أنا ومدينتي الأولى: القدس

محمود شقير
2024 / 4 / 15

1

كلّما جرى ذكر المخاطر التي تتعرّض لها مدينة القدس؛ تذكّرتُ قصيدة الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان التي كتبتها في النصف الأول من ستينيات القرن العشرين، واصفةً حالها حين اقترب منها رجل انكليزي ليسألها وهي تتمشى على رصيف الشارع في لندن:
طقسٌ كئيب وسماؤنا أبدًا ضبابيّة
منْ أينَ؟ إسبانيّة؟
كلا (...)
أنا منْ روابي القدس
وطن السنا والشمس
يا، يا، عَرفتُ؛ إذنْ يهوديّة!
يا طعنةً أهَوَتْ على كَبدي صَمّاءَ وَحْشيّة.
تذكّرتُ في الوقت نفسه أنني واجهتُ المشكلةَ ذاتَها حين ركبتُ سيارة من المطار إلى الفندق في مدينة نيويورك عام 1998؛ فقد سألني السائق الأميركي: من أين أنت؟ قلت: من القدس. قال: أنت يهودي!
هذا الربط بين القدس واليهود في المخيال الأوروبي والأميركي؛ يجعلني مضطرًا كلّما تحدثتُ عن القدس إلى المقارنة بين ما نفعله نحن الفلسطينيين والعرب لتأكيد هوية القدس الأصلية؛ بوصفها مدينة عربية فلسطينية لمواطنيها المقدسيين المسلمين والمسيحيين، وبين ما يفعله الإسرائيليون لتأكيد هيمنتهم على القدس بجزئيها الغربي والشرقي؛ سواء أكان ذلك عبر نشر الدعاية المستندة إلى التوراة وتعزيز حضورها لدى المسيحيين في الغرب، أم عبر مراكز الدراسات المعنيّة بتاريخ القدس، وبمحاولات اشتقاق تاريخ متخيَّل للمدينة مرتبط باليهود، أم عبر الروايات الإسرائيليّة المترجمة إلى لغات عالميّة عديدة، لأجد أنّنا مقصّرون تجاه مدينتنا التي تظفر بكثير من الخطب والشعارات واللجان التي يدّعي كلّ منها وصلًا بالقدس، والقدس لا تجد سوى قليل من الاهتمام الفعلي الجاد.
إزاء ذلك؛ يمكن إدراك خطورة الإجراءات الإسرائيلية المتصاعدة ضد المدينة، فقد تزايدت الانتهاكات ضدّ الأماكن المقدّسة في المدينة؛ وخصوصًا ضد المسجد الأقصى، بما يُتيح للمتطرّفين الصهانية دوام الدخول لساحاته لإقامة شعائرهم الدينية فيها، علاوة على استمرار الحفر تحت المسجد، بما يهدد بقاءه، وبما يوحي أن ثمة نوايا مبيّتة لتدميره.
وقد تصاعدت في الآونة الأخيرة عمليات هدم البيوت في القدس وضواحيها، ومصادرة الأراضي وتعزيز وجود البؤر الاستيطانية داخل سور المدينة، وكذلك توسيع البناء الاستيطاني خارج السور، بما يحقّق؛ على نحو تام، عزل المدينة المقدّسة عن محيطها الفلسطيني، ومحاولة تقليص الوجود البشري الفلسطيني في المدينة عبر سحب هويات المقدسيّين لهذا السبب أو ذاك، وعبر فرض الضرائب المتنوّعة على التجار وعلى المواطنين، وخلق منافسة ليست في صالح التجّار المقدسيين مع مجمّعات رامي ليفي التجارية، التي تبيع السلع بأسعار مخفّضة، وتجعل؛ مع الأسف، أعدادًا من المتسوّقين المقدسيّين لا يتورّعون عن التعاطي معها.
ثم إن الجهات المعنيّة بالسياحة في دولة الاحتلال تسعى دَومًا لتقليص بقاء السياح في الجزء الشرقي من القدس، حيث يقتصرون إقامتهم ووجبات طعامهم على الفنادق الإسرائيلية والمطاعم في الجزء الغربي من القدس، ويكتفون بزيارات خاطفة إلى الجزء الشرقي من المدينة، من دون التفكير بالنوم في فنادقها أو تناول الطعام في مطاعمها؛ يُستثنى من ذلك السياح المتعاطفون مع الشعب الفلسطيني، الذين لا ينخدعون بالدعاية الصهيونية المضلِّلة.
وعلى صعيد الاعتقالات؛ فإن دوائر الأمن الإسرائيلية تنشط على نحو متزايد في اعتقال النشطاء السياسيين من أبناء الحركة الوطنية الفلسطينية، وتحارب أيّ حضور للسلطة الفلسطينية في المدينة؛ وما إغلاق مكتب تلفزيون فلسطين ومكتب التربية والتعليم، وملاحقة محافظ القدس واعتقاله مرّات عديدة ثم فرض الإقامة الجبرية عليه، وحرمانه من أيّ اتصال مع مسؤولين في السلطة إلا دليل على ذلك.
ثمة كذلك؛ تضييق على المؤسسات الثقافية الأهلية في القدس، فقد تعرّض مركز يبوس الثقافي ومركز إدوارد سعيد للموسيقى إلى عمليات تفتيش ومصادرة وثائق وتحقيق مع القائمين على المؤسستين، ومن قبل جرى إغلاق بيت الشرق، وجرى ويجري التضييق على مركز الوثائق والخرائط المعنيّ بمتابعة البناء الاستيطاني في المدينة وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة بوجه عام؛ فيما اضطرت مؤسسات ثقافية مقدسيّة إلى نقل مقرّاتها إلى خارج القدس.

2
تتزايد كذلك عمليات تغيير المشهد الفلسطيني الأصيل للمدينة. فقد أسهم البناء الاستيطاني على التلال المشرِفَة على القدس في حجب مشهد البلدة القديمة وقبة الصخرة المشرَّفة من على هذه التلال، وخصوصًا من على التلة الفرنسية، وما زال المشهد مُتاحًا من قمّة جبل المكبر، لكنّ هناك مخططًا إسرائيليًا لبناء فندق ضخم وإنشاءات عمرانية أخرى لن تجعل المشهد متاحًا كما هي الحال حتى الآن.
وثمّة بنايات ضخمة خارج سور المدينة أقيمت منذ سنوات وفيها اعتداء على المشهد الذي يشكل فضاء القدس الخاص، هناك أيضًا القطار الخفيف المكرّس لخدمة المستوطنين؛ الذي يخترق بعض الأحياء المقدسية لكي يربط بعض المستوطنات بمركز المدينة وبمستشفى هداسا عين كارم.
ويجري التخطيط لإنشاء خطّ تلفريك من جبل الطور إلى البلدة القديمة في انتهاك مفضوح لقدسية المسجد الأقصى ولفضاء المدينة.
يجري كذلك التخطيط لتدمير المنطقة الصناعية في حي وادي الجوز تمهيدًا لإنشاء حي صناعي مكرّس لتعزيز إجراءات تهويد المدينة ولتحويل أصحاب الكراجات والمحالّ التجارية الصغيرة إما إلى أُجراء عند المحتلّين أو دفعهم إلى الهجرة القسرية من المدينة.
وثمة مخطّط لبناء موقع استيطاني ضخم في مكان قرية لفتا في الجزء الغربي من القدس، التي هُجّر أهلها من بيوتهم؛ فتحوّلت هذه البيوت مع الزمن إلى خرائب ستُهدم وتنهض في مكانها منشآت استيطانية تسهم في محوٍ مقصود لواحد من آثار نكبة عام 1948.
ويجري الآن شق الشارع الأميركي الذي يهدف إلى ربط مستوطنة أبو غنيم مع مستوطنة معالي أدوميم، وهو يتمّ على حساب أراضي المقدسيين وعلى حساب بيوتهم التي سيطالها الهدم كيلا ينحرف الشارع عن مساره المرسوم، علمًا؛ بأنه ليس الشارع الوحيد الذي يجري شقّه على حساب الأراضي الفلسطينية وبيوت المقدسيين؛ فثمة شبكة من الشوارع والأنفاق التي جرى شقّها في سنوات سابقة، ليس لخدمة المقدسيّين وإنما لخدمة المستوطنين الإسرائيليين.
وهناك آلاف البيوت في القدس وفي محيطها مهدّدة بالهدم؛ بحجة عدم الترخيص حينًا؛ وبحجج أخرى يسهل على المحتلين ابتداعها حينًا آخر.
وثمة عمليات منهجية مقصودة لتغيير أسماء الشوارع ومنحها أسماء عبرية بديلاً من الأسماء العربية، وذلك لخلق وعي مزيّف في أذهان الأجيال المقدسيّة الجديدة، تلك الأجيال التي يجري تسريب المناهج الإسرائيلية إليها عبر المدارس؛ حينًا بالتجاور مع المناهج الفلسطينية، وحينًا آخر بإزاحة المناهج الفلسطينية بشكل نهائي وإحلال المناهج الإسرائيلية المناقضة لعناصر الهوية الوطنية الفلسطينية في مكانها.

3
حين أتأمل علاقتي بمدينة القدس، أشعر بأن أغلب سنوات عمري إن لم أقل كل هذه السنوات مرّت من دون أن أهنأ بعلاقة مطمئنة هادئة مع المدينة.
فقد ولدت في قرية على تخوم القدس بعد اشتعال الحرب العالمية الثانية بعامين، وحين انتهت هذه الحرب بهزيمة النازية كان عمري أربع سنوات، ولست أذكر شيئًا من تفاصيل هذه الحرب ونتائجها إلا فيما بعد حين صرت راشدًا، لكن هذه الحرب تركت آثارها السلبية على القدس وعلى فلسطين بشكل عام، ذلك أن مأساة اليهود على أيدي النازيين الألمان انعكست على فلسطين في شكل هجرة متسارعة متنامية، أسهمت في تسريع الأحداث التي تمخضت عن سيطرة الحركة الصهيونية على مساحات واسعة من فلسطين، ومن ثم تأسيس دولة لليهود على أنقاض الشعب الفلسطيني، صاحب البلاد الأصلاني المقيم فيها منذ آلاف السنين.
كان عمري سبع سنوات حين وقعت النكبة المأساة، وقد تأثّرتُ كثيرًا حينما شاهدت الناس وهم يغادرون بيوتهم، وخفتُ حينما كنت أستمع إلى القذائف وأصوات إطلاق الرصاص الموجّه نحو القدس وأهل القدس، وعلى إثر ذلك، جرّبت اللجوء المؤقت كما جاء في بعض كتبي؛ لجأنا أنا وعائلتي إلى بيوت أقارب لنا في الجزء الشرقي من قريتنا مرّة في عام 1948، وأخرى في عام 1967 ثم عدنا في المرّتين إلى البيت، فيما هاجر آخرون من أقاربنا وأبناء قريتنا بعيدًا إلى الشرق، وأصبحوا إما لاجئين في مخيّمات الشتات أو نازحين في بلدان الشتات.
أمضيت طفولتي وشبابي وكهولتي وشيخوختي وأنا أعيش في ظل الحرب والاحتلال حينًا، والسجن والمنفى والعودة الناقصة إلى القدس حينًا آخر (ناقصة لأنني عدت من المنفى عام 1993 والقدس وكل أرض فلسطين ما زالت تحت الاحتلال)، وحين ظهرت مجلة "الأفق الجديد" المقدسيَّة في العام 1961، كان لها تأثير كبير عليّ، ولولاها كان من الممكن أن لا أصبح كاتبًا.
أوَّل قصَّة نشرتها في "الأفق الجديد" كانت في العام 1962 وصفت فيها تلك الهجمة التي شنّتها المنظمات الصهيونية المسلّحة ضد جبل المكبر حيث أقيم، وما تمخض عن تلك الهجمة من لجوء مؤقت إلى بيوت الأقارب ثم العودة بعد ذلك بأشهر معدودات إلى البيت، وبعد تلك القصة انتظمت كتاباتي في المجلة، وبقيت أنشر قصصي فيها حتى توقَّفت عن الصدور عام 1966.
كان الجزء الشرقي من القدس في السنوات التي أعقبت النكبة الكبرى عام 1948 ينهض من أثر الهزيمة بالتدريج؛ انتعشت السياحة وتوسَّعَ العمران خارج سور المدينة، ونشطت الأحزاب السياسية القومية واليسارية في خمسينيات القرن العشرين، ثم تلقّت هذه الأحزاب ضربة قوية وجَّهها إليها القصر الملكي (كانت القدس والضفة الغربية حتى هزيمة حزيران 1967 جزءًا من المملكة الأردنية الهاشمية بعد ضمها إلى شرق الأردن عام 1950 ).
وفي النصف الأول من ستينيات القرن العشرين نشطت الحركة الفنية بظهور ندوة الرسم والنحت، كما نشطت الحركة الثقافية التي حفّزها ظهور مجلة الأفق الجديد، ووجود أربع صحف محلية يومية في القدس هي الجهاد، الدفاع، فلسطين، المنار.
ومنذ تلك اللحظة البعيدة وصولًا إلى اللحظة الراهنة اشتغلتُ في صحف ومجلات ثقافية عدة، وتنوعت كتاباتي وامتدت على آلاف الصفحات التي اشتملت على ثمانين كتابًا من بينها ثلاث عشرة مجموعة قصصية، وثلاث عشرة رواية للكبار وللفتيات والفتيان، وسيرٌ ذاتية وسير غيرية وقصص أطفال وأدب رحلات ورسائل ومقالات سياسية وأدبية، علاوة على ستة مسلسلات تلفزيونية وأربعة نصوص مسرحية.
باختصار، خلال السنوات الستين الماضية ظل الدفاع عن القدس وعن الوطن والإنسان هو الحافز الذي ألهمني وما زال يلهمني مواصلة الكتابة.
يتبع...

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت