 أنه “لا يوجد شيء اسمه فلسطينيون. ليسوا موجودين" أحد الأسباب التي قدمتها لدعم رأيها أن عرب فلسطين لم ين أبدا لهم دولتهم القومية
اتخذ آخرون نهجا مختلفا عن إنكار وجود الفلسطينيين، إنما إنكار إنسانيتهم؛ في أوقات مختلفة وفي سياقات مختلفة، و رداً في الالعادة على أعمال المقاومة ضد الاحتلال، أشار القادة الإسرائيليون إلى الفلسطينيين على أنهم "وحوش تمشي على قدمين" (مناحيم بيغن)؛ "الجندب" (يتسحاق شامير)؛ "التماسيح" (إيهود باراك)؛ و"الصراصير" (رافائيل إيتان).
بطبيعة الحال، لم تقتصر هذه المشاعر على القيادة الإسرائيلية؛ إذ سرعان ما انتشرت هذه الأفكار بين أكثرية الصهاينة في إسرائيل، لأن دعاية التفوق والدونية الإمبراطورية القديمة أصبحت عنصرًا أساسيًا في تعليمهم الأساسي.
علم الإسرائيليون أطفالهم وجهة النظر الإمبريالية، وعززوها بتقارير إعلامية متحيزة؛ وصفوا مقاومة الفلسطينيين المحتمة بأنها معاداة للسامية؛ واعتبروها دليلاً على الحاجة إلى قمع هذا الجمهور من السكان "الآخرين" والسيطرة عليهم.
ومن وجهة النظر الصهيونية القائمة، سارت هذه العملية برمتها بشكل جيد للغاية. واليوم، ما عدا حفنة قليلة من اليهود الإسرائيليين يكرهون ويخافون الشعب الذي هزموه وشردوه. يتمنون لو يرحلوا. وعندما تزيد مقاومتهم قليلا عن مدى التحمل فإنهم يبدون فيرالوقت الراهن الرغبة في رؤيتهم ينزاحوم من طريقهم .
غزة: "مسحت بالقنابل"
هكذا، خلال الجولة الأخيرة من إطلاق صواريخ المقاومة من غزة [2012] والقتل الانتقامي من الجانب الإسرائيلي، سمعنا ما يلي: "يجب أن نعيد غزة إلى العصور الوسطى من خلال تدمير جميع البنية التحتية بما في ذلك الطرق والمياه". (إيلي يشاي، نائب رئيس الوزراء الحالي)؛
“يجب ألا يكون هناك كهرباء في غزة، ولا بنزين أو مركبات متحركة، لا شيء. "نحن بحاجة إلى تسوية أحياء بأكملها بالأرض... تسوية كل غزة بالأرض" (الصحفي جلعاد شارون في صحيفة جيروزاليم بوست).
ما من أبرياء في غزة؛ اسحقوهم… اقتلوا الغزيين دون تفكير أو رحمة”. (ميخائيل بن آري، عضو الكنيست)؛
ينبغي "قصف غزة بشدة بحيث يضطر السكان إلى الفرار إلى مصر" (يسرائيل كاتس، وزير النقل الحالي)؛
يجب "مسح غزة بالقنابل" (آفي ديختر، وزير دفاع الجبهة الداخلية الحالي)؛
يجب على الجنود الإسرائيليين أن "يتعلموا من السوريين كيفية ذبح العدو" (الحاخام الإسرائيلي البارز يعقوب يوسف).
أخيراً، تفجر العديد من مظاهرات عفوية لمواطنين إسرائيليين عاديين، في شمال البلاد وجنوبها على حد سواء، حيث أمكن سماع هتافات وصيحات مثل "إنهم لا يستحقون الحياة"،"يستحقون الموت"، الموت لأطفالك. اطردوا كل العرب».
لولا أن العالم الخارجي كان يراقب، فالشك ضئيل في ان القوات المسلحة الإسرائيلية ذات الشهرة ستتولاها الرغبة في تنفيذ رغبات أولئك الوزراء ورجال الدين والمواطنين. [اليوم، في للعالم الخارجي التأثيرضعيف على دعم حكومات الغرب للإبادة الجماعية الجارية .]
بعد أن وافق رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على وقف إطلاق النار عام 2012]، عبرت مجموعة من الجنود الإسرائيليين عن إحباط بالتعبير بلغة الجسد [التهجئة (بالعبرية) عبارة "بيبي الخاسر" [بيبي كنية نتنياهو).
wكانت صورة فوتوغرافية هيئت مسبقًا، يمكن بسهولة العثور عليها على الشبكة العنكبوتية؛ وما يبدو انه يزعج حقا المواطنين في إسرائيل ليس أن بيبي قتل وشوه عدداً كبيراً جداً من المدنيين الفلسطينيين الأبرياء، إنما بالنقظر لكونه لم يقتل ويشوه منهم ما يكفي لمنح الإسرائيليين "السلامة والأمن".
على مر التاريخ، كان من الإجراءات القياسية المعمول بها شيطنة من تشتبك معهم في قتال والحط من شأنهم ؛ غير أنه كما يبين مؤلف ليند كفيست، كان للأوروبيين اسلوب مغاير في هذا المجال : النظرة العنصرية العميقة التي تكمن وراءها الامبريالية المعاصرة وأحالتها شريرة على وجه الخصوص.
في الزمن الراهن ، وقد تمت تصفية النظام العنصري في جنوب إفريقيا ، بقي الإسرائيليون آخر الباقين على قيد الحياة ، ورثة هذا الأرث المروع.. يكثر القول ب"نور على الأمم"! فشلت تماما هذه الفرضية .أينما يقودنا الإسرائيليون وقيادتهم الصهيونية لن يكون نحو النور ، بل الى مكان حالك الظلام

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت