ما العمل ...

أحمد فاروق عباس
2024 / 4 / 9

سألني صديق .. انت تنتقد حماس دائما ، ومع ذلك لم توضح لنا .. ما هو البديل ؟!
ما هو الافق المتاح أمام الفلسطينيين غير المقاومة ، هل هناك أمامهم خيارات اخرى .. وما هي ؟

وكان ردي عليه كالآتي ( وحاولت أن يكون ردي بأكبر قدر من الصراحة ، واكبر قدر من الوضوح ) :

للطرف الضعيف في أي صراع مجموعة من الوسائل ، منها :

أولا - ألا يخسر أكثر مما خسره في جولات سابقة للصراع ، وهذا هو المحظور الأول في صراعه مع عدوه ..

وبالنسبة للفلسطينيين فقد خسروا كثيرا جدا خلال الخمس والسبعون عاما الماضية .. منذ قيام إسرائيل سنة ١٩٤٨ ..

خسروا أغلب أرضهم ، وأصبح جزءا كبيرا منهم يعيش في مخيمات في الدول المجاورة ، ومثالها المخيمات الفلسطينية في لبنان وسوريا والأردن ..
ومن كان حظه احسن منهم فقد وجد سبيله إلي الهجرة في بلاد آلله الواسعة ..

وخسروا دولتهم .. فأصبحوا مجموعة سكانية تعيش في أرض معينة ، بلا دولة تجمعهم ويمارسون فيها سيادتهم ..

وخسروا عشرات الآلاف من الشهداء ، ذهبوا طوال المراحل الطويلة والمريرة للصراع ..

فمن المنطقي أنه في أي جولة جديدة للصراع - سواء كانت حربا أو مفاوضات - ألا يخسروا أكثر مما خسروه .. في الأرض وفي السيادة وفي الأرواح ..

ثانيا - أن يواجه - وأقصد الطرف الضعيف - عدوه متحدا وليس منقسما ، كما يحدث الآن فى الحركة الوطنية الفلسطينية ، التي تشرذمت إلي فصائل واتجاهات ذات سياسات متناقضة ، ولم تستطع الوصول إلي ميثاق جماعي يضبط حركتها ..

ثالثا - أن يكون قراره مستقلا ، وليس ضمن اهداف واستراتيجيات أطراف أخرى حتي لو كانت حليفة أو صديقة ..

لقد احتلت ألمانيا فرنسا في الحرب العالمية الثانية ، ولم يرفع لواء المقاومة في فرنسا سوي رجل واحد هو شارل ديجول ، وقد وقفت بجانبه بريطانيا أولا ثم أمريكا وساعدته ..

ومع ذلك لم يوافق في أي مرحلة من مراحل الحرب أن يكون أداة في يد البريطانيين أو الامريكان ، مع أنهم كانوا أصدقاءه الوحيدين ..
والأغرب أنه بعد انتهاء الحرب وتولي ديجول رئاسة الجمهورية الفرنسية كان هو الوحيد في نصف الكرة الغربي الذي وقف أمام النفوذ البريطاني الأمريكي ، وأخرج فرنسا من الجناح العسكري لحلف الناتو ، وحارب النفوذ الأمريكي في أفريقيا بضراوة ، وتقارب مع الاتحاد السوفيتي .. عدو أمريكا اللدود ..

ولم تجد أمريكا وبريطانيا حلا معه إلا ترتيب ثورة ضده - قبل عصر الثورات الملونة بثلاثين سنة تقريبا - في مايو ١٩٦٨ اضطر معها إلي الاستقالة ، ثم توفي الرجل العظيم بعدها بسنتين ..

والشاهد أن استقلال القرار ضروري لأي شعب في صراعه مع اعداءه ، ولأي حركة مقاومة فيه ..

وبالنسبة لحركة حماس ..
هل قرار الحركة - السياسي والعسكري - من داخلها أم من خارجها ؟!

ثم كيف لحركة مقاومة وطنية أن تنتمي إلى تيار سياسي لا يؤمن بالوطنية أصلا ، ولا بحدود بين الدول ، ولا يقيم وزنا لعدد الضحايا أثناء صراعه ، ويري انه سيدخلون الجنة ، وبالتالي فعدد القتلي ليس مهما ولا صرخات المصابين .. فالجزاء - في الآخرة - ات ..

رابعا - ألا يدخل في تناقض مع الأطراف الصديقة له ، أو التي تقف معه في قضيته ، وأن يزيد من عدد أصدقاءه ، وفي نفس الوقت يحاول أن يحيد من اعداءه ، أو علي الأقل ألا يزيد من عددهم ..

خامسا : أن يعرض قضيته بفهم وعلم علي العالم اجمع ، وأن يجمع من حولها الأنصار ، وأن يضغط دبلوماسيا وسياسيا وإعلاميا وادبيا على عدوه ..
في أثناء كل ذلك يستغل ما يظهر أمامه من فرص ، انتظارا لتغير موازين القوي لصالحه أو لصالح المعسكر الذي يقف معه ..

نأتي بعد ذلك إلي قضية الحرب ...

يجب أولا أن نفهم أن الصراع بيننا وبين إسرائيل طويل وملئ بالمنعرجات ، والصراع هو في الأساس بين دول وبين جيوش ، وأن المليشيات - أي الفصائل المسلحة - ربما تنفع كتكملة لمجهود حربي معين ولكن ليست بديلة له ..

وما دام الأمر أمر صراع بين دول لها مقومات الدول الحديثة ، وبين جيوش مستعدة وقوية فأول محظور هو محاولة ضرب هذه الجيوش تحت أي ستار أو مبرر ، كما حدث أيام السنوات السوداء المسماة بالربيع العربي ..

قد يقول قائل .. ولكن الجيوش العربية - والإسلامية - لا تتحرك ، تري فلسطين وما يحدث فيها ولا تستطيع ان تفعل شئ !!

والجواب أن موازين القوى الحقيقية بين جيوش البلاد العربية والإسلامية كلها ، وبين والجيش الأمريكي ومعه الجيوش الحليفة له من الأوربيين كبعد السماء عن الأرض ..

وقلت الجيش الأمريكي والجيوش الحليفة له ولم اقل الجيش الإسرائيلي ، لأن أي عاقل يدرك أنه فى حالة حرب حقيقية بين العرب وإسرائيل فلن يجد العرب جيش إسرائيل أمامهم ، ولكن جيوش البلاد التي أقامت وأنشأت إسرائيل فى هذه المنطقة من العالم كقاعدة متقدمة لها ، تحفظ مصالحها في أهم بقاع العالم ..

وبالتالى - اذا أردنا أن نتكلم جدا - فأي محاولة يقوم بها الجيش المصري أو الجيش السوري أو الجيش التركي أو الجيش الإيراني لتعديل الأوضاع محكوم عليها بالفشل ..

واذا كان الموضوع هو إسرائيل وحدها لهان الأمر جدا ..
ولكن الكل يعرف أن إسرائيل مجرد نتوء لا قيمة له ، وأنه ساعة الجد سنجد امامنا الاصل وليس الذنب .. أمريكا وحلفاؤها .. أو حلف الأطلنطي ..

ونظرة سريعة على أوضاع العسكرية الأمريكية والجيش الأمريكي تقول لنا الآتي :

الولايات المتحدة أكبر دولة في العالم في حجم إنفاقها العسكري ، وقد بلغ ٨٧٧ مليار دولار ، ومازالت الولايات المتحدة تحتفظ بقيادة الإنفاق العسكري بنحو ٤١% من الإنفاق العالمي ، و ٧٠% من ميزانية الناتو عام ٢٠٢٤ ، وأكثر من ٣ أضعاف ما أنفقته الصين ..

والميزانية العسكرية الأمريكية أكبر من الميزانيات العسكرية لأغلب دول العالم مجتمعة !!
أكبر مثلا من الإنفاق العسكري لقارة آسيا بأكملها ، وأكبر من الإنفاق العسكري لقارتي أفريقيا وأمريكا اللاتينية مجتمعتين !!

( والارقام كلها طبقا لتقرير مركز ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام " sipri " وهو أرقي جهة دولية في الدراسات العسكرية ) ..

اليابان زادت إنفاقها ليصل إلى ٤٦ مليار دولار وهو أعلى مستوى لها منذ عام ١٩٦٠ ..

بريطانيا كانت أكبر دولة تنفق على الأسلحة بأوروبا وجاءت بالمرتبة السادسة بإجمالي ٦٨,٥ مليار دولار ..

السعودية وتركيا والإمارات وإيران هم أكبر الدول الإسلامية في الإنفاق العسكري ..

فقد بلغ الإنفاق العسكري السعودي ٤٦ مليار دولار عام ٢٠٢٢ ،
وإتت الإمارات في المرتبة الثانية من حيث حجم ميزانية الدفاع التي تقدر بـ ٢٥,٢ مليار دولار ..

وبلغت النفقات العسكرية لإيران عام ٢٠٢١رقم ٢٤,٦ مليار دولار ..

اما تركيا فقد بلغ الإنفاق العسكري ٢٠ مليار دولار سنة ٢٠٢٠ انخفض إلي ١٥,٥ مليار دولار عام ٢٠٢٠ بسبب وباء كورونا .. ووصل الانخفاض في ٢٠٢٢ إلى ١٠,٦٤ مليار دولار ، أما في العام التالي ٢٠٢٣ فقد ارتفع الإنفاق العسكري التركي إلى ١٦ مليار دولار ..
وينتظر أن يرتفع الإنفاق العسكري التركي نهاية العام الجاري ٢٠٢٤ إلى مستوى قياسي جديد يزيد عن ٤٠ مليار دولار ، أي بزيادة ١٥٠% عن العام السابق ..

وبلغت ميزانية الجيش الجزائري ٩,٧ مليار دولار عام ٢٠٢٢ ، يليه سلطنة عمان التي تنفق على جيشها ٨,٣ مليار دولار ، وخصصت الكويت ٨,١ مليار دولار للإنفاق على جيشها، يليها العراق بـ ٦,٨ مليار دولار ..

وانفقت قطر ٥,٨ مليار دولار علي قواتها المسلحة ، يليها المغرب بـ ٥,٤ مليار دولار، وخصصت مصر ميزانية دفاع قدرها ٤,٣ مليار دولار للإنفاق على جيشها عام ٢٠٢٢ ..

هذه هي أرقام الإنفاق العسكري لأهم الدول العربية والإسلامية وهي لا تبلغ - مجتمعة - ثمن الإنفاق العسكري الأمريكي ..

يمتلك الجيش الأمريكي آلاف القنابل النووية وعشرات الآلاف من القنابل البيولوجية - الجرثومية - والقنابل الكيماوية ..
كما يمتلك عشرات الآلاف من الطائرات شديدة التقدم وألاف الصواريخ العابرة للقارات بأنواع مختلفة ..

وللجيش الأمريكي قواعد برية وجوية وبحرية في كل أنحاء العالم ..
في منطقتنا فقط - منطقة الشرق الأوسط - يوجد الآتي :

قواعد برية وجوية في الكويت والإمارات وقطر وعمان وتركيا والسعودية والعراق وإسرائيل ..
وأسطول كامل من القوات والمعدات البحرية .. وهو الأسطول السادس في البحر الأبيض المتوسط ..
بالإضافة إلي وجود بحري قوي ومؤثر في الخليج العربي والبحر الاحمر والمحيط الهندي وبحر العرب ..

والقوة العسكرية - برغم كل شئ - ليست هي المقياس الأهم ، ولكن حجم القوة الاقتصادية ، وحجم الثقل الجيوسياسي ، وحجم النفوذ السياسي هو المعيار الحقيقي ..

وفي كل ذلك فالولايات المتحدة تمتلك من أسباب القوة السابقة ما يجعل المقارنة بينها وبين العالم العربي والإسلامي بلا معني ..

فهل بعد كل ما مضي وما سبق ذكره يمكن أن تدخل مصر مثلا أو الأردن أو تركيا أو الكويت أو إيران - أو كلهم مجتمعين - في صدام عسكري مع الولايات المتحدة وحلفائها ؟!

وهل هناك عاقل يقول ان حركة حماس تستطيع أن تقف عسكريا أمام هذه القوى الجبارة ؟!

من الظلم تحميل حماس أو غيرها من الفصائل الفلسطينية معركة كهذه ، ولكن حماس- برعونة - هي من طلبتها وتقدمت لها ..
وتريد الآن من الدول العربية والإسلامية نصرتها ..
وهي لا تعرف - أو تعرف وتريد أشياء أخرى - أن الدول العربية والإسلامية لا تستطيع فعل شئ جدي ..

قد يقول قائل .. إن الله لن يتركنا في معركتنا ..

والرد أن الله - جل وعلا - له في كونه قوانين ونواميس ، كما انه طلب من عباده إعداد ما يستيطعون من أسباب القوة ، وفي نفس الوقت أمرهم بألا يلقوا بأيديهم إلي التهلكة ..

أما من يقولون أن مشكلتنا حب الحياة وكراهية الموت ، وأن الاستشهاد فداء للأوطان واجب .. فأنا أتفق معه ولكن بشرط .. هو أن يؤدي ذلك إلي نصر ما أو تقدم - ولو بسيط - لقضيتي ..

أما أن يصبح استشهاد وبلا عائد حقيقي ، بل بخسارة أكبر للارض وللقضية ، فليس لذلك معني سوي أنه محاولة للانتحار .. وبلا ثمن ..

أعرف أن كل ذلك لن يعجب كثيرين ، فمنذ متي أصبح للعقل في هذه المنطقة مكان ، ومنذ متي أصبح للمنطق سوق ..

هذه منطقة السوق الرائجة فيها سوق الشعارات .. وسوق العواطف .. وسوق الحناجر .. وسوق المزايدات ..
أي بإختصار ... سوق الأوهام ..

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت