مساهمة في تقييم التجربة الاشتراكية السوفياتية حوصلة كتاب صادر بنفس العنوان) - الجزء الثاني

جيلاني الهمامي
2024 / 4 / 12

مساهمة في تقييم التجربة
الاشتراكية السوفياتية

الجزء الثاني


موجز أطوار التجربة في الثورة
وفي بناء دولة ديكتاتورية البروليتاريا

1 – في الثورة
لم يكن وصول البلاشفة للسلطة كما تدعيه الدعاية البرجوازية عملية انقلابية قامت بها أقلية مغامرة منظمة أحسن تنظيم استغلت الظروف الصعبة التي كانت يمر بها نظام القيصر وهو في حالة حرب. فللتذكير عرفت روسيا أكثر من تسعة أشهر من الغليان الثوري رسمت فيه طبقة العمال والفلاحون والجنود الطريق إلى الثورة وذك اركان الحكم القيصري. وطوال هذه المدة ما انفكت الأحداث كل يوم تؤكد أن ساعة الانتصار في اقتراب متزايد. فبعد ان تنازل القيصر عن العرش تشكلت الحكومة المؤقتة برئاسة ولي العهد وضمت في صفوفها ممثلي الأحزاب البرجوازية ( حزب الكاديت ) والأحزاب البرجوازية الصغيرة ( المناشفة والاشتراكيون الثوريون ). وقد وعدت هذه الحكومة بتلبية مطالب الحركة الثورية والاستجابة لشعاراتها الثلاث المعروفة السلم والأرض والخبز ولكنها سرعان ما تنكرت لذلك مما اجج الحركة من جديد وزج بالحكومة في ازمة حاولت الخروج منها والالتفاف على مطالب الحركة الثورية عبر القيام بتحوير في تركيبة الحكومة ومحاولة جر كل الأحزاب للدخول فيها بما في ذلك البلاشفة الذين اختلفت الآراء داخلهم بخصوصها فحسم لينين الموقف حال عودته من المنفى في ما يعرف بـ" موضوعات نيسان " التي دعا فيها إلى عدم المشاركة في الحكومة وبالعكس من ذلك رفع شعار " كل السلطة للسوفيات ".

سارت الأحداث ما بين فيفري وأكتوبر 1917 في اتجاهين متوازيين ومتعاكسين في نفس الوقت. ففيما اختارت الحكومة المؤقتة التصلب في مواقفها متنكرة بصورة مكشوفة لـ" الإصلاحات " التي أعلنت عنها يوم اعتلائها سدة الحكم من ذلك مثلا ان أقدمت على اتخاذ قرارا بحظر الحزب البلشفي وغلق مقراته ومطابعه وأودعت بعض قادته في السجن ( كامينينف وكولنتاي ) وسعت إلى إيقاف لينين الذي دخل السرية ( في فنلندا ) مثله مثل عدد آخر من قادة الحزب وأعادت العمل بحكم الإعدام والمحاكم العسكرية وبمنع الصحف من الصدور الخ .. ( جويلية 2017 ) ثم وفي وقت لاحق ( 25 أوت 1917 ) أوعز رئيس الحكومة الجديد الاشتراكي الثوري كيرينسكي ( كان وزيرا للعدل في الحكومة الأولى ) للجنرال كورنيلوف بالقيام بانقلاب عسكري ومسك السلطة و" إنقاذ الحكومة " من أزمتها رافضا تحديد موعد لانتخاب المجلس التأسيسي. في الاتجاه المعاكس من ذلك اتجه البلاشفة تصعيد عمل الدعاية والتحريض ضدها من اجل الاطاحة بها وعملوا على توسيع نطاق انتشار السوفياتات واولوها أولية في نشاطهم بغاية تخليصها تدريجية من هيمنة التيارات الإصلاحية ( المناشفة خاصة ) حتى كان لهم ذلك في غضون بضعة أشهر فقط.

كان نسق الثورة يتصاعد باطراد ودون انقطاع فانتشرت سوفياتات العمال والفلاحين والجنود في كل مكان وأصبحت تقريبا هي السلطة الحقيقية ذات النفوذ الحقيقي في صفوف الطبقة العاملة المتمردة على سلطة الحكومة الرسمية ( الحكومة المؤقتة وكل الأجهزة التابعة لها جهويا ومحليا ) وبدأت السوفياتات بالانتقال التدريجي تحت تأثير البلاشفة الذين كثفوا من عملهم الدعائي والتحريضي عملا بالسياسة التي دعاهم إليها لينين وكان انتقال سوفياتات بيتروقراد (1 اوت 1917 ) وموسكو ( 5 سبتمبر 1917 ) وكييف وسارتوف الخ... المنعرج الحاسم الذي بات ينبئ باقتراب ساعة الانتفاضة.

في غضون ذلك انعقد المؤتمر انعقد المؤتمر السادس للحزب في السرية ما بين 26 جويلية و3 اوت 1917 ( 1 ) ليعلن مبدأ " الانتفاضة " ويحسم بصورة نهائية مسألة " الوحدة " والاندماج مع حزب المناشفة فالخلافات اتضحت بين الفصيلين وباتت مكشوفة وجوهرية وبذلك تبخرت " أحلام توحيد كل التيارات الاشتراكية " التي لطالما دغدغت تروتسكي وعموم أنصار مجموعة " interrayons ". وإلى جانب ذلك صادق المؤتمر على البرنامج الاقتصادي للحزب ومن أهم توصياته مصادرة أراضي كبار الملاكين وتأميم جميع الأراضي في كامل البلاد وتأميم البنوك والصناعات الكبرى وإقامة رقابة العمال على الإنتاج والتوزيع. وحسم الموقف ضد " حياد النقابات " وقرر أن يكثف الحزب من أعماله تجاه اتحادات الشباب التي كانت تنشأ بصورة عفوية ووافق على انضمام مجموعة " interrayons " بزعامة ترتسكي الذي انضم للحزب لأول مرة للحزب وأقر نظاما داخليا جديدا للحزب من اهم بنوده :
- تشكيل كل هيئات الحزب من القمة إلى القاعدة عن طريق الانتخاب
- كل هيئات الحزب تقدم تقاريرها الدورية لمنظماتها
- التقيد بالالتزام الحزبي وخضوع الأقلية للأغلبية
- قرارات الهيئات العليا للحزب ملزمة للهيئات السفلى ولعموم الأعضاء.

كان صدى شعار " كل السلطة للسوفيات " يملأ أرجاء روسيا وأدرك لينين منذ يوم 3 سبتمبر أن المرور إلى نسق أعلى لتسريع الاستعدادات للثورة بات واجبا ملحا فأكد في مشروع لائحة اللجنة المركزية للحزب بتاريخ 3 سبتمبر " تكمن الأهمية التاريخية لمحاولة كورنيلوف الانقلابية في كونها كشفت وبصورة دقيقة للجماهير هذه الحقيقة التي ظلت حتى الآن مخفية – والتي يواصلون إخفائها – وراء خطب المناشفة والاشتراكيين الثوريين التهادنية والتي مضمونها أن كبار الملاكين العقاريين والبرجوازية بقيادة حزب الكاديت والجنرالات والضباط العسكريين مستعدون لنكث وعدهم وتسليم ريقا ثم بيتروقراد وإطلاق النار على الفيالق البلشفية واكتساح العاصمة بواسطة " الكتيبة الوحشية " بغاية أن تجمع البرجوازية بين يديها كل السلطات ويتمتن نفوذ كبار الملاكين العقاريين وبغاية إغراق البلاد في دماء العمال والفلاحين... لقد أثبتت محاولة كورنيلوف لروسيا ما أثبته التاريخ لكل البلدان أن البرجوازية ستخون الوطن ولن تتوانى عن ارتكاب أي جريمة للحفاظ على هيمتنها ومصالحها " ( 2 ). لذلك دعا لينين الحزب للتعجيل بإعداد العدة للانتفاضة حتى لا تتجاوزه الأحداث المتسارعة " كالإعصار " ووجه من مخبئه السري رسالتين لاجتماع اللجنة المركزية ( 15 سبتمبر ( معتبرا انه " بما اننا حصلنا على الأغلبية في سوفياتات العاصمتين ( بيتروقراد وموسكو ) يمكن للبلاشفة بل يجب عليهم اخذ السلطة " ويضيف في نفس الرسالتين " إن التاريخ لن يغفر لنا إذا لم نفتك السلطة الان ".( 3 ) ودعا لمقاطعة " الندوة الديمقراطية " أو ما أطلق عليه " ما قبل البرلمان " pré-parlement التي دعا لها كيرنسكي للالتفاف على مطلب تنظيم انتخابات المجلس التأسيسي.

لم يكن توحيد الحزب حول تكتيك موحد حيال التطورات الجديدة أمرا سهلا فقد ظهر داخل اللجنة المركزية في مرحلة أولى بخصوص الموقف من " الندوة الديمقراطية " خلاف بين أنصار المشاركة من جهة بقيادة كامينيف ( كيروف وتيودوروفيتش الخ ... ) وأغلبية مع المقاطعة. كما انقسمت اللجنة المركزية للحزب بصدد الموقف من الانتفاضة المسلحة. فقد عارض كل من زينوفييف وكامينيف الانتفاضة وحذرا في نص بعنوان " ما لا يجب أن نقوم به " من مغبة تكرار " خطا كومونة باريس " معتبران ان الظروف مازالت غير ناضجة لإعلان الانتفاضة. وكان هذا الخلاف موضوع جدل فكري وسياسي وتنظيمي واسع وعاصف داخل اللجنة المركزية للحزب البلشفي وألف لينين بشأنه جملة من الاسهامات السياسية والنظرية القيمة مثل نص " الماركسية والانتفاضة " ونص " notes d’un publiciste " و" الكارثة المحدقة وكيف نحاربها " وغيرها من النصوص.

كانت توقعات لينين في محلها وصائبة تماما وكانت إرادة البلاشفة على درجة من الصلابة والقوة وعلاقتهم بالطبقة العاملة الثائرة قد توطدت اكثر من أي وقت مضى وكان تأثيرهم في جزء هام من الجنود في العاصمتين هي العوامل الحاسمة التي مكنتهم من تنفيذ المخطط الذي وضعه لينين للانتفاضة المسلحة واستلام السلطة دون عناء كبير وبأقل التكاليف.

إن هذه الفترة القصيرة من حيث الزمن والحافلة بالتطورات والأحداث هي التي رسمت بصورة لا رجعة فيها طبيعة الانتقال الثوري الذي عاشته روسيا في أكتوبر 17 وطبعت بطابعها السلطة الجديدة وكل فترة الحكم التي ستقضيه على رأس الاتحاد السوفياتي طوال عقود.

وتوجه يوم 25 أكتوبر العاشرة صباحا برسالة " إلى عموم مواطني روسيا " قائلا " لقد أقيلت الحكومة ومرت سلطة الدولة بأيدي جهاز سوفيات نواب العمال والجنود في بيتروقراد اللجنة الثورية العسكرية التي هي في قيادة البروليتاريا وثكنة بيتروقراد. إن القضية التي ناضل من أجلها الشعب : اقتراح السلم الديمقراطية الفورية، القضاء على حق ملكية الأراضي من طرف الملاكين العقاريين، مراقبة العمال للإنتاج، تشكيل حكومة السوفيات، هذا الهدف تحقق. تحيا ثورة العمال والجنود والفلاحين " ( 4 ).

كانت نواة جهاز الحكم الجديد جاهزة وهي سوفياتات العمال والفلاحين والجنود. وهو جهاز من طينة جديدة ومختلفة جوهريا عن دولة البرجوازية ولكن كان ينبغي أن يقع تحويله من مجرد هيكل لتنظيم قيادة الثورة إلى جهاز للحكم وتسيير شؤون الدولة. انعقد المؤتمر الثاني لسوفيات العمال والفلاحين يوم 26 أكتوبر أي بعد يومين فقط من إقالة حكومة كيرنسكي ليعلن عن تشكيل مجلس نواب الشعب واللجنة التنفيذية المركزية للسوفيات أي الحكومة البديلة التي اختير لينين رئيسا لها ( 5 ) كما اتخذ المؤتمر على الفور سلسلة من القرارات على رأسها مرسوم حول السلم ومرسوم حول الأرض ( 6 ) لتتلوها قرارات أخرى سياسية واقتصادية واجتماعية غير مسبوقة في التاريخ وذات دلالات خاصة وبالغة الأثر في مجرى الأحداث اللاحقة.

اتخذت الحكومة سلسلة من القرارات غير المسبوقة في تاريخ البشرية من ذلك :
- مصادرة المصانع الكبرى وتحويلها إلى ملك لدولة العمال والفلاحين تحت قيادة سوفيات المؤسسة
- إلغاء الديون الخارجية
- تأميم البنوك ومصادرة الحسابات المصرفية الخاصة
- مصادرة أملاك الكنيسة ومخصصاتها
- سن نظام 8 ساعات عمل في اليوم والترفيع في الأجور وإرساء المساواة التامة بين الرجال والنساء في الحقوق بما في ذلك حق المرأة في الانتخاب
- بعث نظام التامين على المرض والشيخوخة والتغطية الاجتماعية وهو اول نظام من نوعه في التاريخ
- تحويل إقامات الطبقات المالكة إلى مساكن اجتماعية وسن مجانية السكن والنقل والماء والكهرباء والخدمات العامة.
- إلغاء أشكال التشغيل القديمة ( livret de travail ) وأشكال التأجير المعمول بها آنذاك ( salaires aux pièces )
لم تتوقف الحكومة عند هذه القرارات بل أردفتها بسلسلة من القرارات فرضتها الظروف الجديدة والتطورات المتواترة سنعود لها لاحقا ولكن نشير إلى البعض منها مثل :
- حل الجمعية التأسيسية بعد أول اجتماع لها في جانفي 1918 بسبب رفض الأغلبية فيها المصادقة على المراسيم التي اتخذتها حكومة الثورة وقد أيد مجلس السوفيات الأعلى قرار حلها يوم 23 جانفي 1918 ( 7 )
- تكوين الجيش الأحمر يوم 23 فيفري 1918 عن طريق التطوع في مرحلة أولى ثم عن طريق التجنيد ( par con-script-ion )،
- بعث هيئة البوليس السياسي ( tcheka ) والمحاكم الاستثنائية الثورية.

غير انه لا بد من القول أن الممارسة أكدت منذ الأيام الأولى للحكم أن عملا كبيرا ينتظر البلاشفة لمزيد تطوير هيكلة مؤسسات الحكم في اتجاهين : تكريس دور العمال والفلاحين في تسيير هذه المؤسسات لتجسيم نمط الديمقراطية الجديدة من جهة وضمان الفاعلية والنجاعة خصوصا وأن البلاد تعيش ظروف الحرب والقلاقل الداخلية لأن الأوضاع لم تستقر بعد والاقتصاد يمر بأزمة حادة ولا يستطيع الاستجابة لانتظارات الجماهير الكادحة التي انخرطت في الثورة أملا في تحسين أوضاعها.


الهوامش
( 1 ) – انعقد المؤتمر في السرية لأن الحزب كان محظورا.
( 2 ) – لينين، رسالة إلى اللجنة المركزية للحزب ولجنة بتروقراد ولجنة موسكو بعناون " على البلاشفة أن يأخذوا السلطة " – الأعمال الكاملة، المجلد 26 – الرابط التالي :
https://www.marxists.org/francais/lenin/works/1917/09/vil19170925.htm
( 3 ) – المصدر السابق،
( 4 ) – لينين، " إلى عموم مواطني روسيا " – الاعمال الكاملة، المجلد 26 – الرابط التالي :
https://www.marxists.org/francais/lenin/works/1917/10/vil19171025.htm
( 5 ) – لينين، " المؤتمر الثاني لسوفياتات نواب العمال والجنود في روسيا – مرسوم حول تشكيلة حكومة العمال والفلاحين " – الأعمال الكاملة، المجلد 26. الرابط التالي :
https://www.marxists.org/francais/lenin/works/1917/10/2-co-so/vil19171025-05.htm
( 6 ) – لينين، " المؤتمر الثاني لسوفياتات نواب العمال والجنود في روسيا – مرسوم حول الأرض ليوم 26 أكتوبر " – الأعمال الكاملة، المجلد 26. الرابط التالي :
https://www.marxists.org/francais/lenin/works/1917/10/2-co-so/vil19171025-04.htm
( 7 ) – لينين، " المؤتمر الثالث لسوفياتات نواب العمال والفلاحين والجنود في روسيا – مشروع مرسوم لحذف كل الإشارات للمجلس التأسيسي من التشريع السوفياتي ". الأعمال الكاملة – المجلد 26. الرابط التالي :
https://www.marxists.org/francais/lenin/works/1918/01/3-co-so/vil19180103.htm









2 – في بناء دولة الديمقراطية البروليتارية
استلم البلاشفة السلطة ولكنهم لم يستلموا جهازها القديم ليستخدموه كما هو أو بلغة أخرى استلموا الحكم بانتفاضة شعبية وأحالوا الجهاز القديم على المعاش مستعيضين عنه بجهاز جديد ومختلف من حيث الطبيعة والخصائص عملا بقولة ماركس " الطبقة العاملة لا تستطيع أن تكتفي بالاستيلاء على آلة الدولة جاهزة وأن تحركها لأهدافها الخاصة " ( 1 ) وتطبيقا وفيا لدروس كومونة باريس التي قال فيها ماركس أيضا " لقد تشكلت الكومونة من نواب البلدية الذين تم انتخابهم عن طريق الاقتراع العام في مختلف دوائر باريس. كانوا مسؤولين وكان يمكن سحبهم في أي وقت. وكانت أكثريتهم، بطبيعة الحال، من العمال أو من ممثلي الطبقة العاملة المعترف بهم…". ( 2 ).

هذا الجهاز هو سوفياتات العمال والفلاحين والجنود الذي عوض مؤسسات الحكم القديمة التنفيذية منها ( الحكومة ) والتمثيلية ( البلديات والبرلمانات douma, zemstvos ) والإدارية ( جهاز الدواوينية كما سماه انجلز ). وهو، أي السوفيات، على غرار الكومونة هيئة حكم يراد لها " أن تكون لا هيئة برلمانية، بل هيئة عاملة تتمتع بالسلطتين التشريعية والتنفيذية في الوقت عينه…"( 3 ) والسوفيات هو شبكة من الهيئات القاعدية والجهوية والمركزية الممثلة للعمال والفلاحين والجنود التي تتولى إدارة شؤون المجتمع من منطلق أن دولة البروليتاريا في منظور البلاشفة ( عملا بالمفهوم الماركسي ) هي " " البروليتاريا المنظمة بوصفها طبقة سائدة ". وقد ضبط الباب الثالث من الدستور الجديد في قسمه الأول " هيكلة السلطة السوفياتية " ( المؤتمر العام لسوفياتات ممثلي العمال والفلاحين والجنود، اللجنة التنفيذية السوفياتية في عموم روسيا، مجلس مندوبي الشعب ) كما ضبط صلاحيات كل من هذه الهيئات وفي قسمه الثاني " تنظيم السلطة السوفياتية على المستوى المحلي ".

إن السوفياتات التي تأسست كإطار لتنظيم الجماهير في مرحلة الاعداد للثورة والتي تدربت في الأثناء على أعمال السلطة سرعان ما وجدت نفسها في مواجهة استحقاقات السلطة دفعة واحدة وهي غير ملمة بعد بتفاصيل تقنيات الحكم وأداء مهمات إدارة شؤون الدولة. فكانت بذلك مدعوة للبحث دون انقطاع عن أقوم السبل في أداء دورها كجهاز للحكم في ضوء التعقيدات التي كان يطرحها الواقع الملموس. وهو ما يفسر السلسلة الطويلة من المراسيم والمناشير الصادرة عن لهيئات القيادية العليا للسوفياتات لتنظيم كيفية التدخل ومجالاته على المستوى المحلي والجهوي والمركزي ولتجاوز المصاعب التي كانت تفرزها الممارسة.

لكن وبصرف النظر عما لاح من اضطراب في بعض القرارات السياسية والإجراءات التنظيمية فإن نمط الحكم السوفياتي ظل وفيا لخاصية أساسية هي المزج بين سلطة مركزية قوية وناجعة من جهة وتوسيع صلاحيات الهياكل القاعدية ( سوفياتات القرى والأحياء والمصانع ) من جهة ثانية. فالدولة الجديدة تحتاج لمركز قوي له القدرة على تعبئة كل موارد البلاد المادية لبناء اقتصاد جديد على أسس طبقية جديدة ومواجهة الكارثة الاقتصادية التي كانت تمر بها البلاد وقادر من جهة أخرى على تعبئة كل الطبقة العاملة وعموم الجماهير الشعبية لإفشال محاولات الثورة المضادة ومخاطر الاعتداء الخارجي وفوق كل ذلك جهاز مسؤول عن تجسيم ديكتاتورية الأغلبية الكادحة بقيادة الطبقة العاملة في إطار مؤسساتي منسجم ومتناغم. من الجانب الآخر فإن نظام الحكم الجديد ينبني أصلا على مبدأ سيادة الجماهير على مؤسسات الدولة التي هي في نهاية المطاف بحسب مقولة ماركس " البروليتاريا المنظمة بوصفها الطبقة السائدة " ما يعني في الواقع ما قاله لينين " يمكن للسوفياتات المحلية، حسبما تقتضيه ظروف المكان والزمان، تعديل أو توسيع أو استكمال المبادئ الأساسية للحكم الموضوعة من قبل الحكومة. إن المبادرة الخلاقة للجماهير هي العنصر الأساسي للمجتمع الجديد. فالاشتراكية ليست نتاج أوامر مسقطة من فوق، والسير التلقائي للعمل الإداري البيروقراطي شيء غريب عن روح الاشتراكية، إن الاشتراكية الحية الخلاقة لمن صنع الجماهير الشعبية .. " ( 4 ).

كانت كل المعطيات تفيد بسير السلطة الجديدة نحو تركيز أسس الديمقراطية السوفياتية. فإلى جانب الإجراءات المعلن عنها والتي شكلت قطيعة حقيقية مع ديمقراطية حكومة كيرنسكي البرجوازية لم يعترض البلاشفة اعتراضا مبدئيا على مشاركة الأحزاب السياسية الأخرى في الحكم ( الاشتراكيون الثوريون ) وسمحوا لها بالنشاط وبإصدار صحافتها وحتى بالحفاظ على أجنحتها المسلحة ( الفوضويون مثلا ).

نعم لقد سمحت السلطة الجديدة في البداية بالتعددية السياسية من ذلك أن الأحزاب الثورية الأخرى كانت ممثلة في السوفياتات قاعديا ومركزيا. من ذلك أن انتخب المؤتمر العام للسوفياتات الثالث ضمن لجنته التنفيذية 3 نواب عن حزب الاشتراكيين الثوريين اليميني و125 نائبا عن حزب الاشتراكيين الثوريين اليساريين إلى جانب 160 نائبا عن الحزب البلشفي. وقد اشترك الاشتراكيون الثوريون اليساريون في الحكومة وحتى بعد خروجهم منها استمروا في مراتب رفيعة في الجيش الأحمر وفي " التشيكا ".

وإلى جانب ذلك قبل البلاشفة بانتخاب " الجمعية التأسيسية " وبما أفرزته من نتائج ذات الأغلبية المنشفية والاشتراكية الثورية وقبلوا بالعمل فيها آملين في ان تقبل بقرارات المؤتمر الثاني للسوفياتات الذي وضع أسس الحكم. لكن وامام رفضها ( أي الجمعية التأسيسية ) لمقررات المؤتمر لم يتوان مجلس مندوبو الشعب ( الحكومة ) عن اتخاذ القرار بحلها بعد اجتماعها الأول ( 4 جانفي 1918 ). وبذلك تم الحسم نهائيا في شكل الحكم ومؤسساته وطويت صفحة شعارات ما قبل الثورة في هذا الصدد بصورة نهائية تقريبا.

استمرت صحافة الأحزاب الأخرى بالصدور لفترة طويلة وإلى غاية 1919 أي طوال سنتين بعد الثورة رغم الانتقادات الحادة التي كانوا يتوجه بها قادتهم للبلاشفة وللسلطة الجديدة. فاستمرت صحف المناشفة ( نوفايا جيزن وفبريود ) بالصدور حتى شهر ماي 1918 مثلها مثل منشورات الفوضويين الذين احتفظوا بمقراتهم وحتى بمجموعتهم المسلحة ( الحرس الأسود ). وقد انخرط بعضهم في الحرب الأهلية إلى جانب البلاشفة لمواجهة الثورة المضادة وقتل زعيمهم ( الكسندر قاي ) سنة 1918 دفاعا على الوطن السوفياتي.

والحقيقة أن الظروف الصعبة التي تعرضت لها الثورة إبان إسقاط حكومة كيرنسكي اضطرت الحكومة الثورية ودفعتها إلى التعجيل بالتركيز أكثر على القرارات المركزية والتقليص من " مبادرة الجماهير " و" المشاركة القاعدية " في إدارة شؤون الدولة.

لقد اقتضت الظروف الجديدة إجراء جملة من المراجعات على جملة من القناعات القديمة لأن التحديات الجديدة أضحت تطرح هدفا غير الأهداف الأصلية يتمثل في حماية الثورة من الثورة المضادة ومن تداعيات الفوضى واعمال التمرد المختلفة. لقد انصبت الجهود على تحقيق الانتصار في الحرب الأهلية التي فرض على الدولة الاشتراكية الوليدة خوضها. ولم تكن الحرب الأهلية في الواقع وعلى خلاف ما هو شائع تقتصر فقط على التمرد العسكري الذي قادة عدد من جنرالات الحرس الأبيض في أكثر من جهة وعلى أكثر من جبهة بغاية إعادة القيصرية وإنما شملت أيضا مواجهات مسلحة مع المناشفة الذين انتقلوا إلى العمل المسلح ضد الثورة ومع الفوضويين ( في أوكرانيا وفي كرونشتات لاحقا ) ومع أطراف من أنصار " الجمعية التأسيسية" المعارضين للحكم السوفياتي كل ذلك إلى جانب الانتفاضات المعارضة والانفصالية فيما يسمى " بالجيوش الخضراء" في طومبوف وغيرها وأعمال العنف والتخريب وعمليات تصفية الحسابات الجماعية في أكثر من مكان. ولا ننسى طبعا العدوان الخارجي من جميع الجهات شرقا وغربا وشمالا وجنوبا من طرف الجيوش الأجنبية الأوروبية ( ألمانيا وفرنسا وبريطانيا واليونان ورومانيا وبولونيا والنمسا وتركيا) والأمريكية واليابانية.

حدث ذلك في وقت كانت الدولة الجديدة تتلمس طريقها في بلورة نموذج الحكم الجديد التي لم تكن تملك عنه سوى صورة نظرية عامة ( رغم الدربة النسبية التي أحرزتها السوفياتات أيام السلطة المزدوجة قبل نجاح الثورة ) وفي بناء مؤسساته في بلد كان يخوض حربا شرسة ضد القوات الألمانية الغازية ويعيش جراء ذلك من انهيار اقتصادي خطير وأزمة اجتماعية حادة. ورغم النسق السريع الذي سارت عليه عملية تركيز نظام الحكم السوفياتي فإن المهمة كانت على درجة من الصعوبة ازدادت تعقيدا مع نشوب الحرب الأهلية التي حتمت " التضحية " بخيارات سياسية وإجراءات تنظيمية كثيرة ريثما يقع دحر العدوان الداخلي والخارجي.

لقد دخلت السلطة السوفياتية في منعطف اتخذت فيه المركزية وزنا أكبر في تنظيم سير هياكل الدولة وتنظيم الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ومن ثمة سجلت تراجعات حقيقية عما كانت شرعت فيه من قبل. ويتجسد ذلك بصورة واضحة في سلسلة القرارات التي اتخذها مجلس مندوبو الشعب ( الحكومة ) والمجلس الأعلى لسوفيات عموم روسيا دشنها مرسوم الحكومة السوفياتية الشهير بعنوان " الوطن الاشتراكي في خطر " والذي تضمن ثمان قرارات ( مرسوم بتاريخ 21 فيفري 1918 ونشر يوم 22 من نفس الشهر ) من جملة ما جاء فيه "
النقطة 6 : ستدمج في هذه الفيالق كل أعوان الطبقة البرجوازية القادرين على العمل، نساء ورجالا تحت رقابة الحرس الأحمر وكل المخالفين يقع إطلاق النار عليهم.
النقطة 7 : كل المنشورات التي تتعارض مع الدفاع الثوري وتصطف إلى جانب البرجوازية الألمانية أو التي تحاول استغلال غزو القوى الأمبريالية للتراب الروسي بغاية قلب النظام السوفياتي فإن مسؤولي التحرير فيها وكل المتعاونين معها القادرين على العمل يقع تجنيدهم لحفر الخنادق وبقية أعمال الدفاع الأخرى
النقطة 8 : إن أعوان العدو والمهربون والمخربون والصعاليك ودعاة الثورة المضادة والجواسيس الألمان الذين يقع ايقافهم في حالة تلبس يقع إعدامهم بالرصاص... " ( 5 ).

في هذا السياق تتالت سلسلة من القرارات ذهبت حد منع الإضرابات وإجبار المواطنين الروس الذين أعمارهم بين 18 و40 سنة على أداء الخدمة العسكرية وإجبار الفلاحين على تسليم الزائد عن حاجتهم من محاصيلهم الزراعية للدولة لتوفير التموين اللازم للقوات العسكرية في جبهات المعركة وتموين المدن وتعويض نظام الأجرة بنظام " الأجرة العينية " واستيعاب مطلب الزيادة في الأجور ضمن نظام التأجير الجديد الذي جرى بشأنه وبصورة مبكرة ( منذ ماي 1918 ) جدل فكري واقتصادي واسع. وموازاة مع ذلك أصبح أسلوب " التعيين " في وظائف القيادة على رأس مؤسسات الإنتاج أو هياكل الجيش الأحمر وأحيانا في السوفياتات من التقاليد الشائعة وقد بررها لينين في قولته " كان لا بد على العمال أن يظفروا في ثورة أكتوبر ضد الاستغلاليين، وكان لا بد من فترة من الزمن يشرع فيها العمال في مناقشة ظروف الحياة الجديدة والمهمات حتى يصبح من الممكن المرور بصورة نهائية إلى أشكال أرقى في الانضباط في العمل وإلى درجة وعي أرقى بضرورة ديكتاتورية البروليتاريا إلى الخضوع الطوعي إلى الأوامر التي تصدر إليهم أثناء القيام بعملهم من هذا الشخص أو ذاك الذي يمثل سلطة السوفيات. إن هذا المرور قد بدا الآن ... " ( 6 ).

هكذا إذن انجرت سلطة السوفيات الأولى إلى تعديل نموذج الحكم واعادت تنظيمه تحت ضغط الاكراهات الموضوعية التي أنتجتها الثورة والتي فرضتها تطوراتها اللاحقة وخاصة الحرب الأهلية والعدوان الخارجي والخراب الاقتصادي. وأصبح بناء دولة ديكتاتورية البروليتاريا وبناء الاشتراكية مهمة يلعب فيها الحزب دورا أساسيا بل محددا. ولئن لم يكن دور الحزب ( حزب الطبقة العاملة ) في الثورة وفي بناء الاشتراكية ودكتاتورية البروليتاريا لا يثير من حيث المبدأ خلافا غير أن شكل تدخله ونوعية العلاقة بينه وبين مؤسسات الحكم العمالية، أي السوفياتات، أصبحت تطرح تساؤلات لدى البعض حول مدى احترام مقومات الديمقراطية العمالية وديكتاتورية الطبقة ومخاوف لدى البعض الآخر من الانزلاق إلى استبدال دكتاتورية العمال بدكتاتورية الحزب. ذاك هو جوهر الخلاف الذي نشأ بصورة مبكرة داخل قيادات الحزب وأفضى إلى ظهور معارضة في صفوفه " المعارضة العمالية" التي انتقلت أواخر سنة 1920 ( أكتوبر / نوفمبر ) من مجرد الانتقادات إلى التعبير علنا عن رفضها لما أسمته " بيروقراطية " منافية لروح الماركسية ونمط الديمقراطية السوفياتية الأصيلة. وكما سنرى لاحقا فإن الدعوة إلى " عسكرة " النقابات التي رفعها تروتسكي وبوخارين بتبريرات سنعود لها في موضع آخر كانت هي الأخرى من الأسباب التي عجلت بتشكل " المعارضة العمالية " في تيار منظم داخل الحزب وعلى أساس أرضية لخصتها ألكسندرا كولونتاي، أحد أبرز مؤسسي هذا التيار، في نص بعنوان " 1921 المعارضة العمالية " أهم ما جاء فيه لمحاربة البيروقراطية داخل الحزب والقضاء عليها " ما يتعين علينا القيام به الآن للقضاء على البيروقراطية في الحزب ونشر الديمقراطية العمالية داخله :
على قياداتنا أن تعي أولا أنها تخطئ حينما يقولون " الآن فقط نوافق على تنفيس الأمور " لأنه ليس هناك خطر داهم على الجبهة العسكرية لكن وحالما سنحس بعودة الخطر سنعود مجددا لتطبيع " النظام العسكري " داخل الحزب. إنهم يخطئون. علينا أن تذكر أننا أنقذنا بيتروقراد ودافعنا عن لوقانسك ومدن أخرى وجهات كاملة بفضل العمل البطولي. فهل تولى الجيش الأحمر وحده الدفاع؟ لا. فقد عاضده في ذلك الجهد البطولي للجماهير. ويتذكر كل رفيق أن الحزب كان في كل مرة نواجه المخاطر القصوى إلا واستنجد بالجماهير لأنه كان يرى فيها فلك النجاة. لا شك وانه أمام الخطر الداهم لا بد وأن يكون الانضباط الطبقي في الحزب أكثر صرامة ولا بد من التضحية وأكثر دقة في تنفيذ المهمات الخ ... ولكن ما بين البرهنة على الروح الطبقية و" الانصياع الأعمى " الذي تطور مؤخرا داخل الحزب هناك فرق. إن المعارضة العمالية بالاشتراك مع مجموعة من العمال المسؤولين في موسكو وباسم إحياء الحزب والقضاء على البيروقراطية في المؤسسات السوفياتية تطالب بالاحترام التام للمبادئ الديمقراطية لا فقط في ظروف الهدنة الراهنة ولكن أيضا في فترات التوتر الداخلية والخارجية. هذا هو الشرط الأول والجوهري لإحياء الحزب وعودته لمبادئه وبرنامجه الذي ما انفط ينحرف عنه تحت تأثير عناصر غريبة عنه. أما الشرط الثاني الذي تشدد عليه المعارضة العمالية فهو طرد كل العناصر غير العمالية من الحزب. فكلما اشتد عود السلطة السوفياتية إلا وازداد عدد العناصر المنحدرة من الطبقة الوسطى والمناوئة له أحيانا الذين يعززون صفوفه. وينبغي أن يكون القضاء على هذه العناصر مبرما وعلى المكلفين بذلك أن يدركوا أن العناصر الأكثر ثورية من غير العمال كانوا قد التحقوا بالحزب في الفترة الأولى من ثورة أكتوبر. ينبغي أن يصبح الحزب عماليا خالصا وبذلك فحسب يمكنه أن يتوقى من كل التأثيرات التي يجلبها العناصر البرجوازية الصغيرة داخله، الفلاحون وخدم رأس المال التقنيون المختصون. وتقترح المعارضة العمالية تسجيل كل الأعضاء من غير العمال والذين التحقوا بالحزب قبل سنة 1919 مع تمكين من حق الاعتراض على القرارات المتخذة في شأنهم في أجل ثلاثة أشهر بحيث يمكنهم العودة لحضيرة الحزب. ولا بد، في نفس الوقت، من وضع شرط " صفة العامل " للذين يرغبون في العودة للحزب والتنصيص على شرط أن يكون كل من يرغب في ذلك قد عمل لفترة محددة عملا يدويا وفي ظروف مشتركة مع العمال قبل أن يقع قبول انخراطه.
والخطوة الثالثة الحاسمة من أجل مقرطة الحزب وإبعاد العناصر غير العمالية عن المواقع الإدارية، بلغة أخرى ينبغي أن تكون الأغلبية المطلقة في تشكيلات اللجان المركزية والإقليمية والمحلية للحزب من العمال المرتبطين ارتباطا وثيقا بالجماهير الكادحة. وفي علاقة بهذه النقطة تطالب المعارضة العمالية بأن تكف هيئات الحزب من اللجنة المركزية إلى اللجان الإقليمية عن القيام بالأعمال اليومية الروتينية وأن تتحول إلى مؤسسات للرقابة السياسية السوفياتية ..." ( 7 ).

أثار ظهور " المعارضة العمالية " جدلا حادا وواسعا داخل الحزب وفي هياكله القيادية فخصص لها المؤتمر العاشر للحزب حيزا من اعماله انتهى باتخاذ قرار يقضي بحل كل المجموعات ومنع وجودها داخل الحزب. فقد اعتبر لينين في إحدى مداخلاته أثناء المؤتمر أن الحزب بفعل وجود هذه المجموعات ( المعارضة العمالية من جهة ومجموعة المركزية الديمقراطية من جهة أخرى ) " مهدد بالانقسام " مما يقتضي " مقاومة هذه الاختلافات " كما اعتبر أن هذه المجموعات وخاصة منها المعارضة العمالية، " تعبيرة برجوازية صغيرة فوضوية لا فقط في الطبقة العاملة وإنما أيضا داخل حزبنا الأمر الذي لا يمكن أن نسمح به " ( 8 ). ولكنه في المقابل من ذلك اعترف ان نظام الحكم الجديد يعاني من بعض مظاهر البيروقراطية غير أن مقاومة هذه الظاهرة لا يمكن ان تتم " بالجمل العامة الجوفاء " و" بحرية النقد " التي لم يمانع الحزب في منحها للذين تباكوا عليها طيلة سنتين مطالبين بها دون أن تثمر شيئا. إن معالجة ظاهرة البيروقراطية التي قال لينين " نتألم لنشوئها " لا تتم إلا بتقديم حلول ومقترحات لمعالجتها إذ " إننا عند الحديث عن أعراض المرض الذي ظهر في الحزب أعلنا أن هذا الحديث يستحق اهتماما مضاعفا فما من شك أن المرض موجود ولكن الأهم أن تقولوا لنا كيف السبيل لمعالجته، ساعدونا على الشفاء منه.." ( 9 ) علما وأن وجود مثل هذا المرض ليس ناتجا عن توجه واعي بقدر ما هو ناتج عن نقص في المعرفة والخبرة.

أما تروتسكي فقد كان أكثر تشددا في ردوده على أطروحات " المعارضة " واعتبر دعوتها " للقيادة العمالية الجماعية " مجرد " مثالية كارثية " لأنه " لا يمكن لمجموعة من المرضى أن يعوضوا طبيبا " على حد تعبيره ولأن " المعارضة العمالية "، من وجهة نظره " قد حولت المبادئ الديمقراطية إلى صنم ووضعت حق العمال في انتخاب نوابهم فوق الحزب وكأن ليس من حق الحزب فرض ديكتاتوريته حتى وإن اصطدمت هذه الديكتاتورية بالنزعات المتقلبة في الديمقراطية العمالية. علينا أن نعي المهمة التاريخية الثورية للحزب. فالحزب ينبغي أن يحافظ على ديكتاتوريته دون اعتبار ردود فعل الجماهير الظرفية المترددة ولا حتى التردد الوقتي لدى الطبقة ككل. هذا الوعي يمثل بالنسبة إلينا خميرة وحدتنا. فالديكتاتورية لا تقوم في كل الظروف على المبدأ الشكلي للديمقراطية العمالية .."( 10 ). كما كان أكثر تشددا في الدفاع عن حق الحزب في تعيين كوادره في مواقع القيادة " في الإنتاج " وفي غيرها من المجالات بل ودافع بقوة عن حق استعانة البلاشفة بمهندسي وتقنيي الصناعة القيصرية

إن ظاهرة نشوء الخطوط والتيارات داخل الحزب البلشفي ليست بجديدة ولم تكن عودتها للظهور بعد الثورة بالأمر الغريب وهنا وجب التذكير أن الحزب البلشفي لم يتخلص في الحقيقة من هذه الخاصية منذ تأسيسه. ونجد في كتاب لينين " خطوة إلى الأمام خطوتان إلى الوراء " تقريرا مفصلا عن الانقسامات الناجمة عن الاختلافات بصدد المواضيع والقضايا التي طرح المؤتمر الثاني للحزب سنة 1903 حسمها : برنامج الحزب والبرنامج الزراعي ومسألة القوميات واللغات ونمط تنظيم الحزب. وعلى امتداد 14 سنة من النشاط، أي إلى غاية 1917 استمر هذا الصراع بأشكال متعددة وبدرجات متفاوتة من الحدة والهدوء حول ذات القضايا وغيرها المستجدة حتى وإن تخللت هذا الصراع محاولات متتالية لتوحيد مختلف فصائل " الاشتراكيين الديمقراطيين " الروس في حزب واحد. ولقد لعب لينين الدور الأبرز في عملية بناء حزب من طراز جديد ومختلف عما درجت عليه الأحزاب الشيوعية تحت التسمية القديمة " الاشتراكية الديمقراطية ". لكن هذه المحاولات ولئن فشل في جمع كل " الاشتراكيين الديمقراطيين " الروس تحت عنوان موحد فإنها لا محالة اعطت لفصيل البلاشفة الأسبقية السياسية والتفوق المعنوي بفضل التماسك النظري والقوة السياسية والنبرة الثورية المبدئية التي تميز بها هذا الفصيل وبفضل المساهمة الخاصة التي أسهم بها لينين في بناء " الخط البلشفي " في الحركة الثورية الروسية.

وكما سبق أن قلنا ظهرت هذه المعارضة في ظرف عرف بروز عديد الكتل داخل الحزب منها كتلة " الشيوعيين اليساريين " بقيادة بوخارين وبريوبراجنسكي ( الذي ألف معه كتاب أ ب ج الشيوعية ) بمناسبة الصلح مع ألمانيا وكتلة " المركزية الديمقراطية " ( 11 ) وكتلة " المعارضة العسكرية " ( 12 ) وغيرها ولكن " المعارضة العمالية " كانت أكثرها خطورة من حيث استقطابها لأعداد واسعة من مناضلي الحزب وكوادره وخاصة النقابيين منهم ومن حيث الوقت الذي استغرقته ( حوالي سنتين ).

وإذا كان الحزب قد خير في كل مرة بمناسبة مواجهة هذه الكتلة أو تلك اعتماد أسلوب الحوار والمجادلة الفكرية والسياسية فإنه امام الوزن الذي حظيت به " المعارضة العمالية " والتشويش الذي أحدثته و" التهديد الذي باتت تمثله للحزب " – على حد تعبير لينين في مفتتح المؤتمر العاشر للحزب –اضطر إلى اتخاذ موقف صارم هذه المرة يقضي بحلها وحل كل الكتل الأخرى. بهذا المعنى يمكن القول أن " المعارضة العمالية" قد دشنت مسارا طويلا من الصراعات والتكتلات والمواجهات داخل الحزب إلى غاية اندلاع الحرب العالمية الثانية. ومن نافل القول أن هذه الوضعية كانت أثرت أيما أثر في مسيرة بناء الديمقراطية الاشتراكية التي كانت في كل مرة تحت ضغط التهديد بالانقسام.

شكل قرار المؤتمر بمنع التكتلات والمعارضات داخل الحزب ركيزة سياسية وتنظيمية وقانونية لمكافحة محاولات التكتل وحافزا مباشرا للقيام بحملة تطهير واسعة شملت مئات الآلاف من الأعضاء الجدد الذي التحقوا بالحزب في غمرة انتصار الثورة وصعود صيت الحزب في صفوف الجماهير البروليتارية المتحمسة أو ممن وصفهم لينين بـ" بالمحتالين والشيوعيين المتبقرطين والانتهازيين والعناصر الرخوة والمناشفة الذين قلبوا ظهر المجن ولكنهم بقوا في العمق مناشفة ..." والذين وجب تطهير صفوف الحزب منهم. ونتيجة لذلك نزل عدد أعضاء الحزب من 732500 عضو في المؤتمر العاشر إلى 532 ألف في المؤتمر الحادي عشر. جاء هذا القرار ضمن سلة من الإجراءات لإعادة تنظيم الحزب هيكليا وكذلك بمراجعة شروط العضوية لمزيد التحري في العناصر الوافدة على الحزب إلى جانب جملة من الإجراءات لمنع تسرب " المتسلقين " les carriéristes من ذلك مثلا تقرر " العمال الذين قضوا مدة طويلة في خدمة الحزب والسوفياتات ينبغي أن يقع استخدامهم في المؤسسات الصناعية والفلاحية وإخضاعهم لظروف عيش بقية العمال " كما تقرر إلى جانب منع التكتلات " فتح هياكل الحزب للنقاش الحر وبعث نشرية دورية للنقاش الداخلي ونشريات متخصصة " ( الفصل الرابع من النظام الداخلي ) ومنح للجنة المركزية " حق اتخاذ قرار الطرد، بما في ذلك لأحد أعضائها، ضد كل من يمارس التكتل شرط أن يتخذ القرار بثلثي أعضائها دون ان يقع نشره " ( الفصل السابع من النظام الداخلي ).

ومع ذلك فإن هذا القرار لم يمنع ظهور التكتلات من جديد بعد فترة من الزمن اتخذ بعضها شكلا سريا أو شبه سري واتبع طرقا ملتوية خشية ردود فعل الحزب. والحقيقة أن مجريات النقاش خلال المؤتمر كانت توحي بذلك إذ أن تصويت 50 نائبا لفائدة اللائحة التي تقدم بها تروتسكي حول النقابات و18 لفائدة لائحة "المعارضة العمالية" مقابل 336 لفائدة اللائحة التي تقدم بها زينوفييف باسم اغلبية اللجنة المركزية ( أو الخط اللينيني ) حمل مؤشرات قوية توحي بإمكانية عودة التكتلات. وهو ما حصل فعلا ذلك أن مجموعة " المعارضة العمالية " ( ما أسمي آنذاك بإعلان الـ 22 ) طعنت لدى الأممية الشيوعية الثالثة في مقررات المؤتمر العاشر للحزب البلشفي ولم تلق الشكاية مساندة من مكتب الأممية. أما مياسنيكوف فقد خرق أحكام الفصل السابع المذكر سالفا بخصوص الدعوة إلى حرية الصحافة للجميع دون استثناء بما في ذلك بقايا القيصرية الأمر الذي كلفه الطرد من الحزب. وعلى غراره تصرف شليابنيكوف زعيم " المعارضة العمالية " فطالب لينين بطرده في المؤتمر الموالي ( الحادي عشر – مارس 1922 ) ولكن أغلبية المؤتمر وقفت ضد طلبه. كانت هذه وغيرها من المؤشرات تؤكد أن حسم أمر هذه الظاهرة بصورة نهائيا مازال بعيد المنال ذلك أن ملامح ظهورها مجددا تجلى في التململ ضد " السياسة الاقتصادية الجديدة " التي طرحها لينين في الجلسات الختامية للمؤتمر وصادق عليها هذا الأخير رغم التحفظات التي أبداها البعض مثل تروتسكي وأتباعه. مضمون هذه السياسة هو التخلي عن " شيوعية الحرب " واستبدال مصادرة فائض محاصيل الفلاحين من الحبوب وما زاد عن حاجتهم لفائدة الدولة مجانا بالضريبة العينية عن الإنتاج بغاية تشجيع الفلاحين على الإنتاج وتحسين انتاجيتهم وتوسيع قاعدة التراكم الاقتصادي لمواجهة الأزمة الاقتصادية والمجاعة ( مجاعة الفولقا مثلا ) وتمويل الصناعة وتشجيع التداول والتجارة الداخلية وتمتين روابط المدينة بالريف والبروليتاريا بالفلاحين. هذه السياسة لم يتأخر كل من تروتسكي وكامينيف وعدد من القادة البلاشفة البارزين الذين تميزوا على الدوام بإثارة الخلافات مع أغلبية قيادة الحزب كل مرة حول قضية من القضايا منذ أيام الثورة، لم يتأخروا عن التعبير عن موقف مناوئ لها معتبرين أن هذه السياسة تكرس" توجها رأسماليا ". وفي اتجاه معاكس نادى تروتسكي وبريوبراجنسكي Preobrajenski بضرورة المرور مباشرة إلى بناء الاشتراكية والتصنيع على أن تظل الفلاحة في درجة ثانية ومرتبطة بالصناعة لتمدها بالتمويل الضروري في إطار " التراكم الاشتراكي البدائي " حسب تعبير بريوبراجنسكي. أما بوخارين ودزيرجنسكي Dzerjenski فقد دافعا على ضرورة مزيد تشجيع المبادرة الخاصة في قطاع الفلاحة إلى أن يتوصل الفلاحون إلى الاقتناع تلقائيا بالانتظام في وحدات تعاونية وطالبوا في هذا المضمار من الدولة أن تتحمل مسؤولية مساعدتهم بكل ما يحتاجونه.

في شهر ماي 1922 تعرض لينين إلى وعكة صحية حادة أولى ألزمته الفراش وأبعدته عن الحزب لمدة أشهر ولكنه عاد للعمل وزود الحزب بعديد المقالات والمراسلات في عديد القضايا المطروحة رغم انه لم يتسنى له حضور أشغال المؤتمر 12 للحزب ( وهو أول مؤتمر بعد الثورة لم يحضره لينين ). ورغم غيابه عن أشغال المؤتمر فإنه ساهم في مقرراته ووقف ضد دعوة بوخارين لتحرير التجارة الخارجية ورفع احتكار الدولة لها الأمر كما عارض دعوة كل من راديك Radek وكراسين Krassine إلى فتح الصناعات السوفياتية للاستثمار الخارجي وإلى تسديد الديون الخارجية التي ألغتها الحكومة البلشفية بعيد الثورة في أكتوبر 17 تماما ووقف ضد دعوة تروتسكي إلى إغلاق بعض المصانع وخاصة مصانع الإنتاج الحربي بدعوى عدم جدواها الاقتصادية واقترح على المؤتمر إنشاء الهيئة العليا للرقابة العمالية والزراعية بغاية الحفاظ على وحدة الحزب والانضباط داخله وقصد تحسين أدائه وأداء مؤسسات الدولة وتجاوز مظاهر البقرطة. وقد خصص لها لينين نصا بعنوان " كيف نعيد تنظيم هيئة الرقابة العمالية والزراعية " من جملة ما جاء فيها " مازال جهاز دولتنا باستثناء مندوبية الشعب والشؤون الخارجية، يحمل بقايا الماضي ولم تجر عليه إلا القليل من التعديلات... وأقترح على المؤتمر أن ينتخب من 75 إلى 100 عضو جديد من العمال والفلاحين باللجنة العليا للرقابة ويخضع هؤلاء الرفاق المنتخبين، بصفتهم أعضاء في الحزب، إلى فرز على غرار الفرز الذي يخضع له أعضاء اللجنة المركزية بما أنهم سيتمتعون بكل الحقوق المتصلة بهذه الصفة... وأعتقد أنه علاوة على المزية السياسية لهذا الإصلاح ستكون له مزية أخرى داخل اللجنة المركزية تتمثل في أنه سيقلل من تأثير العوامل الشخصية والمحسوبية بما سيقلل من مخاطر الانشقاق..." ( 13 ). وللتأكيد على الدور الذي سيلعبه أعضاء هيئة الرقابة يضيف لينين " وعلى أعضاء الهيئة المركزية للرقابة أن يحرصوا على أن لا تمنعهم أي تأثيرات عن القيام بالتفتيش اللازم والتدقيق في أي ملف وبصورة عامة الحصول على اعلى نسبة من الوضوح بخصوص قانونية وانتظام أي قضية ...".

لقد حذر لينين في رسالته هذه للمؤتمر في أكثر من موقع من مخاطر التكتل وأكد على ضرورة إرساء هذه الآلية، هيئة الرقابة العمالية والزراعية، لدرء خطر الانشقاق. وكان شعوره بالخوف من الانشقاق يمتزج بالحرص على مقاومة مظاهر البقرطة التي بدأت تتسرب للحزب ولأجهزة الدولة. ولعل ما يبرر هذا الخوف هو أن الخلافات والتكتلات التي اتخذ بشأنها قرار المنع كانت في الواقع مقدمة لبروز تكتلات جديدة أولها تلك التي أطلق عليها تروتسكي في وقت لاحق " معارضة 1923 " والتي تمثلت في ما يسمى بـ" إعلان الـ 46 " التي جمعت سريا إمضاءات قيادات وكوادر من الحزب ( من البلاشفة القدامى ) وتم تقديمها للمكتب السياسي للجنة المركزية يوم 15 أكتوبر 1923 للمطالبة بـ" الديمقراطية الداخلية " وكان تروتسكي سبق أن وجه رسالة في نفس المعنى وبنفس المضامين يوم 8 أكتوبر من نفس السنة للمكتب السياسي. جاء في هذه الرسالة " إن خطورة الوضع أجبرتنا أن نقول لكم بوضوح ( في صالح الحزب وفي صالح الطبقة العاملة ) أن استمرار أغلبية المكتب السياسي في سياستها تهدد الحزب باضطرابات خطيرة. فالأزمة الاقتصادية والمالية التي بدأت شهر جويلية الماضي من هذه السنة وانعكاساتها السياسية بما في ذلك داخل الحزب كشفت بصورة قاسية نقائص قيادة الحزب في المجال الاقتصادي وخاصة في مجال العلاقات الداخلية للحزب.."( 14 ). ويضيف الإعلان " إن النظام القائم داخل الحزب أصبح لا يطاق، فهو يقتل النشاط الذاتي للحزب ويعوضه بجهاز بيروقراطي أختير بعناية ويعمل ظاهريا دون مشاكل في الظروف العادية ولكنه يؤدي إلى نكسات أكيدة في ظروف الأزمة وسيكون الحزب بلا شك غير قادر على الحركة المستقلة إذا ما واجه تهديدات التطورات الخطيرة.. ". وفسر أصحاب الإعلان هذا الوضع بـ " بنظام الديكتاتورية التكتلية داخل الحزب الناشئ موضوعيا بعد المؤتمر العاشر والذي تأبّد " وبناء على هذا التشخيص نادوا بضرورة " إرساء وحدة حقيقية في التفكير والممارسة. إن الاختبارات التي نحن مقدمون عليها تستوجب منا وحدة أخوية وواعية ونشيطة وانسجاما بين أعضاء الحزب. يجب القضاء على النظام التكتلي ومن أجل تحقيق ذلك لا بد من اتخاذ الإجراءات اللازمة لتجاوز الأزمة الاقتصادية والسياسية والأزمة في الحزب ونقترح التعجيل بعقد لجنة مركزية تكون مهمتها الأولى الدعوة لاجتماع أعضائها مع الإطارات الأساسية والفاعلة بشكل تكون قائمة المدعوين تشمل عددا من الرفاق الذين لهم مواقف مختلفة عن موقف أغلبية اللجنة المركزية من الأوضاع الراهنة .." ( 15 ). من بين الممضين على هذا الإعلان قياديون كانوا على طرف نقيض مع الدعوة إلى " الديمقراطية داخل الحزب " و" القيادة الجماعية " ومقاومة " البيروقراطية الناشئة " التي عبرت عنها "أرضية المعارضة العمالية " في المؤتمر العاشر للحزب والتي، ردا عليها، تم حل كل المجموعات ومنع التكتلات داخل الحزب. ونذكر في هذا الصدد تروتسكي وبريوبراجنسكي وسميرنوف وغيرهم. معنى ذلك أن الانتقال من الموقف إلى نقيضة ليس ناتجا في الحقيقة عن " تفاقم ظاهرة البيروقراطية داخل الحزب " ولا عن سوء إدارة شؤون الاقتصاد وإنما هو في الحقيقة متأت أساسا من الصراعات حول خلافة لينين على رأس الدولة والحزب في الوقت الذي كان يصارع المرض وهو بعيد عن الحزب. وأول من كان منشغلا بهذه المسألة هو تروتسكي الذي كان يرى نفسه الأجدر بالخلافة ولم تكن إثارة هذه المسائل غير افتعال خلافات يراد لها بالنظر لحساسيتها لدى قيادات الحزب وإطاراته وحتى قواعده وعموم العناصر العمالية الواعية أن تشكل أرضية التقاء واسعة ضد أغلبية اللجنة المركزية والتسليم لتروتسكي والعناصر المعروفة بولائها له ( أمثال بيروبراجنسكي وباتاكوف وغيرهم ) بالقيادة وتسلم مقاليد الأمور.

كشف تروتسكي عن هذه الحقيقة لاحقا في كتابه " حياتي " الذي يقول فيه صراحة " لو قمنا بعملنا ضد اللجنة المركزية في بداية سنة 1923 لكان النصر حليفنا بل أكثر من ذلك لو تصرفت قبيل المؤتمر 12 للحزب في إطار " كتلة " لينين-تروتسكي ضد البيروقراطية الستالينية كنت دون أدنى شك انتصرت دون الحاجة لمساعدة مباشرة من لينين في هذه المقاومة. كم كان ذلك يتطلب من الوقت؟ ذاك أمر آخر.
كان يمكن أن يفهم أو يقدم نشاطي ضد اللجنة المركزية كنشاط شخصي لأخذ مكان لينين في الحزب والدولة. لا استطيع مجرد التفكير في ذلك دون أن أرتجف. كنت أخشى أن يتسبب ذلك في هبوط المعنويات في صفوفنا كنا سندفع ثمنه غاليا حتى في حالة الانتصار.." ( 16 ).

هكذا إذن جددت مجموعة الـ 46 ما كانت دشنته " المعارضة العمالية " في مسار الصراعات والتكتلات ومهدت للانشقاقات التي ستظهر لاحقا تحت نفس الغطاء تقريبا أي " مقاومة البيروقراطية " وتكريس " ديكتاتورية الجماهير " و" تصحيح " مسار الحزب. حصل ذلك، كما سبق أن قلنا، في وقت كان لينين يصارع المرض والموت ليقع تدريجيا محو أثار القرار الذي اتخذه المؤتمر العاشر للحزب والقاضي بمنع التكتلات والانشقاقات.

لم يظهر الصراع على السلطة دفعة واحدة ولم يكشف عن مضمونه العميق هذا إلا بعد مضي سنوات على نشأته وبعد أن تعددت المظاهر الدالة عليه والأشكال المتبعة فيه.

كانت جماعة " إعلان الـ 46 " تحمل كل مواصفات التكتل الجديد. وقد تأكد ذلك من خلال مسار الصراع الذي أطلقته والجدل الذي دار بينها وبين اللجنة المركزية للحزب ما بين نوفمبر 1923 ومارس 1924. وعلى خلفية هذا الصراع، عرف الحزب، في تلك الفترة، حركية كبيرة تمثلت في صدور مساهمات مكتوبة لكبار قادة الحزب على صفحات جريدة البرافدا ضمن ركن خصص للغرض وكذلك في سلسلة من الاجتماعات الصاخبة لهياكل الحزب ( ندوات إطارات في موسكو وبيتروقراد الخ ... ) بقصد توحيد الموقف. غير أن عودة تروتسكي لنقض محتوى لائحة 5 ديسمبر المذكورة أعلاه أعطى للجدل الذي خيل للجميع أنه حسم منطلقا جديدا. ومما زاد الطين بلة مبادرة تروتسكي، من وراء ظهر المكتب السياسي للحزب، بتعميم نص جديد يحمل عنوان " تطور جديد " Cours nouveau كرر فيه وجهة نظره بخصوص " البيروقراطية " و" غياب الديمقراطية داخل الحزب " وانتقاد القيادة والهجوم على " البلاشفة القدامى " الأمر استغله عدد من أعضاء مجموعة الـ 46 لإعادة طرح مقترحاتهم من جديد والمناداة بتحرير " التكتلات " داخل الحزب والدعوة لها بصورة صريحة ودون مواربة. ذلك ما نادى به بعض أعضاء " الإعلان " مثل بريوبراجنسكي وسابرونوف Sapronov وراديك علانية. ورغم أن المكتب السياسي للحزب حاول محاصرة نزيف النقاشات التي لا تنتهي حول هذه المسألة والتي بدأت تجر الحزب إلى التلهي بصراع هو أقرب للترف الفكري فقد عاد الصراع على أشده من جديد وأصبحت اللجنة المركزية لا تخفي تبرمها من " الخط التروتسكي " الذي تتغذى منه المعارضة الجديدة، جماعة الـ 46.

انعقد المؤتمر الثالث عشر للحزب في أفريل 1924 ( المؤتمر الأول بعد وفاة لينين ) ليعلن بوضوح تباين الحزب مع الخط التروتسكي وليسجل بداية اندثار المعارضة وتفككها وعودة الوئام داخل صفوف الحزب حول لجنته المركزية.

غير أن تسليم تروتسكي والمعارضة بالهزيمة لم يكن غير تسليما مؤقتا حيث ما لبث أن عاد ليثير أزمة أخرى جديدة في الحزب بتعمده نشر كتابه الجديد " 1917 " أو " دروس ثورة أكتوبر " بمناسبة الذكرى السادسة للثورة ( أي شهر أكتوبر 1924 ) والتي أعاد فيه قراءته لأطوار الثورة ودروسها وبذلك أحيى الخصومات القديمة مذكرا بـ "الأزمات " التي عرفها الحزب في أفريل وأكتوبر 1917 مذكرا أنه رغم كونه لم يكن بلشفيا في الأولى ودخيلا على الحزب في الثانية كان أقرب للينين من " الجناح اليميني " في الحزب في إشارة إلى زينوفييف وكامينيف اللذين كادا ان يجرا الحزب في أفريل 17 إلى الدخول في حكومة ائتلافية مع البرجوازية لو لا عودة لينين من المنفى وطرحه " موضوعات أفريل " في الوقت المناسب وهما اللذان كانا سربا قرار الانتفاضة في أكتوبر 17 في الوقت كان هو، أي تروتسكي، في كلا المحطتين مساندا للينين.

هكذا إذن انجر الحزب مرة أخرى لأزمة جديدة تراشق فيها طرفا الخلاف، تروتسكي من جهة واللجنة المركزية للحزب من جهة أخرى بالتهم فراح كل منهما ينبش في الماضي، الأول يتهم إثنين من أبرز " البلاشفة القدامى " زينوفييف وكامينيف بأن لا صلة لهما بالبلشفية وهؤلاء يذكرانه بماضيه المنشفي و" أعمال التخريب " التي قام بها في حق الحزب في أكثر من مناسبة الخ ...

بعد أن تفتت مجموعة " الـ 46 " أصبح تروتسكي مركز اهتمام الحياة السياسية في الحزب والدولة ككل سواء من حيث تواتر مبادراته المثيرة للجدل أو من حيث كثافة الردود من قبل العديد من قادة الحزب. فبعد كتابه " الدرس الجديد " الذي أثار كثيرا من الجدل أصدر بعد حوالي سنة كتابا جديدا بعنوان " دروس أكتوبر " لم يكن اقل إثارة من سابقه بشكل أصبح من الواقعية بمكان الحديث عن ظهور التروتسكية كتيار تفكير وكخط متمايز داخل الحزب. وبعد أن أصبح مقابلة اللينينية بالترتسكية في الحزب البلشفي أبرز وجوه الصراع السياسي في روسيا اتسع نطاق هذه المقابلة ليشغل أيضا الأممية الثالثة وأحزابها.

ما من شك أن عنصر " الزعامتية " داخل الفريق البلشفي القديم قد لعب دورا كبيرا في هذا المسار المرير من الصراعات غير انه لا بد من القول أنه، أي المسار، تمحور في كل مرحلة من مراحله حول قضية جوهرية تتصل مباشرة بالتصور لكيفية مواصلة بناء دولة ديكتاتورية البروليتاريا وبناء الاشتراكية. وهو أمر مفهوم ذلك أن أوضاع ما بعد الحرب الأهلية فتحت على مرحلة من الاستقرار السياسي الذي فسح المجال لتتبارى فيه الرؤى والتصورات لكن وبموازاة لذلك استقر خط التباين بين التيارين اللذين باتا يشقان الحزب البلشفي والحركة الشيوعية العالمية ككل.

بعد الانتصار على الثورة المضادة كلن على سلطة السوفيات أن تدخل مرحلة جديدة من تاريخ الثورة، كان عليها أن تتجه رأسا إلى جوهر مهمتها ألا وهو تمتين أسس ديكتاتورية البروليتاريا وبناء الاشتراكية. وكان عليها بالطبع أن تبلور مشروعها بما يكرس المبادئ العامة التي تحدث عنها ماركس وانجلز باقتضاب شديد وفي شكل شذرات متناثرة في مؤلفاتهما. فالاشتراكية لم تكن حتى ذلك الوقت سوى مبادئ عامة ومنهج للتحليل ومرشد للعمل لا غير. أما تنظيم الدولة والاقتصاد بصورة ملموسة وبشكل يستوعب كل تعقيدات الواقع الداخلي والدولي فإنما هو تحدي حقيقي سيتوقف تخطيه على عبقرية قادة الحزب البلشفي.

في المقابل من ذلك شهدت ساحة المعركة على النطاق العالمي تطورات مهمة بعد أن بدأت حالة المد الثوري في التراجع وخاصة بعد أن فشلت الثورة البروليتارية في ألمانيا سنة 1923. وكان هذا الفشل إيذانا بمرحلة جديدة أكثر صعوبة في وجه الثورة الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي التي عولت كثيرا على انتصار الطبقة العاملة في البلدان الرأسمالية التقليدية في أوروبا وخاصة في ألمانيا. ذلك أن البرجوازية الأوروبية قد دخلت في مرحلة استقرار جديدة ستتواصل معها المعركة ضد قوى التغيير لا فحسب في بلدانها وإنما أيضا ضد روسيا الاشتراكية وعلى النطاق العالمي.

في هذا الإطار العام الجديد كان على الثورة الاشتراكية أن تجيب على أسئلة كثيرة ومتشابكة ومعقدة تتلخص في سؤال ضخم : من أين نبدأ في إقامة ديكتاتورية البروليتاريا وفي بناء الاشتراكية؟

وكما رأينا أعلاه كانت كل الدلائل تشير إلى أن الاتفاق حول إجابة واحدة على هذا السؤال كان أمرا صعب المنال وبدا أن ملامح المقاربات المتعددة داخل فريق القيادة البلشفية تؤشر على خلافات عميقة وتسير مع الوقت نحو مزيد من التنافر بل والتعارض أصلا. وتعود جذور هذا التعارض في الحقيقة إلى سنوات طويلة طمستها فورة الثورة على القيصرية وحكومة البرجوازية الانتقالية وسرعان ما طفت على السطح من جديد حتى خلال الحرب الأهلية. غير أن قوة شخصية لينين وقدرته اللامحدودة على فض بعض الخلافات التي ظهرت طوال سنوات 1919 – 1922 طمستها إلى حد بعيد وفرضت مناخ وحدة مؤقتة. وما أن انسحبت شخصية لينين من ساحة الأحداث حتى عادت الاختلافات من جديد وبشكل أكثر تواتر وحدة. ولعل وفاة زعيم الثورة كان هو في حد ذاته عاملا من عوامل تصاعد وتيرة الصراع بين أبرز الفاعلين في قيادة الحزب والدولة لأن الفراغ الذي تركه كان عاملا قويا في تغذية الصراع على الحلول مكانه على رأس القيادة أي بلغة أخرى على خلافته.

تميزت الحياة الداخلية للحزب طوال سنوات العشرين، بما في ذلك عندما كان لينين على رأس الحزب والدولة، بتواتر الأزمات والصراعات الداخلية في شكل كتل وخطوط معلنة وخفية. وانطلقت هذه الأزمات منذ سنة 1920 حول الموقف من النقابات وعقبتها أزمة 1921 وظهور " المعارضة العمالية " ثم أزمة 1923. وبعد وفاة لينين استمرت الأزمات على وتيرتها بل وبشكل أحد وأخطر. وكان تروتسكي في هذه الفترة أي في أزمات 1923 و1925 و1927 هو رأس حربتها والمبادر باندلاعها وممولها بـ" الأفكار " والأطروحات. وكما سبق أن اتينا عليه بشيء من التفصيل – قصد تتبع تفاصيل الأحداث لنتبين الخيط الرابط بينها جميعا – فقد دارت كل هذه المعارك أساسا حول طريقة تسيير الشؤون الداخلية للحزب وحول علاقة الحزب بالدولة ودور الجماهير في تسيير شؤون الحكم. ثم ومع مر الأيام ظهرت في كل مرة خلافات أخرى حول خطة التنمية الاقتصادية وأولوياتها وقضايا تهم الحركة الشيوعية في العالم والثورات في بعض بلدان أوروبا والصين. والحقيقة أن تروتسكي كان أكثر قادة الحزب إثارة لهذه الصراعات ومصدرها الأول وكان مركز تشكل مختلف الكتل وإعادة تشكلها. والأمر الذي لا يمكن أن تخفيه عنا تفاصيل هذه التطورات هو ان جوهر الصراع كان يتعلق بمسألة السيطرة على مركز النفوذ في الحزب والدولة. وقد بدا تروتسكي أكثر قادة الحزب تعطشا لذلك ولهثا وراءها.

لا شك أن الوزن الذي كان يحظى به في الحزب والحظوة التي كان يتمتع بها لدى لينين نفسه أثناء أحداث الثورة وفي السنوات الموالية والدور الذي لعبه على رأس الحزب والجيش الأحمر كان وراء الغرور الذي دفعه إلى المبادرة باختلاق كل تلك النزاعات داخل الحزب والتلهف على محاولة التعجيل بحسم الأمور لصالحه. وربما كانت لتركيبة شخصيته المثقفة دور كبير أيضا في نحت معالم مسيرته السياسية. كل ذلك يفسر إلى حد بعيد التقلبات التي واكبت تجربته ورسم مؤشرات الفشل الذي انتهى إليه رغم كل النفوذ الذي كان يتمتع به إبان نجاح الثورة. والأمر الأكيد أن الحزب الذي " تعقّل " في أكثر من مرة في التعاطي مع الخلافات التي أثارها لم يكن بوسعه أن يظل يعيش على وقع ذلك بما لا نهاية له وكان لا بد من وضع حد لسلسلة النقاشات العامة التي لا تنتهي باتخاذ موقف حازم في شأنه – أي تروتسكي – ووضعه أخيرا خارج جهاز الحزب وخارج هياكله القيادية. وهو ما تم فعلا إثر ازمة 26-27 التي انتهت بطرده من اللجنة المركزية ثم من الحزب أصلا ثم نفيه إلى شرق البلاد ( 12 نوفمبر 1927 ) ثم بعد سنتين من ذلك إلى تركيا في فيفري 1929.

أسدل الستار على حقبة الأزمات الداخلية ليتنفس الحزب الصعداء ويصرف اهتماماته إلى التنمية الاقتصادية وبناء الاشتراكية وتمتين ركائز ديكتاتورية البروليتاريا دون أن يكف تروتسكي، الذي أيقن أنه خسر كل شيء، عن محاولاته ولكن هذه المرة في ظروف اشتد عليه فيها الخناق فحوّل أنظاره إلى الساحة الأممية وأسس سنة 1930 " المعارضة الأممية اليسارية " كأداة لمحاربة الأممية الثالثة. أقدم تروتسكي على هذه الخطوة بعد ان فشلت آخر محاولاته لتجميع شتات المعارضة ضد مرشحي الحزب البلشفي في الانتخابات التشريعية السوفييتية في الداخل سنة 1929. وبذلك راح يخوض حربه ضد الحزب البلشفي وما ظل يعتبره " دولة عمالية " واقعة تحت هيمنة الخط البيروقراطي من وراء الحدود راجيا عسى أن تثمر معركته داخل الأممية ما لم تتوفق في تحقيقi معاركه داخل الحزب. غير أن طرد كل العناصر الموالية للخط التروتسكي من الأممية الثالثة اضطره مرة أخرى إلى تحويل " المعارضة الأممية اليسارية " إلى " الرابطة الشيوعية الأممية " التي تحولت هي الأخرى إلى " الأممية الشيوعية الرابعة " إثر مؤتمرها التأسيسي في باريس سنة 1938.

تخلص الحزب من قلاقل الصراعات الداخلية بعد أن حشر تروتسكي في عزلته " الأممية " وانفضت عناصر كثيرة من حوله وأعلن اغلبهم عن تراجعهم عن الخلافات التي اثاروها من قبل، أو بالأحرى التي انجروا فيها وراء تروتسكي، وقدموا نقدهم الذاتي وأعلنوا عن استعدادهم للعودة إلى حضيرة الحزب في مؤتمره السابع عشر سنة 1933.

دخل الحزب نتيجة لذلك مرحلة " هدنة " وشهدت الحياة الداخلية مرحلة استقرار امتدت على حوالي أربع سنوات لم يعاني فيها من أزمات شبيهة بأزمات سنوات العشرين عدا ما حصل مع مجموعة ريوتين Rioutine ( 1932 ) الداعية إلى " هدنة اقتصادية " تتمثل في التخفيض من الاستثمارات في الصناعة وتحرير الفلاحين والسماح لهم بمغادرة التعاضديات الفلاحية ( الكلكوزات ) مع أن هذه " الأزمة " لم تكن في حجم الأزمات السابقة وسرعان ما تم الخروج منها.

في أجواء الاستقرار النسبي هذه انعقد المؤتمر 17 من 26 جانفي إلى 10 فيفري 1934 وحضره العائدون، زينوفييف وكامينيف وبريوبراجنسكي وبوخارين وريكوف وتومسكي وبياتاكوف وراديك وراكوفسكي ولومينادزي وغيرهم وقال ستالين في هذا المؤتمر وعلى رأس الملأ " ينعقد هذا المؤتمر تحت راية النصر التام للينينية والقضاء على بقايا المجموعات المناهضة للينين. لقد تفككت المجموعة التروتسكية وينبغي البحث خلف الأحزاب البرجوازية في الخارج عن منظمو هذه المجموعة. لقد قضي على المجموعة المعادية للينينية والتحريفيين اليمينيين وتشتت وتخلى منظموها منذ مدة عن أراءهم وهم يحاولون الآن بطرق شتى التكفير عن أخطائهم ضد الحزب وعلينا أن نقر بأن الحزب موحد اليوم كما لم يسبق له ان توحد من قبل ... " ( 17 ).

إلى جانب هذا " الانفتاح " على معارضي الأمس واستعادتهم بعد أن قدموا نقدهم الذاتي اتجهت الدولة إلى التخفيف من حملات التضييق على الفلاحين في الريف بعد أن تم القضاء – أو كاد – على العناصر البرجوازية " الكولاك ". ويشار في روايات أخرى إلى أن قيادة الحزب شرعت فعلا في إعادة هيكلة مؤسسات الدولة باتجاه مزيد من الانفتاح والديمقراطية من ذلك أن أعيدت هيكلة مؤسسة " القيبيو " Guépéou ( جويلية 1934 ) وتحويلها إلى وزارة للشؤون الداخلية وفصلت عنها مهام التحقيق التي أصبحت من صلاحيات المحاكم العادية.

لكن حادثة اغتيال كيروف Kirov القيادي الشاب في الحزب والسكرتير الأول لفروع بيتروقراد جاءت لتضع حدا لفترة الهدنة الداخلية التي عاشها الحزب ولتكشف عن هشاشة الوحدة التي جسمها المؤتمر الأخير ولتفتح على مرحلة دموية يسوسها قانون وحيد تقريبا اختارت المعارضة التروتسكية أن يكون هو السبيل الأوحد لإدارة الصراع في نسخته الجديدة بما ان الصراع السياسي الخالص لم تجن منه غير الخسارة وراء الخسارة. هذا القانون هو " إما قاتل أو مقتول".

لقد أكدت هذه الحادثة أن المعارضة لئن تراجعت ظاهريا عن مساعيها فإنها في الحقيقة انتقلت إلى شكل آخر أخطر بكثير، انتقلت إلى العمل السري وإلى التآمر على الحزب والدولة والتخطيط لأعمال عنف ضد قياداته وخاصة ستالين وكيروف وكاغانوفيتش. فقد نظمت في الخفاء ما سمي آنذاك بـ" مركز موسكو" وهو عبارة عن شبكة عملت على تجنيد العملاء وربطت خيوطا مع الخارج بغاية تصفية أكثر أعضاء القيادة تأثيرا ونفوذا في الحزب والدولة.

بدأ تاريخ المحاكمات السياسية الكبرى في الاتحاد السوفياتي سنة 1928 مع محاكمة " مؤامرة شختي " التي نظمها مجموعة من المهندسين والتقنيين في حوض مناجم الفحم في دوناتز Donetz. بعد سنتين من ذلك ( 7 ديسمبر 1930 ) تم الكشف عن مؤامرة جديدة بقيادة المهندس رمزين Ramzin زعيم " الحزب الصناعي " الذي بعثه مجموعة من المهندسين اليمينيين المناوئين للاشتراكية والذين ضمن برنامجهم القيام بأعمال تخريبية باتجاه تعميق الازمة الاقتصادية وتسهيل التدخل الخارجي والاعداد لإسقاط الحكومة وتركيز حكومة بديلة برئاسة " ريكوف " لفترة انتقالية إلى حين إجراء تغييرات جذرية على نظام الحكم.

وإذا كانت الصراعات الداخلية للفريق القيادي الجديد ( البلشفي ) هي ميزة العشرية الأولى من عمر الدولة السوفياتية فإن المؤامرات الخارجية بالاستناد على عملاء من الداخل والمحاكمات كانت هي الميزة التي ميزت العشرية الثانية أي فترة الثلاثينات. وهو أمر غير مستغرب إذا أخذنا في الاعتبار عاملين اثنين هما من جهة دخول البرجوازية الأوروبية والعالمية في وضعية استقرار نسبي ( رغم الأزمات التي هزت نظامها ) وخروجها من حالة الدفاع أمام الموجة الثورية التي طغت في بلدان أوروبا الغربية طيلة النصف الأول من العشرينات ومن جهة أخرى صعود الفاشية للحكم في إيطاليا والنازية في المانيا مع ما صاحب ذلك من تحرشات بالاتحاد السوفياتي والرغبة في إنهاء تجربة الاشتراكية فيه.

لذلك انتقلت الأنظمة الرأسمالية الأوروبية إلى هجوم استخباراتي كمقدمة لعدوان جرى التحضير له على مدى سنوات. وفي هذا الإطار نشطت شبكات التجسس والتخريب في روسيا الاشتراكية وتعددت محاولاتها مستغلة كل العناصر المناوئة لديكتاتورية البروليتاريا سواء بقايا البرجوازية الروسية القديمة المطاح بها أو الفرق والمجموعات المعارضة التي تناسلتها الأحزاب التي شاركت في الثورة وحتى الحزب البلشفي نفسه.

فبعد المؤامرتين المذكورتين أعلاه اكتشفت السلطة البلشفية سنة 1933 مؤامرة جديدة تورط فيها عدد من العملاء الإنجليز العاملين في مشاريع المحطات الكهربائية. وقد استدرج هؤلاء مثلما أفادت اعترافاتهم أمام المحكمة عددا من التقنيين والمهندسين الروس – أغلبهم من مهندسي الصناعة القيصرية – مقابل مبالغ مالية تم الكشف عنها والاعتراف بها.

في مثل هذا المناخ العام وعلى إثر عملية اغتيال كيروف تم كشف مؤامرة " مركز موسكو ". وبصرف النظر عن الاعترافات التي حصلت عليها المحكمة من المورطين أنفسهم فإن الجو العام وتواتر المؤامرات يؤيد بقدر كبير من اليقين أن قصة مؤامرة 1934 و1936 و1937 لم تكن مفتعلة كما حاولت الأوساط البرجوازية العالمية ترويجه وسخرت لذلك كل أجهزتها الدعائية والإعلامية. ورغم الحصار فقد تسربت الكثير من الشهادات لسياسيين وديبلوماسيين وكتاب برجوازيين كانت لهم الشجاعة على نقل الحقائق من هؤلاء نذكر البرلماني والمحامي الإنجليزي دونيز نوال بريت Denis Nowell Pritt الذي حضر محاكمة الـ " 16 " سنة 1935 ( زينوفييف وكامينيف ومن معهم ) في كتابه " محاكمة زينوفييف " Procès Zinoviev ( لندن – 1936 ) ( 18 )، والمهندس الأمريكي جون ليتل بيدج John Littlepage الذي عمل لعشر سنوات في مناجم الذهب والنحاس في منطقة الأورال وكازاكستان ووصف في كتابه بعنوان " في البحث عن الذهب السوفياتي " المؤامرات التي حيكت من اجل تخريب الاقتصاد والصناعة السوفياتية بتدبير من الخارج ( 19 ). وتبقى شهادة السفير الأمريكي في روسيا آنذاك، جوزيف ديفس Joseph Davies الذي لم يخف أبدا قناعاته الليبرالية ومعاداته للشيوعية واحدة من اهم الشهادات التي قدمت معطيات موضوعية حول محاكمة 1937 لعدد من القادة ( بوخارين وراديك وغيرهم... ). وقد نشر السفير الأمريكي شهادته هذه في كتاب سنة 1943 وانطلاقا منها وضع سيناريو فيلم أنتجته مؤسسة السينما الأمريكية المعروفة وارنر بروذرز Warner Brothers ثم بأمر من مجلس النواب ( غرفة مناهضة الشيوعية ) وضع كاتب السيناريو على القائمة السوداء. ( 20 )

لقد عملت الدعاية البرجوازية العالمية على طمس كل هذه الحقائق التي وكما سبق أن قلنا كشفها كتاب غربيون ليبراليون لا يخفون عداءهم للشيوعية ولكنهم أبوا إلا أن يصدعوا بالحقيقة وأن يقدموا ما كانوا شاهدوه بصورة حية ومباشرة. ومع ذلك فقد استمرت الدعاية الرأسمالية في تزييف الحقائق وتضخيم الأكاذيب همها الوحيد هو خلق رأي عام عالمي معادي للاتحاد السوفياتي وقيادته وستالين وبالتالي نشر العداء للاشتراكية على أوسع نطاق.

بنفس الكيفية عملت الدعاية البرجوازية على طمس الحقيقة حول المساعي الجدية التي قامت بها السلطة السوفياتية سواء خلال الأيام الأولى بعد الثورة أو في فترة الثلاثينات من أجل إحلال الديمقراطية والحريات والسماح بنشاط الأحزاب وبحرية الصحافة والاعلام.

في البداية لا بد من التذكير بأن الأحزاب السياسية المعارضة للسلطة البلشفية استمرت في النشاط بشكل علني وقانوني وحافظوا على مقراتهم ومطابعهم ( المناشفة والاشتراكيون الثوريون والفوضويون ) وظلوا يصدرون صحفهم ومنشوراتهم بصورة طبيعية طيلة سنتي 1918 و1919 وتواجدوا في السوفياتات حيث كانوا يدافعون عن وجهات نظرهم بكل حرية. ولم تتخذ الدولة في شأنهم قرارا بالمنع إلا عندما أصبحوا ينادون علنا وصراحة بحمل السلاح ضدها وانخرطوا في الحرب الأهلية إلى جانب جنرالات القيصر المتمردين على السلطة ( دينيكين وكولتشاك ورنقلر وغيرهم ) أو نظموا وقادوا حركات تمرد مسلحة في مناطق من البلاد ( كرونشتات وطمبوف الخ..).

وفي مرحلة ثانية وبعد انتهاء الحرب الأهلية والقضاء على العدوان الخارجي انكب الحزب على إعادة تنظيم السلطة والاقتصاد ومواجهة الازمة الناجمة عن ظروف الحرب الاهلية. وقد مر الحزب بفترة طويلة نسبية شهد فيها أزمات متتالية لم تسمح بالتعجيل بمقرطة الحياة الداخلية للحزب ومؤسسات الحكم.

لكن وكما تشير الكثير من المعطيات التاريخية إلى أن اللجنة المركزية للحزب البلشفي قد شرعت منذ بداية الثلاثينات من القرن الماضي في اتخاذ سلسلة من الإجراءات تصب كلها في رغبتها في إدخال نوع من الانفتاح السياسي وتوسيع مجال الحريات والديمقراطية. ونعثر على هذه الإشارات في كتابات كثيرة من مواقع مناصرة للتجربة ولقيادة الحزب كما من مواقع معارضة وحتى معادية تتفق في أن عهدا جديدا قد بدأ ولو باحتشام وتدرج. وقد ذهبت هذه الكتابات إلى تفسير هذا التوجه تفسيرات متعددة ومتناقضة أحيانا. فقد رأى البعض منها أن ذلك يعود أساسا إلى تخلص الحزب من الصراعات الداخلية بعد ان تم الاجهاز تقريبا على المعارضة التروتسكية أو بالأحرى بعد تم نقل اذاها إلى خارج أسوار الحزب أي خارج مواقع السلطة والتأثير. ويعتبر أصحاب هذا الرأي أن عودة الكثير ممن ضلعوا في أزمة 1928 خلال المؤتمر 17 للحزب هو علامة واضحة على أن الحزب أصبح على درجة من الوحدة تسمح بالتخلي عن " التشدد " الذي كان متبعا قبل ذلك. وبهذا المعنى فإن الشروع في تحرير الحياة العامة التدريجي مرده أساسا طي صفحة الصراعات الداخلية وانسجام الفريق القيادي في الحزب والدولة الأمر الذي لم يكن متاحا طيلة حوالي عشرية كاملة اتسمت بالخلافات والنقاشات الداخلية والموسعة الصاخبة.

ويذهب البعض الآخر إلى أن التجربة التي انتصرت على الحرس الأبيض والقوى الخارجية وتخلصت من المعارضة التروتسكية وحققت تقدما ملموسا في مجال البناء الاشتراكي على الصعيد الاقتصادي قد دخلت مرحلة من النضج والاستقرار استوجب غلق قوس الإجراءات الاستثنائية والشروع في تطبيق المنهج الاشتراكي، سياسة واقتصادا، حكما وتنمية. هذا فيما يفسر البعض الآخر هذا التوجه الديمقراطي في الاتحاد السوفياتي بالتحولات التي شهدتها الأوضاع الدولية إثر الأزمة الاقتصادية الكبرى وصعود الفاشية في إيطاليا والنازية في ألمانيا. ويرون أن الإجراءات " الانفتاحية " تحمل في طياتها إشارات للبلدان الأوروبية وتمهيدا للتقارب معها لمواجهة الخطر اليميني المتطرف الصاعد. ويستدلون على ذلك بالتوجه الجديد داخل الأممية الشيوعية الثالثة ومن ورائها الحزب البلشفي نحو سياسة " الجبهة الموحدة المعادية للفاشية " والتخلي عن مقولة " طبقة ضد طبقة " التي سبق أن بلورتها الأممية الشيوعية الثالثة في مؤتمرها السادس ( سبتمبر 1928 ).

والحقيقة أن الكثير من الأسباب الداخلية والخارجية كانت دفعت بهذا الاتجاه. وقد كان ستالين والمكتب السياسي للحزب شرحوا دواعي مقرطة الاتحاد السوفياتي ورأوا أن ذلك نابع من اعتقادهم بأن الاتحاد السوفياتي قد بلغ درجة متقدمة في بناء الاشتراكية ذلك أن الغالبية العظمى من الفلاحين أصبحوا منظمين في التعاونيات الجماعية وأن الاضمحلال التدريجي للمستغلات الفلاحية الخاصة قد أدى إلى اضمحلال طبقة الفلاحين كطبقة منفصلة بذاتها وإلى تحول الفلاحين بنسبة كبيرة منهم إلى عمال. ومن جهة أخرى فإن النمو المطرد للصناعة في روسيا السوفياتية قد وطد موضوعيا هيمنة الطبقة العاملة في المجتمع الجديد إلى حد يمكن معه القول بأن المجتمع السوفياتي كله أصبح طبقة واحدة، طبقة العمال التي تمسك بالسلطة السياسية. وفي مثل هذا الوضع فإنه لم يعد من الجائز الحديث عن بروليتاريا بالمعنى الذي كان يطلق عليها في ظل المجتمع الرأسمالي أو حتى خلال الـ 12 سنة المنقضية في ظل " السياسة الاقتصادية الجديدة ". وعليه فإنه من هذه الزاوية وفي غياب طبقة تستغل الطبقة العاملة وبما أن العمال هم الذين يسيرون الدولة لصالحهم بواسطة الحزب البلشفي لم يعد ينطبق عليهم المصطلح التقليدي لـ" البروليتاريا " وما عادوا يحتاجون لديكتاتوريتهم كطبقة وعليه فإنهم يحتاجون إلى نمط جديد من الدولة تسمح بنطاق أوسع من الحرية. يقول ستالين في هذا الصدد " ما هي التغييرات التي حصلت في حياة الاتحاد السوفياتي في الفترة 1924-1936 والتي يتعين على لجنة الدستور ترجمتها في مشروع الدستور؟ وما هو جوهر هذه التحولات؟ " ( 21 ). وجوابا على هذا السؤال يقول بعد أن تحدث عن التغييرات التي حصلت في الاقتصاد السوفياتي " هذه التغييرات في اقتصاد الاتحاد السوفياتي أدت إلى تغييرات في التركيبة الاجتماعية لمجتمعنا " ويضيف " ماذا تؤكد هذه التغييرات؟ إنها تؤكد أولا أن الحدود والفوارق بين الطبقة العاملة والفلاحين وبين هذين الطبقتين والمثقفين قد امحت ومعها انتفى الاستقطاب الطبقي. ما يعني أن المسافة الفاصلة بين هذه الفئات الاجتماعية تتناقص أكثر فأكثر. وتؤكد هذه التغييرات ثانيا أن التناقضات الاقتصادية بين هذه الفئات قد سقطت وامحت. وتؤكد أخيرا أن التناقضات السياسية بينهم قد انتهت. هذه هي إذن التغييرات الحاصلة في البنية الطبقية في الاتحاد السوفياتي. وتبقى لوحة التغييرات في حياة الاتحاد السوفياتي منقوصة إذا لم نقل بعض الكلمات بخصوص التغييرات الحاصلة على صعيد آخر وأعني بذلك العلاقات بين القوميات في الاتحاد السوفياتي... "

ولكي يترجم الدستور الجديد هذه التحولات التي شهدها المجتمع السوفياتي ما بين 1924 و1936 أكد ستالين على ضرورة أن يبرز ذلك في جملة الخصائص التي ينبغي أن يتميز بها الدستور الجديد وهي أربع خصائص أساسية. تتمثل الأولى في أن يحوّل الدستور الجديد حصيلة عملية بناء الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي إلى مكاسب ثابتة ومبادئ قانونية أي أن يضع أسس المجتمع الاشتراكي الذي مازال محكوما بقانون " من كل حسب طاقته ولكل حسب عمله " أي أن يكون هذا الدستور قانون المجتمع في الطور الأول من الشيوعية. أما الخاصية الثانية لدستور 1936 هو أن يجسم مبادئ الاشتراكية وجوهرها، الملكية الجماعية للأرض والغابات والمصانع ووسائل الإنتاج عامة والقضاء على الاستغلال الطبقي وعلى الفقر والبطالة وعلى ترسيخ قيمة العمل كواجب وشرف عملا بمقولة " من لا يعمل لا يأكل " وإرساء الحق في العمل وضمانه لكل مواطن والحق في الراحة والتربية الخ... أما الخاصية الثالثة فهي أن ينطلق الدستور السوفياتي الجديد، على خلاف الدساتير البرجوازية، من أن المجتمع السوفياتي تخلص من التناقض بين طبقتي المالكين والعمال ليصبح مجتمع قوامه طبقتان متحالفتان هما طبقة العمال والفلاحين اللتان تمسكان بالسلطة السياسية. وأخيرا الخاصية الرابعة هي أن الدستور السوفياتي ينطلق من مبدأ المساواة التامة بين الشعوب والقوميات وحقها جميعا بصرف النظر عن تاريخها أو حاضرها أو قوتها أو ضعفها ينبغي أن تتمتع بنفس الحقوق الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية والحضارية وهو بهذا المعنى دستور أممي. ولعل اهم ما تميز به دستور 36 هو ديمقراطيته إذ لا يتوقف عند تشريع حق كل مواطن مهما كان جنسه وموقعه الاجتماعي ورتبته المهنية ومستواه التعليمي ومكان إقامته ومنحدره القومي والثقافي في حرية التعبير والصحافة والاجتماع والنشاط بل نص على ضرورة تمكين المواطنين من وسائل التمتع بهذه الحقوق مثل توفير وسائل الطبع لممارسة حق الصحافة الخ...

لقد استغرق إعداد الدستور الجديد حوالي سنتين منها حوالي ستة أشهر خضع فيها للنقاش الشعبي العام، جرى خلالها صراع كبير حول جملة من القضايا وجد ستالين نفسه في أكثر من مرة يواجه لوحده تقريبا داخل اللجنة المركزية – باستثناء قلة من أعضاء المكتب السياسي مثل مولوتوف وجدانوف – نزعات محافظة لم تكن مستعدة للقبول بالتصور الديمقراطي الجديد لتنظيم الدولة وخاصة لفصل سلطة الحزب عن سلطة هيئات الدولة الممثلة للشعب. فإلى جانب جملة الحقوق التي تضمنها الدستور الجديد كالحق في التعبير وفي التعليم والاجتماع والشغل والرعاية الصحية والتأمين على الشيخوخة الخ... كان ستالين يدافع بشدة على ضرورة أن يتضمن الدستور الجديد حق الانتخاب لكل مواطن سوفياتي بما في ذلك الذين فقدوا حقوقهم المدنية في قضايا حق عام أو قضايا سياسية سابقة. وقد تمسك ستالين بشدة على تعدد القوائم الانتخابية وان تقع مراجعة طريقة الانتخاب فدعا إلى القطع نهائيا مع قوائم الحزب البلشفي والتعيينات « cooptation » والسماح بتشكيل قوائم أخرى غير قوائم الحزب. وإلى جانب ذلك تمسك ستالين بالانتخاب العام والسري رغم المعارضة الشديدة التي أبدتها اللجنة المركزية للحزب وخاصة الأمناء العامون للحزب في المقاطعات السوفياتية عدا قلة قليلة من أعضاء المكتب السياسي. وقد اضطر ستالين إلى إعلان هذا الخلاف – علنا – للضغط على اللجنة المركزية حتى تراجع موقفها من المسألة. ونذكر هنا ما صرح به للصحفي الأمريكي روي هوارد Roy Howard سنة 1936 فيما مازال الصراع حول هذه النقطة لم يحسم بعد. كما تمسك ستالين بالاقتراع المباشر والقطع مع الانتخاب عن طريق النواب ممثلي الجهات او القطاعات الذي جرت به العادة في عهد القيصرية او في الفترة الأولى من الدولة السوفياتية حيث جرى التمييز بين عدد الأصوات بين الفلاحين والعمال لصالح هؤلاء.

صرح ستالين للصحفي الأمريكي قائلا " سنصادق على دستورنا الجديد موفى هذه السنة وتعمل اللجنة التي تم تكليفها بإعداده ومن المفروض أن تنهي أعمالها عما قريب. وكما تم الإعلان عنه من قبل فإن الاقتراع حسب هذا الدستور سيكون اقتراعا عاما ومتساويا ومباشرا وسريا " ( 22 ). ويضيف موضحا " تتعجب من أن هناك حزب وحيد سيتقدم لهذه الانتخابات ولكنك لا تتصور حقيقة الصراعات الانتخابية لنيل مقعد في مثل هذه الظروف. والأكيد أن المرشحين لن يكونوا فقط من طرف الحزب الشيوعي وإنما من طرف كل المنظمات الأخرى المستقلة عن الحزب وعندنا منها المئات. ليس لنا حزب منافس ولا طبقة رأسمالية تنافس بروليتاريا تستغلها فمجتمعنا يتألف حصريا من العمال الأحرار في المدينة والريف، عمال وفلاحون ومثقفون. ولكل واحدة من هذه الفئات مصالحها الخاصة تعبر عنها عبر المنظمات العامة المتواجدة .. " ( 23 ).

وقد تناول في المؤتمر الاستثنائي لمجلس السوفياتي جملة من مقترحات التعديل ليدافع بقوة على ضرورة أن يتضمن الدستور الجديد حق الجمهوريات السوفياتية في الانفصال متى رأت ذلك وعلى ضرورة التمسك ببرلمان بغرفتين ( مجلس السوفيات الأعلى ومجلس الجمهوريات ) كنظام يضمن من جهة المصالح المشتركة لعموم مكونات اتحاد الجمهوريات السوفياتية عبر مجلس السوفيات الأعلى والمصالح الخصوصية لكل جمهورية على حدة من جهة أخرى. وقد رفض ستالين أن يقع انتخاب رئيس مجلس رئاسة السوفيات الأعلى وأن يظل انتخابه من داخل المجلس كي لا يستمد الرئيس شرعيتة من الاقتراع العام ويكون بالتالي خارجا عن سلطة مجلس رئاسة السوفيات ورقابته.

وفي جانب آخر وقف ستالين ضد إلغاء ممارسة الشعائر الدينية وضد منع رجال الدين من حق الانتخاب أو الترشح لمسؤوليات جهوية أو وطنية مؤكدا أن تسرب رجل دين أو عنصر من الكولاك أو أي مناهض للسلطة السوفياتية إن دل على شيء فإنما يدل على أن الحزب لم يقم بعمله الدعائي على الوجه الأتم وقال " من يخشى الذئاب عليه ألا يذهب للغابة " مضيفا " علينا بالعمل لا انتظار أشياء جاهزة بواسطة القرارات الإدارية ". ( 24 ).

ولكن مساعي ستالين لمقرطة الحياة السياسية لم تلق طريقها إلى التنفيذ بما من شأنه أن يدخل تغييرات حقيقية وعميقة على مناهج الحكم وعلى الحياة الداخلية في الحزب وذلك لأسباب كثيرة منها ما يتصل بمنظومة الحكم في حد ذاتها ومنها ما هو مرتبط بالتطورات العالمية وفي أوروبا خاصة. ونعتقد أن أول هذه الأسباب هو أن الأفكار التي دعا لها ستالين كانت مجرد إرهاصات أولية لم تبلغ درجة النضج والاكتمال ولم تتحول بالتالي إلى توجه شامل قادر على تعبئة كل العوامل السياسية والتنظيمية لإحداث التغيير المرجو في منظومة الحكم ومؤسساتها (الحزب والسوفياتات والجيش الأحمر والـ guepeou ) خصوصا وان هذه الأفكار لم تجد المقبولية الكافية حتى في الأوساط القيادية للحزب بل ووجدت نوعا من الصد لدى الصف الثاني من القيادات الحاكمة ( الأمناء العامون في الجمهوريات ). ولا ننسى أن هذه المحاولة جاءت في ظرف حصلت فيه مؤامرات متكررة للانقلاب على السلطة البلشفية، مؤامرات تورطت فيها قيادات حزبية نافذة وعسكرية مرموقة. ما يعني أن استمرار محاولات إرباك نظام الحكم وتهديده لم يكن ليساعد على تنفيذ الإجراءات الديمقراطية المضمنة في الدستور والمراد اتخاذها لتطوير مؤسسات الحكم وأساليب عملها. لقد شكلت تلك التهديدات مرتكزا لتعطيل تنفيذ خطة ستالين بل وكانت مناسبة للضغط من أجل القيام بتصفيات أوسع في صفوف الحزب والجيش. ويذكر في هذا الصدد أن الكتاب العامين لفروع الحزب في الجمهوريات السوفياتية استغلوا عمليات تطهير الحزب من العناصر المتآمرة والانتهازية كي يقوموا بعملية تصفية حسابات مع الكثير و"تسابقوا" في تقديم قوائم مضخمة حول " أعداء " الاشتراكية وضغطوا أيما ضغط على اللجنة المركزية للحزب لجرها في هذه التصفيات وهو ما حدا بهذه الأخيرة في وقت من الأوقات إلى مركزة هذه القوائم والقيام بعمليات تثبت في صحتها والتقليص منها بشكل كبير. بل وذهبت اللجنة المركزية إلى تنحية بعض الكتاب العامين للحزب عن مهامهم بسبب مغالطة القيادة. ويذكر في هذا الصدد مثلا تنحية خروتشوف من منصبه كأمين عام للحزب في موسكو وتعيينه في وقت لاحق كأمين عام في أوكرانيا.

وفوق كل ذلك فإن التطورات السياسية في أوروبا، صعود الفاشية في إيطاليا والنازية في ألمانيا وانتشارها في رومانيا وبولونيا والمجر وأغلب بلدان أوروبا الشرقية مثل تهديدا جديا لبلاد السوفيات. وقد كان واضحا أن الفاشية كانت قد وضعت على رأس اهتماماتها الهجوم على الاتحاد السوفياتي باعتباره العدو الأول. والى جانب تهديداتها العسكرية فقد سخر هتلر إمكانيات مهولة لبرامجه الدعائية المعادية للاشتراكية وللاتحاد السوفياتي وللأعمال الاستخباراتية ومحاولات اختراق مؤسسات الحكم والحزب البلشفي والجيش الأحمر.

كل هذه الظروف كانت سببا مباشرا في تعطيل تنفيذ الإجراءات والتوجهات الديمقراطية التي عمل ستالين من أجل أن تعتمد في سير عمل مؤسسات الحكم وهيكلتها. وبطبيعة الحال ما ان حطت الحرب العالمية الثانية اوزارها، أي غزت الجيوش النازية بولونيا وبدأت رسميا في الاعداد للهجوم على الاتحاد السوفياتي أصبحت الاهتمامات منصبة على الاستعداد للمواجهة دفاعا عن الوطن الاشتراكي. حتى مؤتمر السوفياتات الذي كان مقررا لسنة 1941 اضطرت الحكومة لتأجيله لينعقد سنة 1946 أي بعد الحرب وبعد خمس سنوات من موعد الأصلي. أما مؤتمر الحزب فإنه لم ينعقد إلا بعد 13 سنة أي سنة 1952.

ومع ذلك فما أن أعلن الاتحاد السوفياتي انتصاره على النازية ودحر جيوشها عاد ستالين والمكتب السياسي للحزب لتدارس المسألة من جديد رغم أن الحالة الانتصارية السائدة لم تكن مناسبة كثيرا لإعادة طرحها. فقد وفد على الحزب أعداد غفيرة من العمال وعموم أبناء الشعب الروسي وبلغ عدد أعضائه ما يزيد عن ستة ملايين وكان مفهوما بمعنى ما أن يهيمن على الحياة العامة بالنظر للدور الذي لعبه في التعبئة ضد العدو وقيادة المقاومة المسلحة والمدنية ضد العدو النازي طوال أكثر من ثلاث سنوات وبالنظر للشرعية التي بات يحظى بها في نظر الجميع.

هكذا إذن كان من الصعب في مثل تلك الأجواء إعادة طرح مسألة فصل الحزب عن الدولة ووضع مبادئ دستور 1936 موضع تنفيذ بصورة كاملة. غير أن ذلك لم يمنع لا محالة من أن تطرح المسألة من جديد وأن يشرع في البحث عن سبل تطبيقها. وللتذكير أن طرح المسألة بأكثر إلحاحية هذه المرة جرى هو الآخر في ظروف جديدة تطغى عليها داخليا الاستعدادات لعقد مؤتمر الحزب التاسع عشر من جهة والاعداد للمخطط الاقتصادي الجديد الذي حالت دون وضعه ظروف الحرب.

كان من المبرمج أن ينعقد مؤتمر الحزب أواخر سنة 1947 أو في بداية 1948 وقد أعد جدانوف تحيينا لبرنامج الحزب للمرحلة الجديدة في تقرير مجلس التخطيط الذي عرضه على الاجتماع الموسع للجنة المركزية في فيفري 1947. وجاء في هذا المخطط حسب ما رواه بعض المؤرخين الروس ( 25 ) ( والذين لا يتبنون الماركسية ولا يناصرون ستالين بقدر ما تحلوا بالموضوعية العلمية في قراءة تاريخ تلك المرحلة بناء على معطيات من الأرشيف والذي للأسف لم يقع الكشف عنه إلا جزئيا عبر ما نشروه كمؤرخين ) أن جدانوف اقترح عقد المؤتمر أواخر 1947 كما اقترح أن يلتئم الاجتماع الموسع للجنة المركزية مرة كل سنة على أن يقع تجديد سدسها في كل اجتماع بغاية إرساء سنّة التداول على المسؤوليات في قيادة الحزب وضخ دماء جديدة فيها والحيلولة دون ظاهرة le carriérisme. غير انه ولأسباب غير معلومة حتى الان تم تأجيل المؤتمر لسنة 1952 ولم يقع بمقترح التداول في اللجنة المركزية. ويذهب البعض إلى تفسير ذلك بأن أغلبية اللجنة المركزية عارضت هذا التمشي ولم يفلح ستالين وقلة من المكتب السياسي في إقناع بقية أعضائها به ( أي بالتمشي ).

ومع كل ذلك فقد واصل ستالين هذا المجهود وكان المؤتمر 19 مناسبة أخرى اتخذت فيها جملة من القرارات والإجراءات لتحقيق ما سعى إليه منذ سنوات ومن هذه الإجراءات إلغاء خطة الأمين العام للحزب وتعويض المكتب السياسي بمجلس الرئاسة. ويتركب مجلس الرئاسة من 25 عضوا ( و11 عضوا مرشح ) منهم 10 أمناء عامين للحزب أحدهم هو ستالين ولم يعد يضم مجلس الرئاسة كما كان في السابق رئيس مجلس السوفيات الأعلى ( رئيس البرلمان ) ولا رئيس مجلس مفوضي الشعب ( رئيس الدولة ). وكانت هذه الاجراءات خطوة هامة على درب فصل قيادة الحزب ( مجلس الرئاسة ) عن مؤسسات الدولة ( رئيس مجلس السوفيات ورئيس الدولة ) فضلا عن أسلوب المسؤولية الجماعية ( إلغاء خطة الأمين العام وتشكيل هيئة الأمناء العامين العشرة ) ( 26 ).

تمثل هذه الإجراءات جزء من سلسلة قرارات اتخذها المؤتمر واللجنة المركزية الموسعة التي عقبته وهي تختزل في الحقيقة روح الوثيقة التي أعدها فريق من قيادة الحزب ( مالينكوف ومولوتوف واندراييف .. ) سنة 1944 وكان ستالين صادق عليها وقتها وقد كتب فيها المؤرخ الروسي جوكوف Zhukov بعد فتح الارشيفات السوفياتية " في جانفي 1944 دعيت ولأول مرة اللجنة المركزية ومجلس السوفيات الأعلى لجلسة مشتركة للنظر في مسودة قرار للجنة المركزية كان أعدها مولوتوف ومالينكوف تقضي بفصل الحزب عن أجهزة السلطة ليحتفظ بوظيفته الاعتيادية في الدعاية والتحريض السياسي والمساهمة في اختيار الكوادر. وتمنع هذه المسودة على الحزب التداخل في شؤون الاقتصاد وسير هيئات الدولة. وقد قرأ ستالين هذه المسودة ولم يغير فيها غير ست كلمات فقط ووافق وكتب عليها " موافق ". لكن ما حصل فيما بعد ظل لغزا. ... لقد كانت محاولة أخرى لفصل الحزب عن الدولة ... وعلى المسودة خمسة توقيعات، مولوتوف ومالينكوف وستالين وكروشتشيف وأندراياف. ... وهوما يدل مرة أخرى على أن ستالين لم يكن له النفوذ الذي ينسبه له أعداء ستالين والستالينيين على حد السواء ..." ( 27 ).

وهي تختزل أيضا روح مقترح برنامج الحزب الذي أعده جدانوف في إطار تحضيرات المؤتمر 19 الذي كما قلنا كان من المزمع عقده في أواخر سنة 1947 ولكنه تأجل لسنة 1952 وقد اقتطف منه المؤرخ الروسي بيشيكوف Pyzhikov الفقرة التالية " إن تطور الديمقراطية الاشتراكية على قاعدة بناء المجتمع الاشتراكي الخالي من الطبقات سيحول ديكتاتورية البروليتاريا أكثر فأكثر إلى ديكتاتورية السوفياتات لأن كل فرد من السكان سينخرط تدريجيا في تسيير شؤون الدولة اليومية. إن نمو الوعي الشيوعي والثقافة لدى السكان وتطور الديمقراطية الاشتراكية ستفضي إلى الانتفاء التدريجي للأشكال القسرية في ديكتاتورية الشعب السوفياتي وإلى استبدالها التدريجي بتأثير الرأي العام وإلى انحسار الوظائف السياسية للدولة وتحويل هذه الأخيرة أساسا إلى أداة لتنظيم تسيير الحياة الاقتصادية للمجتمع ..." ( 28 ) .

غير أن هذه الإجراءات سرعان ما تم التراجع فيها حيث قرر جزء من مجلس الرئاسة التقليص من عدده من 25 إلى 10 فقط بما يعني العودة للمكتب السياسي القديم ( 10 أعضاء ) والتخفيض من عدد الأمناء العامين من 10 إلى 5 فقط وذلك يوم 2 مارس 1953 بضعة أيام قبل وفاة ستالين. وبوفاة ستالين انطلقت مرحلة أخرى من الصراع بين مجموعة القياديين الذين وقفوا على الدوام ضد مساعي الإصلاح والذين كشفوا عن حقيقة وجود نومنكلاتورا ( nomenklatura ) من جهة وأقلية كانت متشبثة بمواصلة هذه المساعي بقيادة بيريا الذي لم يمض إلا 112 يوما فقط حتى وقعت إقالته ثم اغتياله في ظروف غامضة تعددت في شأنها الروايات ولكن لم يقع إماطة اللثام عن حقيقتها حتى اليوم من جهة ثانية. والأمر الأكيد، بناء على الشهادات التي تم الكشف عنها بعد فتح الارشيفات السوفياتية، هو أن المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفياتي لم يستسغ التوجه الذي عبر عنه بيريا منذ خطابه على قبر ستالين في موكب التأبين. وقد كتب المؤرخ الروسي موخين ( Mukhin) " لم يخف بيريا فكرته في أن البلاد ينبغي أن تسير مركزيا ومحليا وفق ما جاء في الدستور تحت سلطة السوفياتات وأن الحزب ينبغي أن يظل هيئة أيديولوجية تضمن بواسطة الدعاية أن يكون نواب السوفياتات في جميع المستويات شيوعيين. لقد رأى أن يعيد للدستور معناه العميق تجسيما لشعار " كل السلطة للسوفيات ". ولئن لم تزل رؤية بيريا في مستوى الأفكار فقد بدت مع ذلك بالنسبة للنومنكلاتورا أفكارا بغيضة ومخيفة. وبما أن النومنكلاتورا كانت تتمتع بسلطة اختيار نواب السوفيات فقد أسدت تعليماتها كي لا تجد أفكار بيريا طريقها إلى التنفيذ ..."( 29 ).

لقد وقفت نومنكلاتورا الحزب في وجه محاولات ستالين وأفشلت مساعيه لفصل الحزب عن الدولة وإعادة الاعتبار للسوفياتات ودورها في إدارة شؤون الحكم بما يكرس حكم الجماهير ومشاركتها الفعلية والواسعة في ذلك أي بما يجسم حقا ديكتاتورية جماهير العمال والفلاحين لا ديكتاتورية نوابهم في السوفياتات أو في الحزب.

إن الدعاية البرجوازية المعادية عامة ما عملت على طمس هذه الحقيقة بل وعملت دوما على تحميل ستالين وحده ما اعتبرته استبداد الحكم السوفياتي تماما كما طمست الكثير من الحالات التي اتخذ فيها ستالين مواقف أقل ما يقال فيها ديمقراطية وعارض فيها بقية أعضاء القيادة وللتذكير فقط نورد بعضا من هذه المواقف.

ففي سنة 1923 وقف ستالين شخصيا ضد مساعي كامينيف وزينوفييف لطرد تروتسكي من قيادة الحزب عندما كانت الخلافات مع هذا الأخير ذات طابع سياسي وتتمحور حول توجهات الحزب وأولوياته وصوت ضد مقترحهما بل وعمل قصارى جهده لإقناع اللجنة المركزية بعدم الذهاب في هذا الاتجاه.

كما نذكر بموقف ستالين من دعوة فرع الحزب في بيتروقراد إلى طرد بوخارين وقد أشرنا إلى ذلك في فقرة سابقة.
في الاجتماع الموسع للجنة المركزية للحزب في فيفري مارس 1937 كان ستالين ومولوتوف وكاقانوفيتش ضد إعدام بوخارين بتهمة الخيانة ونشاطه المعادي للثورة وتمسك بتشكيل لجنة تقصي حقائق في الملف فيما كان رئيس NKVD آنذاك ياجوف Yezhov مع المحاكمة والاعدام ودعا بعض الأمناء العامين للحزب في جمهوريات أوكرانيا وغيرها ( كوسيور Kossior وكويبيتشاف Kuybychev وبوستيشاف Postyshev ) مع محاكمته واقتصر اقتراح ستالين على طرده من الحزب. وهذه المعطيات حقيقة مدونة في محاضر جلسات اللجنة التي تم تشكيلها للغرض والتي تم الكشف عنها في أرشيف الاتحاد السوفياتي بعد فتحه في السنوات الماضية. ( .. )

تروتسكي نفسه الذي خصص كتابا كاملا بعنوان " ستالين " للافتراء وتحريف المعطيات والوقائع لتشويه سمعة ستالين لم يجد بدا من أن يعترف لا محالة في رسالة إلى ابنه سيدوف بتاريخ 19 نوفمبر 1937 بأن ستالين كان على عكس غالبية القيادة البلشفية قد رفض سنة 1921 الهجوم العسكري على متمردي كرونشتات لقناعته بأن المتمردين سيستسلمون من تلقاء أنفسهم وأن لا موجب لمثل ذلك الهجوم الذي قاده تروتسكي بالدرجة الأولى باعتباره المسؤول الأول عن الجيش الأحمر آنذاك.








هوامش
( 1 ) – ماركس – الحرب الأهلية في فرنسا – ص ...
( 2 ) – ماركس - نفس المصدر.
( 3 ) – انجلز، من مقدمة لكتاب ماركس " الحرب الأهلية في فرنسا "
( 4 ) – لينين -
( 5 ) – مرسوم مجلس مندوبي الشعب ( الحكومة ) بعنوان " الوطن الاشتراكي في خطر " بتاريخ 21 فيفري 2018 والمنشور على صفحات البرافدا يوم 22 من نفس الشهر. أنظر الرابط التالي :
http://www.collectif-smolny.org/article.php3?id_article=1244
( 7 ) - الكسندرا كولونتاي – 1921 المعارضة العمالية – موقع المعركة الاشتراكية la bataille socialiste
( 8 ) – لينين،
( 9 ) – لينين،
( 10 ) – تروتسكي،
( 11 ) –
( 12 ) –
( 13 ) – لينين،
( 14 ) – تروتسكي،
( 15 ) – إعلان الـ 46 – المصدر السابق
( 16 ) – تروتسكي، " حياتي " ص ص 554-555 .
( 17 ) – ستالين،
( 18 ) – DN Pritt KC- process Zinoviev- Londres: Gollancz, 1936 أنظر الرابط التالي :
https://translate.google.ca/translate?hl=fr&sl=en&u=http://www.revolutionarydemocracy.org/archive/prittzinov.htm&prev=search
( 19 ) – ذكره ماريو سوزا Mario Souza أنظر على الرابط التالي :
https://translate.googleusercontent.com/translate_c?depth=1&hl=fr&rurl=translate.google.com&sl=en&sp=nmt4&tl=fr&u=http://www.redstarpublishers.org/SousaLies.doc&usg=ALkJrhj661U72-2-ctsOHiqjE5WvgIlsmw
( 20 ) – أنظر كتاب : Joseph E. Davies: Excerpts from Mission to Moscow concerning the Moscow Trials, 1943 على الرابط التالي :
http://www.redstarpublishers.org
( 21 ) – ستالين : حول مشروع دستور الاتحاد السوفياتي 1936 – تقرير مقدم للمؤتمر الثامن الاستثنائي للسوفيات – 25 نوفمبر 1936.
( 22 ) – ستالين – الحديث الصحفي للأمريكي روي هوارد – 1936
( 23 ) – المصدر السابق
( 24 ) – المصدر نفسه
( 25 ) – نذكر منهم الكسندر بيجيكوف Alexander Pyzhikov وزوريس ميدفيديف Zohres Medvedev وموخين Mukhin ويوبيستفو Ubiystvo ولوري شوكوف Lurii Zhukov
( 26 ) – أنظر قروفر فور، تدليس التاريخ – ستالين والنضال من أجل الإصلاح الديمقراطي. https://clogic.eserver.org/2005/furr2
( 27 ) – المصدر السابق.
( 28 ) – المصدر السابق.
( 29 ) – أنظر
Yu. I. Mukhin. Le meurtre de Staline et Béria: une enquête scientifique et historique . - M .: Pont de Crimée, 2002. Voir aussi: http://www.sovnarkom.ru/BOOKS/MUHIN/STALIN_1/muhin_st_05.htm

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت