-حديث وتعليق- و-حقوق الحب-

عادل صوما
2024 / 4 / 9

تابعت أثناء شهر رمضان برنامج "حديث وتعليق" على "يوتيوب"، وأصابني الوجوم في بعض الحلقات من لامعقولية بعض الأحاديث، وتقديس الناس لها خوفاً من قدسيتها كما لُقنوا طوال القرون، وكان من المُحبطات حلقة "حَبَكْ برص" عن الوزغ أو البرص الذي نفخ في النار التي أشعلها أهل إبراهيم (أبو الأنبياء) وألقوه فيها لحرقه بعدما كسّر أصنامهم.
المدهش أن قائل الحديث لم يكتف بما قاله، بل حسب ما رُويَ عن عن عن انه وضع رمحاً في خيمة زوجة من زوجاته لقتل أي برص يراه.
تبادل "الشيخان" حامد عبد الصمد ورشيد حمامي التعليقات على عدم ملائمة بعض الأحاديث للواقع، أو عدم معقوليتها حتى بالنسبة لمعلومات عصرها، ورأى عبد الصمد انها قد تكون موضوعة ويُراد منها حُكم الناس أو خدمة الحاكم، أو قد يكون قائلها مضطراً للرد على أسئلة الناس نظراً لأهميته بينهم، رغم جهله ببعض الأمور الحياتية والطبية. هكذا صدّق الناس حوله ما قاله لأنه معصوم.
وقد يكون قائلها مقتنعا بما قاله ضمن تصورات بيئته وتصوراته الشخصية عن الماورائيات وعوالمها، كما قال الشيخان في حلقة "أشتاتاً أشتوت" حيث النجوم شواظ سيُرجم بها الشياطين، والجن يتزوجون من البشر، وكيف سمع نفرٌ من الجن القرآن فآمنوا بالإسلام، و"إن عفريتاً من الجن تفلّت عليَّ البارحة ليقطع عليَّ الصلاة، فأمكنني الله منه فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا وتنظروا إليه كلكم، فذكرت قول أخي سليمان: رب أغفر لي وهب لي مُلكا لا ينبغي لأحد من بعدي، قال روح فرده خاسئاً".
الأمر تواتر عبر العصور بدون أي نقاش من الناس العاديين، ولا نعلم كيف كان يتصرف من يروجون لها في الأزمنة السابقة، لكن دعاة اليوم يقولونها ويرددونها ويدافعون عنها، لكنهم لا يأخذون معهم ثلاثة أحجار عند قضاء الحاجة، أو يتداوون بالأعشاب أو الحجامة، أو يتناولون الحبة السوداء للشفاء من أي مرض، أو يضعون الرمح خلف أبواب بيوتهم لقتل الوزغ، أو يرشون ماء المطر على رؤوسهم حتى تُشفى من الصلع، بل يذهبون إلى أهم مستشفيات في بلادهم، أو دول الغرب لعلاج أكثر تطوراً ويتناولون أحدث الأدوية ويزرعون الشعر.
سألت من الولايات المتحدة صديقاً في لبنان متخصصاً في علاج وجراحة مشاكل الانتصاب على الهاتف، عن إمكانية مضاجعة رجل لأحد عشرة امرأة في ليلة واحدة، فأجابني باستحالة ذلك، حتى لو كان مزروعاً انبوباً مطاطياً داخل عضوه الجنسي لعلاج ضعف انتصاب لا شفاء منه، لأن ميكانيكية عملية المضاجعة فسيولوجياً لا تسمح بذلك.
لا أعلم لماذا تذكرت الفيلم الفرنسي "الحق في الحب"، الذي لعب عمر الشريف الدور الأول فيه، وأنا أشاهد بعض هذه الحلقات، واسترجع أخبار أمراض الدعاة وشيوخ الأزهر ورحلاتهم إلى ألمانيا أو فرنسا وغيرهما من الدول للعلاج، وأستعيد ما قاله صديقي.
الحق في الحب
فيلم "الحق في الحب" Le droit d’aimer انتاج سنة 1972 يروي حكاية هيلينا التي لم تر زوجها بيار منذ سنتين بعدما تم احتجازه كسجين سياسي في جزيرة قريبة، وكان بين مئات الرجال الآخرين المسّخرين للعمل القسري، الذين يموت بعضهم كل أسبوع بسبب مرض السل أو شيء آخر لم تعلنه إدارة السجن، ورغم طلبات هيلينا الدائمة للسلطات، لتتمكن من رؤية زوجها لتفهم ماذا يحدث له، فقد حرموها دائماً من حقها القانوني، لكن في أحد الأيام، حصلت هيلينا على إذن، وكانت تشعر إنها قد تكون المرة الأخيرة التي تجمعها بزوجها.
العمل القسري الذي كان يمارسه المسجونون السياسيون هو الذهاب إلى الشاطئ يومياً من الصباح حتى الغروب لتنظيف صخوره وأحجاره من الرمال التي عليها ثم تلميعها، تحت تهديد حبس انفرادي أو ضرب أو قتل من يجرؤ ويعترض، وقد أصاب مرض التبلد الذهني والوساوس المعارضين المسجونين بسبب تكرار العمل القسري التافه والخوف من العقاب في حال عدم تنفيذه، وإلى أمراض سلوكية أخرى منها تماهي محبوسين مع سجانين وتبليغهم عن السجناء الذين لا يلمّعون الحجارة بإتقان بعد تنظيفها.
انتحر بيار لأنه لم يشأ أن يكون عبداً لممارسات تافهة وأوامر لا تتغير من الحراس، أو يقع أسير وساوس تمنعه من التفكير الحر، بعدما تيقن انه لن يستطيع الانعتاق من سجنه.
هل كان اختيار عمر الشريف لبطولة الفيلم صدفة ساخرة؟ وهل انصب تفكيره على السجون السياسية فقط وهو يقرأ السيناريو ولم يذهب أبعد من ذلك؟
على أية حال، تم حظر "الحق في الحب" في شيلي أثناء دكتاتورية بينوشيه العسكرية، بسبب محتواه الذي يشبه إلى حد كبير ما عاشه المواطنون أو المعارضون أثناء حكمه، وهو كغيره من الديكتاتوريات العسكرية التي تُبنى على عقيدة عسكرة المجتمع بواسطة ديكتاتور يقتبس أفكاره من آخرين، لكنه يشيع انها أفكاره، ويجبر المجتمع على الانصياع لها فتقتل كل المشاعر، وتجعل الناس يفكرون في مداراته، وتُخضعهم بممارسة السمع والطاعة وصف الصفوف رهبةً وليس حباً في القائد أو حراسه، حيث لا حق للجميع في التفكير بل التلقين ثم الترديد، لأن المطلوب والمقبول فقط هو تفسير ما قال القائد وايجاد تبريرات تقنع الناس الذين يخضعون خوفاً من النبذ أو البطش أو العقاب الجسدي.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت