قراءة في كتاب جاء أوانه .. سياحة في عقل رئيس وزراء اسرائيل..

أحمد فاروق عباس
2024 / 4 / 14

فائدة رحلات السفر الطويلة أنها مناسبة ممتازة لقراءة كتب أو دراسات طويلة مؤجلة ، ومن ضمن الكتب الطويلة المؤجلة كان كتاب " مكان تحت الشمس " لبنيامين نتانياهو ..

اشتريت الكتاب من عشر سنوات وربما أكثر ، ولم أقرأه ، فلم يكن لديَّ الحافز لذلك ، ومع تطورات الأوضاع في فلسطين مؤخرا أخرجت الكتاب من مكانه ، حيث يرقد بسلام منذ أكثر من عشر سنوات استعدادا لقراءته ..

وأخذته معي في السفر أكثر من مرة حتي أنهيت قراءته ..
وهو كتاب في غاية الأهمية ، اقله أن نعرف كيف يفكر من يحكم إسرائيل الآن ، ما هي آراءه الحقيقية ، وكيف يحاول تحقيقها خطوة بخطوة ..
وهذا أهم ما في الكتاب :

مع بدء الحرب في غزة من ستة شهور ، واستمراها من وقتها والي مدي غير معروف حتي الأن ، تتباين وجهات النظر وتختلف حول نوايا بنيامين نتانياهو الحقيقية من وراء تلك الحرب المدمرة ..

وفي هذا التوقيت الحرج ليس هناك أفضل من سياحة في عقل رئيس وزراء اسرائيل والرجل الأول فيها ، والذي يعد حكمه هو أطول فترة قضاها رئيس وزراء في منصبه في تاريخ الدولة العبرية ..

أطول حتي من ديفيد بن جوريون مؤسس الدولة وأول رئيس وزراء لها ، وأطول من ليفي أشكول ، الذي حققت اسرائيل في عهده أعظم انتصاراتها - عام ١٩٦٧ - وأطول من شخصيات لها في تاريخ اسرائيل مكانة كبري ، مثل اسحق رابين وشمعون بيريز ومناحم بيجن ..

جاء أوان معرفة ماذا يدور في عقل ذلك الرجل الغامض .. وما هي أراءه الحقيقية ، وماذا يحمل في عقله من خطط لإسرائيل وللمنطقة ..

والكلام هنا ليس نقلا عنه .. بل كلامه هو بلسانه وقلمه ، وبالتالي لا يستطيع أحد ان يقول أن هناك تجنيا علي الرجل أو تحريف لما قاله ..

والكتاب عنوانه " مكان بين الأمم " وهو عنوان الطبعة الانجليزية ، في حين جاء عنوانه في الطبعة العبرية التي صدرت في اسرائيل " مكان تحت الشمس " وصدر عام ١٩٩٥ ، والذي كتبه نتانياهو ونشره في بعد فوزه بمقعده في الكنيست الاسرائيلي ، وكتمهيد وبرنامج حكم يقدمه للشعب الاسرائيلي تمهيدا لتوليه رئاسة الوزراء ، وهو ما تحقق فعلا في مايو ١٩٩٦ ( حتي عام ١٩٩٩ ) وهي فترة رئاسة نتانياهو الاولي للحكومة الاسرائيلية ، ثم مجيئه مرة ثانية حاكما لإسرائيل منذ ٢٠٠٩ وحتي الأن ...

وكتاب نتانياهو كتاب ضخم ، وهو أكثر من ٤٠٠ صفحة من القطع الكبير ..
فماذا قال نتانياهو في كتابه المهم؟
وعن أي أفكار وخطط تحدث وعبر ؟
وأي رؤي يحملها لمستقبل اسرائيل والمنطقة ؟ وما رأيه في السلام مع اسرائيل ؟

( ويجب القول أن افكار نتانياهو وأراءه يشاركه فيها جزء كبير من الطبقة السياسية في اسرائيل ، وجزء كبير من الشعب الاسرائيلي ، فعلي اساس هذه الافكار ينجح نتانياهو دوما في أغلب الانتخابات التي يدخلها )..

يمكن تقسيم كتاب نتنياهو الي قسمين :
جزء يختص بالماضي ..
وجزء يختص بالحاضر ( وقتها في منتصف التسعينات ) ثم المستقبل كما يراه ويتصوره ويخطط له بنيامين نتانياهو ..

وسوف نتناول قسمي كتاب نتانياهو بشيء من التفصيل ..

أولا الماضي :

في الجزء التاريخي ساق نتانياهو مجموعة هائلة من الأكاذيب ، ومن أنصاف وأرباع الحقائق وفسرها بطريقه تخصه هو .. وشوه فيها التاريخ بطريقة مروعة ..

فمثلا ..
١ – يقول ان تلك الارض – فلسطين – هي أرض اسرائيل فقط دون غيرها ، ففي سنة ١٠٠٠ قبل الميلاد نشأت مملكة اسرائيل بقيادة داوود علي أرض اسرائيل ( ولم يوضح نتانياهو كيف كان الوضع في فلسطين قبل عام ١٠٠٠ قبل الميلاد ، وقبل التاريخ الذي حدده لقيام مملكة اسرائيل !! ) .

أي الشعوب كانت هناك قبل ذلك ؟!

ان تاريخ تلك المنطقة برجع الي ألاف السنين قبل الميلاد ولم يبدأ تاريخها قبل الف سنة من الميلاد ..

ويمضي " المؤرخ " بنيامين نتانياهو ويقول :
ان الاعتقاد السائد أن الرومان هم من أنهي السيادة اليهودية وسلبوا الارض من اليهود وطردوهم منها الي الشتات – والذي استمر حتي الأن – ليس صحيحا ..
نعم – يقول نتانياهو - الرومان هم من خربوا بيت المقدس عام ٧٠ قبل الميلاد ، وطردوا اليهود من أرضهم ، ومع ذلك فليسوا هم المسئولون .. ولكن العرب هم المسئولون !!

فالعرب – يقول نتانياهو – بعد سيادة البيزنطيين علي فلسطين تحت حكم القيصر هيركوليوس دخلوا الي أرض اسرائيل ، ودمروا الاستيطان والوجود اليهودي فيها !!

أي ان الحقيقة – يقول نتانياهو – أن اليهود لم يسلبوا أرض العرب كما يقولون الان ، بل العرب هم من سلب أرض اليهود كما حدث من ألاف السنين !!

ويضرب نتانياهو مثلا بما حدث في الاندلس فيقول :

" استولي العرب علي شبه الجزيرة الايبرية ، ومكثوا فيها مئات السنين ، ولم يبق بأيدي الاسبان سوي قطعة جبلية صغيرة في الشمال ، ثم عادت قرطبة الي الاسبان بعد ٥٠٠ سنة ، وعادت اليهم مملكة غرناطة بعد ٨٠٠ سنة ..

وطوال تلك المدة لم تتوقف اسبانيا عن كونها وطنا للإسبان ، رغم علاقة المسلمين بالأرض ورغم الحضارة العربية المزدهرة التي نشأت في تلك البلاد ، وهو السبب الرئيسي الذي يمنع أي انسان من الادعاء بأن الاسبان ظلموا العرب عندما احتلوا أرضهم من جديد ..

ان ما حققه الأسبان بعد ٨٠٠ سنه حققه اليهود بعد ١٢٠٠ سنة لكن المبدأ متشابه ، ومع ذلك عاد الاسبان واحتلوا إسبانيا بالنار والدم ، في حين قام اليهود بذلك عن طريق الاستيطان المشروع حسب قوانين البلاد وقتها وامتلكوا السلاح دفاعا عن النفس " ..

انتهي الاقتباس من كلام نتانياهو ، وهو لا يحتاج الي تعليق ، ويوضح بصورة كاشفة طريقة تفكير الرجل ونظرته للتاريخ ..

٢ – يكرر نتانياهو مقولة " أرض بلا شعب لشعب بلا أرض " ، أي ان فلسطين عندما عاد اليها اليهود كانت شبه خالية من السكان العرب ، وعمليا بلا شعب يقطنها ، وقد أخذها شعب موجود بالغعل ، وقصده اليهود المشتتين في كل انحاء العالم !!

ويحكي نتانياهو في صفحات كثيرة عن تعلق اليهود خلال قرون الشتات بفلسطين ، وحلم عودتهم اليها الذي لم يفارقهم ..

ويقول : لقد لاحت الفرصة في القرن ١٩ لإعادة بناء السيادة اليهودية لأول مرة منذ تدمير الهيكل الثاني ، فوقتها فهم اليهود لعبة القوي في السياسة والتاريخ ، وحولوا المشاعر الصهيونية الطبيعية في قلوب ملايين اليهود الي حركة سياسية ..

ويمضي قائلا : كان الأفندية العرب الذين يملكون معظم الاراضي قد تركوها وأهملوها الي درجة كبيرة ، وكانوا هم أنفسهم يعيشون حياة بذخ ورفاهية في بيروت ودمشق ، في حين حوَل المستوطنون اليهود المستنقعات والأراضي الصخرية الي أراضي زراعية خصبة ، اقيمت عليها فيما بعد مستوطنات قروية ثم مدن ، وقد مول تلك العملية أرباب المال اليهود في أوربا مثل موشيه مونتفيوري والبارون روتشيلد ..

وطبقا لنتانياهو فإن الاتراك الذين كانوا يحكمون فلسطين وقتها تركوا فلسطين خرابا ، فيقول أن موجات اليهود التي جاءت واحدة وراء أخري منذ عام ١٨٨٢ غيرت وجه البلاد كليا ، فشق اليهود الطرق وعبدوها ، وأقاموا المدن والحقول والمستشفيات والمصانع والمزارع ، ونتيجة لتلك النهضة – يقول نتانياهو – زاد عدد العرب في البلاد أيضا وليس عدد اليهود فقط ، حيث وصلت الي البلاد هجرة عربية جماعية ، بحثا عن العمل ومستوي حياة أفضل ..

ويتساءل نتانياهو : أين كانت فلسطين قبل مجيء اليهود اليها في القرن ١٩ ؟

هل كان هناك شيء اسمه فلسطين خلال ٢٠٠ سنة من حكم المماليك أو ٤٠٠ سنة من حكم الأتراك ، وحتي اسم فلسطين نفسه من أعاده الي الحياة والاستخدام هم البريطانيون وليس العرب !!

ويخلص نتانياهو الي النتيجة التي يريدها ، وهي أن المطالبة اليهودية في السنوات المائة الأخيرة بحق اليهود علي " أرض إسرائيل " قامت أولا بفضل خلاء البلاد من السكان ، ثم بفضل الجهود التي لا تعرف الكلل لاستيطان الأرض واعادة اخصابها من جديد ..

٣ – يقول بنيامين نتانياهو أن مؤتمر الصلح في فرساي عام ١٩١٩ قدم الحل الناجع – في رأيه – للمشكلة ، فقد تم في فرساي – كما يقول – التعهد لليهود بإقامة دولة لهم في فلسطين ، وشمل ذلك ضفتي نهر الأردن وليس فقط الضفة الغربية لنهر الاردن ، وهي التي تشمل أراضي دولتي الأردن واسرائيل اليوم، أي علي أرض تبلغ مساحتها خمسة أضعاف مساحة اسرائيل حاليا ..

ويلوم نتانياهو بشدة علي بعض الاطراف في الخارج وعلي اليسار الاسرائيلي الذين يقولون أن اسرائيل لا تستحق حتي ٢٠% من هذه الارض ( أي اسرائيل بما فيها الضفة الغربية وغزة ) ويطالبون بأن يكتفي الشعب اليهودي ب ١٥ % فقط من منطقة الانتداب الأصلية ( اي اسرائيل بدون الضفة الغربية وغزة ) ..

ويقول : ان خطوة كهذه ستترك لليهود دولة يبلغ عرضها ١٥ كم فقط ، تزدحم مدنها ومستوطناتها علي طول شاطئ البحر المتوسط ، في حين يظل للعرب الذين يقودهم زعماء كارهون لليهود السيطرة علي جبال الضفة الغربية التي تشرف علي دولة اسرائيل بأكملها ، وهكذا لن يبقي من تعهدات فرساي – كما يقول – التي تقضي بأن يحصل الشعب اليهودي علي دولة ضمن مساحة معقولة سوي جيتو مبتور الجناحين ، مضغوط بصورة تثير الشفقة ، في قطاع ساحلي ضيق ..

٤ – يتحدث نتانياهو مطولا علي دور بريطانيا قبل قيام اسرائيل ، فبينما يثني علي البريطانيين في البداية لدورهم في تهيئة الظروف للاستيطان اليهودي ، ينتقدهم بشدة فيما يعتبره تحيز صارخ من بريطانيا ضد اليهود ومع العرب !!

فطوال القرن ١٩ كان الدعم البريطاني لفكرة اقامة وطن قومي لليهود في فلسطين واضحا ، يقول بنيامين نتانياهو أن اللورد بالمرستون وزير خارجية بريطانيا اقترح عام ١٨٤٠ توفير الحماية لكافة اليهود في " أرض اسرائيل " وتعهد أن يقنع السلطان التركي أن الخير يمكن أن يجني فقط من حقيقة أن يقتنع اليهود الموزعون في أوربا وأفريقيا بالقدوم والعيش في فلسطين ..

ويذكر نتانياهو أن الساسة البريطانيين الذين أعلنوا تأييدهم لليهود كانوا من ذوي الأهمية في الادارة والسياسة البريطانية ، مثل شافتسبري وبالمرستون ودزرائيلي وسالسبوري واللورد مانشستر ..
وبتأثير السياسة البريطانية انضم عدد من رؤساء أمريكا لقائمة المؤيدين للاماني القومية اليهودية مثل وليام ماكنلي وتيودور روزفلت ووليام تافت ..

وفي عام ١٨٦٥ تأسس برعاية الملكة فكتوريا صندوق لدعم اليهود في فلسطين من قبل مجموعة من السياسيين والمثقفين ورجال الدين في بريطانيا ، ويقول نتانياهو ان هذا الصندوق كان له تأثيرا كبيرا جدا علي حركة الهجرة الي فلسطين ..

واستمر الدعم البريطاني مع مطلع القرن ٢٠ كما كان طوال القرن ١٩ ويستشهد نتانياهو بكلام ونستون تشرشل عام ١٩٢١ الذي قال " واضح جدا أن العدالة تقتضي بأن يكون لليهود الموزعين حول العالم وطن قومي في فلسطين ، التي يرتبطون بها ارتباطا وثيقا وعميقا منذ ما يزيد عن ثلاثة ألاف سنة ، ونحن نعتقد أن هذا الأمر سيعود بالفائدة علي العالم وعلي اليهود وعلي الامبراطورية البريطانية " ..

ويقول نتانياهو أنه من وجهة نظر بريطانيا كان ما فعلته بعد الحرب العالمية الأولي عادلاً ، فقد حررت العرب من احتلال الأتراك لبلادهم الذي استمر لمئات السنين ، واعطتهم أراضي واسعة في الجزيرة العربية والعراق وسوريا لتحقيق أمانيهم القومية ، وأعطت لليهود مكانا يعيشون فيه نظراً – كما يقول – لإخلاصهم لبريطانيا ومساهمتهم في المجهود الحربي البريطاني ..

وبرغم كل ذلك يتحدث نتانياهو في فصل كامل عن ظلم بريطانيا بعد ذلك لليهود وتحيزها للعرب !!

ففي فصل كامل عنوانه " التخلي عن الصهيونية " وهو الفصل الثاني يحكي نتنياهو – من وجهة نظره – صور المظالم والتحيز البريطاني ضد اسرائيل في فترة ما بين الحربين ، ويذكر وقائع بلا عدد بخصوص ذلك ..

منها – مثلا – قوله أن اللجنة الملكية ( لجنة بيل ) عام ١٩٣٧ أعطت اسرائيل ٥ % من المساحة المخصصة لهم بموجب الانتداب علي فلسطين ، في حين اعطت العرب ٩٠ % ، ثم ينتقد بشدة الكتاب الأبيض البريطاني عام ١٩٣٩ ، ويقول انه قضي نهائيا علي الدولة اليهودية قبل أن تبدأ ، ويقدم المبررات للعمليات الإرهابية اليهودية ضد البريطانيين قبل اعلان الدولة في اسرائيل ..

ويقلب نتانياهو الحقائق رأسا علي عقب فيما يخص حرب ١٩٤٨ ، فيقول انه سُمح للعرب فيها بتدفق أسلحة كثيرة دون عوائق ومنع ذلك عن اليهود !!
ويقول أن اليهود حاربوا دون طائرات أو دبابات أو مدافع ، ثم يذكر أن الهدنة هي ما أنقذت اسرائيل التي تم تسليحها ، ومن ثم تمكنت – بعد أن كادت تهزم هزيمة كاملة – من صد هجمات العرب واجبارهم علي التراجع !!!

ولا يقول – بالطبع – كلمة واحدة عمن فرض تلك الهدنة علي العرب ، وحول انتصارهم الي هزيمة !!

وفي الفصل الثالث وعنوانه " حقيقة القضية الفلسطينية " يدخل بنيامين نتانياهو في وصلة طويلة من القراءة المشوهة ببشاعة لتاريخ المنطقة العربية من الخمسينات الي السبعينات ، مع كميات هائلة من الاكاذيب عن العرب .. شعوبا وحكاما ..

ثانيا : الحاضر والمستقبل :

اذا تركنا الماضي وحكاياته بقلم " المؤرخ " بنيامين نتانياهو وانتقلنا الي ما يهمنا ، وهو الحاضر والمستقبل .. أي اليوم والغد وما بعده ، من وجهة نظر الرجل الذي يحكم اسرائيل الان ، والذي يسمونه هناك " ملك اسرائيل " فماذا قال الملك الإسرائيلي غير المتوج ؟!

يجيب نتانياهو أولا علي سؤال : لماذا يجب علي اسرائيل ألا تنسحب الي حدود ١٩٦٧ أبدا ، ومهما كانت الظروف ؟!

يقول نتانياهو : أن اسرائيل كانت تحتاج الي العمق وهو ما أعطاها اياه فوزها في حرب ١٩٦٧ ، والعمق من وجهة نظره هو وجودها وراء حدود يمكن – عسكريا – الدفاع عنها ، فسيناء التي وافقت اسرائيل علي الانسحاب منها صحراء واسعة ومكشوفة وخالية – كما يقول – تقريبا من السكان ، وبتجريدها من السلاح الثقيل – الدبابات والمدافع - يمكن لإسرائيل أن تطمئن ، فحتي لو تم تهريب سلاح خفيف اليها لن تشكل هذه الاسلحة خطرا علي اسرائيل ، نظرا لبعد الأهداف التي يمكن اصابتها بهذه الاسلحة الخفيفة ، أما في منطقة مأهولة بالسكان مثل الضفة الغربية ، ففي حالة انسحاب اسرائيل منها واقامة دولة فلسطينية ، فلن يكون بمقدور اسرائيل السيطرة علي دخول السلاح اليها وتهريبه..

ويقول نتانياهو انه حتي في حالة نزع سلاح تلك الدولة الفلسطينية لن يكون بمقدور اسرائيل الاطمئنان علي أمنها ، فلا يمكن - علي المدي الطويل - تجريد دولة ذات سيادة من السلاح ، وهو أمر لم يحدث مثله في التاريخ ، ويضرب أمثلة علي ذلك من تاريخ النزاعات في أوربا وتاريخ الشرق الأوسط ذاته ، فإسرائيل – يقول نتانياهو – لن تكون قادرة علي تفتيش كل سيارة أو شاحنة تدخل الي الدولة الفلسطينية التي ستقام في الضفة وقطاع غزة ، كما لن يمكنها اعتراض كل طائرة مدنية تكون في رحلة اليها ..

ان جبال الضفة الغربية – يقول نتانياهو – تعطي اسرائيل حدود طبيعية وأمنة ويمكن الدفاع عنها ، وهي نفس الميزة التي تعطيها لإسرائيل مرتفعات الجولان السورية ..

ان العرب من مرتفعات الضفة الغربية ومرتفعات الهضبة السورية كانوا دائمي التهديد لإسرائيل قبل حرب ١٩٦٧ ، وعندما خسر العرب تلك المناطق الاستراتيجية كفوا من يومها عن تهديد اسرائيل ، ولكن ما فقدوه في الحرب يريدون الان اعادته بالسلم ، وهو ما يعني عودة التهديد الوجودي لإسرائيل مرة أخري !!

قطاع غزة في فكر نتانياهو :

لقطاع غزة أهمية كبيرة في أفكار نتانياهو وتصوراته ، فيقول ان منطقة قطاع غزة فقط هي التي تشكل خطرا سياسيا – وليس عسكريا – بالنسبة لإسرائيل ، فخلافا للضفة الغربية وهضبة الجولان التي تسيطر كلاهما بصورة مطلقة علي المناطق السهلية تحتهما فإن قطاع غزة منطقة منبسطة وصغيرة ..

وقد كانت غزة في الماضي قاعدة انطلاق لعمليات قتالية ضد اسرائيل أيام منظمة التحرير الفلسطينية ثم عادت لتكون كذلك بعد أن انسحبت اسرائيل منها ، وفي ضوء اتفاقية أوسلو – يقول نتانياهو – والتي مكنت منظمة التحرير من اقامة دولة بالمعني الكامل في غزة وأريحا ، أصبح من الواجب التفكير في التفرقة بين السيطرة العسكرية ( لإسرائيل ) والسيادة السياسية ( للفلسطينيين ) ..

ويقول نتانياهو انه هو ومعه معظم الخبراء العسكريين في اسرائيل يوافقون علي ضرورة احتفاظ اسرائيل بتواجد عسكري في هذه المناطق - غزة - بغية المحافظة علي أمنها ..

رؤية نتانياهو للسلام بين العرب واسرائيل ..

لا يعترف نتانياهو من الأساس بوجود شيء أسمه الشعب الفلسطيني ، ففي رأيه ان في فلسطين الانتدابية جماعتين قوميتين فقط هما العرب واليهود ..
وتوجد في نفس المنطقة دولتين فقط هما الاردن واسرائيل ، ولكن لا يوجد شيء اسمه شعب فلسطيني ، ففلسطين هي الاردن ، وكلمة فلسطين لم تكن مستخدمة من قبل حتي بين العرب انفسهم ، وهي كلمة استخدمها البريطانيون قبل ١٩٤٨ وقد قصدوا بها يهود فلسطين وليس العرب !!

ويصل نتانياهو الي جوهر رؤيته للسلام المقبول من وجهة نظره بين العرب واسرائيل فيقول :

أول شروط سلام مقبول ودائم مع العرب هو بناء الديموقراطية في العالم العربي ، بقيام دول عربية ديموقراطية بديلا عن الأنظمة الحالية ، التي يراها تعادي اسرائيل بطريقة لا شفاء منها ، أما عن وجود الديموقراطية في العالم العربي - كما يريد ويطلب – فلا يوضح نتانياهو قصده من وراء ذلك ، ولكن يبدو أن القصد هو أن تعمل اسرائيل وحلفاءها الي ايصال شخصيات وتيارات تقبل بإسرائيل وتتعامل مع خططها للمستقبل بنوع من التساهل ..

ويقول نتانياهو : وما دام هذا الشرط – تحقيق الديموقراطية كما يراها في العالم العربي – غير متحقق فلا بديل أمام اسرائيل عن سلام الردع ، وأن تضع اسرائيل ترتيبات أمنية شديدة لحماية أمنها ، ومن ضمنها أن اسرائيل ليست مستعدة تحت أي ظرف للتنازل عن سلسلة جبال الضفة الغربية وعن هضبة الجولان ، فهما عائقان طبيعيان أمام أي هجوم عربي محتمل في يوم من الأيام ، وبالتالي فلا دولة فلسطينية في الضفة الغربية ، بل حكم ذاتي وادارة مدنية تحت السيادة الاسرائيلية فقط ..

.. وماذا بعد السلام ؟!

وفي أفكار نتانياهو وخططه ، انه بعد أن يتحقق السلام بين العرب واسرائيل بالشروط السابقة التي وضعها ، فإن السلام الاقتصادي يحل دوره ، ويتكلم نتانياهو طويلا عن خططه لتقاسم المياه مع العرب ويراها مشكلة اسرائيل المزمنة ، ومع لك لا يري نتانياهو أن السلام مع الدول العربية – من زاوية الاقتصاد والتجارة – مهما الي هذا الدرجة ، فبعد سنوات طويلة من السلام مع مصر – يقول نتانياهو – مازالت التجارة معها في حدودها الدنيا ، ثم يتبجح نتانياهو قائلا انه في ضوء الصادرات الاسرائيلية المصنعة والموجهة بشكل رئيسي الي الأسواق المتقدمة في أوربا والولايات المتحدة ، فلا يوجد الكثير مما يمكن عرضه علي اقتصادات الدول العربية ، التي هي في معظمها متأخرة جدا عن الاقتصاد الاسرائيلي ..

ولكنه لا يري بأسا من فائدة أخري للسلام مع العرب ، فيقول أن السلام سوف يفتح أمام الشركات الاسرائيلية نافذة الي الشرق ، فموقع اسرائيل الجغرافي القريب من أوربا قد يمكنها من أن تكون جسراً بين الشرق والغرب ، وبين الشرق وبين أوربا الوسطي ، لقد بنت سنغافورة نفسها – يقول نتانياهو – كإمبراطورية اقتصادية علي أساس كونها جسرا من الغرب الي الشرق .. ويبدو ان نتانياهو يتمني لإسرائيل مستقبلا مشابها ..

.. ليس هناك مجال لإعادة ذكر كل كلام نتانياهو وعرضه للتاريخ والحاضر والمستقبل كما يراه ، فالكتاب متاح ، وهو طوع قارئه ، ويستطيع أي انسان مصري أو عربي قراءته ، فنتانياهو المؤرخ يمتلك منهجا يخصه هو في قراءة التاريخ ، خلافا لما يعرفه ويدرسه العالم ..
ولكنى نتانياهو السياسي هو ما يجب أن نأخذ كلامه جدا ، فالرجل في موقع المسئولية ، وهو لا يخفي تصوراته وخططه ..

وربما الفائدة الوحيدة في عرض تلك الآراء انها هي الآراء التي يعتنقها من يحكم اسرائيل اليوم ، وفي لحظة تاريخية خطرة ، تعد معرفة ما يدور في ذهن هذا الرجل ومعه الجزء الاكبر في اسرائيل – ساسة ومفكرين وجمهور – ضروري ، حتي نفهم أولا .. ثم نستطيع أن نقرر ..

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت