جمالية البناء الدرامي وقبح الواقع في رواية -الحوت البري-* للدكتور السهلي عويشي

نقوس المهدي
2024 / 4 / 10

- أدب المناجم كإبداع جمالي
لم يجمع الفلاسفة على تعريف موحد بخصوص الإستطيقا، وإذا كان الجمال هو أعلى درجات الكمال، ويشمل كل ما يبهجنا، ويدخل الغبطة والفرحة والحبور والبهجة والارتياح على النفس، ويشدنا بالشكل الحسن، والوجه المليح، والقد المياس، والمضمون الخير، والسلوك المهذب، والكلام الطيب، فإن القبح بكل مساوئه ومثالبه يظل ظاهرة سلبية منفرة، نسبية ومخاتلة، والمعيار التقويمي الذي يقاس على أساسه الحسن، ومستويات الجمال.
وفيما يخص موضوعة المناجم فليس هناك جميل في مظاهر الاستغلال، والقهر، والألم، والظلم، والفقد، واليتم... وحوادث الشغل، والأمرض المزمنة وأعراضها ومضاعفاتها الجانبية. بقدر ما تتجلى مظاهر الجمال في الكتابات والآثار الأدبية والفنية التي يبدعها الإنسان على شكل روايات وقصص، وأشعار، وخواطر، ولوحات، وأفلام سينمائية، وأغاني، ومسرحيات، ومجسمات ينفت فيها كل ما يستطيع من مشاعر وأحاسيس الحب، تستعرض تلك الأحداث التي تشكل إحدى خصائص أدب المناجم، أو أدب المنجميين كنمط فكري ولون أدبي موغل في إنسانيته، وفي مقاصده، واهتمامه بشريحة اجتماعية شاهدة على تجربة حياتية عميقة، مضنية وشاقة، تؤمن تماما بأهمية القيم السامية، وسرمدية قضيتها، ونبل رسالتها، وبالقدر ذاته الذي يسعى فيه لفضح بعض الممارسات الشائنة وضروب العسف، والاستغلال، والإقصاء الممنهج للإنسان والمكان، وحرمانهما من الحق في الثروة والتنمية والرخاء الإقتصادي، والعدالة الإجتماعية. إنه "أدب للبوح الجميل، رغم ما في المنجم من سواد”[1]، كما يقول الدكتور السهلي عويشي في إحدى شهاداته، مزاوجا بين اللون الأسود، ورمزيته القاتمة السلبية.
(هي البداية اذن بداية الحكاية، أبطالها من سواد، في امكنة من سواد وفضاءات من سواد) ص77[2]
إنها بداية ملحمة مدينة متشحة بالسواد، كان يمكن أن تكون فأل خير على الناس، ومصدر رخاء وازدهار، لكن أبوا إلى أن يحولوها الى بقرة حلوب، ما إن يجف الضرع حتى يقدمونها قربانا للضياع والاهمال. ويحولونها مقبرة للأحياء، ونستعير مقولة لميلان كونديرا يقول فيها:
“الشيء الوحيد الذي يبقى لنا أمام هذه الهزيمة المحتومة التي نسميها الحياة هو محاولة فهمها. وهذا هو سبب وجود فن الرواية.“ [3]
ويشكل الأدب المنجمي رافدا حيويا، ونسقا جماليا ضمن الإبداع الفني، لأنه ينبش في أحدى المناحي الأكثر إنسانية، والأكثر تأثيرا في العصب الإقتصادي للبلاد، ولأنه ينحصر فقط في المناطق التي تتوفر فيها الثروة المعدنية، ومن هنا تتأتى خصوصيته وفرادته. وتتجلى جماليته وموضوعيته بوصفه بوحا أدبيا مكتملا، يوازي بين الخطاب التخييلي والواقع المعاش. وبين فضح التجاوزات والانتهاكات، ويسعي للامساك بناصية الحقيقة. وتلك أهم سمات ومواطن جماله.
والروائي والكاتب والشاعر والسينمائي والفنان كل من موقعه هم حملة رسالة إنسانية، يبدعون عشرات الحكايات المفعمة بالتخييل، والأليغوريا، والإستعارات، والإسقاطات، والرموز، والتهيؤات المشبعة بالدهشة، والمشاهد المفصلة، والإشارات المختلفة التي تسعى لتذويب المسافات الفاصلة بين الوعي واللاوعي. بين الظلم والعدل، بين القسوة والرحمة، بين الحقيقة والخيال، بين الجمال والقبح، والحياة والموت، منتصرين للعدالة الإجتماعية، فاضحين كل مظاهر الاستغلال الأزلية التي يتعرض لها الإنسان من طرف أخيه الإنسان، منذ اكتشاف التعدين، وظلت إلى يوم قريب، خارج تغطية الخطاب الأدبي، وأمسكت عن الحديث عن المشاكل التي يتخبط فيها العمال وعرض آلامهم ومكابداتهم، وما يتعرضون اليه من أنواع الظلم والحيف، والمشاكل المتعلقة بالإهمال البشع واللامبالاة التي تستهدف له تلك المناطق وساكنتها من بطالة وضياع وتفقير، وتضعضع للبنيات التحتية، وقد ألهم كل هذا العديد من أبناء تلك المناطق المنجمية للتعبير عن هذه المظاهر السلبية، عبر إنتاج العديد من الروايات، والقصص، والأشعار والدراسات العلمية والشهادات المؤلمة عن واقع الحال، كان لمدينة جرادة وعموم المغرب الشرقي حصة الأسد، حيث نرصد عدة أسماء منهم على سبيل المثال لا الحصر محمد العرجوني، د. السهلي عويشي، بوجمعة الكريك، محمد حامدي، محمد بودويك، عكاشة البخيت، بنسامح درويش، عبدالقادر بنهار، جلول قاسمي، حليمة الاسماعيلي، خالد بودريف، عبدالحميد بحادي، محمد الدويمي، محمد بنعلي، تليها مدينة خريبگة بروايتين لعثمان أشقرا، وعبدالرحمن مسحت، واليوسفية بمجموعة قصصية لأحمد نشاطي، وقصة طويلة للدكتور أحمد رزيق، ويوميات لعبدالعالي أواب..
وتأتي رواية "الحوت البري" للدكتور السهلي عويشي لتنضاف لهذا المنجز الأدبي الإنساني، وتفضح المستور، عما يتعرض له أبناء مدينة جرادة المنجمية من تشريد وضياع. وما تتعرض له جرادة المدينة من تهميش وإقصاء من جغرافيا التنمية، وما تعرضت له من استغلال واستنزاف لثرواتها الباطنية منذ اكتشاف الماس الأسود في العقد الثالث من القرن الماضي لساعة إغلاق آبارها وتسريح عمالها لأسباب غير معلومة..
والدكتور السهلي عويشي، نشأ وترعرع بمدينة جرادة، وعايش من موقعه كأستاذ وباحث وفاعل جمعوي، وابن أحد العمال مشاكل الشغيلة، وما يتعرضون له من استغلال بشع، وتأديب وتركيع وطرد، وأمراض مهنية، وانتهائهم على محفة إثر الاصابة بالسيلكوز الذي ينخر صدورهم، ويؤدي بهم للموت البطيء الرهيب، وما يجابه المدينة من شلل، وخصص لكل هذا حيزا كبيرا ضمن انشغالاته، عبر إصدار العديد من النصوص القصصية والشعرية والمقالات والشهادات، والمقابلات.
يقول في احدي قصائده بعنوان: "جبل الفحم".
((جبل الفحم
حياك الحيا
بناك أقوام
فسقوك دما
وأنت سفكت اللحم
والعظم
والصدر بم أدميت
وأفنيت لم ؟؟))[4]
ووضع ديوانا يستوحي عنوانه من الفحم، وتتمحور قصائده حول معاناة العمال، والمدينة بعنوان "يوسف الفحمي"، يقول في قصيدة تحمل عنوان الديوان:
((أنا يوسف الفحمي
يا أبتي
ولدت من بئر
وفي فمي
ملعقة من فحم))[5]
يقول الدكتور السهلي عويشي عن فضاء المناجم،:
(”هو فضاء متنوع ومنفتح وإن كان يبدو للرائي منغلقا في جغرافية تضاريسية معينة منتجة لمعدن معين، وهو يكتسب انفتاحه من العاملين فيه لتنوع أعراقهم وأجناسهم.
وتفشي هذه الفضاءات، بفضل مناخ التعايش السائد، قيما إنسانية نبيلة يتم إنتاجها وإعادة إنتاجها، في متواليات لا تتوقف، ما يفضي إلى سيادة حالة من “التنوع الثقافي، تمنح إمكانات هائلة للخلق والإبداع”
وهو فضلا عن ذلك “واجهة للتحليق في سماء الإبداع الإنساني النبيل الذي يلامس الجرح والفرح، والبياض والسواد، والألم والأمل.. لأنه أدب للبوح الجميل، رغم ما في المنجم من سواد”.)[6]
من وراء كل هذا يسعى الدكتور السهلي عويشي للقبض على جمر القيم الجمالية والحس الإنسانى المرهف من خلال أحفورياته الجادة في هذا الحقل الشائك والإشكالي، وهو ما يعنى فى الأخير إعطاء الأحداث روحا ولسانا لتعبر عن واقع الحال، إنه التعبير الأمثل عن الدقة في وصف وقائع الاستغلال اللامتناهية التي تتكرر وتتكرر باستمرار بطرق بشعة، تغري وتحت على التأمل، مراوحة بين قبح الواقع، وجمال الطرح الفني..

- "الحوت البري" مناص العنوان
عندما نفكك عتبة الرواية، نجد العنوان يتكون من خبر مرفوع بالضمة لمبتدإ محذوف تقديره هذا، ونعت مرفوع. يؤلفان عنصرين متباينين مركبين من البر والبحر، إنه نوع من التأويل الذي يعرفه ابن حزم الظاهري على أنه (تغليب ظن بقرينة)، ويحيلنا دلاليا على عالم روائي مليء بالتناقضات والشروخ والمفاجآت الأليمة، ومجازيا بخدعته الإستعارية، على العديد من أشباه الحوت البحري المفترس، وتشمل كل الكائنات الآدمية المتوحشة الكاسرة، إنهم نوع من الأخطبوط الذي يمد أذرعه في كل اتجاه، ويعتاش على عرق البائسين، ويستغل فقرهم، وينتعش عن طريق التغرير بالشباب المعطل وابتزازهم، وتشغيل القاصرين والشيوخ واستغلالهم في استخراج الفحم من الآبار المهجورة، بطرق تفتقر للآدمية، وللسلامة والأمان.
ويتكرر لفظ "الحوت البري" على مدى الرواية عدة مرات في ص(17) وص22، وص (54) وص62، وص (65) وص(69)، ص145، ص 167، على الشكل التالي.
(وحينما تخول لك نفسك ان تحتج، يشبعونك ركلا، ورفسا، وسبا، وشتما، هذا إن حالفك الحظ، ولم يلفقوا لك تهمة أكبر، فما كان لنا إلا ان نفكر في الفرار من بلاد الحوت البري")ص17[7]
(يقوم البعض ممن تم إيقلفهم بتقبيل الأرض تحت ارجل الحرس طلبا للصفح والمغفرة، كله رجاء أن لا يرسلوه إلى الحوت البر) ص22 [8]
(بل لعل الحوت البري كان يريد من أعماقه أن لا يبقوا، دون شك كان يخاف منهم ومن وجودهم) ص54 [9]
(وكما يقال في بلاد الحوت البري: (اللي ما عندو فلوس كلامو مسوس") ص65 [10]
(او لعله جنون اخر بحثا عن المجهول في ظلمات من الامواج المتعالية المتتالية التي تجرف من في طريقها بلا رحنة لتقدنه طبقا شهيا للحيتان البحرية التي تنهش ما تبقى من جسد لن يرحمه الحوت البري)ص62 [11]
(حين وضعته أمه لكم صرخ، وصرخ، وكأنه كان يعلم ماذا سيحصل له في بلاد الحوت البري" ص69 [12]
(غير بعيد عن المغارة كان هناك أطفال صغار، لم يكونوا يلعبون، أو يمرحون، أو يدرسون، كأقرانهم الذين هم في مثل أعمارهم، بل كانوا يقومون بتكسير أحجار الشاربون الكبيرة، هم عمال صغار إذن أرغمهم الحوت البري على العمل في غياب أبسط الحقوق التي لم يحصل عليها حتى أباؤهم) ص145 [13]
(امثالهم مكانهم الطبيعي في المدرسة او في التكوين قصد الحصول على خبرة في تخصص معين، يستطيعون بعده الحصول على شغل يحفظ لهم كرامتهم وآدميتهم التي اصبحت غير ذات معنى في بلد الحوت البري) ص167 [14]
تتكون رواية "الحوت البري" من 196 صفحة من القطع المتوسط، صدرت عام 2015، بوجدة، زينت غلافها لوحة الفنان عبدالغفار حلوي. ومجزأة إلى أربعة أقسام.
ص03 - 82
ص 83 - 83
ص 90 - 151
ص 152 - 196
تتخذ الرواية نسقا دائريا في بنائها، ومضمونا انشطاريا في تناولها لمجريات الأحداث، وسلوكات الشخوص، وشكلا هرميا في تنامي الحدث الدرامي، وما بين البداية في الصفحة 3، وجملة النهاية بالصفحة 189 تتنامى أحداث وأحداث موغلة في مأساويتها وسوداويتها.
إذ تبتدئ من حيث انتهت، حينما قبلت بلانكا دعوة محمود لزيارة المغرب، مدفوعة بفضول ما قرأته في مذكرات محمود.
"بعد ان قرأت مذكراته عن حياته وعن با بمحمد، وبعد شهر من حصوله على بطاقة الإقامة، كان محمود إلى جانب بلانكا بسيارتهما البسيطة، يمتطيان الباخرة بالميناء البحري، يعبران البحر الذي لطالما كان عائقا أمامه، وعيناه على وطن يود أن يعرف ماذا حدث، ماذا تغير فيه، بعد هذه السنوات" ص(196) [15]
تنفتح الرواية بمونولوغ لمحمود وهو يعود لبلدته، مؤملا نفسه بأن يجد البلاد قد تغيرت، بعد غيابه الطويل والقسري، مدفوعا بهاجس الفقر وواقعه المرير.
"ماذا تغير بين الأمس واليوم، لبضع سنوات وأنا بعيد عنك، ظننت أن هناك أمورا كثيرة قد تغيرت، وأن تلك الصور السوداء التي كانت مرسومة في ذهني لما هاجرت استبدلت بأخرى خضراء، ما إن خرجت من الميناء حتى استقبلني فوج من المتسولين، حينها أدركت أن لا شيء تغير في بلدي، جالت في خاطريي فكرة العودة من حيث اتيت، لكن عدلت عنها" ص(3) [16]
لكن الأمل والظن لا يلبث أن يخيب حينما يخرج من الميناء، لتتواتر الأحدات، وتتوالد المآسي والمشاكل والذكريات الأليمة حيث الموت، والفقر، وكل أشكال العسف والقهر والهوان ، وانعدام العدالة الاجتماعية، التي يجد المرء نفسه أمام ثلاثة خيارات حاسمة الفقر أو التشرد، أو الموت.
تحيلنا هذه البداية ضمنيا على بطل رواية "موسم الهجرة الى الشمال" للطيب صالح، من دون علاقة ظاهرة طبعا، إثر عودته إلى قريته بعد غياب دام سبعة أعوام ليجد القرية قد تغيرت، وسادها الرخاء، وناسها في بسط ونعمة وسعة عيش، بينما بخيب رجاء محمود بطل رواية "الحوت البري"، ويسترسل في استرجاع شريط الذكريات الأليمة، عن مدينته المزنرة بالسواد والخراب، ويحكي عن سيرة الناس الطيبين في مواجهة عوادي الزمان، وسطوة أباطرة تهريب البشر، والمتاجرة في الحشيش، وتبييض الأموال، والمقارنة بين الموت فريسة للحوت البحري، أو الموت المؤجل كمدا، وغبنا فريسة وطعما سائغا للحوت البري الذي يتربص الدوائر بالشباب من دون شفقة ولا رحمة، زارعا الرعب والموت في كل مكان، وهذا الفقد يهون في أضعف الاحتمالات حينما يجد المرء روحه تحت عبء الفقر والحاجة، تائها يتجول في الشارع يأطماره البالية، وملابسه المرقعة، وبأحذيتة المثقوبة، يتناوب على لفافة من التبغ الرخيص، الشيء الذي يدفع بمحمود إلى تحفيز وترهيب لخضر بما ينتظره، وكأني به يستعير البيت الشهير للشاعر امريء القيس إلى عمرو بن قميئة.
"اتريد ان تعود الى البطالة والفقر، كي تتناوب مع الأصدقاء على سيجارة سوداء" ص6 [17]

- رواية "الحوت البري" حكاية مدينة، تاريخ ملحمة
رواية "الحوت البري" هي حكاية المكان والإنسان، وكل حكاية لا يمكن أن تكون إلا حقيقية، وبها نصيب من الواقع، وعملا إبداعيا يزخر بالشخوص، وبالأحداث المأساوية التي تعود بنا إلى فترات لم يعشها البطل محمود، تظهر فيها سلطة الراوي / السارد ليحدثنا عبر تقنية (الفلاش بلك)، عن بعض المحطات التاريخية عبر استدعاء الذكريات، ولملمة نتف من تاريخ منسي لمدينة جرادة، منذ نشأتها الأولى حين وطئها با محمد.
(الهواء المبلل بالسواد القاتم، سواد الفاكهة، وسواد التراب، اللعنة التي ظلت تلاحق البا محمد منذ ان وطات قدماه فدان الجمل الذي لن يكن يعرف بنيانا ولا عمرانا، خيام متفرقة لبدو ارغمتهم سنوات المحن على النزوح إلى مدينة لم تمنحهم سوى الفقر واليتم والضياع والتيه) ص118[18].
(هكذا كانت صورة فدان الجمل منذ البدء، تتوسطها دكاكين مصطفة للتجارة، كانت اغلبها لليهود، يبيعون فيها المواد الغذائية، والأقمشة، وحلي النساء، لتتوالى الهجرات فرادى وزرافات من كل حدبوصب من الجتوب والغربومن الشمالومن القبائل المجاورة") ص(118) [19]
وعن نضال الشعب، وأشكال التنكيل بالأهالي، وتقتيلهم، وحرق غلالهم، وسوقهم كالبهائم الى التجنيد في معارك لا تعنيهم، وعن رش سكان الريف بالاسلحة المحرمة قانونيا، وإبادة بعض البلدات بوحشية، وتهجير أهلها، والطرد التعسفي من العمل لأقل نأمة، أو وشاية ينقلها المخبرون، ومحطات سياسية بارزة من التاريخ الأسود للأمة العربية في فلسطين، والاجتياح الأمريكي للعراق، وفي الريف وغيرها من الاحداث الدولية المعاصرة، وعن ما هو شفاهي عن وقائع حدثت بزمن سابق، لدرجة أن الناس يعتمدون في استذكارهم وتدوينهم لها بشكل بسيط وعفوي مرتبط بظواهر الطبيعة.
(لا مجال لتاريخ محدد مضبوط، فالتاريخ لأعمار الشيوخ في قاموسهم مرتبط بتقلبات الطبيعة "عام الزرة" أو "عام الثلجة" أو "عام العجاجة الحمرا"، و"عام الجوع"، أو بأحداث عايشوها "عام بوحمارة" أو "عام الكيرة" و"عام زازة اليهود) ص 96 [20]
إنها ملحمة جرادة، مدينة ذات كرامة مهضومة، مدينة الرجال الأقوياء الشرفاء، الذين جاهدوا من أجل استقلال البلاد، وشقوا في أغوار المناجم من أجل انعاش اقتصادها، وعانوا من وخز البرد القارص، وغبن القهر، وآلام الجوع، وتباريح الضياع والتيه، وحوادث الشغل والإعاقات، والأمراض المهنية المميتة جراء السيلكوز، لقاء كسرة خبز سوداء تكفي بالكاد لسد الرمق، لكن لا تكفي لرتق تصدعات الحياة، انها محاولة تسطير تاريخ بديل أدواته الكلمات والخيال، ومادته الإنسان والمكان، بمدينة ارتبطت في نشأتها بالفحم، وانتهت بموتها بعد إغلاق موارد الفحم.

- مظاهر الفقد والضياع والتيه في رواية (الحوت البري)
تتعدد رائحة الموت، التي تتكرر أزيد من 30 مرة، وتتنوع المظاهر الجنائزية القاتمة، وأعطاب المآسي في رواية "الحوت البري"، بداية من خوض غمار العبور الذي أقدم عليه محمود ولخضر، وتغذية آمالهم بحياة أفضل، وموت لخضر المفاجئ غريبا في العدوة الأخرى، قرب الأجداد الفاتحين، ودفنه وحيدا في الغابة، وخضوعه لحصص علاج نفسي بمساعدة بلانكا، وموت الحسين، وموت خدوج زوجته بعد وضع ابنتها "نجمة"، واحتضانها من طرف أسرة با محمد وزوجته أمينة، نجمة القطب التي تشكل إرهاصا بالأمل القادم لا محالة، وموت الأبرياء من طرف المستعمر، وموت الشباب بسبب السيول المباغثة، وغضب الطبيعة. وخيانة المخبر الحقير، الميت باعتقاد العمال، عين المسؤولين على العمال الذي لا يفتأ يردد وهو يتوعدهم:
"الله واحد والمارطو اثنان والحافلة ثلاثة" ص(154) [21]
وهي لازمة شبيهة بثالوث تردده شغيلة الفوسفاط، "من الدار للغار للبار"، حيث يشكل الإدمان نوعا من الهروب من قبح الواقع المزري.
وأحداث أخرى واقعية عن الهجرة والاشتغال بالمنجم وما واكب كل ذلك من أشكال الفجائع والمآسي والكوارث، إنها أداة التخييل الإبداعي التي تعتبر المحرك لسيرورة السرد وتنامي الحدث الدرامي الذي يستعين على إثرائه بالشعر، والتقرير الصحفي، والبيان النقابي، والخبر التاريخي ، والنبأ السياسي، واللهجة العامية المحكية، والاسترجاع مما يتماهى فيه دور السارد مع الرواي.
وقد أفلح الروائي الدكتور السهلي عويشي في وضع الأصبع على أشكال الفساد، وتهريب البشر، وتبييض الأموال، وكوارث الحروب، والدعارة، والخيانة الزوجية، ونقلها بأمانة تامة عبر استثمار العديد من الوقائع الشائنة، أبطالها المهربان الروبيو وحميد، والحجاج أمثال بوشتى الذي ينادونه بالحاج للتمويه على سلوكه وافعاله الشيطانيةـ وورعه المزيف، وطرق استغلاله البشعة للمسنين والشباب في استخراج الفحم، وتشغيل القاصرين الذين شبوا عن الطوق في تكسيره، وتعبئته في أكياس يثمن بخس لا يسمن ولا يغني من جوع.
كما نجح في تسريد الواقع المضاد المفعم بالجمال الذي تعكسه طيبوبة محمود ولخضر، وبا محمد الإنسان الطيب المحب للخير، والبسيط في حياته المبنية على القناعة والكفاف، والحسين وزجته خدوج، وفاتي وخوان، وأليخاندرو، وبلانكا وكثير من الناس الطيبين، واستغلال كل ذلك الزخم بما ينطوي عليه من دلالات وأبعاد، وقيم إنسانية في مجتمع طبقي هجين، في وطن متخلف يسوده البؤس، وتنتفي فيه العدالة الاجتماعية، وتتخلى فيه سلطة الدولة عن تحمل مسؤولياتها، والتسرطن المرضي لأنواع الحوت البري الذي يستغل العباد ويفاقم حدة الفقر والعوز والبؤس واليأس بين الطبقات المسحوقة.
كما افلح السرد في رواية "الحوت البري" كأداة نخييلية تعبيرية متعددة المرامي الرمزية، وبناء لغوى جميل متناسق، ومتكامل في تشكيل وإثراء المادة الحكائية، وتشخيص الصورة الدلالية في عالم قاس، وبشر طيبين، وترك الرواية مفتوحة عبر توظيف ترسانة من المتقابلات الضدية "الأوكسيمور"، استغلها الروائي في تشخيص أعراض التوتر الدرامي، ولحم الصدع بين الواقع والخيال، في عالم قبيح وفاسد تهيمن وتستأسد فيه قوى الشر ، في صراع سرمدي دائم يخلي فيه عالم المثل المكان لواقع ديستوبي قاتم غامض المعالم بالنهاية، ليظل المتن الروائي في "الحوت البري" مشرعا مصراعيه على كل الإحتمالات، ومفتوحا إلى ما لا نهاية.



ـــــــــــــــــــــــــــ
* رواية الحوت البري، د. السهلي عويشي، ط. الأولى 2015 ، وجدة
[1] سمير بنحطة: أدب المناجم.. الحفر في الكلمات! الخميس, 27 أكتوبر, 2016
[2] د. السهلي عويشي، الحوت البر، رواية 2015، وجدة، ص77
[3] ميلان كونديرا، كتاب (الستار)
[4] د. السهلي عويشي، جبل الفحم، أنطولوجيا السرد العربي
[5]- د. السهلي عويشي، أنا يوسف الفحمي، ص46، ديوان يوسف الفحمي، ط. الاولى، 2015 البصمة الرقمية - وجدة
[6]- سمير بنحطة: أدب المناجم.. الحفر في الكلمات! الخميس, 27 أكتوبر, [URL
مستجدات – ماپ إكسپريس
www.mapexpress.ma https://www.mapexpress.ma
[7] د. السهلي عويشي، الحوت البر، رواية 2015، وجدة ص17
[8] د. السهلي عويشي، الحوت البر، رواية 2015، وجدة ص 22
[9] د. السهلي عويشي، الحوت البر، رواية 2015، وجدة ص 54
[10] د. السهلي عويشي، الحوت البر، رواية 2015، وجدة ص 62
[11] د. السهلي عويشي، الحوت البر، رواية 2015، وجدة ص 65
[12] د. السهلي عويشي، الحوت البر، رواية 2015، وجدة ص 69
[13] د. السهلي عويشي، الحوت البر، رواية 2015، وجدة ص 145
[14] د. السهلي عويشي، الحوت البر، رواية 2015، وجدة ص 167
[15] د. السهلي عويشي، الحوت البر، رواية 2015، وجدة ص196
[16] د. السهلي عويشي، الحوت البر، رواية 2015، وجدة ص 3
[17] د. السهلي عويشي، الحوت البر، رواية 2015، وجدة، ص 6
[18] د. السهلي عويشي، الحوت البر، رواية 2015، وجدة ص 118
[19] د. السهلي عويشي، الحوت البر، رواية 2015، وجدة ص 118
[20] د. السهلي عويشي، الحوت البر، رواية 2015، وجدة ص 96
[21] د. السهلي عويشي، الحوت البر، رواية 2015، وجدة ص، ص 154.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت