الثورة والسلطة ومسألة في الثورة التونسية

جيلاني الهمامي
2024 / 4 / 14

الثورة والسلطة
ومسألة في الثورة التونسية

مقدمة
ما من أحد كان يتوقع أن تنقلب حادثة " بسيطة " في حجمها كتلك التي جدت صبيحة يوم 17 ديسمبر 2010 حين أقدم محمد البوعزيزي على حرق نفسه احتجاجا على الإهانة التي الحقتها به عون من الشرطة البلدية في مدينة سيدي بوزيد إلى حركة احتجاجية عارمة عمت كامل أرجاء البلاد في اقل من شهر من الزمن امتد لهيبها إلى خارج حدود تونس لتطال – أي حركة الاحتجاج – البلدان المجاورة وكامل الوطن العربي تقريبا بل ولفحت رياحها بلدان أخرى في أوروبا وحتى الولايات المتحدة الأمريكية. لقد استحوذت أحداث انتفاضة الشعب التونسي طوال أسابيع على اهتمامات الرأي العالمي واختطفت أضواء الاعلام ولفتت إليها انظار الجميع. وكان لها تداعيات واسعة وغير متوقعة في ظرف كان العالم غارقا تحت وطأة فترة طويلة من الركود الاقتصادي والخمول الاجتماعي والثوري إن جاز التعبير وكانت الرأسمالية تتباهى ببسط نفوذها على كل البلدان وتخطط لتجاوز أثار الأزمة التي هزت أركان نظامها خريف سنة 2008 دونما عناء كبير.

ففي شهر أكتوبر من تلك السنة اندلعت أزمة المصارف وكبريات البنوك العالمية في أمريكا وسرعان ما امتدت إلى أوروبا فآسيا وبلدان أخرى من العالم. ولو لا تدخل البنوك المركزية لما أمكن إنقاذ المنظومة المتهاوية في وقت كانت الطبقة العاملة العالمية وعموم الشعوب تتفرج مذهولة وعاجزة عن رد الفعل. وقد ألقت تلك الأزمة بظلالها على كامل النظام الرأسمالي العالمي وعلى كل الاقتصاديات الضعيفة التابعة الشبيهة باقتصادنا وبمضاعفات أشد وأكثر قسوة.

ولا ننسى أن تونس عرفت مطلع جانفي 2008 انتفاضة الحوض المنجمي التي كشفت عن حقيقة الأزمة الاقتصادية التي أضحت عليها البلاد وترجمت حالة الغضب الاجتماعي الذي لم تقدر الدعاية الرسمية طمسه رغم كل ما رفعته السلطة من شعارات حول ما يسمى بـ" المعجزة الاقتصادية التونسية " و" السلم الاجتماعية " و " الاستقرار السياسي " واشتغلت عليها اجهزة الدعاية التابعة لنظام بن طوال فترة حكمه.

وكما هو معروف حشد بن علي لمواجهة انتفاضة الحوض المنجمي كل قواه البوليسية وحتى العسكرية واستقدم لها تعزيزات ضخمة وعمد إلى أبشع أشكال القمع بما في ذلك استعمال الرصاص الحي كل ذلك من اجل إخماد تلك الانتفاضة ومنع تسربها إلى بقية جهات البلاد. غير امه لم يفلح في ذلك إلا بعد ستة أشهر من المواجهات ومع ذلك لم يتمكن من سل فتيل الغليان الاجتماعي وغضب الفئات الشعبية والمناطق الداخلية حيث نشبت لاحقا احتجاجات أخرى في بن قردان وفريانة والصخيرة وغيرها كانت في الحقيقة تمهيدا وإطارا لاندلاع ثورة 17 ديسمبر 2010 – 14 جانفي 2011.
الثورة مسار ولها شروطها

إن الثورة ليست حدثا عرضيا ولا يمكن اختزالها في أحداث لحظة اندلاع الانتفاضة أو التمرد أو العصيان المدني أو نشوب الاحتجاجات وأعمال العنف بل هي مسار طويل مركب ومعقد يمتد على فترة طويلة من الزمن تحصل فيه مراكمات كمية تتجسد في معارك طبقية متنوعة جزئية ومحدودة الحجم أو قطاعية وتأخذ طابعا ظرفيا – قد تحقق مكاسب للجماهير التي تخوضها وقد لا تحقق شيئا يذكر – ولكنها في كل الأحوال ترسم على مدى فترة من الزمن ملامح المعركة الحاسمة التي يستحيل قيامها ما لم تتوفر شروطها الموضوعية والذاتية.

فمن الناحية الموضوعية عامة ما تكون الأزمة الاقتصادية سببا لنشوء ازمة ثورية. معنى ذلك أن الجماهير التي تتحمل ولفترة من الزمن دفع فاتورة تلك الأزمة وهي تتذمر وتشتكي وتعبر عن استيائها بهذا الشكل او ذاك تصل إلى الحد الذي تصبح فيه غير مستعدة لمزيد الصبر والتحمل بل وتبدي استعدادها لإعلان القيام ضد تلك الأوضاع بصورة صريحة وجريئة. فعلى قدر حدة الأزمة وخطورتها تتحول إلى ازمة ثورية تتفاقم فيها حالة الغضب العام وتنتقل الجماهير من مجرد التذمر والاستياء إلى التمرد على ظروف عيشها وشق عصا الطاعة في وجه السلطة القائمة. وفي الكثير من الحالات – إن لم نقل في كل الحالات – تتسرب إلى صفوف أجهزة الحكم خلافات وصراعات بين مختلف المقاربات التي تظهر في صفوفها حول كيفية مواجهة الوضع. فمنها من يرى في اعتماد القمع والغطرسة السبيل الوحيد لإنقاذ النظام والقضاء على الغضب الشعبي ومنها من يجنح أكثر إلى أسلوب المناورة والمغالطة عبر تقديم تنازلات شكلية وجزئية لامتصاص الغضب وسل فتيل الثورة.

وهو ما حصل فعلا أكثر مرة في تونس. فكلما احتدت الأزمة الاقتصادية إلا وساءت أحوال الناس ودب في صفوفهم الغضب وراحوا يعبرون عن ذلك في حركات احتجاج قطاعية وجهوية قبل أن تعم حالة الغضب وتتحول الحركة إلى تمرد عام يهز أركان البلاد والنظام القائم. فقبيل 26 جانفي 78 مثلا وفي وقت كان الاقتصاد التونسي يعاني من أزمة حادة انعكست بشكل مأساوي على حياة التونسيين اندلعت حركة اضرابية هنا وهناك إلى ان أدت إلى الاضراب العام الذي اتخذ طابعا سياسيا. وقد انقسمت البرجوازية بين من يدعو إلى التعاطي مع الحركة الاضرابية الواسعة والغضب العمالي والشعبي العام باعتماد عصا القمع والتعسف ( شق نويرة والصياح ومن لف لفهم ) وبين من كان يدعو إلى امتصاص هذا الغضب باتباع أسلوب المناورة والتظاهر بالتنازل وإيجاد أرضية تفاهم مع البيروقراطية النقابية التي وجدت في الإضرابات العمالية سلاحا لخوض الصراع مع غريمها شق الصقور في الحكم.

وقد تكررت الحالة أيضا سنة 84 في أحداث الخبز وكذلك نهاية سنة 2010. وبطبيعة الحال كان للأزمة الاقتصادية سنوات 2008 – 2010 انعكاسات اجتماعية وخيمة مثلت الأسباب العميقة لاندلاع ثوة 17 ديسمبر – 14 جانفي. وقد بات من تقاليد الحركة الاجتماعية في تونس حدوث هزات اجتماعية عنيفة وعفوية خاصة في فصل الشتاء تسبقها فترة طويلة من الهدوء يظهر فيها الشعب التونسي مستكينا وخانعا ثم ولأبسط قادح يفجر في وجه السلطة جام غضبه ونقمته بشكل تعجز عن ترويضه مهما استعملت من عنف وقمع.

غير أن هذه الهزات عامة ما تحصل بصورة فجئية وعفوية وعامة ما تكون فاقدة للبرنامج السياسي الملموس وتندلع في غياب عنصر التنظيم والتخطيط. وهو ما حكم عليها دائما بالقصور عن تحقيق أهدافها أو فرض مكاسب ذات بال ترتقي إلى مستوى التضحيات التي يتكبّدها الشعب في كل مرة.

والحقيقة انه لا غرابة أن تؤول الثورة إلى هذا المآل الأليم كلما كانت تفتقد لشرط أخر – إلى جانب الشرط الموضوع – ألا وهو الشرط الذاتي أي وجود القيادة السياسية المنظمة والتي تحظى بثقة الجماهير المنتفضة وتتمتع بالقدرة على تنظيم كامل الحركة في تيار واحد تحت راية شعارات وأهداف موحدة. وتنطبع هذه الأهداف والشعارات، برنامج الثورة، بطابع القوى الاجتماعية التي تخوض المعركة وبطابع طلائعها التي تقودها. وهو ما يمكن اعتباره بوجه ما محددا في النجاح والفشل في كل ثورة.

إن هذان العاملان هما شرطان متلازمان كي تطمح أي ثورة في الظفر وبلوغ أهدافها. ومن دون ذلك تبقى مهددة بالانتكاس والفشل أمام القوى الرجعية التي تعبئ كامل طاقتها وكافة أجهزة دولتها لتدافع عن نظامها بفائق الحزم والبطش والجبروت.

الثورة وأشكالها

تتخذ الثورة أشكالا متنوعة ومتعددة بحسب الظروف التي تحف باندلاعها وبالقوى الاجتماعية التي تخوضها والأهداف التي تحركها وبحسب درجة تنظم الطلائع الطبقية التي تقودها وتؤثر في مجرياتها. ومن البلاهة بمكان أن نحصرها في شكل محدد ووحيد فكما قال لينين " إن التاريخ بوجه عام، وتاريخ الثورات بوجه خاص، لهو على الدوام أغنى بالمضامين وأكثر تنوعا وشمولا وأنبض بالحياة و« أكثر روغانا » مما تتصوره أحسن الأحزاب وأكثر الطلائع وعيا من أكثر الطبقات تقدما. وذلك أمر مفهوم، لأن أفضل الطلائع إنما تعرب عن وعي وإرادة عشرات الألوف وعن عواطفهم وتخيلاتهم، بينما تتحقق الثورات في لحظات تفجر جميع الطاقات البشرية وتوترها لدرجة كبيرة، وهي تتحقق بوعي وإرادة وعواطف وتخيلات عشرات الملايين المدفوعة بأحد صراع بين الطبقات. وهنا ينبثق استنتاجان عمليان على غاية من الأهمية: الأول، انه يجب على الطبقة الثورية، من أجل تحقيق مهمتها أن تضطلع بجميع أشكال النشاط الاجتماعي ونواحيه دون استثناء (وبعد الاستيلاء على السلطة السياسية، أن تنجز، أحيانا، بمجازفات كبيرة وأخطار جسيمة، ما لم تنجزه قبل الاستيلاء عليها) والثاني، أنه يجب على الطبقة الثورية أن تكون على استعداد لتنتقل، بأتم السرعة والمفاجأة، من شكل إلى شكل آخر. " ( 1 )

لقد أثارت الثورة في تونس جدلا في أوساط المثقفين والمتشيعين للفكر الماركسي على وجه أخص حول مدلولات ما حدث ما بين 17 ديسمبر 2010 و14 جانفي 2011. وامتد الخلاف في هذا الجدل إلى مضمون بعض المصطلحات فثارت حروب كلامية حول " الثورة " و" المسار الثوري " و" الانتفاضة " و" الحراك " وما إلى ذلك من المصطلحات وبدا وكأن الأمر يتعلق فعلا بخلافات نظرية ومبدئية فيما لم تكن هذه الخلافات في غالب الأمر – عدا بعض الحالات – مجرد ترف فكري ينم في كثير من الأحيان عن ضيق أفق بل وربما حتى عن جهل بالماركسية.

والحقيقة أن ما ظهر من جدل حول هذه التوصيفات لما جرى في تونس في تلك الفترة لم ينته إلى بلورة مقاربات أعطت لكل مصطلح من هذه المصطلحات على حدة معنى متميزا وتصورا مخالفا – بالعمق الكافي – لمعاني أخرى ولم يرسم حدود التباين بشكل جلي. لذلك ما زلت أعتقد أن ما عرفته بلادنا مطلع العشرية الحالية هو في ذات الوقت " ثورة " و" مسار ثوري " و"انتفاضة ". فهو " ثورة " بما أن الهدف منه كان إسقاط نظام الحكم بصرف النظر عما إذا تحقق هذا الهدف فعلا أم لا. علما وانه منذ الأسبوع الثالث من المواجهات التي عرفتها البلاد آنذاك كان الشعب يهتف بشعار " الشعب يريد إسقاط النظام " وقد بلغ يوم 14 جانفي جانبا من هذا الهدف حيث فر رأس النظام الدكتاتور بن علي. وهو في ذات الوقت انتفاضة شعبية تجسدت في تلك المظاهرات والمسيرات وما صاحبها من مواجهات عنيفة مع قوات البوليس معبرة عن حالة التمرد العامة التي استبدت بالشباب وبعموم المتظاهرين ليلا نهارا في أكثر من مكان. وهو أيضا تمرد وعصيان مدني في نفس الوقت. وهو أخيرا الإضرابات التي شملت مؤسسات إنتاج ومصالح إدارية متنوعة وإضرابات جهوية كانت كلها ذات طابع سياسي للاحتجاج على سلوك السلطة القمعي حيال الحركة الاحتجاجية حتى وإن كانت هذه الإضرابات من تنظيم النقابات ولم ترتق إلى مستوى الإضراب السياسي العام الذي عملت البيروقراطية النقابية ما في وسعها على تلافيه فاستبدلته بإضرابات جهوية بقرار الهيئة الادارية الوطنية للاتحاد العام التونسي للشغل تحت ضغط التمرد العام الذي شمل كل جهات البلاد ومجاراة له. لقد جمعت الثورة كل هذه الاشكال وأدت معنى كل هذه المصطلحات مجتمعة.

وعدم إدراك هذه الحقيقة هو في نظري ينم عن خلط نظري وخطأ منهجي في فهم وتحليل ما جرى في تونس ما بين 17 ديسمبر 2010 و14 جانفي 2011. ومن ذهب إلى القول بأن الأمر لا يعدو أن يكون انتفاضة ظنا منه ان الانتفاضة هي درجة أدنى من الثورة فإنه يسقط في هذا الخلط بين الأشكال التي تتخذها الثورة، أي ثورة، ومدلولها السياسي العميق.

الثورة هي عمل نضالي جماهيري راق يهدف إلى تغيير النظام القائم سواء اكان النظام السياسي أي تركيبة السلطة فقط أو النظام العلاقات الاجتماعية القائم. وتقاس نوعية الثورة بمدى عمق التغيير الذي تجريه على شكل الدولة أو على البنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية برمتها. أما الشكل الذي تتخذه الثورة فهو متعدد ومتنوع ومرتبط بطبيعة القوى التي تشارك فيها وتقودها ويمكن ان تنحصر في شكل محدد أو تجمع بين أشكال متعددة. وبحسب هذه الأشكال يمكن أن تتخذ طابعا سلميا أو أن تنحو نحو العنف. وفي الغالبية العظمى من الحالات عامة ما تكون القوى الاجتماعية المهيمنة والماسكة بالسلطة هي المبادرة باستعمال العنف لتزج بالثورة في اتون العنف والعنف المضاد والذي يمكن أن ينقلب بسرعة إلى حرب أهلية وعمل مسلح.

ولا تقاس الثورة بمدى نجاحها فمن ينزع عن ثورة 17 ديسمبر – 14 جانفي هذه الصفة إنما يقترف هو الآخر خطأ نظريا فادحا جراء الخلط بين المدلول العام للعمل الثوري ونتائجه. إن الثورة ليست بالضرورة هي الثورة المظفرة لأن نجاح أي ثورة مرتبط أشد الارتباط بموازين القوى ساعة اندلاعها وبجملة من العوامل الأخرى.

فما كل ثورة تقوم إلا وتنجح بالضرورة حتى تستحق تسميتها بثورة. فكما هي مرشحة للظفر فإنها تبقى مرشحة أيضا للف شل وذلك مرتبط بموازين القوى وقدرة كل من المعسكرين المتصارعين على قلب موازين القوى لصالحه والحفاظ عليها. لذلك يمكن أن تفشل وتعجز عن تحقيق أهدافها أي بلغة أخرى لا تتوصل إلى إجراء التغيير المطلوب فتبقى السلطة بيد الطبقة أو التحالف الطبقي المهيمن على المجتمع والماسك بجهاز الحكم. ويمكن أيضا أن تحقق الثورة نصف انتصار وتفشل في تحقيق كل أهدافها ولا تجري بالتالي إلا تغييرا طفيفا على موازين القوى فتحقق فقط جزءا من أهدافها حسب ما تسمح به تلك الموازين. وكما سبق أن قلنا فإن الثورة مسار متواصل وهوما يعني أنها يمكن أن تسجل تقدما كما تظل دوما قابلة للانتكاس والتراجع طالما هنالك صراع بين الطبقات، صراع في كل أبعاده. بل يمكن ان تنجح الثورة ولكن القوى المعادية تستطيع لأسباب متعددة الالتفاف عليها وتقوم بثورة مضادة وتعود بالأوضاع إلى ما قبل الثورة.

ونجد في تاريخ الثورات أمثلة كثيرة على ذلك. ففي فرنسا مثلا التي عرفت ثورات متعاقبة فشلت كلها باستثناء الثورة البرجوازية الكبرى ( 1789 ) ولم يمنع ذلك من الحديث عن ثورات، ولم يكن فشل ثورتي 1848 و1871 مبررا للقول بأنهما كانتا مجرد انتفاضة أو مسار ثوري كما يحلو للبعض ترديده والذين يتشبثون بنزع عما جرى في تونس صفة الثورة.

فما بين 1848 و1852 عاشت فرنسا ثورة عارمة استمرت لأربع سنوات وشهدت تقلبات عجيبة انطلقت بمطلب أساسي وهو إعادة حق الانتخاب للشعب الفرنسي سرعان ما تطور ليصبح المطالبة الجمهورية الاجتماعية ولينتهي في الأخير إلى الفشل التام وعودة الملكية تحت بونابارت الثاني. لقد رسم ماركس، وبدقة متناهية، في مؤلفه الشهير " 18 برومر لويس بونابارت " تفاصيل تعرجات المسار الثوري في فرنسا آنذاك ليستخلص في الأخير قائلا " ولهذا يبدو أن فرنسا لم تنج من استبداد طبقة برمتها إلا لتقع تحت استبداد فرد بل وتحت سلطة فرد بلا سلطة. ويبدو أن الصراع قد انتهى بحيث أن جميع الطبقات، وقد تساوت عجزًا وسكوتًا، جثت على ركبتيها أمام عقب البندقية " ( 2 ) بعد أن سرق بونابارت الثورة واستوي امبراطورا جديدا على فرنسا ودفن حلم الجمهورية الاجتماعية بل وحتى الجمهورية من النمط البرجوازي لعقدين من الزمن. ومع ذلك لم يتردد ماركس في الحديث عن " ثورة شهر فيفري " رغم ما آلت إليه قائلا " أن ثورة شباط (فيفري) كانت هجومًا مفاجئًا، كانت أخذًا مباغتًا للمجتمع القديم. وقد أشاد الشعب بهذه الضربة غير المتوقعة باعتبارها عملاً ذا أهمية تاريخية عالمية يؤدي بحقبة جديدة. وفي اليوم الثاني من كانون الأول (ديسمبر) تختفي ثورة شباط (فيفري) بين يدي نصاب ماكر ويبدو في النتيجة أن ما أطيح به ليس هو الملكية بل التنازلات الليبيرالية التي انتزعتها منها قرون من الكفاح. وبدلاً من أن يظفر المجتمع نفسه لنفسه بمحتوى جديد، بدا أن الدولة قد عادت إلى أقدم أشكالها فحسب – إلى السيطرة البدائية العديمة الحياء – سيطرة السيف والقلنسوة الكهنوتية " ( 3 ).

بعد حوالي 20 سنة من ذلك عاد التاريخ ليكرر حكمه القاسي وعاد الشعب الفرنسي والطبقة العاملة الباريسية على وجه التحديد لتكرر التاريخ ويخط بأحرف من العرق و الدم وبنار السلاح تجربة الكومونة الشهيرة في معركة دامية طوال حوالي ثلاثة أشهر. وامتد لهيب الثورة لكل أرجاء فرنسا التي عقدت صفقة استسلامها أمام الجيوش البيسماركية الغازية فابتدع عمال باريس نمط الدولة الجديدة، الكومونة تكريسا حيا " للجمهورية الاجتماعية ". يقول ماركس في مؤلفه " الحرب الأهلية في فرنسا " إن شعار " الجمهورية الاجتماعية "، الذي هللت به بروليتاريا باريس لثورة شباط (فيفري)، لم يكن إلا تعبيرا عن طموح غامض إلى جمهورية ينبغي لها أن تزيل لا الشكل الملكي للحكم الطبقي فحسب بل الحكم الطبقي ذاته. وجاءت الكومونة الشكل المعني بالذات لتلك الجمهورية " ( 4 ) .

ولكن الكومونة لم تكن غير نصر مؤقت لأسباب عددها ماركس في ذات المؤلف إذ انقادت الثورة التي بدت في طريق مفتوح لصنع تاريخ جديد لفرنسا بل لكل أوروبا إلى هزيمة نكراء كما سابقاتها من الثورات الفرنسية. إن مفارقة الصراع الطبقي في فرنسا هي كما يقول انجلز " فإن كل ثورة كان ينتصر فيها العمال كان ينشب في أعقابها نضال جديد ينتهي بهزيمتهم " ( 5 ).

أما في روسيا فإن ثورة 1905 ( وأشدد على كلمة ثورة ) التي كان هدفها الإطاحة بالنظام القيصري الاستبدادي فإنها انتهت إلى اقتلاع نزر قليل من الحريات " أكره القيصر ( كما يقول لينين ) على إصدار قانون انتخابي جديد يزيد بصورة ملحوظة عدد الناخبين ويعترف بطابع الدوما التشريعي " ( 6 ) والمقصود هنا هو دوما بوليغين الذي لم يسبق له أن انعقد أصلا من قبل.

ورغم هزيمة الثورة فإن ذلك لم يمنع لينين من القول في نصه الشهير " تقرير عن ثورة 1905 " ... ولذا نرى أن الثورة في روسيا لم تبلغ فقط الهدف التالي وهو أنها أيقظت نهائيا من السبات أكبر بلد في أوربا وأشد بلدانها تخلفا، وأنشأت شعبا ثوريا تقوده بروليتاريا ثورية.
لم تبلغ هذا فقط. فإن الثورة الروسية قد استثارت كذلك حركة في عموم آسيا. وتبين الثورات في تركيا وبلاد فارس والصين أن الانتفاضة الجبارة في عام 1905 قد تركت آثارا عميقة وأن تأثيرها الذي يتجلى في تحرك مئات ومئات الملايين من الناس إلى الأمام، إنما يستحيل استئصاله... " (7).

وعلى معنى هذه الاستنتاجات الا يحق لنا القول ان الثورة التونسية التي كان لها صدى لدى كل الشعوب العربية تقريبا ولدى الكثير من شعوب العالم قد أيقظت هي الأخرى – بقدر ما على غرار الثورة الروسية - الحس الثوري لدى هذه الشعوب والأمم في زمن كانت قد انطلت على أجيال متعاقبة كذبة أفول عهد الثورات وخضوع الإنسانية خضوعا أبديا للنظام الرأسمالي الذي يصارع سكرات ازماته وآخرها ازمة أكتوبر 2008.

وخلاصة القول أن ما جعل ماركس وانجلز ولينين يصطلحون على الاحداث التي سقناها كأمثلة بـ" الثورة " رغم فشلها في تحقيق أهدافها، بل رغم الهزيمة التي منيت بها، إنما هو ذلك الغضب العارم المنتفض على حياة الهوان والاستغلال والقهر وتلك المبادئ التي تحركه وتلك الأهداف التي تعبئ طاقاته وطاقات الفئات الاجتماعية صاحبة المصلحة في التغيير. لكن ان تنجح في ذلك أو تفشل فهو ليس بالأمر المؤكد لمجرد قيامها – أي الثورة – بل هو امر مرتبط كما سبق أن قلنا بجملة من الظروف المتشابكة والمركبة. فكلما نضجت الظروف الموضوعية والذاتية إلا وكان النجاح مضمونا وكلما اختلت هذه الشروط آلت النضالات العظيمة إلى الفشل بل وفتحت الباب في الغالبية العظمى من الحالات على مسار من الالتفاف بدرجات متفاوتة من الانتقام والثأر والجرائم. فنجاح الثورة أو فشلها هو في النهاية قضية موازين قوى بين الطبقات المتصارعة، الطبقات القديمة التي تريد استدامة نظامها، نظام الاستغلال والقهر والطبقات الجديد، الطبقة العاملة والفئات الكادحة الحليفة التي تريد افتكاك السلطة السياسية وتغيير نظام العلاقات الاقتصادية والاجتماعية ومجمل جوانب الحياة الأخرى.

لنرى الآن ما إذا كانت هذه العناصر الأساسية متوفرة في الثورة التونسية ام لا لتكون جديرة بأن نعتبرها فعلا ثورة.

إنها وبلا تردد ثورة بقطع النظر عن نتائجها وما قد تؤول إليه هذه النتائج من تراجع أمام مخاطر الفشل والالتفاف التي نراها ماثلة أمامنا في تجليات كثيرة ومتنوعة.

إنها ثورة للأسباب والعوامل والاعتبارات التي اخذها ماركس وانجلز ولينين في الاعتبار عند حكمهم على الثورات التي عايشوها. وأول هذه العوامل هي أنها ككل ثورة لم تكن عملا مفتعلا بل كانت لها أسبابها الموضوعية التي حتمتها، وهي الاستبداد والاستغلال الفاحش والفساد والعمالة وهو ما أدّى إلى تفاقم الفوارق الطبقية كما أدّى إلى تفاقم البطالة والتهميش والفقر والتفاوت بين الجهات. وهي العوامل التي أثارت نقمة الشعب التونسي قديما وحديثا فحاول النضال ضدها وفجر في وجهها شتاء 2010 – 2011 ثورة عارمة.

إن ثورة 14 جانفي ليست حدثا معزولا عما حصل في بلادنا في الستينات والسبعينات والثمانينات وسنة 2008 فيما يعرف بأحداث الحوض المنجمي هذه الأحداث التي مهدت للثورة راكم خلالها الشعب التونسي تجربة ثرية استخلص منها الدروس التي جعلته هذه المرة يحاول وينجح في المحاولة مؤكدا إصراره على أنه أصبح غير مستعد للعيش تحت قهر النظام واستغلاله وفساده وعمالته.

أما العامل الثاني فهو الطابع الشعبي لأحداث الثورة حيث شاركت فيها كل الطبقات والفئات الشعبية المتضررة ماديا ومعنويا من النظام. وإن كان العاطلون عن العمل هم السباقون للاحتجاج فإن بقية الفئات سرعان ما التحقت بهم أساتذة ومعلمون ومحامين وأخيرا العمال والأجراء في وكل فئات الشعب في المدن والأرياف مما أعطى للأحداث طابعا عاما ووطنيا.

العنصر الثالث هو شعارات الثورة التي ترجمت أهدافها ومطالبها ذلك انها ركزت على الإطاحة بنظام الحكم الفاسد ( الشعب يريد إسقاط النظام، الشغل استحقاق يا عصابة السراق وغيرها من الشعارات ). ورغم القمع والتقتيل تارة والمناورة والتمويه فقد أصرّ الشعب الثائر على بلوغ أهدافه أي إسقاط رمز الدكتاتورية ورأس النظام وهو ما يميز ثورة 14 جانفي عن الانتفاضات التي سبقتها في 2008 و1984 وغيرها. لقد كانت ثورة حقيقية ذات اهداف وليست مجرد حركة للاحتجاج والتعبير عن الغضب ولا هي حركة محلية أو ظرفية.

لقد أدركت الجماهير في حركتها العفوية جوهر مصالحها فعبرت عنها بشعاراتها ولكنها أيضا أدركت حقيقة موازين القوى مع النظام القمعي فنظمت احتجاجاتها بشكل فوت على نظام الحكم رغم كل مساعيه فرصة تحويلها إلى حرب أهلية دامية إذ لم يستعملوا السلاح ولم ينجروا في الغالب إلى أعمال التخريب حيث اقتصرت أعمالهم على مهاجمة مراكز السلطة ورموز النظام والفساد المرتبطين به. وبذلك اثبت الشعب التونسي أنه فجر ثورة شعبية من أجل نيل الحرية والتخلص من نظام الاستبداد وتحقيق مطامحه في الشغل والكرامة والمساواة والقضاء على التهميش والحقرة.

فيما نجحت الثورة وفيما فشلت؟؟

الآن وقد انقضت خمس سنوات بعد هروب بن علي كيف يمكن أن نقيم حصيلة الثورة التونسية؟ ما يتفق فيه الجميع تقريبا بصرف النظر عن الموقف الذي اتخذته جميع الطراف مما حدث هو ان حصيلة الثورة تقف عند المكسب الديمقراطي. ويشتمل هذا المكسب، إذا ما فككناه، إلى ثلاثة عناصر أساسية هي مدنية الدولة والحريات العامة والفردية والنظام السياسي التي وضع الدستور الجديد أسسها.

فبخصوص مدنية الدولة فإن الدستور الجديد أعلن صراحة أن الدولة التونسية دولة مدنية، الشعب هو مصدر السلطة والتشريع فيها وغلق الباب " نهائيا " أمام التصورات المنادية بدولة ذات مرجعية دينية. وعلاوة على ذلك ضمن " حرية المعتقد والضمير " بل وكفل في ذات الوقت حرية " ممارسة الشعائر الدينية " ونصص على " حياد المساجد ودور العبادة عن التوظيف الحزبي ". وهو مكسب هام حتى وإن بقي منقوصا ذلك أن عدم التنصيص على حياد المساجد عن التوظيف السياسي ( إلى جانب الحياد عن التوظيف الحزبي ) نقيصة ستترك الباب مفتوحا للأئمة أتباع التيارات السياسية التي تتخذ من الدين غطاء كي يوظفوا المساجد بطرق ملتوية لفائدة أحزابهم وضد خصومهم السياسيين. ومعلوم أن مثل هذه الضمانات الدستورية على أهميتها تبقى دوما عرضة للانتقاص والتراجع في الممارسة حسب ما تسمح به موازين القوى السياسية في كل مرحلة من مراحل الصراع الاجتماعي والسياسي في البلاد.

أما المكسب الثاني في الدستور الجديد فهو باب الحقوق والحريات الذي يتضمن المبادئ العامة المتعلقة بالحريات الأساسية، العامة والفردية، لإرساء المواطنة في مفهومها الحديث. حيث نص في الباب الخاص بالحقوق والحريات على تساوي المواطنين والمواطنات في الحقوق والواجبات وعلى ضمان الدولة لهذه الحقوق والحريات وخاصة قدسية الحق في الحياة رغم أن هذه الصيغة لم تراع فحوى الاتفاقيات الدولية ولم يرتق إلى ما ورد في دساتير أخرى ( المغربي مثلا ) في ما يتعلق بالحق في الإجهاض. كما نص الدستور على تجريم التعذيب وعلى حماية حرمة المسكن والمراسلات والمعطيات الشخصية وعلى " حرية الرأي والفكر والتعبير والإعلام والنشر .." وحرية البحث العلمي .. " وحق الانتخاب وضمان تمثيلية المرأة في المجالس المنتخبة وحق تكوين الأحزاب والنقابات والجمعيات والحق النقابي والحق في الإضراب وفي الاجتماع والتظاهر. وإلى جانب ذلك تضمن الدستور فصولا خاصة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية مثل الحق في العلاج والرعاية الصحية والحق في التعليم والعمل والثقافة وحرية الإبداع والرياضة والترفيه والماء والحق في البيئة السليمة

ولا بد من الإشارة هنا إلى ما جاء في الفصل 46 من الدستور بخصوص " حماية الحقوق المكتسبة للمرأة .. وتطويرها " وسعي الدولة " إلى تحقيق التناصف بين المرأة والرجل في المجالس المنتخبة " واتخاذ التدابير " الكفيلة بالقضاء على العنف ضد المرأة " فإنه بالمقابل من ذلك لم ينص صراحة على المساواة التامة والفعلية بين المرأة والرجل " خشية " أن يقع استغلاله للمساواة في الإرث. ومعلوم أن كتلة حركة " النهضة " مدعومة بعدد من نواب الترويكا والعريضة الشعبية وبعض " المستقلين " كانت وراء هذا الاعتراض والنقص الفادح الذي ميز الدستور الجديد.

ولعل أهم ما جاء في الدستور وفي هذا الباب بالذات الفصل 49 الذي جرى بشأنه صراع طويل وتكمن أهميته في الفقرة التالية : " يحدد القانون الضوابط المتعلقة بالحقوق والحريات المضمونة بهذا الدستور وممارستها بما لا ينال من جوهرها. ولا توضع هذه الضوابط إلا لضرورة تقتضيها دولة مدنية ديمقراطية وبهدف حماية حقوق الغير..." ومن باب تحصين هذه الحقوق والحريات المنصوص عليها في فصول هذا الباب تؤكد الفقرة الأخيرة من الفصل 149 " لا يجوز لأي تعديل أن ينال من مكتسبات حقوق الانسان وحرياته المضمونة في هذا الدستور ".

من أبرز ما يستحق التوقف عنده بالدرس والتحليل في الدستور الجديد هو طبيعة النظام السياسي الذي أقرّه، في صيغة يمكن القول أنها فريدة من نوعها إلى حد ما. فلا هو نظام برلماني بالمعنى الكامل للكلمة ولا هو نظام رئاسي على الشاكلة الرئاسوية الذي كان عليها في عهدي بورقيبة وبن علي وحتى على النمط الفرنسي أو اﻷمريكي. فهذا النموذج من التوزيع للسلطات هو حصيلة صراعات حادة جرت داخل المجلس التأسيسي وفي الساحة السياسية ككل واعتبر أن بصفته نظاما مختلطا (النظام البرلماني المعدل أو الرئاسي المعدل) هو أقرب النظم إلى الديمقراطية في المرحلة الانتقالية التي تمر بها بلادنا لأنه يمنع تغول أي من السلط على الأخرى.

لا شك ان هذه المكاسب على أهميتها وعلى أهمية النص القانوني الذي أرساها ( الدستور ) ونص عليها تبقى لا محالة معرضة للتراجع والانتقاص. فهي كغيرها من الحقوق خاضعة لتقلبات الأوضاع وموازين القوى ولا ينبغي الاعتقاد بأنها ثابتة ثباتا مطلقا ولا هي محمية من التهديدات. ومع ذلك يمكن القول انها تمثل حدا فاصلا بين شكل الدولة الديكتاتوري والشكل الديمقراطي. لذلك يمكن القول أن الثورة التونسية حققت في هذا المضمار قطعا مع الاستبداد ووضعت أسس النظام الديمقراطي على الأقل في حدوده البرجوازية أي الديمقراطية بالمنظور البرجوازي الذي يكرس الحريات العامة والفردية وحق الشعب في ممارسة السلطة واختيار من يحكمه عبر صناديق الاقتراع ووضع الآليات القانونية لحماية هذه الحريات. وهو مكسب، إذا ما نظرنا إليه من زاوية ما عرفته بلادنا من استبداد طوال حكم بورقيبة وبن علي، مهم بل وفي غاية الأهمية.

إن النظام الديمقراطي الجديد الذي جاءت به ثورة 17 ديسمبر – 14 جانفي على جدته عرضة للالتفاف سواء تحت ضغط رأس المال ومحاولات توظيفه او نتيجة مسعى الحكام الجدد الذين جاءت بهم انتخابات أكتوبر 2011 واكتوبر 2014 للعودة للنظام القديم ونزعتهم إلى احتكار الحكم والتضييق على التعبيرات السياسية الأخرى التي تخالفهم الرأي وخاصة القوى التي تهدد سلطتهم ونظامهم أي القوى الثورية التي تنتصر للشعب وللطبقة العاملة خاصة.

وللحقيقة أن هذه المساعي الالتفافية قادرة على تحقيق أهدافها طالما بقيت البنى الاجتماعية القديمة قائمة دون تغيير وطالما ظل نمط الإنتاج القديم هو النمط السائد وطالما استمرت علاقات الإنتاج التي يكرسها سائدة.

إن نمط الإنتاج الرأسمالي التابع، الذي تستأثر فيه البرجوازية الكبيرة (أي كبار الصناعيين والملاكون الزراعيون الكبار وبيروقراطية الدولة وكل العناصر التي تعيش من ريع تمثيلها للرأسمال الأجنبي المهيمن على بلادنا ) تستحوذ فيه بالتالي على منتوج العمل الاجتماعي هو القاعدة المادية لنظام الاستغلال الاجتماعي والقهر السياسي الذي سيطر على بلادنا ومجتمعنا ويمسك بكل دواليب دولته.

وهو ما ينطبق تماما على كل البلدان العربية تقريبا وحتى على عدد كبير آخر من بلدان ما يسمى بالعالم الثالث. ففي تونس كانت دولة البرجوازية الكبيرة العميلة في تونس دولة هذه الأقلية واتبعت على الدوام منذ أن انتصب نظام الحكم بالاتفاق مع الاستعمار الفرنسي المباشر شكلا ديكتاتوريا منغلقا وأخضعت الطبقات الشعبية، العمال والفلاحين وصغار المزارعين والحرفيين والموظفين وسائر الفئات الاجتماعية التي تعيش على الأجرة وبيع قوة عملها إلى الاستغلال الاقتصادي والقهر السياسي.

وقد تحول هذا النمط مع تعميم الليبرالية الجديدة إلى مرحلة من التعفن همشت أغلبية واسعة من الشعب وفقرتها فيما أصبحت أقلية محدودة تعيش حياة الرخاء حد البذخ وتشكلت طبقة رأسمالية فاسدة ومافيوزية مرتبطة ارتباطا شديدا بالاحتكارات والدول الإمبريالية في عصر العولمة. وبالنظر لطابعها المافيوزي هذا لم يعد للدولة دور اقتصادي تنموي بل أصبحت أداة من خلاله نظمت الأقلية الرأسمالية الفاسدة عملية النهب في إطار اقتصاد ريعي غير منتج ومعرقل لتطور قوى الإنتاج. وهو ما أفرز اجتماعيا تضخم الجزء المعطل من قوى العمل.

هذه التحولات أجرت تغييرا على " لائحة " المطالب والانتظارات الاجتماعية إذ لم يعد النضال الاجتماعي المنظم في النقابات والأطر التقليدية هو الواجهة الوحيدة للصراع الطبقي بل أصبحت الاحتجاجات غير المؤطرة رافدا ذا وزن في الحراك الاجتماعي العام. ولم تعد المطالبة بالترفيع في الأجور والتقليص من ساعات العمل وتحسين ظروف أداء المهنة هي محاور الصراع الأساسية وإنما انضافت إليها المطالبة بالتشغيل وبالتغطية الاجتماعية وبجملة الحقوق الاجتماعية الأخرى كالمعالجة والسكن وغيرها.

لقد دخلت قوى اجتماعية جديدة ركح الحياة السياسية وحلبة الصراع بشكل قلص إلى حد ما الدور المحوري الي كانت تضطلع به الطبقة العاملة في الصراع ضد البرجوازية. وقد لعبت هذه القوى دورا كبيرا في الانتفاضات التي شهدتها عديد البلدان العربية منها وغير العربية مثل المغرب ومصر وتونس في ما يسمى بثورات الجياع ( انتفاضة 18 يناير في مصر سنة 1982 وثورة الخبز في تونس سنة 1984 وثورة الجياع في الأردن الخ ... ). وفي السياق نفسه تندرج احداث الثورة في تونس في شهر ديسمبر 1910 الذي كان قادحها المباشر إقدام محمد البوعزيزي على حرق نفسه دفاعا على حقه في اكتساب قوت يومه من مهنة بيع الخضر في الوقت الذي لم يتسن له الحصول على شغل قار مثله مثل مئات الآلاف من الشبان في تونس.

إن ما رفعته هذه الحركات الاحتجاجية والانتفاضات من مطالب على " بساطته " ( الحق في الشغل وفي الخبز والعيش وفي الصحة والتعليم المجانيين الخ ... ) يستهدف في الحقيقة جوهر النمط الاقتصادي وخيارات التنمية التي ولدا لدى الفئات المفقرة والمهمشة هذه الحاجات الحياتية. فوراء الحق في الشغل والتعليم والصحة يستشف المطالبة بنمط تنمية جديد ينتج الثروة ويخلق قيمة مضافة لتمويل المشاريع الصناعية والفلاحية والخدماتية المتطورة ولتسديد كلفة مجانية التعليم والتربية والبنية الأساسية المتطورة، نمط يوفر فرص الشغل والعيش الكريم. وبهذا المعنى يمكن القول أن هذه الحركات الاحتجاجية رسمت أهدافها الثورية العميقة أي مضمون التغيير العميق المطلوب ولكنها لم تحسن صياغتها ولم تبلورها في برنامج واضح على الطريقة التي تجيدها الأحزاب السياسية وتتقنها.

في نفس الوقت لم تعدل الأحزاب السياسية ساعتها على هذه الاستحقاقات وتعلقت مطامحها أكثر بما هو سياسي فقط أي مسألة الحرية والديمقراطية وفي أقل الأحوال لم تكن جاهزة للالتقاط اللحظة لتقدم برنامج التغيير الشامل الذي يتضمن أجوبة على ما يهم نظام الحكم والحريات وقضايا الديمقراطية ولكن أيضا يمتلك الأجوبة اللازمة لمسألة التنمية والجوانب الاقتصادية والاجتماعية وخاصة المطامح الشعبية العاجلة والملحة كالتشغيل وظروف العيش والصحة والتربية والسكن وغيرها.

ولهذا ظل الملف الاجتماعي برمته مطروحا للحل كما لو ان الثورة لم تحصل بالمرة واقتصر التغيير على الجوانب السياسية فقط. لذلك دخل المسار الثوري في سياق ابرز اتجاهين متعاكسين : سلطة جديدة تعتبر نفسها الوريث الشرعي للثورة وصاحبة الاستحقاق الانتخابي تعمل على غلق قوس الثورة والعودة بالبلاد للوضع " الطبيعي " وفي الاتجاه المعاكس لذلك حركة اجتماعية مصابة بخيبة امل ولكنها تصر على مطالبها ولا تنفك تعبّر عن غضبها وتمسكها بضرورة إجراء التغيير المنشود وتحقيق المطالب التي رفعتها طوال أيام الثورة.


التغيير السياسي
بين الوهم وإرادة التغيير

اندلعت الثورة بصورة فجئية فقليلة هي القوى السياسية في تونس التي كانت تتوقعها أو تتوقع اقتراب ساعة اندلاعها وقليلة هي القوى التي كانت تعمل على إنضاج شروط قيامها. فسطوة النظام وضعف الحركة السياسية المعارضة وتشتتها وهدوء الحراك الاجتماعي جعل ما يسمى بالطبقة السياسية تعتقد وأن الوضع سيء ويستدعي تخفيض سقف المطامح والابتعاد تدريجيا عن شعار الثورة وحلم الثورة.

والحقيقة أن القوى السياسية المعارضة، وخاصة القوى الثورية التي كانت أكثر من غيرها محل قمع ومنع وملاحقة، أعادت بعد سنوات طويلة من المقاومة ترتيب أولوياتها وأعادت صياغة برامجها وراجعت نظرتها للطريق المؤدية إلى إنجاز الثورة والوصول إلى الحكم. فبما ان نظام الاستبداد الذي احتكر كل جوانب الحياة العامة والحياة السياسية على وجه الخصوص فقد أصبحت الدولة الاستبدادية هي العائق الأول في وجه كل نشاط سياسي لذا أصبحت الإطاحة بهذا الشكل من الحكم ودمقرطة الحياة السياسية هي المهمة العاجلة ومفتاح بقية مهمات الثورة الأخرى وارجئت بالتالي مهمة التغيير الجذري لنظام الحكم أي تغيير طبيعة النظام الاقتصادي والاجتماعي وطبيعة الدولة إلى حين التخلص من شكل الدولة الاستبدادية. ولئن كان مثل هذا التفكير على درجة من المنطق والمبدئية فإنه من الجانب الآخر فتح الباب إلى مراجعات أعمق مست جوهر الخط السياسي لدى بعض القوى السياسية حيث جعلت بعض القوى من هذه المهمة، مهمة تغيير شكل الدولة، السقف الأقصى لبرنامجها السياسي.

اود أن أفتح قوسا للعودة لجدل عرفته الساحة السياسية في تونس وفي الأوساط اليسارية تحديدا حول ما طرحه حزب العمال في مستهل التسعينات من القرن الماضي تحت عنوان " برنامج الحرية السياسية " واعتبره خطوة مهمة في طريق الاقلاع عن العموميات والتعاطي مع تطورات الوضع الملموس بمقولات استراتيجية عامة إلى تدقيق الخط السياسي العام وخاصة الخط التكتيكي للحزب وتسليحه بالحلول الملموسة المباشرة التي تعبد الطريق لتحقيق الأهداف الاستراتيجية.

ومعلوم أن برنامج حزب العمال الذي وضعه في مؤتمره التأسيسي كان طرح جملة من المهام المباشرة في نضاله ضد الديكتاتورية الدستورية ومن أجل الإطاحة بها. غير أن بن علي الذي انقلب على بورقيبة وتقدم للشعب بجملة من الشعارات التمويهية قصد إضفاء شرعية على انقلابه امكن له ان يفرغ الكثير من المطالب الديمقراطية التي تضمنتها البرامج التكتيكية لعديد القوى الثورية بما في ذلك برنامج حزب العمال. وإجابة على كل مطلب من المطالب المرفوعة ( حل محكمة امن الدولة والعفو التشريعي العام وحرية تكوين الأحزاب وتنظيم انتخابات عامة ديمقراطية وشفافة وغيرها من المطالب ) قام بن علي بجملة من الإجراءات تبدو في ظاهرها استجابة لمطالب الحركة الديمقراطية ولكنها في الحقيقة التفت عليها ومسختها وأفرغتها من محتواها بل فسحت المجال امام بن علي كي يزج بالبلاد تحت هيمنة نظام ديكتاتوري جديد أعنف وأخطر من سابقه.

فمقابل الإعلان عن حل محكمة امن الدولة أعلن بن علي على إحالة القضايا السياسية المعروفة ( من أجل تهديد الاستقرار والنظام العام، مسك منشورات محضورة، تنظيم غير معترف به الخ ... ) على المحاكم العادية وبهذه الطريقة ظلت عملية حل المحاكم الاستثنائية ( محكمة امن الدولة ) مجرد عملية شكلية بما ان هذا الإجراء لم يعالج مسألة التعاطي القضائي مع قضايا الحريات معالجة جذرية ومبدئية. وقد رأينا لاحقا سلسلة القضايا التي طالت المعارضات السياسية من مختلف المشارب امام محاكم الحق العام والتي تم تطويع القوانين الزجرية سارية المفعول للتضييق على الحريات والحقوق.

وعلى غرار هذا المطلب تم التعاطي مع بقية المطالب المرفوعة من طرف الحركة الديمقراطية. وهكذا سرق بن علي من هذه الأخيرة برنامجها وشوهه وغالط الشعب وأضفى على نظامه طابعا " ديمقراطيا " زائفا ولم تتمكن الحركة الديمقراطية من كشف هذه الألعوبة وصدق الشعب إلى حد بعيد سياسة " العهد الجديد " على انها تجاوز لمساوئ عهد بورقيبة. والمؤسف ان الحركة الديمقراطية لم تجد الطاقة والسبيل لإقناع الشعب بأن بن علي يغالطهم وانه بصدد إعادة ترتيب بيته الداخلي خصوصا وأن جزء واسع من المعارضة السياسية بل كل أحزابها باستثناء حزب العمال انجرت وراء بن علي وقبلت بتزكيته والانخراط في " الميثاق الوطني " مما صعّب على الثوريين كشف المؤامرة وتعبئة الشعب ضدها.

وكان لا بد من الانتظار فترة من الزمن حتى يشرع بن علي في الكشف عن وجهه الحقيقي. كان ذلك بمناسبة الانتخابات الجزئية ثم الانتخابات التشريعية وما رافقها من تضييق وتزييف ثم تبعتها عدة ممارسات أخرى اماطت اللثام عن حقيقة " ديمقراطية العهد الجديد ".

لقد أيقن حزب العمال في خضم كل هذه التطورات أن الحركة الديمقراطية ( بما في ذلك هو نفسه ) أهدى بن علي فرصة السطو على برنامجها ومطالبها المباشرة وان منع حصول مثل هذه التجربة المريرة يقتضي إعادة صياغة المطالب الديمقراطية ضمن برنامج متكامل غير قابل للتشويه والتفكيك، برنامج يضمن القطيعة بين الديكتاتورية والديمقراطية بهذه الدرجة او تلك من العمق والتجذر حسب المسار وموازين القوى التي تسمح بتحقيقها. وقد اهتدى حزب العمال إلى هذه الاستنتاجات بناء على تحليل معمق وتفكيك دقيق لمختلف أطوار العملية الثورية ومسألة السلطة والتفريق بين طبيعة الدولة وشكلها. وبناء على ذلك توصل حزب العمال إلى الهدف الاستراتيجي في الثورة التونسية هو تخليص البلاد من كل مظاهر الهيمنة الامبريالية والقضاء على دولة البرجوازية العميلة وإقامة الدولة التي تكرس السلطة الشعبية ( دولة تحالف الطبقات والفئات الشعبية الكادحة ) والتي تحقق التنمية المستقلة لفائدة الشعب وتلبي المطامح السياسية ( الحريات والحقوق في كل أبعادها ) والاجتماعية والتي تساعد قوى الإنتاج على التطور كما ونوعا وتضع البلاد على سكة التقدم الاجتماعي والحضاري والمرور إلى الاشتراكية بثبات ودون عوائق كبيرة.

غير ان هذا الهدف لا يمكن أن يحدث بالضرورة هكذا بصورة فجئية ودون ممهدات بل هو نتاج مسار من طويل ومركب من المهمات الجزئية والمرحلية. بلغة أخرى لبلوغ هذا الهدف الاستراتيجي لا بد من برنامج تكتيكي مرحلي يندرج ضمنه ويصب فيه ويمهد الطريق لتحقيقه. هذا البرنامج المرحلي مهمته تذليل العقبات ولكن أيضا يوقظ الوعي السياسي لدى الجماهير الشعبية التي بالقدر الذي تقدم في كل مرة على تحقيق مطلب بسيط ومباشر تتعلم من تجربتها الخاصة سبل هزم أعدائها الطبقيين وتكتشف القوة الكامنة في وحدتها ووعيها بالقدر الذي تكتشف فيه حقيقة العداء الذي تكنه لها القوى الرجعية التي تحكمها وبالتالي أن حقيقة خلاصها إنما يكمن في القضاء المبرم على هذا العدو والتخلص منه وتجريده من كل عوامل قوته وأدوات حكمه لا بالحصول على تسويات معه.

إن الهدف من " برنامج الحرية السياسية " هو هدف مزدوج. فهو برنامج دعائي لتطوير وعي الجماهير وتخليصها من الأوهام البرجوازية والبرجوازية الصغيرة المهيمنة من جهة وهو من جهة ثانية برنامج تحريضي لتعبئة الشعب في النضال من أجل فرض مكاسب جزئية ومرحلية، وهي مكاسب قابلة للإنجاز. فكلما أصرت الجماهير على تحقيقها إلا وأجبرت نظام الحكم على التنازل بهذا القدر او ذاك بحسب درجة الضغط الممارس عليها. وعلى قدر اتساع رقعة النضال الشعبي وعمقه وتماسكه يمكن افتكاك مكاسب متنوعة اقتصادية واجتماعية وسياسية. فالتنازلات التي تجبر الدولة البرجوازية على تقديمها لا تعني مطلقا تحولها من دولة رجعية معادية للشعب إلى دولة ديمقراطية صديقة له.

لذلك فإن النضال من أجل نيل الحرية، وفي الحقيقة من أجل افتكاكها لأن الرجعية لا تهدي شيئا للعمال ولعموم الشعب إلا متى أجبرت على ذلك، ليس بالأمر المخالف للمبادئ الثورية لدى كل حزب يعمل بصدق من اجل الثورة وتغيير الأوضاع. ولكن الحزب الثوري لا يستطيع في كل الأحوال والظروف الوصول رأسا إلى تلك المهمة الكبرى إجراء التغيير دفعة واحدة ودون مقدمات وتحضير. فكما سبق أن رأينا العملية الثورية مسار طويل ومعقد ومركب يحصل على فترة من الزمن تطول وتقصر بحسب ظروف النضال العامة في أي بلد. وفي الظروف التي تكون الحركة الثورية تواجه نظاما استبداديا وتعمل في ظروف صعبة تستوجب منها ترتيب أولوياتها يجد الحزب الثوري نفسه مجبرا على تركيز عمله على تحسين شروط النضال أي فرض حرية الدعاية والتحريض وكما قال لينين مجبرا على " قبول تسديد الدين أقساطا " ( 8 ) دون أن يتخلى عن أهدافه الحقيقية أو التراجع عن مبادئه ويقول لينين في ذلك بتمام الصواب " إن مهمة الحزب الثوري حقا لا تفرض إعلان الامتناع عن كل مساومة أمرا مستحيلا بل تفرض معرفة الحزب كيف يبقى عبر جميع المساومات ما دامت محتمة لا ندحة عنها مخلصا لمبادئه، لطبقته، لمهمته الثورية، لواجبه، واجب إعداد الثورة وتربية جماهير الشعب من أجل إحراز النصر في الثورة ..." ( 9 ) .

من هذا المنطلق اقترح حزب العمال بعيد تأسيسه " برنامج الحرية السياسية " كمقدمة للمهمات الثورية الكبرى الاستراتيجية أي الثورة الوطنية الديمقراطية ذات الأفق الاشتراكي. وقد جاء في كراس "نداء إلى الشعب "، " يتضح مما سبق أن العائق الرئيسي الذي ظل يجول حتى اليوم دون توحيد الجماهير الشعبية وتنظيم صفوفها وتوسيع نضالها وإكسابه الفعالية اللازمة هو الطغمة الدستورية الحاكمة التي تمنع الصحف والاجتماعات والانتخابات الحرة والتجمعات والجمعيات الديمقراطية ولذا فإن المهمة المباشرة الموكولة للشعب التونسي هي دون شك النضال من اجل الظفر بالحرية السياسية...". ( 10 ) ويتضمن هذا البرنامج جملة من الأهداف السياسية والاقتصادية والاجتماعية مبينا أن الفارق بين مهمة النضال من اجل الحرية السياسية المطروحة مباشرة ومهمة الثورة الوطنية الديمقراطية المطروحة على امتداد مرحلة يتمثل في كون الهدف من الأولى هو جعل البرجوازية الحاكمة تتخلى عن شكل سلطتها الفاشي والإقرار بالحرية السياسية. بينما الهدف من الثانية هو فرض سلطة جديدة تماما في شكلها ومحتواها الطبقي.

وينطلق حزب العمال في رسم تكتيكه هذا من دراسته لطبيعة المجتمع التونسي وواقعه ومراحل تطوره وتطور طبقاته ومختلف تعبيراته السياسية والنقابية والثقافية وكذلك من قناعته بان إمكانية إلحاق الهزيمة، جزئيا او كليا، كما تؤكد ذلك تجارب الشعوب، بأكثر الأنظمة استبدادا وغطرسة وإجبارها على التقهقر والتنازل أمر ممكن ومرتبط بحالة الحركة الثورية واستعداد قواها السياسية والمدنية وطلائعها للقيام بدورها.

ويؤكد برنامج الحرية السياسي على ان النضال ضد الطغمة الدستورية المتسلطة في سبيل فرض الحرية السياسية يتعارض ومنطق التفاهم معها أو محاولة إقناعها به مثلما يفعل الليبراليون ويتعارض أيضا والطرق الفوقية وأسلوب المفاهمات ومناورات الكواليس وتقديس الحدود التي ترسمها السلطة الاستبدادية لأن كل ذلك من شأنه أن يجهض النضال من اجل فرض الحرية السياسية وتجاوز الشكل الديكتاتوري للحكم.

كما نبه برنامج الحرية السياسية الذي قدمه حزب العمال إلى أن لا يسقط الثوريون في حصر النضال من اجل الحرية السياسية في الحريات ذات الطابع السياسي المحض على حساب الأهداف الاقتصادية والاجتماعية وقضايا المساواة بين الجنسين والخدمات العامة والمقدرة الشرائية وغيرها من الاحتياجات المباشرة لإنقاذ جماهير الشعب من حالة البؤس والانحلال المادي والمعنوي التي أخضعتها لها الفاشية الدستورية.

لكن ومع ذلك فإن الحرية السياسية ليست هدفا في ذاتها بل هي برنامج لفرض التحسينات اللازمة والممكنة والمباشرة على أوضاع الجماهير الشعبية المهنية والمعيشية والدراسية والثقافية وعلى كل ظروف عيشها. فالمعركة من اجل الحرية هي مدرسة يتعلم منها الشعب إدارة المعارك الطبقية بكل أحجامها ويكتشف فيها قدراته على منازله الديكتاتورية ويحقق بها عندما تتوفر كل الشروط إلى فرض مكاسب حقيقية تفتح أمامه طريق النضال في ظروف أفضل من اجل مهمات أرقى واهداف أعمق للتخلص من الاستغلال والقهر البرجوازي.

على خلاف ذلك سارت بقية الأحزاب الإصلاحية الليبرالية والاشتراكية الديمقراطية في تونس كما في كل البلدان العربية تقريبا باتجاه التعاون مع برجوازياتها الحاكمة وأنظمتها الرجعية الديكتاتورية بما في ذلك الأحزاب الشيوعية القديمة التي انساقت وراء التحريفية الخروتشوفية راجعت مجمل مقولاتها الثورية القديمة والتحقت مبكرا بائتلافات الحكم التي انتصبت بديلا عن إدارة الحكم الاستعماري المباشر أو اتخذت من هذه الأنظمة موقف المساندة النقدية. وهو ما حصل في الكثير من البلدان (المغرب، سوريا، السودان الخ.. ) بما في ذلك تونس. واعترفت هذه الأحزاب بالاستقلالات الشكلية معتبرة إياها إنجازا للمسألة الوطنية ودعت إلى دعم نظم الحكم الجديدة ومساندة " دولة الاستقلال " ووضعت نفسها ضمن جوقة الديكور الديمقراطي على ذمة خطط التنمية المتوخاة عموما من قبل الكمبرادور والائتلافات الطبقية الرجعية الحاكمة لخدمتها. غير أن الأمر لم يقتصر فقط على هذا الصنف من الأحزاب بل سارت في نفس الطريق كل الأحزاب الليبرالية والاصلاحية البرجوازية والبرجوازية الصغيرة ذات المرجعيات القومية والاشتراكية الديمقراطية. بل لم تسلم من ذلك حتى الأحزاب التي ادعت الماركسية، بعض أحزاب اليسار الجديد التي، تحت عناوين مختلفة، غازلت السلطة واقتربت منها للفوز بالاعتراف القانوني أو للحصول على تسهيلات للتواجد وممارسة نشاطها فيما لاذت تيارات أخرى يسارية وذات أصول ماركسية بالمنظمات الجماهيرية وخاصة النقابات أين وجدت ملجا للنشاط لا بصفتها السياسية وإنما كتيار نقابي راديكالي حاول اختراق النقابات للالتحام بالعمال وتحريرهم من الأجهزة البيروقراطية الماسكة بها غير أن هذه التيارات سرعان ما حادت عن أهدافها وتحولت تدريجيا إلى بيروقراطيات نقابية ناشئة متذيلة للبيروقراطية التقليدية.

لقد استعملت الأنظمة الدكتاتورية كل الأساليب لترويض كل من عارض حكمها. وكلما فشلت الأشكال السلمية في استدراجهم وشراء ذممهم وتدجينهم وتبين ان هذه الأساليب لا تجدي معهم نفعا إلا وحلت محل ذلك العصا والقمع والملاحقة والسجن لتفكيك تنظيماتهم وإخماد أصواتهم وعزلهم عن الشعب. والحقيقة أن هذه الطرق تظافرت للقضاء على المعارضات السياسية في البلدان العربية وحولت جزء كبيرا منها إلى ديكور ديمقراطي يزين واجهة نظم الحكم ويعيش على الفتاة الذي سمح به لها وانصرفت عن دورها الأساسي أي السعي إلى افتكاك السلطة وإجراء التغيير الذي يحتاجه المجتمع. ولم يفلت من كماشة القمع والتدجين غير القليل القليل من المعارضة وبالتحديد بعض المجموعات والأحزاب اليسارية الثورية أو قوى الإسلام السياسي المنحدرة على العموم من حركة الاخوان المسلمين الذين ظلوا – بصرف النظر عن وزنهم وقدراتهم – يتقدمون لشعوبهم كبديل عن نظام الحكم القائم. مع الإشارة إلى أن تيارات الإسلام السياسي فرخت لعوامل كثيرة منها ما يتعلق بها ومنها ما هو مرتبط بتدخل أجهزة المخابرات الأجنبية مجموعات عنف وتكفير تماما كما فرخت مجموعات أخرى تدعي الوسطية والاعتدال لتنضم إلى جوقات المعارضات الكرطونية.

أما المجموعات والأحزاب اليسارية الثورية التي صمدت في وجه الاستبداد فقد ظلت لا محالة ضعيفة ومهمشة ومنحصرة في الأوساط المثقفة والبرجوازية الصغيرة المحدودة التأثير في الأوساط الشعبية. ولم تنجو هي الأخرى من السقوط في التركيز على ما هو سياسي أي ما يتصل بالحريات والديمقراطية وهو في حد ذاته أمر مفهوم. ولكن غياب الجوانب الاجتماعية والاقتصادية في برنامجها وخاصة في نشاطها طمس حقيقة الفوارق بينها وبين الأحزاب الإصلاحية التي كانت تركز بوعي على قضايا الحريات وتهمل عنوة كل القضايا الأخرى والتي تهم بدرجة أولى الجماهير الشعبية.

تلك كانت حالة القوى السياسية المعارضة في تونس مثلا عندما اندلعت الثورة ما بين 17 ديسمبر 2010 و14 جانفي 2011 وذاك هو واحد من أسباب غيابها أو على الأقل محدودية قدرتها على الفعل في أحداث الثورة منذ نشوبها. إن الانهاك الذي كانت عليه القوى المعارضة عامة والقوى الثورية منها على وجه الخصوص لم تكن تسمح لها بأن تلعب دورها في هذه الأحداث وقيادتها وتوجيهها الوجهة الصحيحة.

ومن جهة أخرى فإن الصراع ضد الديكتاتورية لعقود متتالية جر كل القوى السياسية، يسارية وإسلامية واصلاحية، إلى الاقتناع بأن تحقيق الديمقراطية وفرض الحريات هو المدخل لكل تغيير في المجتمع وأصبح شعار تغيير شكل الدولة من دولة برجوازية استبدادية إلى دولة ديمقراطية حتى من النمط البرجوازي هو عنوان المرحلة ومضمون التكتيك السياسي العام. وبلغة أخرى ركزت هذه القوى على ما هو سياسي واهملت، أحبت ام كرهت، الجانب الاجتماعي. فأصبح بالتالي النضال من أجل الحريات وحقوق الإنسان والديمقراطية بشكل عام هو أولوية الأولويات فيما تركت المطالب الاجتماعية كالحق في الشغل وفي تحسين ظروف العيش والخدمات العمومية والتربية والتعليم وغيرها من المسائل الثانوية وفي أقل الأحوال من القضايا التي لا تلقى نفس التعبئة والحماس لدى مختلف الأحزاب تقريبا. وهو ما يفسر اتساع رقعة تأثير النقابات والهياكل الاجتماعية الأخرى التي اتخذت من النضال حول هذا الملف مهمة رئيسية رغم ما ألحقت بهذا النضال من أضرار وتشويهات نتيجة تواطؤها مع السلطة ومهادنتها لها. وهو ما نزع كذلك، مع مرور الوقت، عن برامج الأحزاب السياسية طابعها العام والشامل أي ميزتها كمشروع المستقبل وكبديل عن السائد قادر على لف كتلة اجتماعية واسعة حوله وهو ما تسبب لها، أي الأحزاب، تدريجيا في الانعزال عن القوى الاجتماعية الأساسية أي عن العمال والفلاحين وعموم الكادحين والمهمشين.

إن هذه الفئات التي تكبدت، وخاصة منذ أواسط الثمانينات من القرن الماضي، أي منذ تعميم النمط الاقتصادي الليبرالي، خسائر فادحة وأضرارا جسيمة في لقمة عيشها وفي ظروف حياتها، لم تكن منشغلة بقضية الحريات وحقوق الانسان بالقدر الذي كانت تتحمس لمطالبها المادية والاجتماعية. ولذلك لم تكن في دائرة إشعاع الأحزاب التي كانت تركز على مطالب وقضايا غير قضاياها ومطالبها. وقد عمل النظام في عهد بن علي على تعميق الهوة بين الحركة السياسية والحركة الاجتماعية محاولا بذلك تعميق عزلة المعارضة وخاصة القوى الثورية منها عن عامة الشعب. كما لعبت الحركة النقابية في تونس بصورة مباشرة وبصورة غير مباشرة على تهميش دور الأحزاب وبالتالي على عزلها. ولعل الكثير يتذكر الدور الذي قامت به البيروقراطية النقابية في عهدي السحباني وجراد لمحاصرة قوى اليسار وحزب العمال على وجه الخصوص والحملات التي كانت تشنها علنا في التهجم عليها والاقصاء الذي مارسته على مناضلي اليسار وخاصة الذين تحوم حولهم شبهة الانتماء لحزب العمال. ومعلوم ان كل ذلك كان بقصد الحيلولة دون أن يكون لهؤلاء ومن ورائهم تنظيماتهم وأحزابهم ارتباط وثيق بالعمال. أما بصورة مباشرة فقد لعبت البيروقراطية دورا خطيرا في تفسيخ هوية الكثير من المناضلين اليساريين الذين اقتحموا عالم النقابات بغاية الالتحام بالطبقة العاملة والتأثير في خط الاتحاد باتجاه تحويله إلى منظمة نقابية ثورية منحازة للعمال غير انه وبالنظر لقوة الضغوط والاغراءات المادية والمهنية المسلطة على هؤلاء المناضلين وبالنظر أيضا لهشاشة قناعاتهم فقد انحرف الكثير منهم وتحولوا تدريجيا إلى أتباع للبيروقراطية وفي خدمتها بل وأصبح البعض منهم جزء لا يتجزأ من البيروقراطية أو شكلوا بيروقراطية ناشئة لا تقل انتهازية عن تلك التقليدية.

ليس القصد هنا إلقاء المسؤولية على الظروف الموضوعية والتخفي وراءها ولا البحث عن مبررات للأحزاب السياسية والأطراف الثورية فيها لتبرئتها من أخطائها وإنما هو تفسير للعوامل الموضوعية العنيفة ( القمع والمحاكمات الخ .. ) وغير العنيفة (تخريب الوعي..) التي ساهمت في تقليص دور الأحزاب وفي انعزالها عن الجماهير.

مسار الثورة
بين التعميق والالتفاف

ما من شك أن مكسب الحرية مكسب هام ومحوري في مآل أي مسار ثوري. فالحرية فتحت ابوابا واسعة لانفلات الجماهير من عقال الخوف والخمول لتنوع أشكال التعبير والنضال ولتطلق لخيالها الثوري عنان الحلم بمكاسب أكبر وأهم في حياتها اليومية.

ففرار بن علي لم يفت من عزيمة الاحتجاجات والمظاهرات بقدر ما أججها أكثر فأكثر فتصاعدت النضالات في القصبة ( الإعتصام ) وفي المتلوي وسليانة وفي كل مكان وسرعان ما تحولت شعارات الحركة إلى التعبير عن مطامح ومطالب جديدة تصبّ كلها في تغيير نظام الحكم ونمط التنمية ومجمل نظام الحياة العامة. وفي خضم ذلك رفتعت شعارات حل حزب التجمع الدستوري وإصلاح مؤسسات الدولة ( الأمن والجيش والإدارة والإعلام ) وانتخاب مجلس تأسيسي وتغيير نظام الحكم. وفي خضم ذلك أيضا افتك الشباب في عديد الجهات مساحات من أراضي الدولة وكبار الملاكين العقاريين المعروفين بارتباطهم بالنظام السابق ولوبيات الطرابلسية وغيرهم.

لقد فتح هروب بن علي على أفاق جديدة وأعطت أجواء الحرية دفعا قويا للطاقة الثورية الكامنة في الشعب. فوجدت القوى الثورية في ذلك المناخ الملائم لتتنظم وتوحد صفوفها ( المحاولة الأولى لتأسيس جبهة 14 جانفي ) وفي نفس الوقت لتلتحم بالجماهير الغاضبة. غير أن تسارع الأحداث وضخامة الرهانات المطروحة على الساحة من جهة وقلة التمرس على الأعمال الجماهيرية الكبرى والمفتوحة لم تعط للقوى الثورية في تونس الوقت والفرصة لكي تستنبط بالسرعة الكافية برنامج النضال القادر على لف الجماهير حولها ولم تتمكن من صياغة الشعارات المجمعة كما لم تهتد إلى بلورة آليات جديدة لتنظيم الجماهير وبعث مؤسسات حكم بديلة للمؤسسات القديمة شبه المنحلة.

لقد تداركت البرجوازية أمرها واستأنفت مبكرا مساعيها لمسك الخيوط بين أيديها فراحت تحاول المرة تلو الأخرى إعادة تنظيم صفوفها مقابل بث الفوضى في صفوف الجماهير الثائرة وافتعال أعمال فوضى والتحريض على العنف وتأليب أوساط شعبية ضد أخرى بإثارة نعرات متنوعة. وقد استغلت سوء تنظيم القوى الثورية وتهافت الأحزاب الإصلاحية على المشاركة في الحكم والالتفاف سريعا على مسار الثورة كي تجر لفيف واسع من الأحزاب والمنظمات المدنية والنقابات إلى القبول ببرنامج لجنة بن عاشور التي مثلت المنعرج الحاسم في الانحراف بالثورة عن مسارها وسقوطها تحت سيطرة القوى الرجعية والاصلاحية.

دخلت الثورة التونسية في مسار متناقض الاتجاهات ولا زالت إلى الآن كذلك رغم أن موازين القوى العامة صارت راجحة للقوى الرجعية. فمن جهة استمر الشعب ولا زال في رفض اختيارات حكومات ما بعد 14 جانفي ولم يكف عن الاحتجاج والنضال من أجل مطالبه الاجتماعية والاقتصادية خاصة. ومن الجهة المقابلة ما انفكت الرجعية تناور وتسعى إلى غلق قوس الثورة والعودة بالبلاد إلى ما قبل 14 جانفي 2011. ولم يتمكن كلا الطرفين من حسم الوضع لصالحه بصورة نهائية. فلا الائتلاف الرجعي مسك بكامل الوضع واستقرت له أمور الحكم ولا الشعب استطاع قلب الموازين لصالحه بصورة نهائية وأسقط المنظومة البرجوازية الرجعية.

وقد عرف هذا المسار تعرجات كثيرة لعل أبرزها انتخابات 23 أكتوبر 2011 واغتيال الشهيد شكري بلعيد وسقوط حكومة حمادي الجبالي ثم في فترة لاحقة اغتيال الشهيد البراهمي واعتصام الرحيل وجولات الحوار الوطني ومجيء حكومة مهدي جمعة بدلا عن حكومة علي العريض وأخيرا انتخابات 26 أكتوبر 2014 وظهور التحالف الرجعي لحزبي النداء والنهضة وحكومة ما يسمى بـ " الوحدة الوطنية " التي انتهيت هي الخرى إلى أزمة سياسية حادة في تعفين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

في كل هذه المحطات طرحت مسألة السلطة بحدة وتمكنت الرجعية، إن بالانتخابات أوعن المفاهمات الفوقية، من حسم الصراع لصالحها. وفي كل مرة هدرت القوى الثورية ومن ورائها الشعب التونسي فرصة افتكاك السلطة وتنفيذ برنامجها الخاص لتغيير الأوضاع على النحو الذي يخدم مصالحها بحق. وقد خيل للبعض، ولأوساط واسعة من الشعب التونسي، الذين راحوا يصبون جام غضبهم على الجبهة الشعبية موجهين لها تهمة التفريط في فرصة الانقضاض على الحكم خاصة يوم الجنازة الضخمة للشهيد شكري بلعيد أو على إثر اعتصام باردو معتبرين أن الظروف كانت مواتية لاستلام الحكم لو لا تخاذل الجبهة وغباها السياسي. وهي في حقيقة الأمر تحاليل سطحية تتعامل مع مسألة اخذ مقاليد الحكم بصورة إرادية وكمجرد عملية تقنية خالية من رهاناتها السياسية الطبقيةالحقيقة أن الأوضاع كانت، موضوعيا تبعث على ذلك الاعتقاد فحمادي الجبالي كان سارع بالإعلان عن استقالة حكومته وبذلك وبالنظر لمعطيات أخرى كثيرة كانت أجهزة الحكم في حالة بهتة حقيقية. وفي كلمة كان الحكم " على قارعة الطريق ". غير أن القول بأن الجبهة الشعبية فرطت في تلك الفرصة فقط للأسباب المذكورة هو محض " تخريف " لأنه لا يأخذ في الاعتبار أمرين أساسيين هما أولا جاهزية الجبهة من الناحية السياسية والمعنوية في تلك اللحظة من جهة وجهل الجبهة بمؤسسات الدولة ودواليبها ( الأمن خاصة ) من جهة ثانية. فالجبهة لم تكن في تلك اللحظة مستعدة بالمرة للمرور للسرعة القصوى لاقتناص الفرصة بل لم يدر بخلدها البتة التفكير في رد الهجوم والانقضاض على الحكم رغم حالة الفراغ الرهيبة التي كانت عليها أجهزة الحكم آنذاك. لقد شيعت الجبهة شهيدها وهي غارقة في مشاعر الحزن والأسى دون ان تفكر حتى في تحويل الجنازة إلى حركة سياسية ميدانية بل لم تفكر حتى في تنظيم مظاهرة في ظل وجود ذلك العدد الضخم ممن حضروا الجنازة. لقد تفرق مناضلوها وعموم الحضور كل إلى حال سبيله. ومما زاد الطين بلة هو الهجوم المباغت لمجموعات الفوضى التي حرفت انتباه الجميع لأعمال التخريب التي قامت بها في محيط المقبرة وزرعت في صفوفهم الهلع لم تلق من رد فعل عدا أن راح كل واحد لا يفكر إلا في الإفلات من العنف الهمجي الذي ساد في محيط المقبرة. لم تكن هذه العملية التي ظل، وإلى اليوم، يكتنفها الغموض، عملا عفويا أو حركة صبيانية بقدر ما كانت حركة منظمة ومدروسة دبرتها أوساط المال العفن التي لم تجد بدا من إنقاذ الحكم من أي هجوم محتمل من طرف الجبهة غير افتعال تلك الحادثة حتى تمر اللحظة الحرجة بسلام. وللأسف لم تكن الجبهة تتوقع ذلك السيناريو الخبيث ومرت بجانب فرصة تاريخية قلما توفرت لها.

ليس من عادة التاريخ أن يكرر نفسه إلا في أشكال أخرى ولكنه وفي سياق شبيه بمناسبة اغتيال الشهيد شكري بلعيد شاءت الظروف ان تجد الجبهة الشعبية نفسها حيال وضعية معقدة ولكنها مواتية مرة أخرى لتضع على رأس جدول أعمالها قضية الحكم الآن وهنا. كان ذلك بمناسبة اغتيال أحد قادتها مرة أخرى الشهيد محمد البراهمي صيف 2013. ورغم أن القضية كانت مطروحة بقدر ما من الوعي فإن الجبهة لم تكن مرة أخرى جاهزة لترفع نسق سعيها لحسم المسألة بالقوة اللازمة ذلك أن الندوة الوطنية للجبهة الشعبية المنعقدة حوالي شهرين قبل اعتيال الشهيد البراهمي كانت خرجت بمبادرة طرحت تشكيل جبهة واسعة لعقد مؤتمر الإنقاذ وتشكيل حكومة إنقاذ وطني تولى اجتماع نزل " أفريكا " بالعاصمة يوم 9 جويلية أي أسبوعين قبل واقعة الاغتيال والذي جمع فعلا مكونات الجبهة المزمع بعثها، وضع الخطوط العريضة لبرنامج الإنقاذ وآليته.

بلغة أخرى كانت الجبهة تتدرب على هضم المسألة وتحويلها من مجرد فكرة عامة إلى مخطط للإنجاز وكان يفترض انها كانت أكثر جاهزية، على الأقل من الناحية المعنوية، إلى المرور إلى الفعل ليلة اجتماع كل الأطياف السياسية والمدنية – عدى الترويكا – في مقر حزب العمال والذي انتهى إلى الاتفاق على حل الحكومة وحل المجلس التأسيسي وجملة من القرارات الأخرى وانبعاث جبهة الإنقاذ فورا. فما كان يخطط اجتماع 9 جويلية لمراكمته وإنجازه على مراحل عجل به اغتيال البراهمي وحوله بسرعة البرق تحت وطأة الفاجعة إلى قرار يحوز على مباركة الجميع تقريبا.

لكن تفاصيل المناورات التي جاءت بها الأيام الموالية حالت دون أن يتحول هذا الشعار إلى إنجاز حقيقي. وأعني بالتفاصيل أولا مسارعة الهيئة الإدارية للاتحاد العام التونسي للشغل ( 29 جويلية 2013 ) إلى " سرقة المشروع " وتبنيها إنجاز الفكرة عبر مسار الحوار الوطني الذي أنقذ النهضة وخفف الضغط على حكومتها ومنحها فرصة للمساومة وتحسين شروط التفاوض لبقاء حكومتها لفترة أطول وفي الأثناء لترتيب كثير من التفاصيل الأخرى ( التعيينات والمساجد الخ ... ). ومن ناحية ثالثة كان من الصعب توحيد كل مكونات جبهة الإنقاذ ( وخاصة مكونات الاتحاد من أجل تونس ) حول نفس النسق في التعاطي مع مهمة حل الحكومة وتشكيل حكومة الإنقاذ رغم الوهج الثوري الذي كان يسندها في ساحة باردو والدفع الذي أعطاه تعليق عمل المجلس التأسيسي لمطلبي حل الحكومة والمجلس.

مرة أخرى ضاعت الفرصة بين المناورات وانغماس الجبهة في تفاصيل الأشياء المعتادة حتى فقدت مهمة حل الحكومة واستبدالها بحكومة الإنقاذ الوطني وحل المجلس ألقها ورجحت الكفة لفائدة الميول إلى التعويل على الحوار الوطني الذي تحول رويدا رويدا إلى مركز ثقل الحركة والمخرج الأمثل والحل الشرعوي والوفاقي الوحيد.
وعلى غرار المرات السابقة رغم اختلاف الظروف والتفاصيل بادرت البرجوازية وبصورة مبكرة إلى إنقاذ حكومتها، حكومة الحبيب الصيد، خوفا من ان تتعمق أزمتها وتصبح آيلة للسقوط تحت ضغط الحركة الاجتماعية وخشية أن تستغل القوى الثورية فشلها وتغير موازين القوى لصالحها فبادر الباجي قايد السبسي، زعيم الندا ورئيس الدولة، بإطلاق مبادرته " حكومة الوحدة الوطنية " التي جمع حولها طيفا سياسيا ومدنيا واسعا محاولا بذلك إعطاءها المصداقية اللازمة. لا شك ان هذه المبادرة التي تشكلت بمقتضاها حكومة الشاهد قد أعطت للبرجوازية متنفسا جديدا للاطمئنان على الحكم لفترة أخرى ولكن استمرار هذه الحكومة في انتهاج نفس الخيارات القديمة بل وإمعانها في اتباع نفس السياسات بشكل أكثر افتضاح سيضعها لا محالة أمام مطبات جديدة ناجمة عن استفحال الأزمة العامة التي تعصف بالاقتصاد والمجتمع والأمن والوضع السياسي ككل.

الدولة الفاشلة : نمط حكم

عندما نتمعن في خاصيات الوضع العام وسماته الكبرى – وبالطبع تفاصيله – نلاحظ أنه بعد ست سنوات من اندلاع الثورة لم يتغير الوضع قيد انملة بل ازداد سوءا على جميع المستويات بشكل بات يبعث على توقع الكارثة.
5
تمر تونس اليوم بأزمة عامة لم يسبق أن عرفت مثيلا لها تكمن خطورتها أساسا في حدة الأزمة الاقتصادية أولا والازمة الاجتماعية الناجمة عنها وثانيا في الأزمة الأمنية المخيفة والضبابية السياسية التي عمقت لدى عموم الشعب الإحساس بالضياع والخوف من المستقبل.

فعلى الصعيد الاقتصادي تمر البلاد بركود حاد مس كل محركات التنمية وتنحو كل المؤشرات نحو التراجع والانهيار. فمؤشرات الادخار الوطني والاستثمار الداخلي والخارجي والإنتاج وصادرات المواد المصنعة ونصف المصنعة ( الميكانيكية والنسيج الخ ... ) كلها في تراجع مستمر. وفي المقابل من ذلك ازدادت الحاجة للتوريد وللاقتراض فتعمق العجز التجاري ( معدل ألف مليون دينار شهريا سنة 2016 ) وارتفعت نسبة المديونية في الناتج الداخلي الخام لتبلغ معدلا غير مسبوق ( 63.8 % ) وهي مرشحة في ضوء القروض المبرمجة للسنوات القادمة أن تتجاوز الـ 70%. ونتيجة لذلك اختلت موازين المالية العمومية حيث ارتفعت نسبة عجز الميزانية إلى 5.7% ( 2016 ) وأصبحت خدمات الدين تزيد عن ربع الميزانية السنوية فيما بقيت ميزانية التنمية في حدود خمس الميزانية العامة. ونظرا لتراجع الترقيم السيادي للاقتصاد التونسي في الساحة المالية العالمية (BB-) لم يعد بمقدورنا الحصول على المزيد من القروض بالسهولة التي كانت متاحة نسبيا في السابق وهو ما سيعسر أوضاع الاقتصاد أكثر في قادم السنوات.

في مثل هذه الأوضاع لم يكن الاقتصاد التونسي قادرا على خلق الثروة وتموين الاستهلاك المحلي ولا على توفير مواطن الشغل اللازمة وبالتالي بقيت انتظارات الشعب التونسي معلقة منذ أيام الثورة بل زادت معدلات البطالة ( 16% ) ومعدلات الفقر ( 25% ) والتهميش والهجرة و" الحرقة " وتعاطي المخدرات والكحولية والاجرام والانقطاع عن الدراسة والأمية. وانضاف لهذه الآفات طاعون الإرهاب والتطرف والعنف. وإلى جانب ذلك تدهورت خدمات الصحة والسكن والنقل والتربية والتعليم. ذلك ما زاد في حالة الاحتقان الاجتماعي فاتسعت رقعة الاحتجاجات والاعتصامات والمسيرات وإضرابات الجوع والاضرابات المهنية القطاعية والمحلية والاعتصامات وكل أشكال التعبير عن الغضب. فما أن تتراجع هذه الحركة حتى تنهض من جديد دون انقطاع لتبلغ حالات شبيهة بالتمرد العام ( جانفي 2016 ) بما يسمح بالقول ان المسار الثوري في تونس أصبح يتوفر على أسباب استمراره لمدة أخرى طويلة.

اما على المستوى الأمني فإن ما تعيشه تونس اليوم هو حالة شاذة في تاريخها ولم يسبق أن عرفتها من قبل حيث أنها أصبحت معروفة كمصدر للإرهاب وممول لبؤر التوتر في سوريا والعراق وليبيا بالإرهابيين. ولهذه الظاهرة الجديدة على تونس جذور ومبررات كثيرة ومتشابكة. فقد برزت منذ السنوات الأولى من عهد بن علي ويشهد على ذلك عدة أحداث لعل أبرزها واقعة باب سويقة والاعتداءات بماء الفرق على من اعتبرتهم حركة " النهضة " آنذاك بيادق النظام. بل يمكن القول أن الظاهرة نشأت بضعة سنوات قبل ذلك وبالتحديد منذ السنوات الأخيرة من عهد بورقيبة تشهد عليها أعمال العنف التي عرفتها الجامعة التونسية على أيدي أتباع " الاتجاه الإسلامي " ثم تفجيرات النزل في سوسة والمنستير صائفة 1986 كأولى مؤشرات الإرهاب في تونس. ولكن الحدث الأبرز الدال على تشكل الظاهرة واكتمالها في بلادنا هي أحداث سليمان سنة 2006 التي مثلت إنذارا جديا لنظام بن علي ولكن أيضا لكل مكونات المجتمع والحركة السياسية ولعموم الشعب التونسي.

ولئن تمكن بن علي من القضاء على تحرك مجموعة سليمان الإرهابية فإنه في الحقيقة أجل لزمن غير معلوم القضاء على الظاهرة التي يبدو أنها استوطنت تونس وأصبحت واحدة من مكونات المشهد السياسي. والحقيقة أن حالة الانغلاق السياسي التي عرفتها البلاد طيلة فترة حكم بن علي كانت دفعت بمجموعات كثيرة من الشباب التونسي تحت وطأة تأثير قنوات الدعاية المتشددة وخاصة من صفوف اتباع " النهضة " الذين باتوا في عزلة سياسية وضياع تنظيمي إلى اعتناق الأفكار التكفيرية والتشدد الديني والوقوع تحت تأثير حركات الإرهاب ( القاعدة ) ذات الصيت العالمي بعد أحداث 11 سبتمبر الشهيرة. وينضاف إلى ذلك تأثير الأزمة الاقتصادية والاجتماعية العامة التي تردت فيها البلاد وانعكست على الشباب التونسي بمزيد التهميش والفقر والبطالة كانت هي الأخرى الحاضنة الاجتماعية التي تربى فيها الإرهاب ومارس جاذبية قوية على فئات واسعة من شباب الأحياء الفقيرة والجهات المهمشة.
هذه هي إذن مظاهر الأزمة العامة التي تردت فيها البلاد والتي أظهرت كل الحكومات المتعاقبة منذ الثورة حتى اليوم عجزا واضحا وفشلا ذريعا في معالجتها وفي إدخال ولو تغيير طفيف على الوضع بل أن كل حكومة منها تأتي إلا وتزيد الأوضاع تعقيدا حتى تردت البلاد في ما هي عليه اليوم مهددة بشبح الإفلاس الاقتصادي والانفجار الاجتماعي والانفلات الأمني والفوضى وتفكك مؤسسات الدولة. لقد تحولت سمة الفشل إلى ظاهرة قارة وملازمة لمنظومة الحكم سواء في عهد الترويكا أو في عهد تحالف النداء والنهضة بل يمكن القول اننا أصبحنا حيال ما يتداول اليوم في العلوم السياسية حول نمط " الدولة الفاشلة ". ذلك أن المعايير المعتمدة لتعريف " الدولة الفاشلة " تنطبق بكثير من الدقة على الدولة التونسية. فهي فعلا الدولة التي لا تحقق التنمية وتعيش في أزمة اقتصادية حادة تتجسد في ركود الدخل القومي وعجز الميزان التجاري وتراجع معدلات الاستثمار وتقهقر معدل النمو واختلال الموازين المالية وانهيار قيمة العملة وانتشار الفساد وتضخم الاقتصاد الموازي. وهي الدولة التي لا توفر لمواطنيها المساواة في الدخل والتي تعرف مستويات فقر عالية وبطالة متزايدة وتهميش لعديد الجهات والفئات الاجتماعية وتنامي النعرات الجهوية والقبلية والفئوية الأخرى والصراعات السياسية والتجاذبات داخل الأحزاب السياسية والمؤسسات الرسمية وصناع الرأي العام من مثقفين وإعلاميين ورجال الفكر والثقافة وانخرام الأمن وضعف سطوة الدولة و" هيبتها ". وهي كذلك الدولة التي غابت فيها الشفافية وضعفت مؤسساتها ولم تعد قادرة على ضمان تطبيق القانون بصورة عادلة حيال كل التجاوزات البسيطة والمعقدة وأمام انتشار الجريمة المنظمة والهجرة وعاجزة عن تأمين الخدمات اللائقة لمواطنيها في مجالات التربية والصحة والسكن والنقل وسائر الخدمات العمومية الأخرى.
ونعتقد ان الدولة التونسية قد جمعت في ظل الحكومات المتعاقبة من 14 جانفي حتى اليوم كل هذه الصفات والخصائص وجاز بالتالي القول إنها فعلا تجسد نموذج الدولة الفاشلة. وهي في ضوء المؤشرات الحالية مرشحة لأن تستمر على هذه السمات والخصائص لفترة أخرى قد تطول ما لم يحدث ما من شأنه أن يضع حدا لهذه الوضعية غير الطبيعية، أي انه ما لم يشهد التوازن الهش لموازين القوى بين الائتلاف الرجعي الحاكم من جهة والقوى الثورية وعموم الشعب التونسي من جهة أخرى تغيرا لصالح هذا الطرف أو ذاك. فإما ان ترجح الكفة لصالح الطرف الأول ويصبح بمقدوره فرض سلطته التي ولا شك ستتجه رويدا رويدا نحو إعادة منظومة الاستبداد لمسك الامور بيده وبسط نفوذه كما تقتضيه " الدولة القوية " أو أن ترجح الكفة لفائدة الجماهير الغاضبة وقواها الثورية فتحدث التغيير العميق وتخلص البلاد من هذا الائتلاف الرجعي لتبني على أنقاضه دولة وطنية ديمقراطية شعبية واقتصادا وطنيا في خدمة الشعب وتحل كل المعضلات الاجتماعية الناجمة عن عقود من الاستغلال والقهر والمهانة.

إن هذا النمط من الحكم، دولة العجز والفشل، لينطوي على مخاطر كبيرة تهدد مستقبل البلاد والأجيال القادمة علاوة على انها تكبد الشعب مزيدا من الخسائر المادية والمعنوية. فنتيجة لعجز السلطة وفشلها يجد الشعب نفسه فريسة لآفات الفقر والبطالة والبؤس وأشكال أخرى من الأمراض الاجتماعية والنفسية علاوة على التطرف اليميني والعنف والارهاب. ونتيجة لذلك ستكون البلاد أيضا عرضة للوقوع تحت هيمنة القوى العظمى ومؤسسات التسليف المالي الاستعمارية ولفقدان آخر ما تبقى لها من سيادة ولو شكلية على قراراتها وأراضيها وسياساتها. كما أنها ستكون فضاء مفتوحا ترتع فيه اللوبيات والعصابات المالية وأباطرة التهريب والفساد والجريمة ومنها على وجه الخصوص المجموعات الإرهابية المجرمة التي تنتعش في ظل غياب الدولة وضعفها وانتشار الفقر والفساد.

وإذا قلنا إنه في غير صالح البلاد والشعب استمرار هذا النمط من الدولة فلا يعني ذلك مطلقا أننا ندعو بالمقابل لأن تحل محلها " الدولة القوية " بالمعنى المتداول أي دولة الاستبداد والقمع هذا النمط الذي عانى منه الشعب التونسي لعقود من الزمن وانتهى في كل مرة بالانهيار. وليس أدل على ذلك من مصير دولة الاستبداد والحكم الفردي في عهد بورقيبة التي انتهت بانقلاب عسكري بوليسي. وليس أدل على ذلك أيضا من مصير دولة البوليس والديكتاتورية في عهد بن علي التي انتهت تحت وقع الاحتجاجات الشعبية العارمة. إن البديل المنطقي والحقيقي لهذا النمط، دولة العجز والفشل، هو الدولة الديمقراطية الوطنية الديمقراطية التي تكون السيادة فيها للشعب. وهو البديل الذي تطرحه المرحلة الحالية من تاريخ بلادنا وتحتاجه جماهير شعبنا والذي لطالما حلمت به وناضلت من أجله وتكبدت في سبيله قديما وحاضرا تضحيات جسام.

الجبهة الشعبية وبديل الحكم

لقد اتضح على امتداد السنوات المنقضية منذ جانفي 2011 أن الطريق إلى تحقيق هذا الحلم صعبة وشائكة ومعقدة ولا يكفي فقط رسم ملامحه العامة حتى يصبح امرا في المتناول. فقد طرحت مسألة الحكم ساعة هروب بن علي الذي ترك أجهزة السلطة في حالة ارتباك مفاجئ. كما طرحت مسألة الحكم في تونس أكثر من مرة بمناسبة الانتخابات الأولى ( أكتوبر 2011 ) والثانية ( أكتوبر 2014 ) وفي مناسبات أخرى أبرزها إثر اغتيال الشهيد شكري بلعيد والشهيد محمد البراهمي. وفي كل مرة تحسم المسألة بهذا الشكل أو ذاك ولكن دوما لفائدة الرجعية.

واليوم وعلى خلاف ما يذهب إليه البعض بأن الوضع في تونس يسير نحو الاستقرار السياسي وخاصة مع مجيء حكومة الائتلاف الرجعي الحالي فإن الكثير من المؤشرات تشير إلى عكس ذلك تماما وتفيد أن الوضع لم يستقر بعد وأن مسألة الحكم مازالت لم تحسم نهائيا وهي قابلة لأن تطرح مجددا.

فمن الناحية الموضوعية يبقى طرح مسألة الحكم على جدول أعمال الحركة الاجتماعية والسياسية في تونس في ظل الظروف الراهنة لبلادنا وذلك بالنظر لعمق الأزمة العامة التي تمر بها البلاد واعتبارا لاهتزاز ثقة الشعب في الحكومة وعدم استعداده للخضوع لمشيئتها وخياراتها ذلك انه عبر أكثر من مرة على رغبته الجامحة في الخروج عن طاعتها وأبدى ولا زال مقاومة لقراراتها وسياساتها ويكفي للتدليل على ذلك التذكير بما عرفته البلاد كل شهر جانفي من احتجاجات على قوانين المالية وما تضمنته من قرارات ( جانفي 2014 وجانفي 2016 ).

فالأزمة الاقتصادية والاجتماعية هي الدافع الأساسي للثورة. ولا يختلف اثنان في أن طبيعة الأزمة التي تردت فيها البلاد ودرجة عمقها وشموليتها تفتح على كل الاحتمالات وتبقى البلاد مثلما هي مهددة بأسوأ الاحتمالات كالانقلاب العسكري الأمني أو السقوط تحت براثن الإرهاب والمجموعات العنيفة فإنها مرشحة لأن تعرف انتفاضة جديدة. ويستشف من حالة التذمر العام ومن التحركات الأخيرة في الكثير من الجهات أن الانفجار الاجتماعي هو أقرب الاحتمالات وأن ساعة اندلاعه ليست بعيدة.

إن الشعب التونسي ما انفك يؤكد أنه لم ولن يرم المنديل وما انفكت جذوة النضال عنده متقدة رغم مرور ست سنوات على الثورة حاولت الثورة المضادة إخماد هذه الجذوة. لذلك فلا شيء يمنع حركات الاحتجاج القطاعية والمحلية من التحول إلى حركة ذات طابع وطني وعام. وتفترض هذه المؤشرات موضوعيا أن يكون الانفجار القادم من طبيعة مغايرة لما حصل شتاء 2011. ويفترض أيضا أن يكون للقوى الثورية المتشكلة اليوم أساسا في الجبهة الشعبية دور مغاير وفاعل عكس ما كان عليه في ثورة الكرامة والحرية.

ليس المجال هنا للخوض في دواعي تأسيس الجبهة الشعبية ومدلوله السياسي وأهميته ولكن وقد أصبحت الجبهة معطى قائما وباتت مكونا أساسيا في المشهد السياسي العام في البلاد وتقدمت للشعب على أنها البديل الثوري الجدي الذي يمكنه أن يعلق عليه آماله في الخلاص من الائتلاف الرجعي الحاكم ومن مآسي الفقر والبطالة والبؤس، يطرح اليوم وبإلحاح تساؤل حول مدى تطابق ما تدعيه الجبهة لنفسها مع الواقع.

تمثل الجبهة الشعبية فعلا أهم ائتلاف للقوى الثورية في تونس يضم أبرز المكونات اليسارية ذات مرجعية ماركسية وأخرى قومية وثالثة اشتراكية ديمقراطية. خاضت عند تأسيسها نقاشات عميقة أثمر أرضية قدمت قراءة مشتركة لأهم خصائص المرحلة وطبيعة التناقضات التي تشق مجتمعنا وقدمت ملامح البديل المنشود لحل هذه التناقضات والمرور بالبلاد إلى مرحلة متقدمة من المسار الثوري على درب التحرر الوطني والتقدم الاجتماعي والثقافي. وبهذا المعنى قدمت الجبهة مشروعا بديلا للسائد مشفوعا بجملة من الإجراءات المستعجلة كمقدمة للمعارك التي يطرح خوضها من أجل تحقيق هذا البديل. وفي غضون السنوات الثلاث من عمرها عملت على جميع الواجهات السياسية والميدانية لإقناع الشعب ببديلها وبرنامجها المباشر وخاضت معارك متعددة حققت فيها انتصارات جزئية مهمة أضفت عليها مزيدا من الاشعاع والمصداقية بما بوأها المكانة التي هي عليها اليوم كقوة ثالثة في البلاد.

لقد تكبدت الجبهة خلال هذه التجربة خسائر أهمها اغتيال رمزين من رموزها الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي. وعلاوة على ذلك كانت الجبهة على الدوام مرمى سهام الدعاية البرجوازية المعادية وأحزابها سواء كانوا في الحكم وخارجه. ورغم ان الجبهة عانت الكثير جراء هذه الخسائر وهذه الحملات المعادية فإنها لا محالة حافظت على بوصلتها وعلى تماسكها ووحدتها.

غير أنه لا بد من الاعتراف أن الحصار الذي تلقاه الجبهة من القوى المعادية قد أثر سلبا في مردودها وعطل اتساع اشعاعها. فبحكم موقعها في المعارضة لم يتسن لها تحقيق الحد الأدنى من مطالب الجماهير المتعاطفة معها لذلك بدت في أنظارهم كقوة سياسية تكتفي بالرفض وبرفع كلمة " لا " في وجه مشاريع ائتلاف الحكم ومواقف خصومها السياسيين أو هي في أحسن الأحوال تكتفي بتقديم برنامج نظري عام لا يجني منه الشعب مكاسب مباشرة تخفف من كربه ومعاناته. وقد حاولت الدعاية المعادية ترسيخ هذا الانطباع حول الجبهة زيادة على التهم القديمة التي تم ترويجها من قبل وخاصة " الالحاد " و" التطرف اليساري " والموقف من الملكية الفردية ". لذلك وجدت نفسها في غالب الأوقات في وضع دفاعي مجبرة على تبرير موقفها ودفع التهمة عنها.

ورغم الدور الذي لعبته كتلتها في البرلمان في مجال التشهير والتحريض وتقديم المقترحات في عديد الملفات والقضايا فإن الجبهة الشعبية لم تتمكن للأسف من خلق الانطباع بأنها قوة معارضة تمتلك بديلا متكاملا ومقترحات مباشرة لمعالجة أوضاع الأزمة وبقيت صورتها العامة ضبابية وغائمة. وبدأ صيتها يتراجع رويدا رويدا بعيد انتخابات أكتوبر 2014 ودب في صفوف أوساط واسعة من مناصريها إحساس بالتردد والشك طال في بعض الأحيان جزء من مناضليها وخاصة العناصر البرجوازية الصغيرة التي لا تتمتع بالصبر الكافي والثبات اللازم لمواجهة أوضاع الأزمة التي من الممكن أن تطول أكثر مما كانوا يتوقعون.

تمر الجبهة اليوم بمنعرج حاسم من تاريخها فإما أن تنهض وتوضح لأنصارها وكل محبيها وعموم الشعب التونسي رؤيتها لمعالم التغيير الذي تريد إجراءه في المجتمع والاقتصاد والدولة وتبين بوضوح طريقها إلى ذلك والآليات البديلة التي تراها كفيلة بتحقيق التغيير والسهر على تنفيذه فتتحول إلى قيادة فعلية للحركة الثورية وتصبح محط انظار الشعب وإلا فإنها ستسير نحو التفكك التدريجي وتبقى مجرد ظاهرة صوتية تعبر عن مواقف سياسية سليمة ولكنها غير ذات فعالية فاسحة بذلك المجال للقوى الرجعية كي تخطط وتنفذ مشاريعها في أريحية وتتمكن من القضاء طال الزمن او قصر على المسار الثوري لتعود البلاد إلى المربع الأول مربع الاستغلال والقهر والتبعية.

إن خلاص الجبهة ومن ورائها خلاص المسار الثوري والشعب التونسي في القيام بمراجعة جدية وعميقة وجريئة لجملة من المسائل تتعلق بخطها السياسي وبتنظيمها وبأسلوب عملها وبخطتها في الثورة.

فعلى الصعيد السياسي لا يمكن أن تكتفي الجبهة الشعبية في الوضع الراهن بالتعبير عن مواقف تكتيكية سليمة وتقديرات صائبة للأحداث والتطورات وأن تؤكد انحيازها الدائم للطبقة العاملة والشعب فذاك أمر بات محسوما ومعترفا به لدى الجميع تقريبا. والاستمرار في الاكتفاء بهذا الحد لم يعد يلبي حاجة مسار الثورة الذي ينتظر من الجبهة رؤية واضحة تفتح أفقا للثورة وتقدم مشروع المستقبل الذي يعبئ الجماهير ويعيد شحذ طاقاتها النضالية. إن على الجبهة أن تجرأ على قطع الخطوة الجديدة المطلوبة منها وهي تجاوز شعاراتها العامة إلى رسم هدفها الاستراتيجي وبرنامجها المباشر وتعد الخطة الملموسة للوصول إلى الحكم. من دون ذلك ستبقى الجبهة قوة سياسية مشهود لها بالمبدئية و" النظافة " والنوايا الطيبة فقط ولكن بالمقابل سيترسخ حولها انطباع بأنها مع كل ذلك عاجزة وغير قادرة على قيادة المرحلة وتحويل مواقفها من مجرد الرفض ونقد الخصوم إلى قوة عمل تبني الجديد وتحقق مكاسب للشعب.

طبيعة الثورة وبرنامجها

اكتفت ثورة 14 جانفي كما سبق أن قلنا بإسقاط شكل الدولة الديكتاتوري وحققت للشعب الحرية والديمقراطية. فكل ما أنجزته في مجال توسيع نطاق الحريات العامة والفردية في التشريعات ( الدستور وقانون الأحزاب والصحافة الخ ... ) وفي الممارسة وفي مجال تغيير نظام الحكم ( القضاء على النظام الرئاسي وإرساء نوع من فصل السلط وتوازيها ) إلى جانب بعث العديد من الهيئات والمؤسسات الدستورية الرقابية وحرية الترشح والانتخاب وبعث السلطة المحلية يندرج كله ضمن هذا العنوان العام وهو تحقيق الحرية والديمقراطية.

حصل هذا التطور نتيجة الانتفاضة الشعبية التي عرفتها بلادنا شتاء 2010 – 2011 والتي شاركت فيها فئات اجتماعية وطبقات مختلفة ومتعددة من العمال إلى العاطلين عن العمل إلى الموظفين والمحامين وأصحاب الحرف وفئات سفلى ومتوسطة من الملاكين في الريف والمدينة. لقد اجتمعت كل هذه الفئات حول هدف واحد مشترك وهو الإطاحة بالديكتاتورية والتحرر منها. وما من شك أن كل من هذه الفئات كانت له رؤيته الخاصة للحرية والديمقراطية وله من ورائها أهدافه الاجتماعية الخاصة إن كان ذلك بصورة واعية أو عفوية.

لقد انتظرت بلادنا طويلا حتى تبلغ هذا الهدف العظيم ولو لا وحدة كل هذه القوى الاجتماعية لما تسنى له أن يتحقق. وكان يفترض تاريخيا أن يكون قد تحقق من زمن بعيد لو سارت بلادنا على ما سارت عليه بلدان أخرى تطور مجتمعها اقتصاديا واجتماعيا وحضاريا بصورة طبيعية وغير مشوهة. ففي بلدان أخرى، وأقصد البلدان الأوروبية خاصة، تولت الطبقة البرجوازية الوليدة في تلك المجتمعات إنجاز هذه المهمة. وعلى عكسها خانت البرجوازية التي نشأت عندنا كما في الكثير من البلدان الأخرى التي رزحت تحت الاستعمار الرأسمالي في سياق تطور مغاير ومشوه دورها التاريخي. لذلك ظلت بلادنا تنتظر كل هذه المدة الزمنية الطويلة ( أكثر من قرن ونصف ) حتى يلتئم شمل طبقات وفئات اجتماعية لتدارك ما تخلت عنه برجوازيتنا اللقيطة وإرساء نظام الديمقراطية والحرية. وبهذا المعنى يمكن القول إن ثورة 14 جانفي ليست إلا ثورة برجوازية من حيث مغزاها السياسي العام ومن حيث ما توصلت إليه من نتائج. وهي مع ذلك ومقارنة بما حققته البرجوازية في البلدان الرأسمالية التقليدية في هذا المجال بالذات إنجاز منقوص وبه ثغرات كبرى تجعلها عرضة للانتكاس كما سنرى لاحقا.

فنظام الحرية والديمقراطية الذي أرسته ثورة 14 جانفي لم يأت كما جرى في بلدان أوروبا مثلا في سياق ثورة شاملة غيرت نظام الحكم وشكل الدولة وأسس الاقتصاد والإنتاج والعلاقات الاجتماعية ومنظومة القيم والثقافة. لذلك ظلت الديمقراطية البرجوازية في البلدان الرأسمالية التقليدية أرسخ وأثبت مهما جرت من محاولات للانتقاص منها أو مراجعتها. وعلى خلاف ذلك فقد جاءت الديمقراطية التونسية بعد ثورة 14 جانفي مبتورة وبمعزل عن مظاهر التغيير الأخرى الاقتصادية منها والاجتماعية والثقافية والحضارية. وهو ما يجعلها كما قلنا عرضة للتراجع والالتفاف عليها لأنها لا تستند إلى عملية تغيير شاملة وستظل تحت ضغوط ميكانيزمات التطور الجارية على عالم الاقتصاد والإنتاج والعلاقات الاجتماعية والذهنية العامة والثقافة الواقعة تحت تأثير ثقافة الاستهلاك من جهة والأوهام القديمة كالدين والعروشية والجهوية وغيرها من جهة أخرى.

وغير خاف على أحد ما تقوم به البرجوازية اليوم حتى في أوج المد الاحتجاجي الذي يعكس دينامية الصراع الطبقي في أبعاده المختلفة سعيا منها للالتفاف على حرية التعبير والتظاهر وغيرها من الحريات.

وكما هو ملاحظ فإن كل ما أنجز لا يتعدى المجال السياسي بل لا يعدو أن يكون حريات وديمقراطية برجوازية وكان من المفترض أن يكون قد تحقق منذ عقود من الزمن لو عرفت بلادنا السيرورة الطبيعية لتطورها الاقتصادي والاجتماعي. هذا علاوة على أن ما تحقق جاء في الحقيقة نتيجة انتفاضة قامت بها طبقات وفئات اجتماعية متعددة ومتنوعة الأهداف والاغراض. ولا نعتقد أن العمال مثلا دخلوا في ثورة 14 جانفي – ولو بصورة متأخرة وتحت تأثير البيروقراطية النقابية – من نفس المنطلقات التي دخلت فيها شرائح أخرى ولا بغاية تحقيق نفس الأهداف. وبما أن الفئات الاجتماعية الأخرى المهمشة والوسطى كانت هي صاحبة التأثير في أحداث الثورة من حيث المشاركة والشعارات فإنها طبعت بطابعها نتائج هذه الثورة.

لقد بدا الشعب التونسي بكل فئاته وجهاته وفعالياته السياسية والمدنية متوحدا في المعركة الفاصلة مع نظام بن علي شتاء سنة 2011 بدافع الإطاحة بالديكتاتورية ولكن ذلك لا ينبغي أن يحجب عن انظار الثوريين أنه وفي ظل الخصائص السياسية للحركة الثورية والاحتجاجية حقيقة التباين الواسع في الأغراض والاهداف التي كانت تحرك كل فئة اجتماعية على حدة. وقد أكدت الاحداث والتطورات التي عقبت هروب بن علي هذا التباين بصورة جلية. ففيما استمرت حركة الاحتجاج في الجهات الداخلية وفي الاحياء الشعبية وفي أوساط واسعة من الشعب من أجل تحسين ظروف العيش والتشغيل الخ ... هرولت بعض القوى التي تمثل الشرائح الوسطى من المجتمع إلى الانضمام إلى الحلول البرجوازية ( حكومة الغنوشي الأولى والثانية ) وتحول خطابها بسرعة من دعم ثورة الشعب إلى المناداة إلى الهدوء رامية من وراء ذلك إلى غلق قوس الثورة قبل حتى أن تعلن البرجوازية عن التنازلات التي لم تصدر في شأنها بعض المراسيم إلا بعد شهرين وأكثر. ونذكر جميعا موقف السخط والممارسات القمعية التي مورست ضد اعتصام القصبة الأول والثاني بغاية غلق قوس الثورة بصورة مبكرة.
لكل هذه الأسباب نقول أن الثورة لم تحل غير معضلة من معضلات مجتمعنا فيما أبقت المعضلات الأخرى معلقة ريثما تحصل ثورة أخرى تتولى حلها وهي المعضلات الاقتصادية والاجتماعية التي بتجاوزها تدخل بلادنا في مسار تاريخي جديد.

بلغة أخرى لم تمس ثورة 14 جانفي من طبيعة الدولة القائمة، دولة التحالف الطبقي الرجعي الراعية لنمط الإنتاج الرأسمالي الخاضع للهيمنة الامبريالية على بلادنا وفشلت بالتالي في إجراء التغيير الجوهري اللازم على موازين القوى الطبقية في بلادنا رغم الإطاحة بالشكل الاستبدادي للدولة. لقد بقيت بلادنا خاضعة للمنظومة القديمة المستندة إلى البنية الاجتماعية السائدة والعلاقات الطبقية الموروثة عن عقود من نظام الاستغلال والقهر البرجوازي. والأزمة التي كانت سببا في انطلاق شرارة الثورة سنة 2011 هي نفس الأزمة التي تنخر بلادنا اليوم وهي أزمة جوهرية تتعلق بأزمة نمط الإنتاج الرأسمالي التابع.

والمطلوب من الجبهة اليوم هو أن تجرأ على القول أنها تستهدف هذا النمط بتمام الوضوح عن طريق الثورة معولة في ذلك على الشعب وقواه الثورية وأنها لا ترى فائدة من إصلاحه ولن تنجر في كل المحاولات الجارية لتمرير هذه المسكنات وأنها تطرح بديلا عن ذلك نمط إنتاج جديد وعلاقات اجتماعية جديدة، نمط تصبح فيه القوى الاجتماعية الأساسية، العمال والفلاحون الصغار وأصحاب المهن الصغيرة والموظفون البسطاء هي القوى الاجتماعية المؤتمنة على إعادة بناء الاقتصاد الوطني وتنظيمه وعلى المسك بالسلطة السياسية والقضاء على جميع مظاهر التدخل الامبريالي في بلادنا والهيمنة على مقدراتها وقراراتها.

إن استرداد ثقة الشعب في الجبهة الشعبية يمر أولا وقبل كل شيء بتوضيح معالم مشروعها وحقيقة أهدافها بعد أن أيقن الشعب أن كل أشكال الإصلاح والترقيع زادت الطين بلة وعمقت أزمة البلاد والاقتصاد والمجتمع وعادت بالوبال على الجماهير الفقيرة والجهات المهمشة.

وفي هذا الإطار لم يعد من الممكن ان يظل برنامج الجبهة على ما هو عليه من تعميم وغموض ونقص يعكس حالة الارتباك السياسي التي هي عليه. مطلوب منها أن تعلن صراحة نيتها الجادة في تهديم هذه المنظومة واستبدالها بمنظومة أخرى جديدة مغايرة تماما من حيث الجوهر والشكل.

إن دروس ما حصل في أكثر من بلد في عصرنا الراهن بما في ذلك في السنوات الخيرة ثورات الشعوب في عصرنا تفيدنا كلها تقريبا أن لا مجال لإجراء مثل هذا التغيير العميق إلا بعمل ثوري حقيقي وعميق وأن كل الاشكال الأخرى قد باءت بالفشل وكشفت عن رياء الأوهام التي علقت على البرلمانات وباقي أشكال المساومات السياسية السلمية. معنى هذا أن الثورة هي بالضرورة عمل عنيف يحسم المواجهات التي تحصل في اللحظات الثورية بين القوى القديمة الماسكة بوسائل الإنتاج ومؤسسات الحكم بما في ذلك أجهزة ما يسمى بالدولة العميقة ( الإدارة والاعلام والتربية والثقافة الخ ... ) وبين القوى الاجتماعية الثائرة العمال وكل الكادحين في المينة والريف بما في ذلك أصحاب رأس المال الصغير ( الفلاحون الفقراء والصغار وأصحاب الحرف والانتلجنسيا والمهمشين ). ولا يعني العنف بالضرورة المواجهة المسلحة بل يدخل تحت طائل هذه المصطلح كل أعمال الاحتجاج الفردي والجماعي أيام الانتفاضات الشعبية والتي تعني في عمقها التمرد على قواعد الخضوع المعمول بها في الفترات السابقة للثورة. غير أن العنف بمعناه العسكري والمسلح يبقى لا محالة أمر وارد جدا وعامة ما تبدأ به الطبقات الرجعية الحاكمة التي لا تتوانى عن مواجهة أعمال التمرد الشعبي باستعمال الحديد والنار الأمر الذي يستفز الجماهير الثائرة ويجبرها على اللجوء إلى تنظيم المواجهة المسلحة بأشكال مختلفة كما حصل في العديد من الثورات. وعلى أية حال تبقى إمكانية انتقال الانتفاضة الشعبية من مجرد التمرد على قوانين النظام القديم وقواعده إلى عمل عسكري مسلح مرتبط بحجم العنف الذي يمارسه النظام القديم وبمدى جاهزية القوى الثورية التي تقود الانتفاضة لإعلان المواجهة العسكرية في وجه العدو وبكثير من المعطيات والتفاصيل الأخرى التي تختص بها كل تجربة في سياقها التاريخي وخصائص المجتمع والطبقات الاجتماعية التي تقود العملية الثورية.

وإذا سلمنا بأن الثورة بالمعاني التي ذكرنا هي على العموم الطريق الضامنة في الظفر والانتصار فإن ذلك لا ينفي احتمالات بلوغ ذات الأهداف بأشكال أخرى سلمية وبالتحديد عن طريق العملية الانتخابية. غير أن هذه الاحتمالات على ندرتها تبقى دوما مشروطة بشروط من غير اليسير أن تحصل. إذ من الممكن أن تصل الطبقات الشعبية إلى الحكم عن طريق الاقتراع لفائدة ممثلي الأحزاب الثورية في الانتخابات العامة ولكن في ظروف ثورية يصعب على القوى الرجعية التحكم في هذه الانتخابات من حيث القوانين التي تنظمها ومن حيث مجرياتها العملية وفي ظروف يكون الوعي الشعبي العام على درجة من التطور منحازا تماما إلى القوى الثورية وغير قابل للوقوع تحت تأثير الدعاية البرجوازية أو المال الفاسد الذي يمكن ان تستعمله لشراء الذمم وتخريب الوعي وفي ظروف تكون القوى الثورية على درجة عالية من الالتحام وبأوسع ما يكون من الناس ومن الناخبين وفي ظروف يكون الشعب على درجة من اليقظة حيال محاولات التدخل الخارجي والقوى الرجعية التي يمكن أن تهب لنصرة عملائها وحلفائها المحليين. في غير ذلك لا يمكن أن تكون الانتخابات إلا في صالح القوى الرجعية مهما كانت نجاحات القوى الثورية. ولقد أثبتت الكثير من التجارب قدرة البرجوازية على التحكم في العمليات الانتخابية وحتى في الانقلاب علي نتائجها كلما افضت إلى تفوق القوى الثورية. ووصلت أشكال الانقلاب هذه إلى افتعال حروب ومصادمات عنيفة وأحيانا إلى انقلابات عسكرية وتدخلات مسلحة خارجية وحصار دولي.

لكل هذه الأسباب تبقى الانتخابات بعيد ة عن ان تؤمن للقوى الثورية وللشعوب طريق التغيير العميق الذي ترنو إليه. ولا يبق من سبيل أمامها إذن غير العمل الثوري الذي يخوض المعركة خارج قواعد المباراة السلمية وفي قطيعة معها.

وإذا كانت بلادنا لا تشذ عن هذه القاعدة فإن إمكانية أي تغيير حقيقي وعميق لا يمكن ان يتم على الأرجح إلا بالطريقة الثورية وبعيدا عن أوهام الانتخابات والبرلمان او المفاهمات الفوقية مع منظومة الحكم مهما كان اسم الحزب السياسي الذي يمثلها. فخلاص بلادنا مرهون بقيام الثورة ولا أمل في تغيير إلا بواسطة الثورة. ولكن أي ثورة؟ ما طبيعة طبيعتها؟ ومن هي الطبقات الاجتماعية المعنية بها؟ وضد من ينبغي أن تندلع؟ وما هي مهماتها المركزية؟ وماهي الأهداف المرسومة لها؟ وما هي شروط نجاحها؟

ترتبط طبيعة الثورة في تونس بطبيعة المرحلة التاريخية التي تمر بها بلادنا. تتحدد هذه المرحلة بجملة من العوامل من التطور التاريخي الذي عرفته بلادنا من جهة وبجملة من الخصائص الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن مسار التطور التاريخي المذكور. خضعت بلادنا لمدة قرون كغيرها من البلدان العربية لنمط الإنتاج الاقطاعي بخصائصه الشرقية. وهو كنمط انتاج طبيعي أعاق نمو القوى المنتجة وعملية الإنتاج والتراكم وتطور الحياة السياسية والثقافية والحضارية ككل. وحتى عندما بدأ بإفراز بعض نواتاة التطور الرأسمالي البدائية تدخل الرأسمال الأجنبي الاستعماري ليقطع هذا المسار ويشوهه ويفرض عليه من خارج سيرورته الطبيعة نوعا من الرسملة القسرية وعلاقات انتاج مسقطة وبعث بالتالي تشكيلات برجوازية استعمارية ومحلية مرتبطة بها وعميلة لها وحاد بالتطور الاقتصادي والاجتماعي لبلادنا وحولها إلى مستعمرة تابعة له بصورة مباشرة في مرحلة أولى ثم تابعة بصورة غير مباشرة في مرحلة ثانية.

لقد تم إلحاق تونس بالمنظومة الرأسمالية العالمية من موقع التابع والخاضع لمراكز رأسمال الأوروبي والعالمي كمصدر للخيرات والمواد الأولية وكسوق لبضائعه ورساميله وكفضاء لترويج ثقافته ونمط الحياة والسلوك العام. وأصبحت هذه الوضعية عائقا رئيسيا امام تطورها الاقتصادي وتحرر قوى الإنتاج فيها وتقدم ظروف الحياة المادية والمعنوية بما في ذلك السياسية. لذلك يطرح على الشعب التونسي إذا ما أراد الالتحاق بركب التقدم والتطور كسر هذا العائق الرئيسي. بلغة أخرى فإن المهمة التاريخية الأولى المفتاح من أجل ولوج عهد التطور والتقدم هو القضاء على الهيمنة الامبريالية على بلادنا وعلى سيطرة البرجوازية الطفيلية التابعة لمراكز الامبريالية العالمية وتحقيق الاستقلال الاقتصادي والسياسي التام. وهو ما يعني القضاء على الدولة البرجوازية العميلة وإقامة الدولة الوطنية المستقلة في قراراتها وفي خياراتها في كيفية استخدام امكانياتها المادية والبشرية وفق خطة تنمية مستقلة لا تخضع إلا لإمكانيات البلاد وحاجات شعبها واستحقاقات التطور والتقدم. لذلك هي ثورة وطنية.

من جانب آخر وكما سبق أن رأينا أعلاه لم تحرز بلادنا على الحرية إثر تحولات ديمقراطية في إطار مسار تاريخي طبيعي انتقل بها من الأنظمة الاستبدادية الاقطاعية إلى النظام الديمقراطي البرجوازي بما فيه من حريات ومن فصل بين السلط وفصل الدين عن الدولة. وهو انتقال ينبني على تحولات في العلاقات الاجتماعية تحرر قوى الإنتاج من التملك الاقطاعي إلى حرية قوى الإنتاج في بيع قوة عملها في المدينة ومن إحلال الإنتاج الكبير محل الإنتاج العائلي والاقطاعي المتخلف من جهة وتحرير قوى الإنتاج في الريف بالقضاء على الملكية الاقطاعية وإحلال الملكية الرأسمالية الجديدة في الزراعة. هذا هو المسار الطبيعي للسيرورة الديمقراطية النموذجية التي لم تعرفها بلادنا كما قلنا نتيجة الهيمنة الاستعمارية عليها بما يجعل من الإصلاح الزراعي وتحرير قوى الإنتاج في المدينة مهمة تاريخية ما تزال مطروحة للإنجاز حتى وإن تلاشت علاقات الإنتاج ما قبل رأسمالية من بلادنا جراء شيوع العلاقات الرأسمالية وتعميمها. هذا إلى جانب المهمات الديمقراطية في معناها السياسي والتي سبق أن قلنا إن ثورة 14 جانفي ذهبت فيها شوطا كبيرا.

في هذا السياق ما عاد من الممكن أن تتردد الجبهة في الإعلان صراحة عن ضرورة تأميم المؤسسات الأجنبية الكبرى ومصالح كبار الرأسماليين الفاسدين المرتبطين بها وأن تقوم بإصلاح زراعي حقيقي وأن يكون القطاع العمومي ( استثمارا وإنتاجا وتجارة وتوزيعا ) هو العمود الفقري للاقتصاد الوطني الذي يقع تمويله بالمقدرات الداخلية أساسا وأن يقع الاستغناء في الوضوح عن التداين والاستثمارات الأجنبية المضرة باستقلال خطتنا التنموية وبثوابتها التي تقوم أساسا على الصناعات الكبرى وتصنيع الفلاحة. ويتضمن هذا المشروع الخطة الاجتماعية للقضاء على البطالة والفقر والتهميش وتحسين إطار العيش أي تحسين ظروف السكن والنقل والدراسة والصحة والثقافة والترفيه. أما على المستوى السياسي فإن المشروع الواجب الإعلان عنه بوضوح يرسم نظام سلطة الشعب ومضمون ديمقراطيتها الشعبية وضمانات الحرية وسبل حمايتها من عودة القوى الرجعية القديمة الكمبرادور والمافيات المالية واعوان الامبريالية وأدواتها تحت أي غطاء جاؤوا ليبراليا حداثويا كان أن إسلاميا .

إن جبهة بلا مشروع واضح وجريء ودقيق لن يكتب لها النجاح في إقناع الشعب بجديتها وبمصداقية طرحا وشعاراتها حول التغيير.

إن وضوح المشروع من شأنه أن ينير الطريق إلى كيفية التعامل المباشر مع القضايا الملحة والإجراءات المستعجلة المستوجبة والمطالب الفورية التي على الجبهة الدفاع عنها والمطالبة بها لا فقط بغاية فرض البعض منها وإنما أيضا من أجل تعرية الأطراف الرجعية المعادية في طبيعتها للشعب والتي لن تقبل بالتنازل حتى عن مصالحها قصد التنفيس ولو بنسبة من كربة الشعب.

إن كل تقصير أو إبطاء في رسم هذا المشروع والتعريف به على نطاق واسع في صفوف الشعب من شأنه ان يعسر على الجبهة إمكانيات التدارك لاحقا. لا نقول هذا من باب الاستعجال الاعتباطي وإنما قناعة منا بأن المشروع الملائم للوضع يفقد قيمته وفعاليته إذا لم يقع الإعلان عنه في الوقت المناسب أي عندما يكون الشعب في حاجة ماسة إليه.

وإذا كان لا أمل للجبهة في قيادة الثورة وهي تفتقر لهذا المشروع فإنه لا أمل لها أيضا في تحقيق ثورة مظفرة ما لم تقم بجهد استثنائي للتعريف بمشروعها في صفوف الطبقة العاملة وبقية الفئات الشعبية وتحسيسها لمضمونه وأهدافه بغية الانغراس في صفوفها باعتبارها الطبقات الاجتماعية التي لها مصلحة في التغيير. وهنا لا بد من القول إن هذا المشروع لوحده لن يضمن للجبهة لاحتلال موقع القيادة في الثورة، قيادة موثوق فيها من طرف الشعب ساعة اندلاع الاحتجاجات أو انتفاضة جديدة ما لم تعالج الجبهة معضلة تنظيمها الداخلي وتركيز هياكلها وتطوير أساليب عملها وسبل انغراسها في الشعب. وحتى لا يكون كلاما عاما فإن المطلوب بإلحاح هو مراجعة الهيكلة الحالية للجبهة مركزيا وجهويا وقاعديا وذلك بالفصل بين هياكل التفكير والتحليل عن الهياكل ذات الطابع التنفيذي التي تحتاج لصيغ تنظيم قادرة على التدخل السريع وتنفيذ المقررات دون إضاعة. إن الخلط بين هياكل القرار التي يمكن أن تكون موسعة بدرجات متفاوتة كلما ارتقينا في سلم التنظيم وبين الهياكل القيادية العملية التنفيذية التي تستدعي التضييق من شانه أن يؤبد حالة التعطل في هياكل الجبهة.

إن نجاح الثورة، أي ثورة، مشروط بجملة من الشروط منها كما سبق قوله أن يكون للطبقة العاملة والشعب قيادة فاعلة ومقتدرة في الثورة تحمل مشروعا وبرنامجا، هيئة أركان منغرسة ونافذة في صفوف الجماهير تتمتع بمصداقية سياسية وجاهزية عملية وميدانية. غير ان تاريخ الثورات أثبت أيضا أن هذه الشروط لوحدها غير كافية لضمان نجاح الثورة ما لم يتوفر عنصر آخر لا يقل أهمية بل يعتبر هو المحدد في القيام بالضربة القاسمة لجهاز الحكم البرجوازي والحاسمة في افتكاك السلطة. هذا العنصر هو السلطة البديلة التي ينبغي أن يكون جاهزا ساعة اندلاع الانتفاضة كي يعوض الأجهزة القديمة حالما يعتريها الشلل والتفكك.

يعلمنا تاريخ الثورات العمالية والشعبية الظافرة أن حسم مسألة الحكم لا يقع إلا في لحظات محددة وحاسمة وغالبا ما تكون لحظات دقيقة وخاطفة لا تستغرق وقتا طويلا ولا تمهل أيا من القوى المتصارعة وقتا طويلا لحسم الوضع لصالحه. لذلك يكون الظفر دائما في جانب الأكثر استعدادا وتنظيما وحزما. وهو ما افتقرت إليه ثورتنا في تونس يوم 14 جانفي 2011. ينبغي القول إن حسم المعركة أثناء أحداث الثورة لا يتم إلا عن طريق الأجهزة الجديدة المستحدثة وقتها لملء الفراغ الذي يتركه تفكك الأجهزة القديمة. اما الأعمال المفتوحة في الشارع، تمرد الجماهير وخروج الأحداث عن سيطرة الأجهزة القديمة لا تتعدى نتائجها زعزعة أجهزة النظام وشلها وهو ما يقتضي وجود جهاز جديد منظم ومستعد في انتظار تلك اللحظة ليتجه إلى مراكز السلطة واحتلالها والانتصاب نيابة عن الجماهير الثائرة في الحكم لإدارة بقية المشوار لحظات الهدوء الذي يعقب العاصفة وترشيد أعمال الثورة عند الاقتضاء إذا استمرت اعمال الاحتجاج والثورة.

ومن نافل القول أن هذا الجهاز الجديد لا يمكن ان يولد وقتها بل هو نتاج لمسار من التشكل في فترات ما قبل الثورة. وحتى إن ولد ساعتها فإن حظوظه في النجاح تبقى محدودة ومحفوفة بالكثير من مخاطر الارتجال والعفوية لسوء التحضير والتنظيم. وقد لاحظنا في جانفي 2011 ان الشعب التونسي اهتدى بحسه إلى استنباط شكلا جديدا للحكم وتنظيم الحياة غير أنه بقي للأسباب المذكورة حبيس التوجه الذي أضفته عليه العناصر الإصلاحية والجماهير العفوية التي لم تكن تدرك الأبعاد العميقة لتلك المبادرات فاقتصر هذا الشكل على الحراسة وحماية الأملاك والمساكن وسلامة المواطنين. نقصد بذلك مجالس ولجان حماية الثورة التي شكلت في مدلولها الحقيقي لو قدر لها ان تتطور كما وكيفا جهازا لإدارة الحياة السياسية عوض الاكتفاء بتنظيم الحياة المدنية بصورة مجزأة ومشتتة.

لهذه السباب فإن تنظيم هذه الأجهزة بصورة مسبقة لأحداث الثورة تبدو مسألة متأكدة ويجب أن تندرج ضمن المخطط العام للثورة حتى في اللحظات الأكثر هدوء واستقرارا. وإذا كنا نلتمس للقوى الثورية ساعتها الاعذار بالنظر لأوضاعها التنظيمية ومتاعبها السياسية فإن المسؤولية التاريخية تقتضي منها اليوم، ونعني الجبهة الشعبية، أن تتلافى ما سلبيات الماضي والعوائق التي حالت دونها ونجاح الثورة. إن الجبهة الشعبية مدعوة لتعميق التفكير في هذه القضية أي للإقدام على التفكير في سبل بعث نواة السلطة البديلة بشكل تدخل فيه البلاد في ازدواجية للحكم. فترة زمنية قد تطول وقد تقصر تكون نواتات أجهزة الحكم الجديد الذي سينشأ لا محالة ضعيفا ولكنه على قدر تطور الصراع سيشتد عوده وسيتوسع تأثيره وتتمتن اركانه وتتعمق مصداقيته موجودة بموازاة مع أجهزة السلطة الرجعية القائمة إلى أن تحين لحظة الصراع المفتوح بينهما.

لقد عرفت بلادنا في أكثر من مناسبة اضطرت فيها أجهزة الحكم القائمة من فرط عجزها وارتباكها الفرار والتخلي مؤقتا عن أدوارها في تسيير شؤون الحكم محليا أو جهويا. حصل ذلك في فرنانة مؤخرا وفي احداث جانفي 2016 وفي غيرها من المناسبات. وإذا كان مفهوما أن لا تتفطن بديهة الناس لبعث هياكل الحكم المؤقتة الجديدة عندما يفر الوالي او المعتمد وتنسحب قوات البوليس وكل رموز السلطة تاركين وراءهم مدينة منفلتة فإن التاريخ لن يغفر للقوى السياسية الثورية إغفال اللحظة وتفويت الفرصة ناهيك وأن شباب فرنانة مثلا اهتدوا مرة أخرى إلى تنظيم الحياة العامة لأيام دون تدخل من السلطة التي تركت المدينة في حالة فراغ شبه تام غير ان تلك الأشكال التي اهتدوا إليها لم تندرج بناء على وعي سياسي وتدبير مسبق وفي أفق سياسي واضح.

بطبيعة الحال لا يستقيم الحديث عن هذه الخطوة بصورة معزولة في مدينة واحدة فيما كانت بقية جهات البلاد تكتفي بالفرجة وتتلقف اخبار تطورات الأحداث في فرنانة مثلا. ولكن هذه الانتفاضات الجزئية توفر فرصة لبعث النموذج وتقديم المثال أي ستحاول الرجعية محاصرته وقتله في المهد ومهمة الثوريين هي بلا شك تطوير التجربة وبلورة الحل ناهيك وأن بلادنا ما انفكت تعيش سلسلة غير منقطعة من الانتفاضات المحلية الصغيرة وهزات واسعة مثلما حصل في جانفي 2016 التي عمت أحداثها كل جهات البلاد تقريبا وكان يمكن أن تمثل فرصة ثمينة لخوض غمار التجربة.

لقد لاحظنا ان رابطات حماية الثورة التي بعثتها حركة النهضة إبان الثورة استطاعت ان تستمر في العمل لفترة طويلة من الزمن رغم انه تم توظيفها لاحقا في اتجاه آخر ولغير الغايات التي نتحدث عنها.

ورغم ان السياق يختلف، فإن تجربة السوفياتات التي بعثها عمال روسيا مبكرا ومنذ سنة 1905 في غمرة الثورة ( ثورة 1905 ) استطاعت ان تصمد حتى في ظل ظروف القمع القيصري بعد فشل تلك الثورة إلى عاودت الظهور والانتعاش إبان ثورة فيفري 1917 وانتصبت كسلطة موازية وقت كانت السلطة طوال 9 اشهر أي حتى الثورة البلشفية 1917 في حالة ارتباك وتفكك رغم أنها، السوفياتات ظلت لوقت طويل تحت سيطرة الأحزاب الإصلاحية والفوضوية ( المناشفة والاشتراكيون الثوريون ). ولكن أهميتها تكمن في انها رسمت الطريق لبناء جهاز الدولة الجديد من رحم النظام القديم وبين ظهرانيه وقدمت للثورة البديل الجاهز ساعة الانقضاض على الحكم.

إن طرح هذه المسألة للنقاش ليس بغاية في استنساخ تجارب أخرى ولا بواعز مثقفاتي مجرد ومتهافت بقدر ما يفرض نفسه من منطلق تنشيط ملكة التفكير في مستلزمات الثورة في بلادنا وشروط نجاحها بخصوصيات اوضاعنا وقدراتنا. والأمر الأكيد ان الإحساس العام بطبيعة وعمق الأزمة في بلادنا ستفتح ولا ريب على منعطف تاريخي جديد سيكون الحسم فيه لفائدة الطبقة العاملة والشعب لصالحهما او ضدهما بحسب نضج هذه الشروط الموضوعية والذاتية مجتمعة.


تونس
جانفي 2017
الهوامش

( 1 ) – لينين، خطتا الاشتراكية في الثورة الديمقراطية الاشتراكية.
( 2 ) – كارل ماركس، 18 برومر لويس بونابارت.
( 3 ) – المصدر السابق.
( 4 ) – كارل ماركس، الحرب الأهلية في فرنسا.
( 5 ) – فريديك انجلز، مقدمة كتاب الحرب الأهلية في فرنسا.
( 6 ) – لينين، تقرير عن ثورة 1905
( 7 ) – المصدر السابق.
( 8 ) – لينين، مرض اليسارية الطفولي في الشيوعية.
( 9 ) – المصدر السابق.
( 10 ) – حزب العمال الشيوعي التونسي، كراس " نداء إلى الشعب ".

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت