-كلوب باشا- والشماغ الأردني والحطَّة الفلسطينية!

عبدالله عطوي الطوالبة
2024 / 4 / 13

يتباهى "كلوب باشا" في مذكراته عندما يأتي على ذكر الكوفية الحمرا، المعروفة أردنيا باسم "الشماغ"، بأنه هو من صممها. ولكن من هو "كلوب باشا" بداية، كما تحتفظ بهذا الاسم الذاكرة الأردنية؟!
هو ضابط بريطاني، اسمه جون باغوت غلوب. أرسله التاج البريطاني الى المنطقة العربية، للمساهمة بتنفيذ مخططاته الاستعمارية بدءا بالعراق، حيث وصل الى هناك في تشرين الأول 1920. كانت مهمته "تهدئة"،والأقرب للحقيقة، ترويض بدو العراق آنذاك لتستتب الأمور لصالح حكومة الملك فيصل. وقد حقق الضابط غلوب نجاحا في مهمة الترويض تلك، أكسبته سمعة بوصفه خبيرا في البدو بامتياز. بعد اعلان امارة شرق الأردن عام 1921، ارتأت لندن (مربط خيلنا) أن خدمات جنديها وخبراته في الترويض، باتت ملحة في الامارة الجديدة الناشئة. وهكذا تم استدعاؤه الى الأردن عام 1930. فور وصوله، شرع في تشكيل قوة جديدة داخل الفيلق العربي(أول قوة نظامية أردنية مسلحة) باسم قوة البادية. وقد حرص على أن يكون المجندون في هذه القوة من أبناء البادية فقط. يقول غلوب في سيرته الذاتية واصفا الأزياء الموحدة لقوة البادية:"كنا نلبّس دوريتنا ملابسهم الطبيعية: سراويل قطنية بيضاءوثوب طويل وفوقهما رداء كاكي طويل وحزام صوفي أحمر عريض، وعددا من أحزمة الذخيرة والخزن ومسدس وحامل مسدس أحمر وخنجرا فضيا، وكان لباس الرأس يتكون من كوفية رُسمت عليها مربعات حمراء وبيضاء (نحن من صممها)، والتي أصبحت منذ تلك اللحظة نوعا من الرمز الوطني العربي". ويعلق الدكتور جوزف مسعد، في كتابه (آثار استعمارية/ تشكيل الهوية الوطنية في الأردن، ص 203) على ذلك بالقول: "فكما استخدمت الحطة الحمراء والبيضاء علامة تميز أهل شرق الأردن عن الأردنيين الفلسطينيين، اتخذ هؤلاء الأخيرون بدورهم الحطّة ذات اللونين الأبيض والأسود علامة على الانتماء الوطني الفلسطيني في السياق الوطني الأردني".
منذ العام 1939 وحتى 2 آذار 1956، شغل غلوب أو "كلوب باشا" منصب قائد الجيش الأردني. ولنا أن نتخيل النفوذ الذي يتمتع به من يشغل هذا الموقع، في دولة نامية ناشئة. وفوق هذا كله، تعيش على المعونة البريطانية، التي لم تكن لوجه الله بالتأكيد. على أن كلوب باشا، لم يكن يستمد نفوذه من موقعه كقائد للجيش ولا من "معونة" بلاده للامارة فقط، بل من المكانة الخاصة، التي تأتى له ببراعة المنفذ الداهية لمخطط بلاده الاستعماري، أن يحظى بها لدى بعض القبائل، وأبنائها العسكر بخاصة.
لقد وجد غلوب في هذا البعض اخلاصا جعله يروى في مذكراته "كيف ودعه ضباط، بعد انهاء خدمته في الأول من آذار 1956، وعيونهم تذرف دمعا حتى أن أحدهم أخرج مسدسه ليثأر له(أي لقائده كلوب باشا)" . ويضيف غلوب:"فكرت وحدة أو وحدتان من الفيلق العربي في القيام بعمل ضد الملك ليردوا لغلوب اعتباره، ولكن في كل مرة كان الضباط البريطانيون هم من منعوا ذلك" ( آثار استعمارية، ص 260).
قد تكون في البنية الذهنية العربية مساحة، لربما قصدها المفكر الجزائري مالك بن نبي وانطلق منها ليقول ب"القابلية للاستعمار". لكننا نراهن على أن هذه المساحة تضاءلت وفي طريقها الى التلاشي، بحكم سنن التطور والتغيير وتفتح الوعي وارتقاء أنماط التفكير. وحتى بمعايير تلك المرحلة، فان "وفاء" أفراد من قوة البادية لقائدهم المطرود، لا يصلح مثالا للتعميم. فمقابل هؤلاء، كان طرد "كلوب باشا" من الأردن نتيجة ضغط هائل من الضباط والجنود الأردنيين الوطنيين الأحرار.
يلفت النظر، وصف غلوب شعوره وهو يغادر على متن طائرته المحلقة في سماء عمان، اذ يقول: " شاهدت الساحل العربي يتلاشى في السديم الأزرق، وأنا في حالة انبهار...حولت وجهي بعيدا وضحكت".
في حالة انبهار...و ضحكت.... لربما قصد "كلوب باشا" أنه انبهر كيف انطلى مكره على من استطاع ترويضهم خلال 26 عاما. لكنه ضحك حين استذكر أن الضحك على كل الناس كل الوقت، غير ممكن مهما أوتي المرء من دهاء، حتى لو كان دهاؤه مسنودا بقوة عظمى ينفذ مخططاتها، هي دولته.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت