بيت للرجم بيت للصلاة؛ احمد عمر شاهين

مهند طلال الاخرس
2024 / 4 / 7

بيت للرجم بيت للصلاة رواية لاحمد عمر شاهين، والرواية تقع على متن 175 صفحة من القطع المتوسط وهي من اصدارات وزارة الثقافة الفلسطينية في رام الله/فلسطين سنة 2023 بطبعتها الثانية، والطبعة الاولى صدرت عام 1988عن دار الثقافة الجديدة بالتعاون مع الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين.

هذه الرواية تاخذنا الى احداث النكبة سنة ١٩٤٨، وهي رواية الحدث والمشهد بامتياز، علاوة على انها رواية تجسد الام النكبة ومعاناة الفلسطينييون فيها من حيث النتائج والتداعيات والتجليات والاستطالات...

هذه الرواية تحاول ان تجيب عن سؤال النكبة المركزي ، لماذا رحلوا؟

تدور احداث الرواية في يافا، وتجسد احداث النكبة بمشهدية مؤلمة، يتخللها اكثر المواقف الما حين تهم اسرة اسماعيل الشواهدي بالرحيل والهجرة عن يافا بسبب اعمال القتل والترويع والقصف والتدمير التي ارتكبتها العصابات الصهيونية ضد اهالي يافا، بغية تهجيرهم وتشريدهم عبر ارتكاب ابشع المذابح والمجازر بحق الشعب الفلسطيني...

يتمكن اسماعيل الشواهدي وسط الحرب من تأمين حافلة تقل عائلته وعائلة اخوانه وبعض جيرانه باتجاه غزة..

على عجل تضع العائلات اولادها واغراضها في الحافلة، يتخلف عن اللحاق بالحافلة الطفل احمد اسماعيل الشواهدي، والذي انسل من الحافلة نحو البيت بغية احضار كتبه والعابه... وحين احضرها كانت الحافلة قد مضت في سبيلها، ولم يلتفت او ينتبه احد لغياب احمد وتسربه من الحافلة...

هذه الاحداث تلد من بطنها شخصية بطل الرواية احمد اسماعيل الشواهدي الطفل اليافوي الذي لم يعي احداث النكبة بحق، لكنه كان احد ضحاياها المباشرة، والذي حمل على اكتافه منذ الصغر ذلك السؤال الكبير لماذا رحلوا؟

احمد الشواهدي الطفل الذي كبر باكرا بفعل النكبة وبقي في يافا يرعى نفسه وبقالة ابيه وبيته واملاكه وارت عائلته واجداده وتاريخ بلاد بدأ لتوه يعي تفاصيلها ..

يكبر احمد ويكبر وعيه بما يدور حوله فيقول: بشر لا يشبهوننا جاءوا من بلاد عديدة، مدججون بالسلاح، اعاجم واغراب باشكال والوان عديدة، يرطنون لغة غير مفهومة لكنها ليست واحدة، لغات عديدة صعبة المراس، لكنها لا تشبه لعة اهل البلاد..

يكبر الفتى احمد وهو يحرس ميراث اباءه واجداه في يافا من اللصوص والمحتلين. تحاول دائرة املاك الغائبين الاسرائيلية وضع يدها على العمارة العائدة لعائلة احمد ذات الخمس طبقات. تغزو العمارة عائلات يهودية من المجر والمغرب وبولندا ورومانيا... يبقى احمد متشبتا في احدى الشقق متسلحا باحقيته وامتلاك عائلته للعمارة. تبوء الامور بالفشل، تحضر الشرطة وتقتاد احمد للمخفر، هناك يحضر خاله [صاحب الصيدلية] وشريكه اليهودي شلومو ويتوصلوا لاتفاق يسمح لاحمد بان يمكث في الشقة الارضية على ان ياخذ العفش ومستلزماته من كتب والعاب وحاجيات من الشقة التي نازعه فيها اليهود...كل ذلك تم بترتيب من شلومو وبعد دفع مبالغ طائلة رشوة للشرطة وللعائلة المهاجرة المحتلة للبيت والوطن...

تمضي الايام على وقع النكبة وتداعياتها، وينجح الكاتب بتصوير العديد من اللقطات ذات الاثر والوقع الكبير على النفس؛ لكنها حقا تحفر عميقا وتخبرنا عبر ذاكرة متقدة وقادة [للكاتب ابن يافا] وعبر حبكة درامية غاية في الاتقان، واقع المأساة وتداعياتها بالنسبة لعائلة فلسطينية تتداخل فيها الخصوصيات مع العموميات وتطرد بعيدا تلك الاجابات الباحثة عن الحل الفردي.

يكبر الصغير احمد تحت ظلال النكبة والاحتلال، ويشتد عوده وهو يعمل لدى خاله في الصيدلية. وهناك تتطور العلاقات وتتشابك المصالح بين خاله وشلومو... ويحدث ان يغتال مسلحين اثنين خاله في الصيدلية وتقيد الحادثة ضد مجهول...

تبدأ خيوط الرواية بالتجمع لدى احمد الشواهدي توازيا مع تفتح وعيه الوطني ووضوح الصورة لديه، وهذا يتأتى له عبر امور وابواب كثيرة، منها القراءة والمطالعة والاحتكاك بالناس ونتيجة الهجرة والنكسة وزواجه وميلاد الصغيرين وبحثه عن مستقبل امن لهم بعد عديد مشكلاتهم مع طلاب مدرستهم من اليهود، واكتشافه لطبيعة العلاقة بين خاله وشلومو والقائمة على تجارة المخدرات وبيع الحشيشة...

تتطور تجارة المخدرات مع شلومو واحمد بعد مقتل خاله وتتوسع افاقها وتنفتح اسرارها على احمد . يقرر احمد ترك هذا العمل لكن بعد الاستفادة القصوى منه والى ابعد حد...

يستغل احمد تجارة المخدرات وتعاطي اصدقاءه اليهود لها ويدخل احمد معهم في حوارات ونقاشات وهبات تفضي الى نجاحه في شراء كميات كبيرة من السلاح لديهم وتسليمه للمقاومة...

يتمكن احمد من زيارة عائلته في غزة/خان يونس ويلتقي عائلته بعد عشرين عاما من الفراق، ويدس في جيوبهم مبالغ طائلة من الاموال؛ لكن الاهم يعطي ابوه رسالة كي بوصلها للمقاومة فيها اسماء تجار المخدرات في غزة ويخبرهم عن شحنات شلومو وعملياته باتجاه مصر ، يخبرهم عن اسماء وموعد ومكان تلك العمليات طالبا منه بان يوصل للمقاومة بضرورة تصفية هؤلاء التجار والقضاء عليهم..

في يافا يستثمر احمد الشواهدي علاقاته اليهودية ودخول اصحابه في طور الانتشاء الذي تسببه لهم الحشيشية التي اعتادوا ان يتعاطوها في بيت احمد العتيق الكائن في البلدة القديمة..

يتوصل احمد لمعرفة الشخصين الذين دخلا على الصيدلية وقتلا خاله. يقرر احمد وبمساعدة مصطفى النص التخلص من هؤلاء ومن شلومو ايضا...واثناء تلك المحاولة يكتشف احمد ان هناك الكثير من شباب يافا ممن يتحفزون للثأر والخلاص من اليهود...

هنا بالذات تصل احداث الرواية ذروتها، وتظهر فيها كمية التشويق العالي بالاضافة الى الديناميكية المؤثرة والفعالة في احداث النص، وهذا يضيف للقاريء متعة على متعة، علاوة على ان هذه الاحداث [في اخر الرواية] على تشابكها وتعقيدها اعطت مجالا للقاريء بان يتنفس الصعداء وان يكون على موعد مع الامل وهذا بالضبط ما تبوح به الصفحات ١٦٩ وحتى١٧٤ وفيها تكمن النهايات السعيدة المشبعة بالامل.

"في 7:00 مساء توجه الى البيت القديم في الحي العربي في البلدة العتيقة، صعد الى الغرفة العلوية وهبط الى الغرفة السرية، حمل مسدسا محشوا واخفاه في طيات ملابسه وخرج.

ركب سيارته واتجه الى بيت شلومو الذي يسكن في منطقة منعزلة هادئة، كان شلومو وحده ، لم يمكث عنده الاّ بقدر ما عرف منه اسماء من سيقابلهم في مصر والمبلغ المتفق عليه. ثم تم كل شيء بهدوء.انحنى فوقه. لقد ذهب.

انتزع الشيك من يده ووضعه في جيبه وخرج. لا يعرف من اين نزل عليه هذا الهدوء. جلس في الصالة وطلب من زوجته ان تعد له كوبا من الشاي، اخرج الشيك الذي كتبه قبل ساعة، امسك بقداحته واحرقه.

اول سؤال نطق به شلومو حين ما دخل عليه: هل احضرت الشيك؟
لا يستطيع ان يصف مقدار الراحة التي حلت بوجهه شلومو حين امسك بالشيك.
قال له: انا مستعد للسفر ما اسم اولئك الذين ساقابلهم؟ ابتسم شلومو وقال له الاسماء، ثم تم كل شيء.

ظل جالسا في الصالة يدخن وعيناه تتابعان الصفحات الاخيرة من رواية [موبي ديك] غير مصدق انه تخلص من متاعبه مرة واحدة.

زوجته تقول: الاولاد لم يعودوا بعد.
رفع يديه لتظهر صورتهما في المراة ،وابتسم ، الابتسامة القديمة نفسها عادت الى وجهه، ابتسموا اكثر، ضحك، قهقه، اعاد النظر الى يديه ثم الى المراة، وراى صور زوجته تقف وراءه .
التفت فواجهها، حدق فيها وابتسم... وابتسمت...

قال لقد اكتشفت الان فقط اني اخدع نفسي لاكثر من 30 سنة!!
قالت: وهل يخدع الانسان نفسه؟
تمتم: هذا لغز النفس البشرية.
مشى الى الصالة؛ تبعته، امسك يدها قائلا: سعاد..
قالت: الاولاد...
جرها من يدها الى الحديقة الصغيرة، جلس على المقعدين هناك، المكان ضيق يجلس فيه منذ كان صبيا. اخذ نفسا عميقا وقال: اتشمين رائحة الزهور؟ هذا العبير لم اشمه منذ كانت اسرتي هنا. الرائحة عادت يا سعاد.
قالت: او انت الذي عدت.

قال: اليوم عيد. ستكون طقوس احتفالي به باهمية المناسبة. فليس كل يوم يستعيد المرء نفسه. اريد ان اخرج.

سار في الشارع الخالي، خيل اليه ان صوت بائع الجرائد يصل اذنه مناديا على جرائده.. فلسطين الدفاع ، اوشك ان ينادي على صاحبه سمير ، صدمته اللافتة على الجدار [شارع شلومو] رفع الفرشاة وطمس الاسم، هذا شارع الملك فيصل، اختفى شلومو.

مشى راقصا كما اعتاد ان يفعل صغيرا، هذا شوارع فؤاد الدجاني، وطمس الاسم العبري، شارع النزهة، عادت الاسماء الى ذهنية صافية واضحة، اقترب من اللافتة في [شارع هرتزل] ضحك رفع الفرشاة وضرب اول ضربة، ظل الاسم واضحا في ضوء المصابيح الكهربائية القوية، هرتزل الذي قال:" كان الامر اسهل على موسى" كان مؤيدا من الرب، ربنا الذي لا تعرفونه، اليوم سيكون كل شيء مستحيلا عليكم، وضرب بالفرشاة عدة ضربات، راه بعض السكارى الخارجين من الحانات، لم يابه بهم ولم يفهموا ما يفعله، قهقهوا وتابعوا سيرهم، واتجه الى البحر يشطب اسماء الشوارع التي يمر بها، [يافيت، هياركون، هاكونشيم] في داخله صخب كبركان يعرف قوته على وشك ان يخرج صواعقه، طوح بالعلبة والفرشاة وسط امواج البحر الهادئة وابتسم...
كما اصطاد الاولاد اليوم يا بحر ؟
خلع ملابسه واندفع يعانق الماء...
طهرني يا بحر، اغسلني يا بحر، اقذفني الى الشاطئ مغفورا لي كما قذف الحوت يونس على هذا الشاطئ قبل كم من السنين .

واندفع الى الحي العربي القديم يرتدي ملابسه وهو يجري منحنيا ليجمع بعض الحجارة في جيوبه، وبدا يقذف بها نوافذ بعض البيوت المضاءة، يجري في الظلام، ووجوه العبرانيين تطل من النوافذ متسائلة، ورن في اذنه الصوت، صوت من الاعالي يقول لهم:" وفي جميع ارجاسك وفواحشك لم تذكري ايام صباك، واذا كنت لم تشبعي، زنيت مع بني اشور ولم تشبعي، فلذلك اقضي عليك بما يُقضى على الفاسقات وسافكات الدماء واجعلك قتيل حنق وغيره".

ويواصل قذف الحجارة، يغلق العبرانيون نوافذهم خوفا ويطلبون رقم دائره الشرطة، والصوت ياتيه من البحر، ويرن في اذنه :"حياتكم في هذه البلاد كحياة رجل يصر على الاقامة وسط طريق مزدحم، تدوسه الحافلات والشاحنات باستمرار، ومن بدايتكم لنهايتكم لم يكن ملككم سوى طارئ في تاريخ هذه البلاد".

وتضع قدماه اول الطريق في الحي العربي، يمر على البيوت بيتا بيتا، يطرق الابواب وينطلق الى منطقة الحفريات الاثرية ليرقص رقصه الانبعاث ...

ولاول مرة منذ سنوات يدق ناقوس الكنيسة، ويعلو صوت مصطفى يؤذن للفجر من مسجد الحي. واتجهوا جميعا للصلاة".

رواية ممتعة ومشوقة، وذات قيمة فنية وادبية ووطنية عالية ، هذه الرواية تستحق الثناء والتقدير والبقاء. فطوبى لصاحبنا وامثاله ممن سدنة الكلمة، ممن يحفظون اسم فلسطين وتاريخها، ويجعلونه عصيا على النسيان.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت