ردا على تصريحات راشد الغنوشي الأخيرة بذات فمه يفتضح الكذوب

جيلاني الهمامي
2024 / 4 / 10

ردا على تصريحات راشد الغنوشي الأخيرة
بذات فمه يفتضح الكذوب

اتهم رئيس حركة النهضة مؤخرا الجبهة الشعبية بـ" توظيف المصائب الوطنية " في إطار ما ادعاه من " خصومة أيديولوجية بينهما " وقال في هذا الصدد " الجبهة ( الشعبية ) تحاول أن توظف المصائب الوطنية للنيل من خصمها السياسي بطرق غير شريفة " معتبرا أن الاتهامات الموجهة لحركته بخصوص مسؤوليتها في تسرب آفة الإرهاب إلى بلادنا عارية من الصحة وأن الأمر لا يعدو أن يكون " تجاذبات سياسية ومحاولة التوظيف والاستثمار في المصائب الوطنية التي حلت بتونس ".

جاء تصريحه هذا لوسائل الإعلام لنفي التهم الموجهة لحركته في ما يمكن ان يكون لها من مسؤولية في العملية الإرهابية التي جدت في سوسة مؤخرا.

وفي محاولة منه لتبرير ساحة حركته من نشوء وانتشار ظاهرة الإرهاب في تونس أوعز ذلك للعفو التشريعي العام الذي شمل العناصر الارهابية التي كانت قيد السجن في عهد حكومة الباجي قائد السبسي وإلى سيطرة " المتشددين على المساجد ولم تكن دعوتهم قد اتضحت بعد ".
ولم يقف الغنوشي عند هذا الحد بل حوال التدليل على أن حركته في صدارة القوى التي تحارب الارهاب الآن وحتى في عهد حكومتها ( حكومات الترويكا ) معتبرا أن حركة " النهضة " هي " الوحيدة القادرة على منازلة التكفيريين المتشددين على أرضية الاسلام نفسها وإقناع الناس بأن هؤلاء ليسوا على شيء من الدين " مضيفا أنه " ما أن بدأو ( أي التكفيريون ) يجمعون السلاح ويقومن بعمليات إرهابية صنفت حكومة الترويكا تنظيم انصار الشريعة كجماعة إرهابية وشنت عليه الحرب ".
واعتبر الغنوشي أن مقاومة الارهاب لا يمكن ان تقتصر على الحلول الأمنية بل " لا بد من المعالجة الفكرية والاعلامية والاجتماعية والاقتصادية أيضا ".

وردا على كل هذه الادعاءات الكاذبة لا بد من التذكير بالحقائق التالية التي لا يمكن ان تمحوها ديماغوجيا الغنوشي :

1 – الجبهة لم تتعاطى مطلقا مع حركة النهضة كخصم أيديولوجي فقط وقد سبق أن شددت على هذا الأمر لأن الجبهة لا تعارض النهضة لكونها تحمل أيديولوجيا بعينها من جهة لأنها ليست بصدد تصفية حسابات أيديولوجية مع أي كان علما منها وأن الصراع الذي يشق بلادنا اليوم هو صراع برامج سياسية وتصورات اقتصادية ونمط مجتمعي وهو صراع أبعد ما يكون عن الصراع الأيديولوجي. ومن جهة ثانية لا تعارض الجبهة الشعبية حركة النهضة لأنها تحمل أيديولوجيا دينية قناعة منها بأن الدين الاسلامي نفسه لا يمثل أيديولوجيا للحركة بقدر ما هو غلاف تتغلف به لتعطي لمشروعها السياسي الرجعي وتصورها الاقتصادي الليبرالي المتوحش ولنمط المجتمع المحافظ والمنغلق والذي تريد فرضع على الشعب التونسي مشروعية وهالة قدسية تساعدها على كسب تأييد الناس لها. وقد لاحظنا جميعا كيف استعملت النهضة الدين الاسلامي أداة في دعايتها الانتخابية في 23 أكتوبر 2011 وغالطت الكثير من التونسيين الذي صوتوا لها على أساس أن مرشحيها " يخافو ربي " ولكنهم افتضحوا فيما بعد لدى أوساط واسعة من التونسيين على انهم لا " يخافو ربي " ولا هم يحزنون.

إن الجبهة الشعبية تعارض النهضة لأنها قدمت مشروع دستور ( نسخة 1 جوان 2013 ) حاولت بواسطته إرساء نظام لا ديمقراطي واتبعت نمط تنمية عمق الفوارق بين الفئات الاجتماعية وزاد في تهميش الجهات وفسح المجال لمزيد انتشار الفساد وحاولت العودة بالمجتمع التونسي لما قبل الاصلاحات الجزئية التي عرفها في عهد بورقيبة ( التعليم المدني والشعبي، مجلة الأحوال الشخصية الخ ... ) ولما قبل ما بشر به المصلحون التونسيون منذ حوالي قرن ( الطاهر الحداد وغيره ). فعلى نقيض هذا المشروع المتخلف والمنافي لطموحات الشعب والتي عبر عنها في ثورة 14 جانفي ( التي لم تشارك فيها النهضة بل وجاءت ضدها : أنظر تصريحات زياد الدولاتلي 12 جانفي 2011 على قناة الجزيرة ) فإن الجبهة الشعبية تناضل من أجل الحرية والديمقراطية والعادلة الاجتماعية بين الفئات والجهات وبالتنمية للجميع وتعمل من أجل إرساء أسس مجتمع متوازن تتساوى فيه المرأة مع الرجل ويتساوى الجميع في الانتفاع من مجهود الانتاج العام ويتقاسمون الخيرات والثروة بأكثر ما يمكن من العدل.
2 – الجبهة الشعبية لا تستثمر في مآسي الوطن ومصائبه بل هي أول من يشعر وبصدق بعميق الأسى والحيرة والحزن مما آلت إليه الأوضاع في بلادنا وامن مواطنيها كيف لا وهي التي خسرت على يد الارهاب والارهابيين قافلة من الشهداء في مقدمتهم اثنان من قادتها الشهيدين شكري بلعيد والحاج محمد البراهمي ( ومحمد بلمفتي والعجلاني )؟ كيف لا وهي التي يعيش عدد من إطاراتها اليوم تحت الرقابة الأمنية المشددة لأنهم مهددون بالاغتيال؟

والجبهة الشعبية إذ تضع في صدارة اهتماماتها اليوم النضال ضد الارهاب ليس لأنها تستثمر في مصائب تونس وإنما قناعة منها بأن المصيبة الكبرى التي ابتليت بها هي مصيبة الارهاب هذه الظاهرة الأكثر فتكا وخطرا على التونسيات والتونسيين من الفقر والبطالة والتخلف والامية والهجرة والمخدرات وكل صنوف الآفات الاجتماعية الأخرى.

ومن جهة أخرى فأن تصب الجبهة جام غضبها وأن تركز دعايتها ضد مخاطر هذه الظاهرة ليس لأنها تستثمر في مصائب الوطن وإنما قناعة منها بأن عدم مواجهة هذه الآفة بالتصميم اللازم إنما يضع مستقبلها عرضة لأسوأ الاحتمالات وقد يؤدي بها إلى ما لم تكن تتوقعه أبدا من حروب واقتتال أهلي وتقسيم إضافة إلى فواجع القتل والترويع وانعدام الأمن وما يستتبع ذلك من انهيار الاقتصاد وانخرام سياسي واجتماعي.

لكن للتذكير فإن الجبهة الشعبية فيما كانت النهضة ككل وراشد الغنوشي شخصيا يتعامل مع هذه الظاهرة على انها " مجرد ظاهرة ثقافية جديدة " ولا يتوانى عن القول بأن العناصر الارهابية " تذكره بشبابه " وفي الوقت الذي كانت حكومته ( الناطق الرسمي لوزارة الداخلية تحت امينه العام الحالي علي العريض وزير الداخلية آنذاك ) تغالط المواطنين بالقول ان العناصر الارهابية التي كانت تتدرب في الجبال تقوم بتمرينات رياضية سلمية، في ذلك الوقت بالذات نبهت الجبهة الشعبية إلى مخاطر الحركات السلفية التكفيرية وشددت على تهديدهم للسلم الاجتماعي والأمن ونادى الفقيد شكري بلعيد يوم 3 فيفري 2013 في الاجتماع الشعبي للجبهة الشعبية في باجة إلى عقد مؤتمر لمناهضة العنف.

خلاصة القول فإن الجبهة الشعبية حينما تركز اليوم على مقاومة الارهاب ليس بالأمر الجديد عليها ولا هو استغلال للظرف أو استثمار للمصائب بقدر ما هو دليل على صحة ما ذهبت إليه منذ بداية ظهور هذه الظاهرة المدمرة وبرهان آخر على صحة توقعاتها.

3 – وإذا كانت الجبهة لا تغفل اليوم عن تذكير الشعب بما كان لحركة " النهضة " من دور في ظهور هذه الظاهرة ونموها بيننا في تونس فليس من باب " تجاذبات سياسية مع خصم سياسي أو لخصومة أيديولوجية " إنما لأن حقائق التاريخ تؤكد اليوم انه لو لا تساهل حركة النهضة التي استقبلت غلاة دعاة العنف والتطرف وتغاضت عن بناء المساجد من طرف السلفيين وافتكاكهم بالقوة لعدد آخر وفسحت لهم المجال لتهريب الأسلحة ونشر ثقافتهم وعقد مؤتمراتهم واستقطاب الشباب وتسفيرهم إلى سوريا وكل بؤر الارهاب في المنطقة العربية وغطت على البعض منهم بل وأطلقت سراح من تم إيقافه في اعمال عنف ثابتة، لو لا ذلك لما تمكن هؤلاء المجرمون من اشتداد عودهم وتمتين أركانهم وتنظيم صفوفهم وتحولهم إلى قوة يخشى أن تعجز الدولة بعد أن فككت حكومات الترويكا أوصالها عن مقاومتهم الآن بعد فوات الأوان.

4 – إن الادعاء بأن حكومة الترويكا بادرت بتصنيف " أنصار الشريعة " كتنظيم إرهابي دليل على مناهضة النهضة للتطرف الديني والارهاب مغالطة مفضوحة ولا يمكن أن تنطلي على الشعب التونسي. فهذا الأخير لا يمكن ان ينسى ما كان ينادي به قادة النهضة من عنف تحت قبة المجلس التأسيسي ضد المعارضين والديمقراطيين وأعني بذلك دعوات الحبيب اللوز ومنصف بن سالم لتقطيع بخلاف لكل من تحدثه نفسه الاحتجاج على الحكومة وقراراتها. وأعني بذلك أيضا إعلان قيام " الخلافة الراشدة السادسة " على يد حمادي الجبالي رئيس حكومة الترويكا الأولى. وأعني به كذلك استقبال دعاة الارهاب من مصر والكويت والسعودية ( غنيم وغيره ) من طرف قادة حركة النهضة وتنظيم مهرجانات دعوية لهم في كل ربوع البلاد. إن حركة النهضة برئاسة راشد الغنوشي سجل ضدها التاريخ القريب كل هذه الحقائق لا يمكن لها مطلقا أن تدعي لنفسها اليوم " التسامح والمسالمة " ولا يمكن لها ان تتباكى خوفا من خطر الارهاب ولا يمكن لها أيضا أن تدعي أنها " الوحيدة القادرة على منازلة التكفيريين المتشددين على أرضية الاسلام نفسها وإقناع الناس بأن هؤلاء ليسوا على شيء من الدين ". وببساطة لا يمكن لها أن تدعي هذا الشرف لأنها – وبالوقائع التاريخية الثابتة – لا تختلف في منطلقاتها وفي الكثير من اعمالها ( الاعتداءات على الصحفيين وبعض المثقفين وضلوعها في اغتيال لطفي نقض سحلا في تطاوين ) عن هذا التيار المتشدد الظلامي. كما لا يمكن لها اعتبار قرارها بتصنيف " أنصار الشريعة " تنظيما ارهابيا عملا بطوليا أو حجة على أنها ضد الارهاب والتطرف. فالإرهاب هو صنيعتها وربيبها.

ومن جهة أخرى فالإدعاء بأن حركة النهضة لم تتوانى عن تصنيف هذا التيار المجرم تنظيما إرهابيا فهو محض كذب واستهتار بذاكرة الناس وذكائهم. فهل يذكر راشد الغنوشي تاريخ اتخاذ هذا الإجراء؟ وإن نسي سنذكره أن ذلك تم بتاريخ 27 أوت 2013.

وردا على تصريح راشد الغنوشي الأخير القائل بأن دعاية التيارات المتطرفة ونواياهم " لم تتضح بعد " هو ايضا مغالطة وضحك على الذقون لأن سلسلة الجرائم الارهابية التي جاءت قبل تاريخ 27 أوت 2013 كانت أكثر من كافية على كشف حقيقة هذه التيارات وافتضاح نواياها. أفليس اغتيال شكري بلعيد ( 6 فيفري 2013 ) ومحمد البراهمي ( 25 جويلية 2013 ) ومن قبلهما عملية الروحية الارهابية التي أدت إلى استشهاد المقدم بالجيش الوطني الطاهر العياري والرقيب أول بالجيش وليد الحاجي ( ماي 2011 ) ثم العملية الارهابية في بئر علي بن خليفة ( 2 فيفري 2012 ) والتي أسفرت عن مقتل مسلحيْن واعتقال ثالث بعد الاسترابة في أمرهم صدفة من قبل مواطنين و حجز 34 قطعة كلاشنيكوف بجهة القصرين وايقاف عدّة عناصر متورطة أغلبهم من الشبان المحاكمين سابقا في قضايا إرهاب، تدرب عدد منهم في ليبيا لبضعة اسابيع ابان الثورة الليبية، أفلم يكن كل ذلك كافيا لاتخاذ قرار بمنع هذا التنظيم من النشاط لاعتباره تنظيما ارهابيا؟

وإذا نسي الغنوشي نذكره أيضا باغتيال الوكيل أول بالحرس أنيس الجلاصي يوم 10 ديسمبر 2012 خلال عمليّة تمشيط مشتركة بين عناصر من الحرس الوطني والجيش وإدارة الغابات واشتباكهم مع عناصر مسلّحة في منطقة فريانة من ولاية القصرين.

فأن يعلن علي العريض رئيس حكومة الترويكا وأحد القادة البارزين لحركة النهضة يوم 27 أوت 2013 أنه "ثبت لنا ( أي له هو ) أن هذا التنظيم (أنصار الشريعة) غير المرخص له ضالع في العمليات الارهابية التي وقعت في تونس.. فهو المسؤول عن اغتيال (المعارضين) شكري بلعيد (في 6 فيفري الماضي) ومحمد البراهمي (في 25 جويلية الماضي) وكذلك (قتل) شهدائنا من الأمن والجيش الوطني" لم يكن في الحقيقة بسبب غياب معلومات عن هذه الحقيقة منذ مدة طويلة قبل ذلك وانما لأن حركة النهضة تمنعت عن اتخاذ القرار حتى أجبرت عليه خلال صائفة 2013 وما شهدته من اعتصامات ( باردو ) واحتجاجات شعبية. فاتخاذ هذا القرار آنذاك جاء تحت ضغط الحركة الشعبية والديمقراطيين ولم يكن ليقع لولا ذلك الضغط علاوة على انه جاء في محاولة من حركة النهضة لسل فتيل الغضب والتخفيف من حدة الضغط الذي مورس عليها من أجل إسقاطها.

أخيرا وللتذكير نود أن نورد المعلومة التالية حتى يقتنع راشد الغنوشي أن أمر انصار الشريعة والارهابيين كان مفضوحا من مدة طويلة قبل اتخاد قرار تصنيفه تنظيما ارهابيا ذلك انه وفي 4 فيفري 2013 اعلن القاضي جلال الدين بوكتيف أن "المدعو سيف الله بن عمر بن حسين الملقب بأبو عياض، هو محل تتبع من أجل قتل نفس بشرية عمدا مع سابقية القصد وارتكاب مؤامرة واقعة قصد اقتراف أحد الاعتداءات ضد أمن الدولة الداخلي، وارتكاب اعتداء ضد أمن الدولة الخارجي وتكوين وفاق قصد الاعتداء على الأملاك والأشخاص". وقد أكد القاضي في رسالة وجهها إلى إذاعة "موزاييك أف أم" لتبرير قرار قضائي بمنع هذه الإذاعة من بث حوار مسجل مع سيف الله بن حسين أن الاخير متهم بـ"الانضمام إلى تنظيم إرهابي داخل وخارج تراب الجمهورية، وانتداب أو تدريب أشخاص قصد ارتكاب عمل إرهابي، واستعمال تراب الجمهورية قصد ارتكاب عمل إرهابي ضد بلد آخر ومواطنيه والمشاركة في ذلك".

هذه حقائق ليس بمقدور الغنوشي نكرانها كما ليس بمقدوره إقناع التونسيين بعكسها.

أما الجبهة الشعبية فلم يسجل لها التاريخ عدى النضال المبدئي والثابت ضد الارهاب وضد مسار الالتفاف على مطالب الثورة والشعب وهي التي تكبدت في ذلك خسائر لا تقدر بثمن.

وهي، وفاء منها لشهدائها ولشهداء الأمن والجيش وشهداء الثورة وعموم شهداء تونس، وتشبثا منها بطموح شعبنا في الحرية والديمقراطية والكرامة الوطنية والعدالة والمساواة والعيش الكريم ماضية بكل تصميم في النضال من أجل ذلك حتى وإن اقتضى النضال مزيدا من التضحيات.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت