مساهمة في تقييم التجربة الاشتراكية السوفياتية (حوصلة كتاب صادر بنفس العنوان) - الجزء الثالث

جيلاني الهمامي
2024 / 4 / 13

استنتاجات ونقاط تقييمية

نحاول في خاتمة هذا الفصل الذي أثقلناه عنوة بكثير من التفاصيل التاريخية والاستشهادات، اعتمادا على روايات متعددة الرؤى والمنطلقات، أن نخرج مما تقدم ببعض الاستنتاجات الأولية في محاولة للحكم على التجربة أو لها من زاوية مدى تطابقها مع ما ينبغي ان يميز تجربة تدعي أنها كرست مبادئ ماركس وانجلز لتكريس ديكتاتورية البروليتاريا كنموذج جديد للديمقراطية والحرية وتحرير الطبقات الكادحة ( عمال وفلاحين وبرجوازية صغيرة مدينية ) وفي النهاية كطريق لتحرير الانسان من الاستغلال والقهر والاستلاب.

أول هذه الاستنتاجات هو أن الحكم على التجربة الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي أو لها ينبغي أن يكون بناء على خصائصها كتجربة جدت في مجتمع يختلف بدرجة كبيرة عن المجتمعات الرأسمالية التقليدية التي درسها ماركس وإنجلز ووضعا، بناء على دراستهما تلك، نظرية الثورة الجديدة في تلك المجتمعات وأسس المجتمع البديل الذي بشرا به. فروسيا التي سبق وأن أشرنا إلى ما قاله انجلز بصددها بكونها " الاحتياطي الأكثر رجعية للبرجوازية الأوروبية " كانت بلدا زراعيا متخلفا لم تدخله الصناعة إلا بصورة محدودة ولم تتطور فيها بالتالي طبقة البروليتاريا إلا بدرجة ضعيفة. ذلك ما يعني من الناحية النظرية المجردة أنها لم تكن البلد المرشح أكثر من غيرها لإنجاز ثورة اشتراكية. وحتى إن توفرت فيها الشروط الموضوعية والذاتية لقيام ثورة اجتماعية فمن غير المسلم به أن يكون طابع هذه الثورة عماليا كما انه غير وارد ان تكون هذه الثورة بالضرورة اشتراكية الخصائص. هذا إذا تقيدنا حرفيا بـ" النص " الماركسي المجرد. لكن أن نتناول المسألة من الناحية الواقعية، أي من زاوية التطور التاريخي الذي عرفته روسيا قبيل الثورة بأكثر من عشرين سنة، فذلك يحيلنا رأسا على الوقائع التاريخية التي عرفتها البلاد وخاصة منها ثورتي 1905 و1917 بصرف النظر عن الأحداث الأخرى الصغيرة وما واكبها من صراع فكري وسياسي عاشته الساحة الروسية بخصوص طبيعة المجتمع الروسي وحقيقة تناقضاته وطبيعة الثورة المطروحة فيه والقوى الاجتماعية المعنية به ونمط الحكم والمجتمع المطروح بناءه للخروج بروسيا من وضعها البائس. وقد ترك لنا هذا الجدل الفكري والسياسي كما ضخما من الآثار الفكرية والسياسية ساهمت فيه المدرسة الماركسية – التي دخلت بشيء من التأخير إلى روسيا على أيدي بليخانوف – مساهمة معتبرة.

لقد احتلت الاشتراكية الديمقراطية - أي الماركسية – موقع الريادة الفكرية والسياسية للحركة الثورية بعد أن دحضت الأطروحات الفوضوية الشعبوية التي كانت منتشرة بقوة في روسيا. ورغم انقسام الاشتراكيين الديمقراطيين إلى عدة تيارات ( البلاشفة والمناشفة والمناشفة الامميون والاشتراكيون الثوريون والاشتراكيون الثوريون اليساريون الخ ... ) فإنهم رفعوا جميعا راية الثورة الاجتماعية بقيادة الطبقة العاملة وبتحالف العمال والفلاحين كرافعة اجتماعية للثورة المنشودة. لكن الخلافات حول بعض الجوانب فيها سرعان ما تحولت إلى تناقضات كبرى وخاصة عشية أكتوبر 1917 ( هذا دون اعتبار الخلافات الأخرى حول العديد من المسائل الفكرية والسياسية ). ويعكس الجدل القوي الذي قابل البلاشفة وعلى رأسهم لينين بالبقية ( المناشفة والاشتراكيين الثوريين ) الخلاف الحاد حول تأويل الماركسية عند تخصيصها على الواقع الروسي. ولهذا الخلاف أوجه عدة يهمنا منها هنا البعد السياسي على أن نعود لأبعادها الأخرى الاجتماعية الطبقية والاقتصادية في الفصل الموالي.

إن جوهر الخلاف بين البلاشفة ولينين من جهة وبقية الأحزاب السياسية التي تنتسب للاشتراكية الديمقراطية ( أي للماركسية ) من جهة أخرى هو الموقف من البرجوازية ودورها في الثورة ومستقبل الثورة في علاقة بهذه الطبقة.

لقد حسم الصراع الفكري والسياسي بخصوص طبيعة الثورة وعلاقة القوى الاجتماعية فيها، وخاصة علاقة العمال بطبقة الفلاحين وعلاقة هذا التحالف بالبرجوازية الكبيرة، لفائدة البلاشفة. وتجسم ذلك في الانعطاف الذي عرفته السوفياتات منذ أواخر صائفة 1917 إلى جانب البلاشفة الذي وضع حدا تقريبا وبصورة نهائية للتردد الذي شهدته الاستعدادات للثورة وحسم خلافا قديما ما كان له أن يحسم إلا في خضم المعركة الطبقية الطاحنة التي عرفتها روسيا منذ أفريل 1917.

ومالت الجماهير البروليتارية الثائرة بصورة واضحة نحو أطروحة لينين في الثورة الاشتراكية بقيادة تحالف العمال والفلاحين لإقامة " الديكتاتورية الديمقراطية للعمال والفلاحين " أداتها في الحكم المجالس العمالية والفلاحين والجنود كشكل جديد من أشكال السلطة التي ابتدعتها الطبقة العاملة على غرار كومونة باريس. وإذا كانت مهمة الثورة الأساسية هي تحقيق الاشتراكية فإنها في ذات الوقت مدعوة وحدها دون غيرها إلى إنجاز المهمات الديمقراطية التي لم تحققها البرجوازية وإلى تدارك الثغرة التاريخية التي كان تشكو منها روسيا والتي لم تعد البرجوازية مؤهلة للقيام بها في عصر الامبريالية. لذلك اعتبر البلاشفة أن البرجوازية لم تعد معنية بالتحالف السياسي الذي سيقود الثورة بل مطلوب من التحالف الطبقي الجديد القضاء عليها ومواجهة كل مقاومة قد تبديها للحفاظ على نظامها القديم أو لإعادته مهما تشدقت بشعارات ديمقراطية او غيرها.
لقد كانت مهمة الثورة الاشتراكية في روسيا مهمة مركبة ومعقدة في ظل التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية السائدة إذ لم يكن من السهل تغيير البنية الاقتصادية بشكل يسمح بتغيير التركيبة الطبقية للمجتمع أي تحويل طبقة الفلاحين السائدة إلى طبقة عمالية وإدماجها بسيرورة التطور الجديد في روسيا دون تحويل الاقتصاد الروسي من اقتصاد زراعي إلى اقتصاد مصنع من جهة ولا في نفس الوقت كبح نسق تطور الطموحات البروليتارية ليسير على خطى البرجوازية الصغيرة ( فلاحين وموظفين وغيرهم ).

لذلك وكما سبق أن رأينا انطلق مؤتمر السوفيات الثاني ( 26 أكتوبر 1917 ) في بناء السلطة الجديدة عبر سلسلة من الإجراءات الهيكلية وأصدر في ذلك جملة من المراسيم ذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي. وتصب هذه الإجراءات في إرساء نمط الحكم الجديد ونموذج التسيير الديمقراطي للدولة والمشاركة الجماهيرية فيها. وقد عرفت الفترة الأولى من العهد السوفياتي حتى منتصف 1918 أبهى صور الديمقراطية البروليتارية والتجسيم الخالص لدولة الكومونة التي تم تقنين أسسها في الدستور الاشتراكي لعام 1918 والتي قوامها المبادئ التي أعلن عنها لينين في قوله " ينبغي تطوير المبادرة المستقلة للعمال، وكل المستغلين بصفة عامة، وتطوير عملها التنظيمي الخلاق كأوسع ما يكون. ينبغي علينا القطع مع الأفكار المسبقة الحمقاء، الوحشية، السافلة، المقيتة القائلة بأن الطبقات العليا وحدها قادرة على إدارة شؤون الدولة وعلى تطوير تنظيم المجتمع الاشتراكي " ( 1 ).

لكن هذه التجربة لم يكتب لها أن تستمر إلا لبضعة أشهر إذ سرعان ما اندلعت الحرب الاهلية مدعومة بعدوان خارجي كاسح. لم يكن مستبعدا بالنسبة إلى البلاشفة أن ترد البرجوازية الفعل وأن تلجأ للعنف والحرب وكما توقعوا تماما هبت البرجوازية العالمية لنصرة القيصرية ودفعت بجيوشها لحصار روسيا السوفياتية والقضاء على ثورتها. وهنا نجد أنفسنا أمام نفس سيناريو كومونة باريس عدا ما اختلف من التفاصيل. ولئن لم يكن المآل ذات مآل الكومونة إذ فشلت محاولة الانقلاب البرجوازي الدموي واندحر العدوان على أعقابه خاسئا واستمرت الثورة لسنوات أطول فإن نهاية التجربة أعادت طرح نفس الأسئلة التي سبق أن طرحها الشيوعيون بعد انهزام باريس.

لا بد من الاعتراف أن الثورة السوفياتية ظلت تحمل مخلفات تلك المواجهة الدامية على أكثر من صعيد بعد أن حكم عليها التاريخ في نهاية المطاف بالفشل ( ابتداء من المؤتمر العشرين بعد وفاة ستالين ) الذي تعود جذوره العميقة، في رأيي، إلى تلك الحقبة، فترة الحرب الأهلية 1918-1922. وأحاول فيما يلي رصد هذه الأسباب وتجلياتها على امتداد ثلاثين سنة.

1 – مثل اندلاع الحرب الاهلية في روسيا الاشتراكية إيذانا بانتهاء مرحلة وانطلاق أخرى جديدة عرفت تحت ما سمي بـ" شيوعية الحرب " تكاد تكون مختلفة تماما وبصفة جوهرية. لقد أغلق قوس الدولة – الكومونة وحلت محلها الدولة المركزية التي لا يمكن في إطارها تجسيم الرقابة الجماهيرية البروليتارية الشاملة والصافية على جهاز الحكم والمشاركة في تسييرها مثلما هو الحال في النموذج الأول. إن المركزية تعني بالضرورة أسبقية القرارات الصادرة عن الأجهزة العليا والفوقية، أسبقية قرارات من ينوب الجماهير على قرارات هذه الأخيرة. وتبقى الدولة المركزية مهما كانت درجة يقظتها حيال المنازع البيروقراطية عاجزة عن أن تمنع تماما وبصورة باتة إمكانية نشوء بوادر هذه الظاهرة اللصيقة بمنظومة الدواوينية كما يسميها إنجلز. علما وأن قادة السوفياتات – في كل المستويات بلا استثناء – حديثو العهد بتسيير أجهزة الحكم، فهم إما مناضلون معارضون قضوا حياتهم بين السجون والمنافي وفي مناهضة حكم القيصر في السرية وقلة قليلة منهم من تمرّس بالعمل في أجهزة الدولة الرسمية من مواقع معارضة ( في الدوما مثلا ) أو هم مجرد عمال أو في أحسن الأحوال نشطاء في النقابات أو في السوفياتات أو في هياكل تمثيلية أخرى ذات طابع مهني أو تعاوني الخ.. أما الخبراء والمهندسون والتقنيون الذين استعانت بهم الدولة السوفياتية في تنظيم الإنتاج والصناعة فقد ورثوا على العموم تقاليد العمل البيروقراطي عن الجهاز القديم وكانوا على الدوام محل مراقبة من غير المؤكد أنها أتت أكلها في التحكم في ميولاتهم البيروقراطية والتخلص منها. ومهما كان من أمر فقد كان على السلطة السوفياتية الجديدة انتظار وقت طويل للاستعاضة لا فقط عن الأجهزة القديمة بأخرى جديدة وإنما أيضا عن الأساليب القديمة بأساليب جديدة ومختلفة في مجال التنظيم والتسيير.

ومن جانب آخر فإن المجتمع الروسي القديم الذي يهيمن عليه العنصر البرجوازي الصغير والفلاحي على وجه التحديد كان مرشحا لأن يظل عرضة لمؤثرات النزعات البيروقراطية إذ كما يقول لينين أمام ندوة الحزب في موسكو ( 21 نوفمبر 1920 ) " بالنظر لكون المستوى الثقافي لدى فلاحينا وجماهيرنا العمالية لم يرتق إلى مستوى المهمة التي تنتظرنا وبما اننا كنا في نفس الوقت منشغلين بنسبة 99 % بالمسائل العسكرية والسياسية فقد انبعثت فينا من جديد الذهنية البيروقراطية وجميعنا يقر بذلك. إن هدف سلطة السوفيات هي القضاء المبرم على جهاز الدولة القديم كما تم فعلا في نوفمبر 1917 حتى تتحول السلطة للسوفيات ولكننا نعترف في برنامجنا بوجود هذه الظاهرة ونعترف كذلك أن الأسس الاقتصادية الضرورية للمجتمع الاشتراكي لم تتوفر بعد، فالجماهير العمالية والفلاحية مازالت تفتقد الشروط الثقافية والتعليمية الضرورية. ولعل الخطأ يكمن في ان الاحتياجات العسكرية قد استحوذت على نخبة البروليتاريا. لقد أجبرت البروليتاريا على القبول بتضحيات كبرى للدفاع على الثورة، وخسرنا عشرات الملايين من الفلاحين واضطررنا للتعاون مع عناصر متشبعة بالروح البرجوازية عندما لم يتوفر لنا غيرهم. لهذا كان علينا أن نعلن في برنامجنا، في وثيقة هامة كبرنامج الحزب، أن البيروقراطية قد انبعثت من جديد وانه لا بد من مكافحتها بشكل ممنهج. ولا شك أنه ما كان لهذه البيروقراطية في إدارتنا السوفياتية أن تفعل فعلها المضر في منظماتنا الشيوعية، بما أن قيادة الحزب هي في ذات الوقت على رأس الإدارة السوفياتية، وإذا كنا نقر بأن هذا الورم الخبيث، هذه البيروقراطية القديمة قد تسربت إلى جهازنا الشيوعي فمن الطبيعي والواضح أن هياكل حزبنا تحمل عوارض هذا المرض. وبما أن الأمر على هذا النحو فقد أدرجنا هذه المسألة ضمن جدول أعمال مؤتمر السوفياتات واسترعت اهتمام ندوتنا هذه. ومن الأكيد أن هذا المرض الذي اعترفت لوائح ندوة عموم روسيا، بوجوده لا ينحصر فقط في موسكو وإنما هو منتشر في كامل الجمهورية. وهو متأت من صرف كامل اهتمامنا للعمل العسكري والسياسي وإقحام الجماهير الفلاحية بأي ثمن في هذا العمل دون أن يكون بوسعنا القيام بذلك ضمن خطة أوسع خاصة بتطوير ثقافة الجماهير الفلاحية والرفع من مستواها " ( 2 ).

لقد كانت مسألة البيروقراطية منذ الأيام الأولى بعد الثورة محور صراع حاد داخل قيادة الحزب والدولة، صراع شق صفوفها وتحول بسرعة إلى أزمة حقيقية كادت ان تؤدي إلى الانقسام فالانكسار بصورة مبكرة، وأعني هنا ظهور " المعارضة العمالية " التي إن دلت على شيء فإنما تدل على ان قيادات التجربة السوفياتية الفتية، التي كانت تنهل من نفس المبادئ الماركسية العامة، لم تكن متفقة على تصور موحد وتمشي مشترك بل كانت بصدد البحث عن نموذج دولتها الخاصة والسعي إلى بناء تجربتها بالتدرج في ضوء ما يطرأ على الأوضاع العامة الداخلية والخارجية من تطورات وتقلبات. لذلك كان ظهور المعارضة إفرازا موضوعيا تعامل معه لينين بحكمة مزجت بين التفهم والصرامة. فرغم أنه لم ينزعج منها كثيرا بل اعتبر أن " هذه المعارضة ليست سيئة .. وأن أزمة الحزب وهذه المعارضة التي ظهرت لا فقط في موسكو وإنما في كامل أرجاء روسيا تحمل في طياتها عناصر إيجابية بل ضرورية ولا يمكن تلافيها في مراحل التطور الطبيعي للحزب، وفي هذه المرحلة بالذات التي نشرع، بعد أن كنا صرفنا كل جهودنا للمشاكل السياسية والعسكرية، في عهد البناء والتنظيم ونقبل على احتضان العشرات من الادارات البيروقراطية في الوقت الذي لم يرتق فيه المستوى الثقافي للغالبية العظمى من البروليتاريا وجماهير الفلاحين إلى مستوى المهمة المطروحة.." ( 3 ) رغم كل ذلك فإنه لم يخف تبرمه من الاستمرار في التلهي بنزاعات لا طائل من ورائها ومن " الجدالات والاتهامات المتبادلة والتجاذبات " التي كانت طاغية في اجتماعات هياكل الحزب ومنظماته منبها إلى انه " قد حان الوقت لوضع حد لذلك " والكف عن استعمال " حرية النقد " التي تحولت إلى هراء لتعطيل المرور إلى المهمة الجديدة، مهمة " البناء والتنظيم " مهددا بالقول " لن نقبل في المستقبل أي انحراف يجرنا إلى نزاعات لا طائل من ورائها.." ( 4 ).

لقد أكد لينين مرارا وتكرارا أن الحرب الأهلية والعدوان البرجوازي الخارجي، وبالتالي الانصراف إلى معالجة المشاكل السياسية والعسكرية في طور مبكر من تجربة الثورة الاشتراكية، قد ألهي الثورة عن مهمتها الأصلية " تربية الجماهير وتحضيرها لكن لسوء الحظ كنا مجبرين على أن نرمي بما نملك من قوى مخصصة للتنظيم والتحضير، إلى عمل آخر في مجال آخر غير نافع وشاق ومليء بالمخاطر يتطلب الكثير من التضحيات هو الحرب.." ( 5 ).

إن الحرب الأهلية بما ترتب عنها من خسائر مادية وبشرية ضخمة، كما ونوعا، قد عطلت طاقة الـ" نخبة البروليتاريا الواعية " عن مهامها الأصلية وأودت بحياة العديد من أعضائها وكما يقول لينين، تسببت في انحراف التجربة عن مسارها الأصلي دفاعا عن وجودها. لذا يمكننا القول أن الحرب الأهلية والعدوانات الخارجية كانت هي السبب الأول في دخول التجربة السوفياتية، وبصورة مبكرة جدا، في مسار تطور غير طبيعي تحت ضغط ظروف موضوعية وذاتية غير طبيعية ومشوهة ازدادت تعقيدا مع احتدام الصراع الطبقي على النطاق الداخلي والعالمي في ذات الوقت. ذاك ما سعت إليه الرأسمالية العالمية التي تملكها الخوف من " شبح " الثورة الاشتراكية ولم يهنأ لها بال حتى بلغت ما أرادته وهو تخريب هذه التجربة بالحصار من الخارج والتخريب من الداخل. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الاتحاد السوفياتي قضى حوالي عشر سنوات سخر فيها كل خططه لبناء قوته الاقتصادية والعسكرية استعدادا للمواجهة الكبرى التي كانت ملامحها تخيم على الوضع في أوروبا منذ صعود الفاشية والنازية للحكم. كما ينبغي الإشارة إلى سنوات الحرب العالمية الثانية التي دارت رحاها على الأراضي السوفياتي وخلفت فيها أثقل أثار التدمير والقتل. وهي حلقات من الصراع الطبقي السافر بين الرأسمالية العالمية والدولة السوفياتية مارست أشد الضغوط كي تفقد التجربة السوفياتية توازنها وتنزلق منزلقات ما كان لها أن تحدث في ظروف غير مثل هذه الظروف.

2 – كان للثورة البلشفية المظفرة وقع كبير على حركة الطبقة العاملة الثورية في كامل أرجاء العالم وأوروبا على وجه التحديد إذ أعطت دفعا قويا للموجة الثورية التي عقبت الحرب العالمية الأولى. فبعد روسيا شهدت كل من المجر وبولونيا والمانيا ورومانيا وبلغاريا وفي وقت لاحق الصين محاولات ثورية بقيادة الطبقة العاملة كما عرفت حركة التحرر الوطني في البلدان المستعمرة وأشباه المستعمرات مدا مهما أقض مضاجع الرأسمالية العالمية وهدد نظامها الاستغلالي تهديدا جديا لم يسبق له مثيل من قبل. لكن هذه الموجة لم تستمر طويلا وابتداء من منتصف العشرينات دخلت في مسار تراجع عام وتنفست البرجوازية العالمية الصعداء وعاد نظامها تدريجيا للاستقرار رغم الأزمة الاقتصادية الحادة التي ضربت أهم مواطنه، الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا واليابان. ومع ذلك صعدت الرأسمالية العالمية في أعمالها المناوئة للتجربة الاشتراكية الوحيدة وكثفت من مساعيها ونوعتها لمحاصرتها وعزلها عن بقية العالم واستمرت في التحرش بها عسكريا وعولت بالخصوص على محاولات تخريبها من الداخل عبر وكالات الاستعلامات وجمع المعلومات حول نقاط ضعفها ونقاط قوتها واستمالة العناصر المعارضة لنظام السوفياتات ولم تكف عن زرع الجواسيس بالاستناد إلى مجموعات المهاجرين الروس والاوكرانيين من أتباع النظام القديم الذين فروا إلى الغرب حيث شكلوا أحزابا ومجموعات تخريب وتجسس فاحتضنتهم وكالات الاستخبارات ومكاتب الدراسات والفرق الفاشية الصاعدة في أوروبا وأمريكا واليابان المعادية للاشتراكية.

واتخذت الفاشية والنازية في ألمانيا من محاربة الشيوعية والتجربة الاشتراكية السوفياتية العنوان الأبرز لحملاتها الدعائية وبرامجها السياسية للصعود للحكم في إيطاليا وألمانيا وفي البلدان المتاخمة لروسيا الاشتراكية وفي عموم أوروبا واليابان وشنت حملات تحريض واسعة ودخلت في الاستعداد للحرب ضدها. وحتى بعد الحرب العالمية الثانية وسقوط هتلر استمرت البرجوازية العالمية في التآمر على الاتحاد السوفياتي وبلدان الديمقراطيات الشعبية في أوروبا الشرقية فيما يعرف بالحرب الباردة وإن بأشكال جديدة مستحدثة علاوة على الاشكال القديمة المعروفة.

خلاصة القول، لم تشهد البشرية درجة من الحدة في الصراع الطبقي على نطاق عالمي كما شهدته منذ صعود البلاشفة للحكم في روسيا سنة 1917، صراع أتخذ طابعا عدائيا وسافرا بلغ أوجه في الحرب العالمية الثانية التي أودت بحياة أكثر من 50 مليون روح بشرية " نال " الاتحاد السوفياتي منها نصيب الأسد حيث خلف وقوفه ضد الجيوش النازية الغازية أكثر من 27 مليون قتيل.

في مثل هذه الظروف الدولية الصعبة والمعقدة نمت وتطورت التجربة الاشتراكية متأثرة بانعكاسات هذا الصراع ومؤثراته على مجريات الصراع الطبقي داخل التجربة نفسها.

لقد نبه لينين منذ السنوات الأولى بعد الثورة إلى هذه المسألة مؤكدا أن النصر الذي أحرزته الثورة ضد الحرس الأبيض ليس غير نصف انتصار ولا يعني سوى ان الثورة فرضت حقها في الوجود بينما يتعين عليها تحقيق الشطر الثاني الذي يشتمل في ذات الوقت على بناء الاشتراكية في روسيا وحل المعضلات الاقتصادية بشكل يجري على التركيبة الطبقية للمجتمع الروسي تغييرا كاملا وعميقا من جهة وانتصار الثورة في البلدان الرأسمالية في عدد من البلدان الرأسمالية المتقدمة او بعضها على الأقل من جهة ثانية. كما نبه لينين إلى اختلال موازين القوى خارجيا وداخليا في هذه المعركة العسيرة حيث يقول إنه برغم النصر »لا فائدة في أن نثبت أن ليس هناك وجه للمقارنة بين القوة العسكرية للجمهورية السوفياتية الروسية وجميع القوات الرأسمالية، إننا أضعف منهم عشرات المرات بل مئات المرات« وحتى في الداخل ليس هناك مجال للمقارنة » فإننا نواجه فيلق العنصر البرجوازي الصغير الذي يحيط بنا من كل جانب، إننا أقل عددا منهم، نحن قلة صغيرة مقارنة بهذا الجمهور البرجوازي الصغير « ( 6 ) مؤكدا أن المواجهة آتية لا ريب فيها » ...بحيث ستكون المواجهة الأخيرة لا فقط مع الرأسمالية العالمية، فعلى هذا الصعيد ستكون لنا" مواجهة أخيرة " ولكن أيضا مع الرأسمالية الروسية التي ينجبها الاقتصاد الزراعي ويغذيها. وهنا بالضبط سيكون لنا على المدى المنظور معركة لا نستطيع التكهن على وجه الدقة بتاريخ اندلاعها... « ( 7 ).

3 – من جانب ثالث كانت روسيا يوم نجاح الثورة بلدا زراعيا متخلفا لم تدخله الصناعة إلا بدرجة محدودة في كبريات المدن ( بيتروقراد وموسكو ) ولم تشهد فيها قوى الإنتاج التطور الذي عرفته بلدان أوروبا الغربية حيث كان العنصر البرجوازي الصغير ( الفلاحون خاصة ) هو العنصر الطاغي على التركيبة الطبقية للمجتمع. وفي هذه الحال كان مطروحا على الثورة إنجاز مهمة مركبة ومضاعفة، الشروع فورا في بناء أسس الاشتراكية وفي ذات الوقت توسيع قاعدة التراكم بلغ في عهد السياسة الاقتصادية الجديدة السماح بالتبادل الحر على نطاق واسع والسماح بالاستثمار الأجنبي في بعض القطاعات. لقد كانت المهمة تقتضي ضرورة تحويل الاقتصاد الروسي إلى اقتصاد مصنع وتغيير تركيبة المجتمع من مجتمع يهيمن عليه العنصر البرجوازي الصغير، الفلاح والمزارع، إلى مجتمع ذي أغلبية بروليتارية وذلك من أجل التسريع باستكمال بناء القاعدة الاقتصادية والاجتماعية لإقامة الاشتراكية. غير أن ظروف الحرب ( الحرب الاهلية ومواجهة التدخل العسكري الخارجي ) رمى بالبلاد في أزمة اقتصادية حادة عطل هذا المسار وخلق أكثر من داع لاندلاع انتفاضات واحتجاجات وتصاعد نسق الهجرة المضادة ( من المدن إلى الأرياف ) خاصة في أوساط الفلاحين الذين تضرروا من إجراءات " شيوعية الحرب ". فبعد أقل من ثلاثة سنوات من سياسة تأميم وسائل الإنتاج والمصانع والشركات ومنع التجارة الخاصة واستبدالها بالتوزيع المركزي للبضائع وإلغاء النقود كوسيلة للمعاملات التجارية وفرض العمل الاجباري ومصادرة ما زاد عن حاجة الفلاحين من محاصيلهم الزراعية انهار النشاط الاقتصادي في روسيا وعم الفقر وتفاقمت البطالة وظهرت المجاعة وبناء على ذلك بدأت تدب في صفوف جماهير الفلاحين مشاعر الخيبة والريبة في الثورة وفي مصداقية البلاشفة. بل أكثر من ذلك انتشرت، كما سبق أن أشرنا إليه، مظاهر الاحتجاج وأعمال التمرد في أكثر من جهة.

لذلك وفي المؤتمر العاشر للحزب تقدم لينين بخطة لإنقاذ الوضع تمثلت في " السياسة الاقتصادية الجديدة " لتنفيس الأزمة الاقتصادية وتخفيف الوطأة على جماهير العمال والفلاحين على حد السواء. وقد برر لينين هذه السياسة – وهو محق في ذلك – قائلا " الحقائق امامنا، روسيا مهددة بالمجاعة وكل منظومة "شيوعية الحرب" قد دخلت في تصادم مع مصالح الفلاحين.. لقد اندفعنا أكثر من اللازم في تأميم التجارة والصناعة وفي تجميد التبادل الداخلي. فهل من الممكن أن نعيد بدرجة ما حرية التجارة؟ نعم، من الممكن. إنها مسألة تقدير. يمكننا أن نتراجع شيئا ما دون أن نهدم ديكتاتورية البروليتاريا..."( 8 ). لقد أدرك لينين الخطر الذي كان يحدق بمستقبل الثورة معترفا بخطأ البلاشفة في " سوء تقدير موازين القوى ما بين طبقتنا والطبقات التي تقرر مع طبقتنا مصير الجمهورية بحيث يتعاون معنا تارة ويحارب ضدنا تارة أخرى ".

إن هذه السياسة، كما قال لينين، أمر فرضه الواقع لذلك اعتبر " هذه الرأسمالية ضرورية لأوسع جماهير الفلاحين وللرأس مال الخاص الذي ينبغي أن يمارس التجارة بشكل يلبي حاجات الفلاحين " ( 9 ) وتلبية حاجات الفلاحين هو المدخل الوحيد لضمان استمرار التحالف الطبقي بين العمال والفلاحين الذي من دونه ما كان للثورة أن تنجح وما كان للشيوعيين أن يمكثوا في الحكم إلا لبضعة أشهر فقط. وهدف " السياسة الاقتصادية الجديدة " هو كما حدده لينين هو " إقامة تحالف بين الاقتصاد الجديد الذي شرعنا ببنائه ( بشكل سيء وبطريقة غير صائبة ولكننا بدأنا فيه على أساس اقتصاد اشتراكي جديد تماما وعلى أساس انتاج وتوزيع جديدين ) واقتصاد المزارعين الذي يمارسه ملايين وملايين من المزارعين " ( 10 ).

غير أن هذه السياسة ولئن ساعدت على إخراج البلاد من الأزمة وسمحت باستئناف الحياة الاقتصادية والتنمية فإنها في الواقع منحت للرأسمال الخاص – خاصة في الريف – فرصة للانتعاش والتراكم الذي انتهى بظهور طبقة الكولاك الجديدة ( كبار البرجوازيين في الريف ). وهو ما لم يكن غائبا على لينين والحزب البلشفي. فقد حذر لينين مرارا وتكرارا من هذا المآل وهو الذي كان يدرك أن الشيوعيين بصفتهم " أقلية في محيط من الرأسماليين الصغار " لا يمكنهم ولن يمكنهم أن يكسبوا " الاختبار " و" المنافسة " ما لم " يتعلموا إدارة شؤون الاقتصاد " وأن " يعيدوا تعلم درسهم من بدايته " ولا أن " يغتروا بصفتهم الشيوعية " ويذهب في ظنهم أنهم يلمون بكل شيء فقط لكونهم شيوعيين ولكونهم يمسكون بالحكم بين أيديهم. ولم يخف لينين اعترافه بأن الشيوعيين مازالوا متخلفين مقارنة بالرأسماليين في هذا المجال بالذات رغم مسكهم بالسلطة السياسية بصورة كاملة ورغم ما في حوزتهم من إمكانيات اقتصادية ضخمة.

هذه هي الظروف الموضوعية العامة في روسيا وعلى النطاق الدولي التي حفت بالثورة وبالفترة الأولى للتجربة الاشتراكية السوفياتية والتي أثرت في مجرياتها وقراراتها وتسببت لها في مصاعب وتعقيدات جمة منعتها من ان تشق طريقها كما ارتآها البلاشفة في بدايتها وفي كلمة رسمت لها سياق تطورها اللاحق لعشرات السنين من ذلك أن :
- التركيبة الاجتماعية الروسية ( طغيان العنصر البرجوازي الصغير وضعف عدد البروليتاريا وتأخر الاقتصاد الرأسمالي ) فرض على التجربة بأن تمر بمرحلة انتقالية سمح فيها للرأسمال الخاص بالنشاط والنمو بشكل عطل السير السريع نحو بناء الاشتراكية
- فشل البروليتاريا في الظفر بالسلطة في البلدان الرأسمالية التقليدية في أوروبا منح البرجوازيات الأوروبية فرصة لإعادة ترتيب أمورها واستعادة عوامل استقرار نظامها واسترداد عافيته ومن ثمة العودة للتخطيط لمحاصرة الاتحاد السوفياتية والاعداد لعدوانها العسكري ضده ومحاولة تقويضه فضلا عن مساعي تخريبه من الداخل.
- العدوان البرجوازي الخارجي والحرب الأهلية اضطر السلطة السوفياتية إلى إعادة صياغة أسلوب الحكم بالتركيز على جهاز الدولة الممركزة بدلا عن دولة الجماهير الحرة من جهة وإدغام جهاز الحزب البلشفي في مؤسسات الدولة ونشوء أسباب تسرب البيروقراطية لمؤسسات الحكم من جهة ثانية والسقوط بالضرورة في تضخم هذه المؤسسات الأمر الذي لا يسمح بتيسير عملية انحلال جهاز الدولة بل ساعد على انتفاخها أكثر فأكثر بغاية تقوية قدراتها على مواجهة محاولات التخريب الداخلي أو العدوان الخارجي من جهة ثالثة.
- ظهور خلافات حادة داخل الحزب وقيادات الدولة حول المقاربة المثلى للتعاطي مع هذه الإشكاليات المعقدة. وإذا كان وجود لينين على رأس الحزب والدولة في بداية التجربة قد خفف بشكل كبير من أثار هذه الخلافات وتحكم بدرجة كبيرة في الصراعات الناجمة عنها فإن وفاته المبكرة قد خلقت فراغا كبيرا فتح المجال لصراع ظاهره صراع مقاربات ورؤى وباطنه تسابق نحو خلافة لينين في موقع القيادة.
- خصوصية التجربة التاريخية للحزب البلشفي الذي أنبنى عند انطلاقته على توحيد مجموعات وشيع " اشتراكية ديمقراطية " بلورت أسس وحدتها من خلال تجربة جريدة الايسكرا التي مهدت للمؤتمر الثاني للحزب سنة 1903 وظلت مع ذلك تحمل في طياتها عناصر خلاف فكري عميق وصراع سياسي حاد حول طبيعة الثورة الاجتماعية في روسيا والطريق إلى إنجازها انعكست لاحقا بعد الظفر بالحكم في الرؤية لتنظيم الدولة الجديدة وسبل تسييرها ومنهج بناء الاشتراكية.

إن تجربة السوفيات التي نشأت في مثل هذه الظروف وبمثل هذه الخصائص وخضعت على مدى فترة بنائها لمثل هذه الاكراهات انجرت من حيث شاء قادتها أحيانا ومن حيث لم يكن باختيارهم أحيانا أخرى إلى اقتراف جملة من الأخطاء شكلت في مسارها الطويل وتراكمها أساسا لانحرافها عندما اكتملت شروط الانحراف وظروفه. وهي أخطاء يتصل بعضها ببناء الاقتصاد الاشتراكي وسنعود إلى ذلك في الفصل الثاني من هذا الكتاب ويتعلق بعضها الآخر بنظام الحكم ونمط " الديمقراطية البروليتارية " التي كرسها. ولئن كان من الممكن رصد بعض هذه الأخطاء منذ الفترات الأولى للتجربة إلا أنها تكثفت وبرزت بصورة أوضح خلال السنوات الثلاثين. ففي هذه الفترة وقعت السلطة السوفياتي أو إن جاز القول " تورطت " في تناقض بين عنصرين اثنين متشابكين ومتباينين في نفس الوقت هما :
- من جهة سوء تقدير التحولات التي طرأت على البنية الاجتماعية والتركيبة الطبقية في المجتمع السوفياتي في الفترة الممتدة بين 1924 و1936 ونلمس ذلك في التحليل الذي قدمه ستالين في خطابه أمام المؤتمر الثامن الاستثنائي للسوفياتات في الاتحاد بتاريخ 25 نوفمبر 1936 بخصوص مشروع دستور الاتحاد السوفياتي الجديد حيث يقول بعد أن استعرض التحولات التي شهدتها الطبقة العاملة وطبقة الفلاحين والانتلجنسيا »طبقا للتغيير الحاصل في المجال الاقتصادي فإن التركيبة الطبقية قد تغيرت أيضا « ( 11 ) ليضيف في نفس الخطاب »في الاتحاد السوفياتي هناك طبقتان فقط العمال والفلاحون اللتين لا فقط ليست لهما مصالح متضاربة بل صديقة». وبناء على ذلك تخلص المجتمع السوفياتي – كما يوحي به هذا التحليل – من صراع الطبقات التي أصبحت تنحصر في طبقتين كما قلنا هما البروليتاريا والفلاحين واللتين لم يعد بينهما تناقض أو حتى مجرد تنافر في المصالح والأهداف. بلغة أخرى اتجهت الدعاية الرسمية إلى التأكيد على ان الاتحاد السوفياتي قد بلغ ذروة الطور الأول من الشيوعية أي حقق الاشتراكية بصورة كاملة ونهائية واستوفى الشروط اللازمة للمرور للطور الأعلى من الشيوعية. يقول ستالين " هذا يعني أن استغلال الانسان للإنسان قد تم القضاء عليه وأن الملكية الاشتراكية لوسائل الإنتاج تم تثبيتها كأساس لا يتزحزح للمجتمع السوفياتي. إن من نتائج هذه التغييرات في اقتصاد الاتحاد السوفياتي هو أن أصبح لدينا اقتصاد جديد اقتصاد اشتراكي لا يعرف الأزمات ولا البطالة ولا الفقر ولا الخراب، اقتصاد يوفر للمواطنين كل شروط العيش الكريم والثقافة" ( 12 ). ويتابع في نفس السياق » هذا يعني أن البروليتاريا في الاتحاد السوفياتي أصبحت طبقة جديدة تماما. إن الطبقة العاملة في الاتحاد السوفياتي التي محقت نظام الاقتصاد الرأسمالي وثبّتت الملكية الاشتراكية لوسائل الإنتاج وأدواته وتوجه المجتمع السوفياتي على طريق الشيوعية» ( 13 ).

ولو أخذنا جدلا بهذا التحليل والاستنتاجات المترتبة عنه يبقى السؤال حول ما إذا كان ذلك يعني ان السلطة السوفياتية والمجتمع الاشتراكي قد تحصن تماما ضد كل إمكانية اختراقه وعودة الرأسمالية. قطعا لا لأن تخلف الوعي يمكن أن يعطل التطور الذي يحرزه الناس في ظروف عيشهم الاقتصادية والاجتماعية حتى وإن شهدت الأوضاع الطبقية والاقتصادية تحولات عميقة مثلما حدث في الاتحاد السوفياتي. إن تغيير الذهنية يستغرق وقتا طويلا وأطول مما تتطلبه عملية تغيير الظروف المادية والاجتماعية ذلك أن القضاء على بقايا الثقافة والقيم القديمة ( قيم الثقافة البرجوازية والأوهام الدينية وغيرها ) المنتشرة بين الجماهير عملية معقدة وصعبة ولا يمكن البتة القطع بأن مجرد القضاء على الطبقة الرأسمالية يؤدي بالضرورة وبصورة أوتوماتيكية إلى القضاء على ثقافتها التي ترسخت على مدى زمن طويل في الأذهان والتقاليد والمعتقدات الكثيرة. لذلك يبقى من الضروري اليقظة حيال ما يعتمل في نفوس الأفراد وخصوصا أولئك الذين يحتلون مواقع مهمة في أجهزة الدولة والإدارة ومؤسسات الإنتاج بحكم ما تمارسه عليهم وظائفهم من ضغوط وإغراءات لتحويل جزء من الإنتاج الاجتماعي لخاصة أنفسهم والانتفاع بصورة ملتوية بمنافع مرتبطة بهذه الوظائف. وهو ما يمثل على الدوام تهديدا للقيم الجماعية الجديدة التي يعمل النظام الاشتراكي على تعميمها بين الناس بما في ذلك لدى جموع العناصر المسؤولة في الدولة والحزب وفي صفوفه القيادية العليا.

- ومن جهة ثانية ازدادت في الاتجاه المعاكس من ذلك قوة الدولة كجهاز كان يفترض بالنظر للتحولات المذكورة أعلاه والتي طرأت على الاقتصاد السوفياتي وعلى التركيبة الطبقية للمجتمع ان تتجه نحو الاضمحلال التدريجي. لكن بالعكس من ذلك سارت الدولة كجهاز نحو التضخم من حيث تفريع مؤسساتها من فوق إلى تحت وبصورة أفقية أيضا وفي هذا الخضم اشتد أسلوب المركزة أكثر فأكثر وتضخم حجم بعض الأجهزة وخاصة منها جهاز " القيبيو " Guepeou ( أي البوليس السياسي ) وتواصلت عملية " إدغام " جهاز الحزب بجهاز السوفياتات وفق مقولة " الحزب أداة ديكتاتورية البروليتاريا " ( 14 ) التي حفلت بها الدعاية الفكرية والسياسية في ظروف سابقة ( طوال سنوات العشرين ). إن قيادة الحزب الشيوعي للمجتمع الاشتراكي مسألة غير قابلة للمراجعة إذ بدونه من الوهم الحديث عن ممارسة العمال لديكتاتوريتهم الواعية والمنظمة لكن هذه القيادة لا يمكن أن يكتسبها الحزب بمقتضى أحكام قانونية وإنما بالنضال في صفوف الجماهير والالتحام المتين بها وبتشريكها فعليا في صياغة القرارات والبرامج والاحتكام لها في سنها. ومن جهة أخرى فإن تداخل الدولة والحزب يحول هذا الأخير إلى حزب/الدولة بشكل تتداخل صلاحيات هذا في ذاك وبشكل يحول الدولة إلى أداة في يد الحزب أي الطليعة المنظمة التي تتخذ من موقعها هذا مرتكزا لإملاء تصوراتها وخياراتها دون اعتبار لدور الجماهير غير المنضوية تحت راية الحزب. وغني عن القول أن الحزب هو في كل الأحوال وفي كل أطوار الثورة وبناء الاشتراكية الطليعة الواعية والمنظمة وموحدة الإرادة ولا يمكن بأي حال أن يكون إطارا لكل الجماهير. وقد حدد لينين بصورة مختصرة ومعبرة دور الحزب عند حديثه عن " السياسة الاقتصادية الجديدة قائلا " إن هذا المخطط الاقتصادي وحده يفرض نفسه ومهما كان الثمن لكل الجمهورية. وعلى الحزب الشيوعي أن يكيف بمقتضاه كل دعايته وتحريضه ومجمل نشاطه " ( 15 ) وهو ما يعني أن دور الحزب ليس في إدارة تنفيذ المخطط وإنما في الدعاية والتحريض من أجل كسب الجماهير العمالية له وإقناعها به.
إن تداخل أدوار الدولة والحزب يكتسي أهمية بالغة في ظل تحجير تنظيمات سياسية أخرى ( وهو ما سنتعرض له فيما يأتي من هذه الفقرة ) لأن عدم احترام الفواصل بينهما وحصر حق التنظم في الحزب الشيوعي واختزال ديكتاتورية البروليتاريا في ديكتاتورية الحزب من شأنه أن يعطي لكوادره وقياداته سلطة متزايدة ويغيب الجماهير تدريجيا وبذلك تتلاشى مراقبة الجماهير للقيادات ويفسح المجال أمام هذه الأخير لتفرض رؤاها وإرادتها. ويكتسي هذا الأمر خطورة خاصة عندما تنحرف القيادات فتكون الجماهير، التي تم تهميش دورها، عاجزة عن التصدي لهذه الانحرافات.
بطبيعة الحال لا يمكن إثارة هذه المسألة في تجربة الاتحاد السوفياتي بمعزل عن الظروف السائدة آنذاك ودون أخذها في الاعتبار وهي ظروف اتسمت أساسا باشتداد التهديدات الخارجية في ظل صعود النزعات الفاشية في أوروبا علاوة على التحرشات البرجوازية التقليدية وكذلك باستمرار محاولات التخريب من الداخل ومساعي اختراق أجهزة الدولة السوفياتية والحزب البلشفي.
ولئن لا يمكن تبرير المسار الذي سار فيه نموذج " الديمقراطية البروليتارية " السوفياتية بالظروف الداخلية والخارجية التي حفت بها فمن الموضوعية بمكان ان ننظر إليه ( أي المسار ) في سياقه التاريخي والاكراهات التي سلطتها الحاجة لحماية التجربة من التهديدات الخارجية والتخريب الداخلي.

إن وقوع التجربة السوفياتية رهن هذا التناقض لم يمنع القيادة البلشفية من محاولة فكه ويمثل الدستور السوفياتي الجديد أحد الأسلحة التي تم اعتمادها للخروج من قيد هذا التناقض. وكما سبق أن قلنا يندرج وضع دستور 1936 ضمن مسعى عام لإدخال إصلاحات على منظومة الحكم وتوسيع مجال الحرية فيه ليتجاوز مجال حرية الانتخاب ( تغيير نظام الترشح وإرساء الانتخاب السري ) إلى الشروع في إعادة الاعتبار لدور الجماهير العمالية في تسيير مؤسسات الحكم ( السوفياتات ) على درب العودة لمنظومة " الدولة / الكومونة. غير أنه لا بد من الاعتراف أن هذا الجهد لم يؤت أكله ولم يجر التغيير العميق عما تعودت عليه هذه الأجهزة التي وقعت في المستوى الجهوي والقاعدي تحت سيطرة نواة نومونكلاتورا بدأت بالتشكل وتصدت بطريقتها لمحاولات ستالين في دمقرطة الحياة السياسية. وأعني بذلك القيادات الجهوية للحزب التي استحكمت بأجهزة السوفياتات ووقفت ضد الإصلاحات المشار إليها خشية فقدان مواقعها. وقد كشفت الارشيفات التي تم فتحها عن الاعمال التي قام بها الكتاب العامون للحزب في الجهات من أجل تعطيل تفعيل الإصلاحات المذكورة.
ولقائل أن يقول هل يمكن تصديق هذه المعطيات في ظروف كان ستالين والقيادة البلشفية تتمتع بالسلطة الكافية لتفكيك المساعي المضادة لهم؟
لقد ارتكز عدد من القادة الجهويين على الصراع الدائر ضد محاولات الاختراق والذي كانت القيادة المركزية تحتاج فيه لمساعدتهم كي يمارسوا ضغوطهم في اتجاهين اثنين، من جهة تأكيد موالاتهم عبر إعداد قائمات مضخمة في العناصر التي تحوم حولها شبهة المعارضة الترتسكية – الزينوفيافية والتورط في أعمال التخريب من أجل كسب ثقة القيادة وبالتالي تثبيت مواقعهم ومن جهة أخرى كبح مسار تحرير الحياة السياسية بدعوى الدفاع عن السلطة السوفياتية وحمايتها عبر المحافظة على أسلوب الحكم المراد إصلاحه. ولعبت مخاطر التهديد الخارجي دورا كبيرا في تبرير توجهاتهم وأضفت على مناوراتهم نوعا من " المشروعية ".

هذه هي الأجواء العامة التي سمحت بتسرب عناصر إلى مواقع السلطة جهويا ومحليا وهي ذات الأجواء التي شكلت قاعدة لظهور ممارسات منافية للديمقراطية ودافعا لتشريع إجراءات سياسية خاطئة تتعارض مع جوهر الماركسية. غير أن تفهم الظروف الصعبة، على الصعيد الدولي وداخل الاتحاد السوفياتي، لا يمكن أن تبرر الأخطاء التي مارستها السلطة السوفياتية ولا تسمح لدارس موضوعي غيور على التجربة الاشتراكية السوفياتي أن يبرئ ستالين، بصرف النظر عن مشاعر المحبة أو الكره حياله، من هذه الأخطاء التي يرقى بعضها إلى نوع من الانحراف ولا أن ينزع عنه المسؤولية مهما كان قدر هذه المسؤولية. فستالين الذي أمّن استمرار التجربة في أجواء صاخبة داخليا ومتقلبة على الصعيد الدولي والذي نال ثقة بقية أعضاء القيادة البلشفية في مختلف موجات الصراع الحاد والدامي أحيانا بقدر ما يستحق التقدير فإنه لا محالة يتحمل المسؤولية في الأخطاء والانحرافات التي شابت هذه التجربة باعتباره أيضا كان قائد هذه المرحلة بلا منازع.

فعلاوة على التناقضات التي أشرنا إليها أعلاه فإن عدم قدرة القيادة على التفطن مبكرا وسريعا لعناصر الضغط التي تشكلت في القيادات الحزبية على مستوى الجمهوريات يعد خطا لا يمكن تبريره حتى وإن كان بدافع مراعاة الموازنات داخل الحزب والدولة مقابل الحفاظ على وحدة الحزب في وجه الخصم الأساسي والمؤامرة التروتسكية الزينوفيافية في الداخل والعدو المباشر أي التهديد الامبريالي الخارجي. وفي هذا الإطار يعد القرار المعلن سنة 1936 بتقنين منع حق التنظم الحزبي خارج الحزب البلشفي خطأ نظريا وسياسيا فادحا.

من المهم جدا أن ينص الفصل 125 من دستور 1936 على ما يلي " طبقا لمصالح العمال ومن أجل تمتين النظام الاشتراكي يضمن القانون لمواطني الاتحاد السوفياتي حق التعبير وحرية الصحافة وحرية الاجتماع وحرية تنظيم المواكب والمسيرات في الشارع ..." ( 16 ) ولا يقف عند دسترة هذه الحقوق بل يضيف لها " " هذه الحقوق مضمونة ويسخر للعمال ومنظماتهم المطابع ومخزونات الورق والمقرات العمومية والأنهج ومصالح البريد والبرق والهاتف وكل الشروط المادية الأخرى لتجسيم هذه الحقوق" ( 17 ) ولكنه يصمت على حرية بعث الأحزاب السياسية بما في ذلك في الفصل 126 المخصص لحرية التنظم الذي ينص على ما يلي " طبقا لمصالح العمال ومن أجل تطوير مبادرة الجماهير الشعبية في مجال التنظيم والنشاط السياسي فإن حق التنظم في منظمات اجتماعية : نقابات مهنية واتحادات تعاونية ومنظمات شبابية ورياضية وثقافية وتقنية وعلمية ومنظمات للدفاع مضمون أما العناصر الطلائعية والأكثر وعيا من العمال ومن الشرائح الكادحة الأخرى فتنتظم في الحزب الشيوعي للاتحاد السوفياتي وهم الطليعة في النضال من أجل تمتين النظام الاشتراكي وتطويره ويمثلون النواة القيادية لكل منظمات العمال الاجتماعية والدولة "( 18 ).

ويكتسي هذا الخطأ خطورة خاصة عندما يقع تحويله إلى مبدأ عام حيث يقول ستالين في نفس الخطاب الذي أشرنا إليه أعلاه أمام المؤتمر الثامن الاستثنائي للسوفياتات في الاتحاد بتاريخ 25 نوفمبر 1936 ردا على النقود الموجهة للدستور الجديد بخصوص مسألة حرية بعث الأحزاب السياسية " أما بخصوص حرية الأحزاب السياسية فلنا وجهات نظر مختلفة بعض الشيء. إن الحزب جزء من الطبقة العاملة، فصيله المتقدم. وبالتالي فإن حرية الأحزاب لا يمكن ان توجد إلا في المجتمعات التي بها طبقات متضادة لها مصالح متعارضة بل ومتناقضة لا يمكن التوفيق بينها. في المجتمعات التي يوجد فيها مثلا رأسماليون وعمال، ملاكون عقاريون ومزارعون، الكولاك والفقراء الخ ... ولكن في الاتحاد السوفياتي لم يعد هناك طبقات من قبيل الرأسماليين والملاكين العقاريين والكولاك الخ ... في الاتحاد السوفياتي هناك العمال والفلاحون اللذين ليست لهما مصالح متنافرة ومتناقضة بل بالعكس هما طبقتان صديقتان. وبالتالي ليس هناك من موجب لوجود عدة أحزاب سياسية وحرية أحزاب. ففي الاتحاد السوفياتي ليس هناك من أرضية إلا لحزب واحد هو حزب الشيوعيين المدافع الأمين عن مصالح العمال والفلاحين. وليس هناك أي شك في أنه يدافع كما ينبغي عن مصالح هذين الطبقتين..." ( 19 ).

إن وجود الحزب البلشفي وحده على الساحة السوفياتية هو ظاهرة نجمت عن التطور الخصوصي لأوضاع الثورة الروسية ولا يمكن أن يكون مبدأ عاما ناهيك وأن الثورة شهدت مشاركة عدة أحزاب تنتسب للماركسية – أو تدعي ذلك على الأقل – ومنها من شارك في الحكومة الأولى الناجمة عن المؤتمر الأول للسوفياتات في أكتوبر 1917 ومنها من أسهم بالبرنامج الزراعي في برنامج هذه الحكومة ( الجناح اليساري للاشتراكيين الثوريين ) ولو لم تحمل هذه الأحزاب ( الاشتراكيون الثوريون والمناشفة ) السلاح في وجه الثورة ولو لم تبارك تمرد جنرالات الحرس الأبيض لظلت ربما ولفترة أطول طرفا في الحكم خلال السنوات الأولى بعد الثورة وفي أقل الأحوال لحافظت على وجودها في الساحة السياسية الروسية. فهذه الأحزاب لم تكن في الأصل، بشهادة لينين والبلاشفة، تعبر عن مصالح البرجوازية الكبيرة ولم يكن مطروحا بالتالي منعها من الوجود حالما تمت الإطاحة بكبار الرأسماليين والملاكين العقاريين في روسيا. لقد كانت تعبيرات برجوازية صغيرة تتغلف بغلاف اشتراكي وتدعي الماركسية. لكن وبما أنها وضعت نفسها خارج سياق المسار الثوري فقد حتمت مواقفها المعادية لتقدم الثورة إزاحتها ومنعها لأسباب سياسية لا من منطلق مبدئي عام. وقد كان موقف البلاشفة سليما وفي محله.

وبصرف النظر عن هذه الحالة فإن حصر مسألة حرية تكوين الأحزاب السياسية سنة 1936 في الأحزاب الرجعية الممثلة للطبقات القديمة ( البرجوازية والكولاك الخ ... ) لتبرير عملية المنع موقف خاطئ من الناحية النظرية وله تبعات سياسية سيئة. فإذا كان فعلا مطروحا – وبتمام الصواب – منع أي حزب يمثل مصالح الطبقات القديمة المطاح بها فإن مسألة حرية الأحزاب يمكن أن تطرح للطبقة العاملة نفسها لأنه من الممكن أن تكون لهذه الطبقة – حتى في وجود الحزب الشيوعي السوفياتي – تعبيرات سياسية أخرى غير الحزب البلشفي تختلف عنه في بعض التقديرات السياسية بخصوص كيفية إدارة شؤون البناء الاشتراكي أو قد تتبنى تصورات تنظيمية غير تصور الحزب البلشفي. ومن هنا فإن يصبح الاعتقاد أن أي رغبة في بعث حزب جديد حتى وإن كان يتبنى الاشتراكية وديكتاتورية البروليتاريا هو بالضرورة دعوة إلى العودة بالاتحاد السوفياتي إلى الرأسمالية هو موقف خاطئ وتعميم نظري متعسف ومنافي للمبادئ الماركسية.

وعلاوة على ذلك فإن منع حرية بعث أحزاب بصورة إطلاقية في وقت مازالت فيه طبقة الفلاحين وشريحة الانتلجنسيا – حتى وإن كانتا حلفتين للطبقة العاملة – تمثلان مكونا مهما في المجتمع السوفياتي يفترض أن يكون الحزب البلشفي – طليعة الطبقة العاملة السوفياتية – هو المعبر الوحيد عن الفلاحين والانتلجنسيا ولا أحد سواه وهو افتراض متعسف على الحقيقة والمنطق أيضا.
لذلك فلئن كان من السليم أن يقع منع انبعاث أحزاب جديدة ممثلة لبقايا الطبقات القديمة فإن سحب هذا القرار على الطبقات الجديدة الماسكة بالسلطة وسد الباب أمام إمكانية منحها حق التعبير المنظم خارج الحزب الشيوعي السوفياتي هو في الحقيقة حرمان الشعب الكادح من حقه في إدارة شؤون المجتمع والحكم بشكل ديمقراطي ومتحرر مما قد يفرضه عليه " النمط " البلشفي الوحيد والأوحد.
وفوق كل ذلك فإن القول بتخلص المجتمع الروسي من الطبقات الاستغلالية القديمة بشكل يوحي بأنه لم تعد يشقه الصراع الطبقي وبات ينعم بالوئام التام بين العمال والفلاحين والانتلجنسيا تحت قيادة الطبقة العاملة يعني فيما يعني وأن المجتمع الروسي قد دخل بعد إلى " الطور الأعلى من الشيوعية " الذي يفترض انطلاق مسار الاضمحلال التدريجي للدولة والحزب على حد السواء لا مزيد تقوية أركان الحزب ومنحه – بالقانون – فرصة الهيمنة على الحياة السياسية باعتباره الحزب الوحيد المسموح ببقائه ونشاطه.
ولقد تأكد تاريخيا وأن هذا القرار الخاطئ كان عاملا من عوامل تشكل " نخبة " بيروقراطية في أجهزة الدولة استغلت تواجدها على رأس هيئات الحزب الجهوية والمركزية لتحكم سيطرتها على أجهزة الحكم وتستعمل الموقع المميز للحزب للانحراف بالتجربة وتخريبها من الداخل وكذلك لمحاربة كل محاولات التصدي لها. ونعتقد أنه لو كان متاحا للطبقة العاملة وعناصرها الثورية ان تنتظم بصورة مستقلة عن الحزب حينما وقع بين براثن خروتشوف لأمكن لها ان تتصدى له في ظروف أنسب وبفاعلية أكبر. ومعلوم أن هذا الأخير كان استعمل شعار " حماية الحزب " وتطهير صفوفه هذا الشعار الذي ترسخ كمقولة مسلم بصحتها في الثقافة السياسية السائدة منذ سنوات طويلة – وبالأخص بعد دستور 1936 – كي يحاصر بعض جيوب المقاومة التي ظهرت وحاولت التصدي لأكاذيبه التي كشفت عنها الارشيفات السوفياتية لاحقا (20).
في السياق نفسه صمت دستور 1936 عن حق العمال في ممارسة الاضراب رغم أنه لم يمنعه صراحة. ولكن هذا الصمت قنن واقعا يعتبر فيه الإضراب إخلالا بـ" الانضباط في العمل " المنصوص عليه في القوانين كواجب على كل عامل ( الفصل 130 من دستور 1936) ( 21 ). وللتذكير كان المؤتمر الحادي عشر للحزب البلشفي ( مارس – أفريل 1922 ) اعترف للعمال في أحد مقرراته بالحق في الاضراب وتبنى المؤتمر الخامس لنقابات عموم روسيا السوفياتية ( سبتمبر 1922 ) هذه اللائحة. لكن ولئن تم الاعتراف بهذا الحق فقد جاء في المقرر المذكور أنه " على الطبقة العاملة أن تدرك أن اللجوء للإضراب في دولة بروليتارية لا يمكن تفسيره إلا بانحراف الدولة " وأن المفاوضات بين العمال ومؤسسات الإنتاج هو السبيل الوحيد العادي لفض النزاعات التي يمكن أن تنشأ في مواطن الإنتاج ولذلك يتحتم بعث لجان التحكيم. وقد جدد المؤتمر السادس لنقابات عمال روسيا ( 1924 ) في أحد محاضر جلساته هذه الفكرة حيث جاء فيه حول مسألة الإضرابات العمالية " لا يمكن القبول بالإضراب في مؤسسات الدولة في الاتحاد السوفياتي كأمر طبيعي لفض النزاعات المهنية. وإن حصل ذلك فمعناه أن جهاز الدولة قد انحرف وأصبح بيروقراطيا ..." ولئن اعترفت مخرجات هذه المؤتمرات بدور النقابات في الدفاع عن مصالح العمال في مجال الأجور فإنها في ذات الوقت دعت النقابات للعب دورها في التشجيع على الإنتاج من منطلق الارتباط الوثيق بين الظروف المادية للعمال وأوضاع الإنتاج في مؤسسات الصناعة المملوكة من الدولة. ومع تطور الخطط التنموية والنجاحات المحرزة في مجال التصنيع ومشركة الفلاحة تحول حرص النقابات على المساهمة في هذه النجاحات ودعم هذه المنجزات إلى عامل من عوامل طمس نزاعات الشغل وكبح نزعة اللجوء للإضراب الذي بات من الناحية السياسية شبه ممنوع. وينبغي القول أيضا أن أعمال التخريب وتعطيل الانتاج التي نظمتها " المعارضة التروتسكية " ( تخريب المنشآت والمناجم ) ( 22 ) كانت شوشت على النضالات المشروعة وخلقت مناخا من الريبة في الاحتجاجات العمالية الشرعية بشكل زاد في تشدد السلطة السوفياتية حيال ما شهدته بعض القطاعات والمؤسسات العمالية من اضطرابات. ولكن لا شيء من هذا وذاك من الاعتبارات يمكن أن يبرر منع حق الاضراب ولا الاحجام عن تحصينه بالقانون ( أي في الدستور ) حتى وإن أصبحت الطبقة العاملة هي الطبقة السائدة اجتماعيا والماسكة بالحكم.
على صعيد آخر وفي موضوع تركزت حوله الانتقادات والتشويهات واعتمد كمدخل للطعن في التجربة الاشتراكية السوفياتية هو موضع " عبادة شخصية ستالين " فقد عملت الدعاية المعادية على تضخيم هذا الموضوع بشكل متعمد لإقامة الدليل – بحجة أخرى إضافية – على لا ديمقراطية النظام الاشتراكي. واستعملت الدعاية البرجوازية والمعادية عموما نصي ما يسمى بـ" وصية لينين " و" التقرير السري " لخروتشوف على أنهما شهادة ثابتة ضد ستالين الذي بات في نظر كل المعادين من منطلقات مختلفة نموذج الديكتاتور المستبد الذي لا يضاهيه في الاستبداد سوى هتلر.
وقد ظهرت من خلال الارشيفات التي تم الكشف عنها الكثير من الحقائق التي تفضح الأكاذيب والتضخيم الذي تم ترويجه في هذا الموضوع بالذات. فبخصوص " وصية لينين " يجدر التذكير أن هذا النص تم الإعلان عليه لأول مرة من طرف الكاتب الأمريكي ماكس أيستمان Max Eastman وقد هاجمه تروتسكي بشدة في مقال نشر بمجلة " Bolchevik " سنة 1925 واعتبر أن الأمر لا يعدو أن يكون غير مجرد اختلاق نسب إلى لينين إثر وفاته. ورغم أن تروتسكي انقلب على موقفه في فترة لاحقة، في بداية الثلاثينات، فإن الترويج لهذا النص مع ما صاحبه من تضخيم وتأويلات كان القصد منه فقط الإساءة إلى ستالين.
في السنوات الأخيرة توصل المؤرخون المعاصرون الروس ( الذين نؤكد مرة أخرى انهم ليسوا شيوعيين ولا ستالينيين ) إلى الكشف عن الكثير من الحقائق بخصوص هذه الوثيقة وغيرها. وقد أكد أحدهم، وواحد من أشهرهم، ساخاروف بناء على مذكرات واحدة من كتبة لينين كروبسكايا دريزو Kroupskaya VS Drizzo أن وجود ما يسمى بالوصية أمر مشكوك فيه بدرجة كبيرة.
أما أن يكون ستالين قد شجع على " عبادة شخصه " فإن الكثير من الشهادات التي تم كشفها تفيد العكس وتؤكد أن ستالين ما انفك يعمل على منع أساليب التملق التي يعتمدها البعض للتقرب منه باعتباره زعيم الحزب والدولة خصوصا بعد أن حسمت الكثير من الخلافات والصراعات لصالح وجهة نظره. لكن من غير المستبعد أن يكون ستالين قد تساهل مع ظاهرة تمجيده ولم يواجهها بالصرامة والمبدئية اللازمة خاصة في الظروف التي عمت فيها الروح الانتصارية بعد الحرب العالمية الثانية. أما أن يكون ستالين " غير متسامح مع العمل الجماعي ومع كل من يعرضه الرأي أو يقف في وجه مزاجيته وتسلطه " ( 23 ) فقد فنده الكثير ممن عايشوه وعملوا بصورة لصيقة به خلال الحرب مثل الماريشال جوكوف GK Joukov والجنرال شتيمنكو SM Shtemenko في مذكراتهم التي تم نشرها بعد فتح الأرشيف السوفياتي. ( 24 ).
إن المادة التاريخية الكثيفة التي تم الكشف عنها في إطار فتح الأرشيف السوفياتي تعطي صورة – ربما منقوصة – عما كان يجري حول ستالين وفي الأوساط القيادية للحزب والدولة من مناورات وصراعات خفية وأعمال انتقام ووشاية أحيانا وتصفية حسابات ما كان من الممكن أن يبقى ستالين بمنأى عنها وعن مؤثراتها. وقد خصص المؤرخ الروسي يوري جوكوف Yuri Zhiukov كتابه " ستالين آخر " inoy stalin لعرض سلسلة طويلة ومتشعبة من الأحداث والمعطيات عما كان يواجهه ستالين من صعوبات لا فقط في علاقة بالمؤامرات الانقلابية وأعمال التجسس التي طالت مواقع متقدمة في الحزب وإنما أيضا في علاقة بأوساط قريبة منه كانت تتظاهر بالولاء له والحماس لخدمة الحزب والدولة.
بقي في الأخير أن نعرج على مسألة أخيرة نعتقد وان ستالين وعموم الحزب البلشفي قد اقترفا فيها أخطاء نظرية وسياسية وتتصل بالعلاقات الدولية والتضامن الأممي وبالتحديد حل الأممية الثالثة لاعتبارات سياسية ظرفية وبناء على تقديرات غير سليمة في ما يهم التطورات الحاصلة على الساحة الدولية خلال سنوات الثلاثين خاصة. والحقيقة أن تلك التقديرات استمرت حتى بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.
إن الخلفية العميقة لقرار حل الأممية الثالثة هي المبالغة في التكتيك الدفاعي حيال الهجوم الرأسمالي وخاصة في ظل النزعات الفاشستية في أوروبا واليابان. وقد رأت قيادة الحزب البلشفي بقيادة ستالين أن وجود الأممية الثالثة كأنما يمثل حركة استفزازية ضد العالم الرأسمالي ويمكن أن يسرع بتصاعد العمل العدواني ضد الوطن الاشتراكي الوحيد في العالم في ظرف تراجعت فيه الحركة الثورية بعد فشل محاولات الثورة في عدد من بلدان أوروبا ودخول المنظومة الرأسمالية العالمية ككل في وضع استقرار نسبي. لذلك كان حل الأممية الثالثة بمثابة التنازل المبدئي أمام الضغوط الرأسمالية الخارجية وحرمان الحركة الثورية حتى في ظروف التراجع والدفاع من واحدة من أدوات استنهاضها ألا وهي حزبها الأممي أي الأممية الشيوعية.
لقد لعبت الأممية الثالثة دورا كبيرا لا فقط في نشر مبادئ الثورة وفي تحفيز الطبقة العاملة على نطاق دولي واسع وكذلك حركة التحرر الوطني على تنظيم صفوفها والاستعداد للانقضاض على منظومة الاستغلال والقهر والاستعمار. غير أن جملة من الملابسات الموضوعية والذاتية – بما في ذلك الأخطاء التي مارستها الأحزاب الشيوعية في كل من ألمانيا لاحقا في الصين – حالت دون التعجيل بالثورة على نطاق عالمي ولا يمكن بطبيعة الحال أن تشكل مثل هذه الحقائق الموضوعية مبررا للإقدام على قرار من شأنه أن يعمق الاختلال في موازين القوى بين قطبي الصراع على الساحة الدولية.
إن قرار حل الأممية الثالثة كان في عمقه بدواعي وطنية ضيقة تلامس النزعة الشوفينية التي لا تنظر للحل من الزاوية العامة لطبيعة الصراع في المجتمع العالمي المعاصر وفي عصر الامبريالية بالتحديد. أكثر من ذلك أن هذه النظرة استمرت حتى بعد الحرب العالمية الثانية رغم الانتصار العظيم الذي تحقق والذي خلص البشرية من الخطر البغيض خطر النازية والفاشية. ومرد هذا الموقف هو التحليل المغالي في اعتبار تهديد الحرب والهجوم على الوطن الاشتراكي والقطب الاشتراكي الوليد بعد الحرب. لقد تجسمت هذه النظرة في التقرير الذي أعده جدانوف سنة 1947 للمؤتمر 19 للحزب ( 25 ) بالرغم من المساعي التي القيام بها لإعادة بعث الأممية من جديد ( بعث مكتب الاعلام ) فيما كان المر يتطلب حقا المسارعة بإعادة تأسيس أممية الشعوب والطبقة العاملة وحزبها الأممي.
في هذا السياق العام اعترف الاتحاد السوفياتي – وكان من السباقين في هذا الموقف – بدولة الكيان الصهيوني على أنها عملية تحررية تقدمية تكرس حق الأمم والشعوب في تقرير مصيرها. والخطير في الأمر أن ستالين الذي وضع منذ 1913 الأسس العامة لموقف الشيوعيين الروس والحركة الشيوعية العالمية المبدئي والعلمي من المسألة القومية يقع في مثل هذا الانحراف المفضوح.













هوامش
( 1 ) – لينين،
( 2 ) – لينين، " وضعنا الداخلي والخارجي ومهام الحزب " – ندوة الحزب في موسكو – 21 نوفمبر 1920 – المؤلفات الكاملة – الجزء السابع. أو أنظر الرابط التالي :
https://www.marxists.org/francais/lenin/works/1920/11/vil19201121.htm
( 3 ) – المصدر السابق.
( 4 ) – المصدر السابق.
( 5 ) – يقول لينين في " تقرير حول تكتيك الحزب الشيوعي الروسي " ألقاه أمام المؤتمر الثالث للأممية الشيوعية الثالثة يوم 5 جويلية 1921 " والآن وقد قمنا بصد هجوم الثورة المضادة العالمية فإن البرجوازية الروسية وكل أحزابها المضادة للثورة انتظمت في الخارج. ويمكن أن نقدر شتات المهاجرين الروس في جميع البلدان الأجنبية بمليوني روسي ينشرون في كل بلد جرائدهم وينسج أحزاب الملاكين العقاريين والبرجوازية الصغيرة بلا استثناء بما في ذلك الاشتراكيون الثوريون والمناشفة خيوط اتصال مع البرجوازيين الأجانب.." ويضيف في نفس التقرير " هؤلاء مطلعون ومنظمون بصورة جيدة، إنهم استراتيجيون متميزون وأعتقد أنهم بالنظر لدراستهم المنهجية لكيفية المواجهة وطرق تنظيمهم في هذه المناسبة او تلك لقادرون على التأثير أيما تأثير على الطبقة العاملة من زاوية الدعاية..".
( 6 ) – لينين
( 7 ) – لينين، التقرير السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي البلشفي الروسي، المؤتمر 11 – 27 مارس – 2 أفريل 1922.
https://www.marxists.org/francais/lenin/works/1922/04/d11c/vil19220400-03c11.htm
( 8 ) – المصدر السابق
( 9 ) – المصدر السابق
( 10 ) – المصدر السابق
( 11 )
( 12 )
( 13 )
( 14 )
( 15 )
( 16 )
( 17 )
( 18 )
( 19 ) – أنظر كتاب قروفر فور Grover Furr
( 20 ) – ينص الفصل 130 من دستور 1936 على ما يلي : " على كل مواطن في الاتحاد السوفياتي احترام دستور اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية وتطبيق القوانين واحترام الانضباط في العمل والتنفيذ الصادق للواجب الاجتماعي واحترام قواعد العيش في المجتمع الاشتراكي ".
http ://mjp.univ-perp.fr/constit/su1936.htm
( 21 ) –
( 22 ) –
( 23 ) – من خطاب خروتشوف في تقريره السري في المؤتمر 20 للحزب الشيوعي السوفياتي. أنظر على الرابط التالي :
http ://politikym.net/biblioteka/kniga_antistalinskaya_podlost.htm
( 24 ) – المصدر السابق
( 25 ) – أنظر تقرير جدانوف بعنوان " حول الوضع الدولي " على الرابط التالي :
https://www.cvce.eu/obj/le_rapport_jdanov_22_septembre_1947-fr-914edbc9-abdf-48a6-9c4a-02f3d6627a24.html

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت