غزاوي: سردية الشقاء والأمل؛ جمال زقوت

مهند طلال الاخرس
2024 / 4 / 12

غزاوي: سردية الشقاء والأمل كتاب من تأليف: جمال زقوت يقع على متن 389 صفحة من القطع الكبير وهو من اصدارات مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت سنة 2023.

غزاوي: سردية الشقاء والأمل كتاب سيرة ذاتية للمناضل الفلسطيني جمال زقوت، وتمثل هذه السيرة مروية فلسطينية تسلط الضوء على سيرة ومسيرة المناضل جمال زقوت الخاصة، والخاص هنا يتداخل فيه العام ويصبح جزء منه بحيث يكمل كلاهما مشهدية فلسطينية حافلة وزاخرة بالاحداث والمحطات الهامة بمسيرة الشعب الفلسطيني والتي توثق وتدون نضالاته وتضحياته وعثراته وانتكاساته ، وتحفظ سيرة الوطن ورواية ابناءه في مواجهة رواية الاحتلال واعوانه، والتي اجتهد كثيرا ليلغي حقنا في ان يكون لنا روايتنا الخاصة، تسهيلا لروايته الكاذبة القادمة من خرافات التاريخ وصفحات الكتب واوهام العابثين ...

هذا الكتاب وهذه السيرة تستمد اهميتها من سيرة صاحبها جمال زقوت، ولكي ندرك فعلا قيمة هذه المذكرات ومدى جودت وملاءة هذه السيرة لابد لنا من معرفة البطاقة الشخصية والسيرة الذاتية والنضالية لصاحبها جمال زقوت، فهو سياسي ومناضل فلسطيني ولد في مخيم الشاطئ في غزة في كنف أسرة لجأت من بلدة إسدود جراء نكبة 1948. تفوق في دراسته وتحصل على منحة للطب درس فترة منها في مصر الى ان ابعدته السلطات المصرية فاكمل دراسته في بلغاريا، وبعد اجتيازه نصف المدة في دراسة الطب قرر تحويل تخصصه للدراسات السياسية رغم ممانعة الاصدقاء والجامعة نفسها، وحسم خياراته بغية العودة سريعا للوطن والانخراط في صفوف العمل الوطني.

اعتُقل عدة مرات، وأبعدته سلطات الاحتلال، مع اخرين منهم زياد النخالة سنة 1988، إلى خارج فلسطين [جنوب لبنان] بتهمة المشاركة في تأسيس القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة الأولى.

حاله كحال امثاله من الفلسطينيين تشهد له كل مطارات وحدود العواصم العربية التي تفتش على هويته وتلاحقه وتبعده عن اراضيها ثم تتغنى تلك العواصم بدعم الفلسطيني بشتى الوسائل والسبل وفي كل المحافل والميادين!!؟.

تزوج من رفيقة دربه نائلة عايش اللفتاوية والتي اعتُقلت أكثر من مرة، وكذلك طفلهما الذي أمضى مع أمه ستة أشهر في المعتقل.

استشهد اخيه بشير في لبنان، كما لوحقت عائلته برمتها من قبل الاحتلال، عائلته وبيئته برمتها الناهضة من رماد النكبة شكلت اولى مداميك وعيه الوطني، كما ان العائلة والمدرسة وغزة وحواريها وفدائييها وسيرتهم شكلت اكبر حاضنة له ولامثاله كي ينمو ويترعرع في بيئة وطنية خصبة معمدة بالدم والتضحيات.

عاد جمال إلى القطاع سنة 1994، وشغل عدداً من المواقع السياسية.

تتناول هذه المذكرات المسيرة الحافلة لحياة لاجئ ومناضل عصامي من جيل النكبة في مخيمات غزة والشتات. هذه المذكرات كما اسلفنا تجمع بين التجربة الشخصية والمشهد العام، وتسلط الضوء على تحولات المجتمع الغزّاوي في مراحل مفصلية أبرزها: الحياة اليومية في مخيم الشاطئ في الخمسينيات بعد النزوح؛ الحكم العسكري المصري في غزة في الحقبة الناصرية؛ بداية الاحتلال الإسرائيلي ويوميات المقاومة؛ والانتفاضة الكبرى سنة 1987، وانشاء السلطة الوطنية في 1994. وهذه التحولات التي ترصدها المذكرات تصلح كوثيقة جرم وادانة للاحتلال وتصلح كمادة اساسية لكثير من الدراسات السياسية والاجتماعية التي تريد بحق ان تدرس اثر النكبة ومحاولة فهم مآلات وتداخلات وتعقيدات القضية الفلسطينية واتجاهاتها المختلفة .

هذه المذكرات تسلط الضوء على حياة المؤلف في المخيم، وتستذكر ظروف المخيم وحالات القهر والبؤس التي عاشها، حيث يستذكر الكاتب المخيم ويستدعيه عبر صفحات الكتاب بكل تفاصيله المؤلمة والشيقة، فيستدعي المؤلف عبر صفحات الكتاب تلك الحارات والالعاب واهم العادات والمؤن والمدارس وظروف العوز المرافق لهم والتي تشابه ظروف العوز والحاجة في كل المخيمات.... وينجح المؤلف في التقاط اهم التفاصيل الدقيقة في المخيم والتي تحدد معالمه ، وتنحت سماتها وصفاتها في ملامح ابناء المخيم.

وقد نجح الكاتب في تسليط الضوء بدقة متناهية على كل ظروف المخيم التي اكسبت ابناءه اسمهم [ولاد مخيم] وسماتهم، تماما كالجواهري الخبير الذي يعرف ما تألفه العين، ويعرف تماما ما يُحدث تلك اللمعة فيها.

الكتاب جاء بلغة سلسة واحداث جذابة تجعل من القاريء جزءا من النص؛ فاتقان جمال لفن الحكاء في هذه السيرة جعل منه حكاء برتبة امتياز؛ فقد نجح الرجل ان يجعل كل منا يستحضر احداث النكبة والقرى المدمرة ومسيرة الترحيل والهجرة وبناء المخيمات على اختلاف مسمياتها، ونسيرة ابنائها وشغفهم بالتعليم والانجاب والتحرير ايضا في معادلة مزدحمة تصارع الزمن والعوز والاخوة الاشقاء والاعداء على السواء..

هذا الكتاب يقع على خمسه فصول يتحدث الفصل الاول فيه عن المخيم وفي الفصل الثاني عن اخيه بشير وشتات العواصم وفي الفصل الثالث عن زوجته نائلة ومسيرته معها الفصل الرابع يتحدث عن الانفجار الكبير والمقصود به الانتفاضة الاولى انتفاضة الحجارة وفي الفصل الخامس يتحدث عن سيرته بين السجن والابعاد ويتبعهما بملحق من الصور تؤرشف وتؤرخ لسيرته ومسيرته في النضال منذ الولادة والمدرسة والجامعة حتى الابعاد والعودة ونشوء السلطة.

جمال زقوت يكتب سيرة ذاتية مميزة وصادقة يسرد فيها كثيرا من قضايا الوضع الفلسطيني العام والخاص وكذلك اقضايا لوضع العربي وحال الفلسطيني معها ومكانته منها، اضافه الى بعض تطورات الوضع العالمي...

طريقة السرد الواردة في هذا الكتاب توافق طبيعة الاحداث وتتناغم معها كسمفونية واحدة ذات ملامح جمالية نجح السارد في جعلها جزءا من الحكاية.

ومن ميزات السرد عند جمال انه بعيد عن التكلف والتهويل ويتسم بالموضوعية والمكاشفة والصراحة وهذا جزء من شخصية جمال للعارفين فيه او لمتابعين لقاءاته وحوارته التلفزيونية، فعند انتهاء القاريء من قراءة هذا الكتاب يجد الواحد نفسه وحاله تتقلد لسان حال جمال وهو ينطق ببعض الكلمات صارخا ومعبرا عن مخزون وطني دافق يحركه شعور بالالم نظرا لمآلات الامور؛ فهذا الرجل يكتب كما يتكلم وبذلك متعه اخرى اضيفت الى قراءة هذا الكتاب.

الفصل الاول من الكتاب جاء حافلا ومزدحما بالاحداث ومثقلا بالماسي والنكبات [سردية الشقاء] وفيها يلتقط جمال اجمل الصور وافظعها؛ تلك الصور التي بقيت تؤرخ لمرحلة النكبة والتشرد واللجوء . نجح جمال بعين المصوراتي البارع الذي يعرف ان يتمركز الحدث بالتقاط اهم الاحداث والمحطات وتحويلها لنص مكتوب يبقى عالقا في الذاكرة الى الابد. فها هو جمال ومنذ الصفحه ١ من الكتاب وفي معرض حديثه عن المخيم يقول :" ولدت بين شاطئ البحر والتلال الرملية التي كنا نسميها سوافي قبل ان تزحف عليها غابات الاسمنت المسلح التي التهمتها عبر السنين.
هنا تفتحت الطفولة ونشات معها اجمل الذكريات واكثرها نقاء ونمت الى جانبها قوة تحد لصعوبة الحياة التي كانت تتزايد فتبعث اسئله قلما وجدت اجابات عنها .

ويضيف :" كنت امضي ساعات طويلة خارج البيت ليس بحثا عن لهو او شقاوه صبا وانما خلوة مع النفس لايجاد بعض الهدوء لياجل دراسه افضل واعمق بعيدا عن بيتنا الضيق المزدحم بافراد الاسرة الاخرين ، ومع مرور الايام والتعود على القراءة نهارا تحت ضوء شمس ساطعة بدا البيت اكثر ازدحاما وربما اكثر ضجيجا ولاسيما بعد ان التحق بنا مولود جديد هو اخي بهاء.

في الصفحه الثالثة يتحدث عن مخيم الشاطئ وانه انشئ في سنة 49 على شاطئ البحر غربي مدينه غزة ومنه اخذت تلك التسميه. ويضيف الكثير من التفصيلات عن المخيم تهدف الى التعريف به. ثتم يتحدث عن الدروشة وحكايتهم مع الدراويش في المخيم ثم يتحدث عن قصصه وحكاياه مع الدراويش هو واسماعيل هنيه رفيقه في تلك الزاوية التي يلتقي فيها الدراويش...

ثم يتحدث عن بيته او كوخه كما يحلو له تسمتية المزدحم طبعا ، تم يتحدث عن المرض الذي لازمه في اول سنين عمره وكيفيه الشفاء منه، ويتحدث عن دور المدارس والمدرسين الوطنيين المتعددين المشارب الفكرية والمتنورين والتقدميون وكيف كانوا يحيطون بهم في الحصص الدراسية وظروف تشكل وعيهم واسهاماتهم في ذلك الجانب مع ذكر بعض هؤلاء بالاسم وابرز نشاطاتهم ثم ثم يتحدث عن كيفية تكون اولى الخلايا العسكرية في مخيم الشاطئ والمكونه من بقايا جيش التحرير الفلسطيني وعن تاسيس قوات تحرير الشعبية اولا واسس القومين العرب الجبهة الشعبية وفيما بعد تاسست الجبهه الوطنية في قطاع غزة والتي انخرط فيها عدد من الشيوعيين.

تم يتحدث في الصفحه 18 عن البيت الشهيد وكيفيه هدم البيوت وشوارع كاملة من قبل الاحتلال انتقاما للعمليات التي كان يقوم بها سكان مخيم الشاطئ، ويذكر على سبيل الذكر لا الحصر شهادة حية تعطي لمحة موجزة عن الاحتلال، وبهدف استكشاف تلك العقلية الخاصة بجنود الاحتلال فيروي جمال :" افعال جنود الاحتلال حين داهموا بيت عمه شحاده ابو فيروز زوج خالته فاطمة حيث استطاعوا تخريب محتويات البيت وترك الراديو مفتوحا على محطة اذاعية عبرية، وهو ما جعل المحتجزين يظنون ان الجيش ما زال في باحة البيت حيث ظل جميع افراد العائلة [عم المؤلف] محتجزين مدة يومين من دون غذاء او ماء او دخول مرحاض، الى ان ذهبت والدته الى بيت اختهها للاطمئنان عليهم، فكسرت باب الغرفه وانقذتهم من مأساة كادت تفتك بهم.

في صفحه 20 يذكر جمال تلك التفاصيل القصيرة لكنها الغنية والمزدحمة بقطرات الدموع والاسى والانكسار نتيجة هدم بيتهم من قبل الاحتلال، وكيف بدأت والدته بجمع اشيائهم القليلة وتجميع ملابسهم ودفاترهم المدرسية ومسابقة الزمن لانقاذ ما يستطيعون انقاذه خلال ساعة واحده قبل هدم البيت.

تم تحدث عن كيفية مواجهة بيوت المخيم لايام الشتاء القاسية، وفي تلك تفاصيل تقشعر لها الابدان. ثم يتحدث صفحه 23 عن كيفية استكمال اريل شارون خطته في توسيع الشوارع وهدم مزيدا من البيوت والغايات من ذلك والتي تبوح بها الصفحات اللاحقة.

ثم يتحدث عن غزة التي أحبت عبد ناصر على صفحة 35 ثم يتحدث عن اسباب تلك المحبة وموجباتها. محبة اهل قطاع غزة لعبد الناصر فيها اسباب عامة وخاصة والتي يستطرد في ذكرها عبر سطور الكتاب .

ثم يتناول حادثة في الصفحة 45 حين طلبت الادارة المدنية فرض تدريس اللغه العبرية في المدرسة وكيفية رفض الطلاب والاساتذه لذلك واعتبروه مظهرا وطنيا الاّ ان جمال زقوت الوحيد الذي قبل ذلك حتى لو كانت مادة اختيارية وهذا ما حصل، وسيتعرف القاريء لاحقا في الفصول القادمة في الكتاب كيف استفاد جمال من معرفته بهذه اللغة مع المحققين الاسرائيليين.

ثم يتحدث عن سموره على الصفحه 46 وهي قصة تستحق الذكر ومن خلالها يشير الى ان المخيم بدا يُظهر عطائه النضالي والذي لم يقتصر على الرجال بل ايضا على العديد من النساء؛ فقبل النكبه فقدت ام محمد سمور بيت اهلها وارضها في قريه نعلية وتزوجت وانجبت محمد وسعيد وابنا ثالثا كنا نسميه اللوح وابنتين، ثم تزوج زوجها مرة ثانية وتركها وابنائها للفقر والحاجة، فعملت سموره في تنظيف عيادة الوكالة وغرفت كيف تحصل بعرق جبينها على قرش ابيض لكنها لم تخبئه ليوم اسود انما جعلته معونة لكل من يحتاج استدانته. وكم من مرة احتاج فيها زميلها في العيادة ابو بشير [والد كاتب هذا الصحفات] الى قروشها، فكانت نعم المدبرة والعون والسند. وحصل ان انهى ابنها الثانوية وبدات سمورة وولدها يتطلعان لتعليمه الجامعي ، ولم تكن سموره قادرة على ذلك ، فتدخل والد المؤلف صاحب هذا الكتاب لرد بعض الجميل لسموره واتصل بابنه بشير وطلب منه ان يبذل كل ما في وسعه لتحصيل منحة دراسية في الاتحاد السوفيتي لابن سمورة. وهذا ما حصل فعلا؛ لكنهم لم يتحمل برد الجو والثلج في موسكو مونه يعاني من الروماتيزم اصلا بسبب اوضاعه ونشاته في المهيم، فترك موسكو الى لبنان وهناك استشهد وترك خلفه زوجة حامل وتلك قصة مؤلمة تستحق ان تروى؛ تتزوج في نهايتها الام وتترك الابن الى ان يتمكن جمال على اثر اتفاق اوسلو من استقدام الفتى الى غزة ليقيم عند جدته.

ثم يتحدث عن قصة اليهودي النصاب الذي يبيع الماء والتراب المقدس للمقيمين اليهود في اوروبا وامريكا وكندا . ثم يتحدث عن ابو نجمة ومعركة البقاء في الصفحه 53 احد مؤسسي عصبة التحرر؛ فقد ظل ابو نجم ايقونة الصمود نموذج البطولة الذي تحدى سياسة الطرد والاقتلاع والتهجير .

ويتحدث في الصفحه 58 عن شخصية الشيخ الابلة والمعروف باسم صالح اليافاوي وتلك الحكاية الطريفة والتي اسهمت مع مثيلاتها في اضفاء جو من المتعة والتشويق على هذا الكتاب.

وفي حكاية [الوطن لما جار] يذكر صاحبنا قصة ذيب الذي ادرك اهمية التعليم للاجئين الذين فقدوا كل شيء؛ فبادر الى انشاء مدرسة داخل خيمة لتعليم ابناء اللاجئين ،وذلك قبل ان تنشئ وكالة الغوث في غزة مدارس في مخيمات القطاع . وكان ابو بسام عضوا في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في قطاع غزة، وكان يتقدم الصفوف الى جانب الزعيم الوطني معين بسيسو، و بعد حرب ٦٧ ادرك ذيب اهمية الصمود والبقاء على الارض... الا ان دعوات هذا الرجل قوبلت بالسلبية وقصر النظر حتى انه اتهم بالخيانة الوطنية وعلى اثرها اقدمت احدى المجموعات على اغتيال ابو بسام مُحدثة صدمة كبيرة في صفوف المخيم .

ثم يتحدث الكاتب عن حاجه مسيرة الثورة الى مراجعات جادة في كل المحطات المفصلية، ثم يتحدث عن الشيوعيين في اسدود ، ثم يتحدث عن شيخ المقاطعة، والعمل كمحرك للوعي، وعن بلورة الهوية الوطنية.

يتبع...

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت