ثلاث ورقات حمراء

علوان حسين
2024 / 4 / 15

أهداني صديقي ( طالب الدراجي ) زجاجة خمر صغيرة محفوظة في كيس ورقي قال : ( أنه حصل عليها كهدية من صديق ولكن لأننا في شهر رمضان المبارك إمتنعت عن شرب الخمر وإحترت ماذا أفعل بها ؟ قلت لنفسي والحديث لصديقي طالب سأهديها أول صديق ٍ ألتقيه وكنت أنت صاحب الحظ السعيد ) . لا أستطع رفض هدية رائعة من صديق ٍ أكن له مودة كبيرة فقبلتها على الفور . كان الوقت نهاراً ونحن في رمضان تكون فيه معظم المقاهي مغلقة ولا مكان في بغداد يغري بالذهاب إليه . خبأت الزجاجة في جيب ٍ عميق داخل القمصلة ورحت أتحسسها في كل دقيقة كما يتحسس قاتل سلاح جريمة تحدث في رأسه قبل الشروع بها . كنت بحاجة إلى تسلية من نوع ما أهرب فيها من الملل . طويت الكتاب بعد أن أرهقتني الكلمات وعزفت عن القراءة لم يظل لي سوى متعة المشي لكن الشوارع في بغداد مزدحمة والأرصفة مشغولة من قبل الباعة على الرصيف . ليس لي سوى شارع أبي نواس هناك قرب النهر يمكنني التنزه بين الأشجار وأبتعد قليلاً عن ضوضاء العاصمة . كان الشارع فارغاً تقريباً والمنتزه أشبه بدغل يشكو الإهمال , لا عوائل ولا عشاق رحت أبحث عن مصطبة تصلح للجلوس ثمة أياد لئيمة خربت معظمها بقصدية واضحة ولم تكلف البلدية نفسها في تصليح ما خرب منها وهو الكثير . بعد طول عناء وجدت مصطبة نصف مكسورة جلست على الجانب الصحيح منها ولأني وحيد ضجر ولا شيء لدي أفعله أخرجت قنينة الخمر ورحت أشرب رشفات منها بين حين وآخر لتعود إلى مخبئها في الجيب العميق . أشرب خمرتي بلا مزة أو خلان كأني أشرب الوقت في صمت ٍ تام حيث لا عصافير تسقسق ولا صوت لأي مخلوق ٍ . أنا ونهر بدا مهجوراً , لا صياديون على نهر دجلة ولا باعة السمك المسكوف ولا من يسبح في هذه الظهيرة . في حضن هذا الصمت وفي عزلتي تلك لا أدري من أين نبتوا بغتة كالشياطين ثلاثة رجال بثياب الشرطة متجهمي الوجوه قفزوا نحوي كأنهم عثروا على ضالتهم بعد طول تفتيش . : - شسوي مكنبص هنا ؟ خاطبني أحدهم أظنه برتبة مفوض ..
- مثل ما أنته شايف جالس لوحدي ..
بسخرية تخلو من روح الدعابة قال لي :
- جالس لوحدي , ينقصك مكتب وكرسي متحرك وسكرتيرة تعدل لك مزاجك ..
- أشكر لك حسن بداهتك , كنت أحدث نفسي للتو عن حاجتي لمكتب وكرسي يمكن أن أضيف لها السكرتيرة الجميلة من ضرورات الإلهام ..
- أنا هنا ليس للدردشة معك , أنت في وضع مشبوه يعرضك لتهمة خطيرة ..
جالس أتحدث مع نفسي وفجأة تظهر لي لا أدري من أين وتسمح لنفسك بالتطفل علي ّ والسخرية مني دونما سبب ٍ واضح ..
- بلشت تحكي بالفصحى , تعرف أنته شمسوي ؟
- قلي أنت شمسوي ..
- أولاً نحن في رمضان , في هذا الشهر الفضيل وحضرتك فاطر , الأنكى تشرب الخمر بسرية تظن عيون البلد الساهرة تغفل عنك ..
- عيون البلد الساهرة لا شغل لها سوى مراقبة رجل وحيد إعتزل العالم كله , في منتزه مهجور لا جريمة له سوى شرب قنينة صغيرة من الخمر أهداها له صديق ولا يدر ماذا يفعل بها فأرتى أن يرتشفها على مهل ٍ . أعذروني أرجوكم لا علم لي بأنكم كنتم لي بالرمصاد ..
- لا عذر لمن يرتكب معصية كبرى , مكانك الطبيعي السجن لتكون عبرةً لمن أعتبر .
- ما رأيك بعقد صفقة بيننا ؟
- صفقة بيننا , تريد رشوتي ونحن في رمضان ..
- لا , أعوذ بالله من الرشوة , أعتبرها هدية والرسول قبل الهدية ..
- نحن ثلاثة شلون راح ترضينا ؟
- بسيطة لكل واحد ٍ منكم ورقة حمراء مصروف جيب وكان الله يحب الراحمين ..
بفضل ثلاث ورقات حمراء من فئة الخمسة وعشرين ألف ديناراً عدت لنفسي حراً بعد أن غادرني ممثلو الدولة وعيونها الساهرة .

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت