المثقفون في حاضنة العنف الإديولوجي الشرقي.

مظهر محمد صالح
2024 / 4 / 9

شكلت مرحلة الانغلاق والتوحش الإديولوجي التي احتقنت على مسارها الفكري قوة القيد الدكتاتوري الطاريء ، الذي ظلت تتشكل على الدوام بمزيج من ممارسات الترغيب والترهيب يطلقها عقل منغلق شديدة التفرد ، تديره عصبة ايديولوجية متصلبة تنظر الى العقل النقدي المنفتح (المثقف العضوي )من منظار لا يتعدى قمعه نيران بندقية خرساء الفوهة والمنطق . اذ ازدحمت نيرانها الإيديولوجية شغفاً كي تتصيد المثقف العضوي بعبارة واحدة تطلقها على الدوام وهي ( اغتيال حرية العقل النقدي ) .
هكذا عاشت بلادنا عبودية التثقيف المنغلق ذو النسيج الواحد ، والذي اصطبغ خيطه بلون قاتم ، لتسود يومها واحدة من اخطر الضرورات اللونية القامعة لبيئة الحريات الثقافية وتغليف إشعاعاتها التعددية ،المتنوعة الازدهار بسلطتين احداهما قمعية والاخرى ايديولوجية كما يراها المفكر اليساري لوي التوسير عند تناوله لفكرة السلطة .
انها ساحات الموت الفكري التي ظلت تغتال منابع و خيارات تلاقح الافكار في مناخ الحاضنة الانسانية الواسعة التكوين ( وهي الحاضنة التي ازدهرت فيها نهضة وحضارة الامة في فترات النشوء و التكوين من ازمنة قرن العراق الثقافي المعاصر ). فقد خاضت بذرات الحرية الثقافية (التي زرعت في ارضها والتي كانت تنتظر جني ثمارها المجتمعية الثقافية التكاملية ) نضالاً شاقاً ، تكللت فيهأ حرية التفكير الانساني النقدي وقتها بولادة كتابي: (( اقتصادنا )) و(( فلسفتنا)) وهما كتابان في الثقافة العضوية واجها بغزارة مناخات العزل والاغتراب والاغتيال ليقع خيار الحرية الثقافية من فوره صيداً في فخ المساحة الضيقة التي فرضها المناخ الخيطي القمعي ذو اللون الواحد.
اذ امسى ذلك اللون الذي كان يجري استحضاره وتحضيره على نيران مطبخ الموت ليوظف طعامه في تسميم مناخ الحريات الثقافية او لجمها بمجتزءات العقل الخيطي الدكتاتوري نفسه ، ذلك العقل المتفرد الذي ظل يعمل (بايولوجيا ) على تفكيك هارمونية نسيج التلاقح الثقافي المدرسي العضوي والناشئ في جذوره حينها ، بين نتاج الحوزة والجامعة ومنتديات الفكر العراقي الصاعد ، لتاتي ساعة الصفر وهي الساعة التي التهمت بنيران فوهتها موت الكلمة وقتل العقل في يوم نيساني ثمانيني كالح ، و هي تترصد طائر الحريات وحمامات الفكر في سماء المعرفة حتى تصطادها قتلاً .
وهكذا اغتيلت مرحلة الصعود الديناميكي للثقافة العراقية ومنابعها الفكرية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية ،ولاسيما بعد
ان سجلت ولادة نهضة امتها بعملية تكاملية كانت قصيرة الزمن تطلعت سراعاً لتنشأ (( مدرسة الشرق)) وبانسجة والوان التحمت خيوطها وتطورت في مناخات ، كانت خياراتها في حرية التفكير والنقد مصدر انسجام و تماسك مع مركبات حضارة الماضي و حاضر الفكر والتدبر الانساني . كما التحمت يومها حريات التفكير الاكاديمية بالنخب الفكرية المجتمعية في حاضنة عراقية مشرقية بلغت (الحرية الثقافية ) اوجها ، وانطلق يومها العقل الاكبر والتفكير الاوسع متخفيا ًمع مؤسسات صنع الثقافة الانسانية
حتى جاء يوم اغتيالها بموت ((( اقتصادنا وفلسفتنا))) ليكون اغتيالاً للحرية الثقافية وقمع نسيج خيوطها في دموية الانقضاض على مرتسم الحريات الانسانية الثقافية .
وهو المرتسم الناهض الذي لم يكتمل تماماً وهو في بدايات تكامله وصعوده القمة .
ويشير المفكر ابراهيم العبادي في مقال عنوانه:في ذكرى الشهيد محمد باقر الصدر معرجاً على مفهوم الإصلاحية الاسلامية لدى المفكر الشهيد الاول بالقول:
((
‎من واقع هذه الاصلاحية انطلق محمد باقر الصدر وكأنه في سباق مع الزمن ،باحثا عن المركّب الحضاري الذي يراه الدواء الناجع لمواجهة التخلف الاقتصادي والتراجع الحضاري والتردي الاجتماعي والسياسي ،كان يقرا وينتج ويستعين بمصادر معرفة متعددة المناهج ، لتوليد التوليفة الاسلامية التي يعتقدها خارطة الطريق
‎للنهضة )).
اذ خضع المفكر الشهيد الاول في يوم داكن الى ارهاب خيط تفكيكي مفرد : استبدل الحرية الثقافية والعقل النقدي ، بفوهة متصلبة العقل لا تتعدى ثقافتها المنغلقة سوى بضعة كلمات ،رافقتها بضع رصاصات أطلقت نيران على عقل الامة ، كانت لغتها صدى من العبودية الفكرية ومن ثم موت المشروع الثقافي .
ختاماً، انه الطاعون الذي التهم غابة الافكار واشجارها الخضراء سراعاً ، مولداً أكواماً من (كاربون الافكار ) السوداويّ اللون حملها الدهمان باكياس ايديولوجية صماء ظل عنوانها : ثقافة البعد القمعي الواحد .

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت