البقرة الحمراء !

عبدالله عطوي الطوالبة
2024 / 4 / 6

يُلْزِمُنا هذا الموضوع بالإضاءة على الأسطورة، لجهة تبيين علاقتها بالإنسان والدين. الأسطورة ظاهرة إنسانية بحتة، مصدرها خيال انسان عصور ما قبل التاريخ انطلاقًا من تفكيره البدائي. بتعبير فراس السواح، "الأسطورة، قفزة الانسان الأولى نحو المعرفة. عندما يئس الإنسان تمامًا من السِّحر كانت الأسطورة كل شيء له، كانت تأملاته وحكمته، منطقه وأسلوبه في المعرفة، أداته الأسبق في التفسير والتعليل...".
الأسطورة إذن، الشكل البدائي للمعرفة. وفي أحد تعاريفها، فإنها قصة مقدسة لا تنفصل عن الدين، الذي ليس بمقدوره الاستمرار من دون رموز أسطورية مقدسة. من هنا ندلف إلى موضوعنا "البقرة الحمراء"، وهو معتقد يهودي شرعت الجماعات الصهيونية الدينية المتطرفة بالنفخ في كيره خلال الأعوام الأخيرة، لهدم المسجد الأقصى وإقامة الهيكل المزعوم مكانه. عمر هذه الأسطورة أكثر من ألفي عام، ويعود إلى ما يُعرف بحقبة المملكتين الأولى والثانية. يعتقد اليهود أن رماد بقرة حمراء صغيرة ذُبحت في عامها الثالث قد استخدم في "تطهير الشعب اليهودي"، بعد خلط دمها بالماء. الأسطورة واردة في "المشنا"، أحد كتبهم الدينية. المشنا كلمة مشتقة من الفعل العبري شناه، ومعناها بلغة الضاد يُثني أو يكرر. وبتأثير الفعل الآرامي "تانا"، تحول معناها إلى يعلم، وبذلك يكون معناها النهائي "التعليم عن طريق التكرار". والمشنا أيضًا تفسير تحليلي للتوراة المدونة، ويعتقد اليهود أن المشنا منزل على موسى في جبل سيناء. يضم المشنا ستة أجزاء، آخرها "سيدر طهروت" ويتناول شؤون الطهارة. من الطهارة بالمفهوم غير المنزه عن الغرض العدائي، نأتي إلى الرابط بين البقرة الحمراء والهدف السياسي الكامن والمحرك الرئيس للنفخ في هذه الأسطورة. فالدين، كما هو معروف، مطية للسياسة وخادم مطيع لها في كل زمان وأوان.
تُحرم الحاخامية الرسمية في الكيان اللقيط على اليهود دخول المسجد الأقصى، ما لم "يتطهروا" ببقرة حمراء تُذبح بطريقة وطقوس خاصة في جبل الزيتون الأعلى في القدس، حيث ترتفع قمته عن سطح البحر 826 مترًا. بعد التطهير يسقط المانع التحريمي، فيقتحمون المسجد بالملايين وليس بأعداد قليلة كما نتابع اليوم. هذا الاعتقاد الأسطوري مبني على تفاصيل تتعلق بالتضحية ببقرة حمراء زمن الهيكل الأول، وبثماني بقرات زمن الهيكل الثاني. ولا بد، وفق الهوس الديني الجنوني للمتطرفين في الكيان، من الاستعداد لمرحلة الهيكل الثالث المرتبطة بولادة البقرة الحمراء العاشرة. في هذا السياق، زعمت "جمعية معهد الهيكل" أن هذه البقرة ولدت في 2018. وحسب مزاعم الجماعات المتطرفة، فبمجرد ظهورها سيحين موعد نزول "المخلص"، ويعقب ذلك نهاية الزمان. ولنا أن نلاحظ هنا كيف تفضي الأسطورة، كما هو شأن الهوس الديني دائمًا، إلى أساطير لا علاقة لها بالعقل ولا يستسيغها منطق.
البقرة الحمراء لها شروط، وفق الأسطورة المعششة في رؤوس بمسيس الحاجة إلى مصحات نفسية، منها أن تكون ذات شعر أحمر كامل من دون أي لون آخر، لم تُحلب، ولم يُوضع في رقبتها حبل. ويجب أن تكون ولادتها طبيعية، في "أرض اسرائيل"، أي فلسطين المُحتلة.
في الآونة الأخيرة، كَثُر الحديث عن البقرة الحمراء. ففي أيلول 2018، نشرت وسائل اعلام عبرية لأول مرة خبر ولادة بقرة حمراء في الكيان، وربطت ذلك بنهاية العالم، على ما أسلفنا وفق معتقداتهم. الأخطر من ذلك، احضار خمس بقرات حمراوات في تشرين أول 2022 إلى مستعمرة "شيلو" شمال رام الله، بعد توليدها بالهندسة الجينية في ولاية تكساس الأميركية.
مقول القول ومقصوده، نحن أمام هوس ديني جنوني متطرف، قد يدفع المنطقة إلى حرب دينية مفتوحة. الأخطر من ذلك، أن المحرك والموجه لهذا الهوس، هو السياسة العدوانية للكيان في سياق تهويد فلسطين بالكامل، ومواصلة العدوان لتحقيق حلم المشروع الصهيوني التوسعي. لن تعرف منطقتنا الاستقرار والهدوء والتنمية والازدهار، بوجود كيان شاذ ابتلانا به الأنجلوساكسون بهذه الحمولة من النزوع العدواني الاجرامي بأقنعة الأساطير المقدسة.
بالمناسبة، بعض المرضى النفسيين بالهوس الديني في الكيان يروجون لذبح بقرتهم الحمراء في الثاني من نيسان العبري، الذي يتصادف هذا العام في العاشر من الشهر الجاري مع عيد الفطر.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت