الدهيشي؛ عيسى قراقع

مهند طلال الاخرس
2024 / 4 / 5

الدهيشي كتاب لعيسى قراقع يقع على متن 280 صفحة من القطع المتوسط وهو من اصدارات وزارة الثقافة الفلسطينية في رام الله سنة 2021.

الكتاب جاء بعنوان (الدهيشي) نسبة الى مخيم اللاجئين الدهيشة والذي ينتمي له عيسى قراقع بعد لجوء عائلته له اثر نكبة 1948، ومخيم الدهيشة بهذه الرمزية هو جوهر فكرة الكتاب ومدار صفحاته زمانا ومكانا وانسانا وقضية...

الدهيشي هو ابن تلك الخيام التي سميت مخيم الدهيشة والذي اقيم عام 1949 بعد النكبة على قطعة ارض استاجرتها وكالة غوت اللاجئين، تقع جنوب بيت لحم على الطريق الرئيس بين بيت لحم والخليل، سكانه ينحذرون من 45 قرية هجروا منها على اثر النكبة من قراهم الواقعة غرب منطقه القدس وغرب منطقه الخليل، وصلوا المخيم سالمين او مقتولين او مفقودين، اقاموا على الرصيف وانتظروا العودة .

هذا الكتاب بصفحاته الموجعة الطافحة بالحب والحنين عبارة عن نصوص سردية ومقالات قصصية كتبت في سيرة المخيم وحواريه وابناءه وشهدائه ومناضليه. هذا المخيم الذي أقامته وكالة الغوث عام 1949 جنوب بيت لحم لإيواء المهاجرين الذين نكلت بهم وطردتهم عصابات الاحتلال من 45 قرية احتلها ودمرتها وحاولت عبثا سلب ذاكرتها من اصحابها، إلا ان هؤلاء [الدهيشيون] فيما بعد كانوا جادي المسعى في حفظ ذاكرة وطنهم وقراهم التي هجروا منها، وعرفوا جيدا كيف يحافظوا على الذاكرة من العطب والخرف والتجريف والتخريف..بل واضافوا لذاكرتهم الوقادة سيرة نضالية تفتخر بها اجيال الدهيشة وازمنتها المتلاحقة..

عبر ازمنة متواصلة واجيال متلاحقة عُقدت لمخيم الدهيشة راية حب وحرب؛ فكان المخيم على قدر العزم والمسؤولية، وهذا القدر ثبت وترسخ في ذاكرة المخيم كحكايا تجري على السنة الشباب والصبايا، كل تلك الحكايا تراكمت خطواتها حتى اصبح بامكان الزائر والسائر في طرقاتها ان يسمع همس الجدران ان امعن الانصات... وان اغمض عينيه وانصت اكثر، يسمع سيرة خاصة لمخيم الدهيشة، تشابه في مضمونها السيرة الجمعية لكل المخيمات الفلسطينية بالداخل والشتات.

هذا المخيم منه جاءت سيرة صاحبنا قراقع، ومنه تناثرت حكايا وقصص البطولة والفداء والفقد والعطاء والمعتقل والحواجز والجنود والمظاهرات ، وفيه صارت قصص البطولة جزء من سيرة المخيم فأضافت لاسمه مجدا كان قد قدره التاريخ له منذ زمن.

كل تلك السيرة والذكريات احسن صاحبنا قراقع بالتقاط تفاصيلها واسمائها وصاغها بقلم مفعم ومشبع بحب فلسطين حد الثمالة.

وانا اقرا كتاب الدهيشي لصاحبنا قراقع يتبادر لذهني دوما سؤال جوهري، كم هو فضل الكتابة على مدى التاريخ؟
وسريعا ما ادرك واجيب بانه اهم اثر تركه الانسان وهي ربما سر خلود الحضارة، فالكتاب عبر الزمن كان دوما اكبر سفير لكل اثر ولكل صاحب حكاية كتب لها القدر اسباب الخلود.

لولا الكتابة لختفى اثر حضارات كثيرة، ولولا الكتابة لغابت حكايا الناس واتقطعت الصلات بينهم، ولغاب الفعل الحضاري المتواصل بينهم، ومن جملة هذا الغياب كان غابت حكاية الدهيشي، لكن صاحبنا عرف كيف يلتقط هذه الحكايات ويكسيها كثيرا من الشغف، ويسكنها في كل زوايا القلب، لتعلق رائحتها كل من داست خطواته او سارت يوما ما في حواري المخيم...

في هذا الكتاب يخبرنا صاحبنا الدهيشي برسالته الاثيرة الى الاسرائيليين والتي اورد فيها اسفه لازعاجهم ليس لسبب كبير وصفحات وقصائد كثيرة، بل لان سكان المخيمات يسجلون في شهادات ميلادهم اسماء قراهم التي هجر اجدادهم منها، ويعودون اليها كل يوم يشحنون اعمارهم ، كي تبقى الذاكرة صاحية ويذوب الظلام...

في هذا الكتاب يطفح الدهيشي بالحنين، فياخذك معه حتى يغرق نفسه ويغرقك، ياخذك الى اعماقه حتى تصير جزءا من حادث او حكاية سابقة وقادمة تنصت له لتسمع النهاية وتشارك في مراسيم القيامة.

الدهيشي هو الذي ولد قصرا على غير ارادة حبله السري الذي لا يزال مربوطا في مكان الولادة..
الدهيشي هو المشوه الذي يبحث عن جمال صورته الاولى يرفض التجميل الجراحي والتطبيعي...
سيادة الدهيشي ليس اسم جامعة او كلية او منهجا دراسيا او حزبا سياسيا، انه يشبه الكثافة في المصير او الذاكرة في يد البطش او المصادفة...
الدهيشي هو الذي عاد الى قريته متسللا ولما اكتشفه جنود الاحتلال اختبا في جوف شجرة الزيتون ولما اكتشفوه اعدموه هناك وظلت جثته في قلب الشجرة عشا للحمام...
الدهيشي هو ذلك الولد المنغولي الذي يشبه المخيم...

في هذا الكتاب ولتكتمل حكاية الدهيشي لابد عند استحضار سيرة المخيم من ان ياتي صاحبنا على ذكر المؤن والصندقة وكرت التموين ومطعم الوكالة والحكمة وما الى ذلك من رموز زرقاء تجلل وتسيج المخيم وتاريخ المخيم، لكن صاحبنا من كل هذه المشهدية والصور اختار لنا صورة البقجة والتي حفرت معالمها جيدا في ذاكرة ابناء المخيم، صاحبنا نجح بتفكيك طلاسم ومآسي واوجاع هذه الصورة لتأخذ معناها الحقيقي عبر سطور وصفحات هذا الكتاب.

هذه الصورة [البقجة] العالقة في ثنايا الذاكرة والخارجة من خابية الحنين يشترك في تفاصيلها كل ابناء المخيمات في الداخل والشتات وعنها يقول صاحبنا: بدانا كاشباح ولدنا في علبة سردين، وحبات زيت السمك نبتلعها بلا ماء امام مدخل مكتب وكاله غوث وتشغيل اللاجئين الواقع على اطراف المخيم ...

نحن جيل ما بعد النكبة، صحون على مطر الشتاء يدلف من تحت الواح الزينكو ، صوت ريح لا تفهم ان هناك بشرا عبروا في العتمة نجينا من مذبحة او اكثر، نقرفص من البرد، نلتصق بالليل وبلحمنا وباحلامنا، ولكننا نرتجف، نشعل بابور الكاز وننتظر وينسحب البرد من عظامنا ونجري في ذلك الصبح الى المدرسة...

كل ما قيل لنا هو هذيان جاف عن مكان حملته الجرافات وخطفته الدبابات الى النسيان، ولا تفيد الذاكرة في سد رمق الجوع هنا واشعال معركة في طابور السندقة عندما توزع وكالة الغوث علينا المؤن والطحين والارز والفول، ولا يؤخر طوشة بين النساء على حنفية الماء الجماعية عندما تتطاير التنكات والصرخات....

انتفخت البقجة، استبدلنا الكهرباء بلمبة الكاز، وعبرنا شوارع المخيم، ومدت لنا خطوط المياه، و صار لنا مراكز للشباب، وحضانات للاطفال، واقتحمنا الجامعات، وانهالت علينا مساعدات البنك الدولي والمانحين، وحكومات راس المال الغربية ببقجة كبيرة رشوة، كبيرة مقابل النسيان...

البقجة مشروع تسوية الانسان، تسهيل انفصاله عن التاريخ... والذاكرة... لغة جديدة تسرق منك البيان واللسان والقمح والبيت والبرهان... وثقافة اخرى تجعلك تعيش بلا مؤرخين ومؤلفين لتكمل ما تيسر لك من عمرك بلا رواية، ويكون المنفى هو سن الرشد التدريجي ودرس الجغرافيا الجديد بين المسافة هنا وهناك..

البقجة الان صارت مشاريع تطوير، تطويرنا في ظل الاحتلال... انتاج افكارنا بما يجعل الجلاد مقدسا وبابا لدخول البقج المالية والمساعدات واموال الرواتب واشباعنا حتى التخمة بالقروض والهبات، وما عليك الا ان تتكيف، ولا تبحث عن حرية او سيادة او هوية..

البقجة الان تعني انه ليس لك حكاية وعليك ان تتحرر من الخيال القديم، و من حكايات الصندوق والمفتاح ومشاهد الحرب والطرد، وحكايات المهلهل وعنتره وليالي شهرزاد وايقاع المتنبي...

في دار جدك عليك الان ان تكمل الحكايات وحدك، بلا معاونين او اسانيد في الحجر والشجر والخميرة في العجين... وعليك ان تشفى من قلق السؤال حتى يشفى المحتلون من قلق الهوية ص ١٥٥ وحتى ص١٥٨.

الدهيشي هو الذي يعرف مقهى الغلابة وحكاية ابنائه، ففي هذا المقهى جلس رواد وابطال وابناء ومحبين للمخيم ... منهم صاحبنا المشترك الكاتب حسن عبد الله الذي عشق الحالة الدهيشية، ونام في بيوت المخيم خلال دراسته في جامعة بيت لحم ، واخذ يصطاد الغيمة الى كثير من الكتب، لكن الاهم بقيت سيرة الدهيشه حاضرة في كل ثنايا صفحاته وذكرياته وفي اسم شريكة حياته ص ٢٥.

الدهيشي... هو الذي يعرف حكاية ذلك الولد المنغولي الذي يتحسس دروب الناس ، يشم انفاسهم ، يفهم ان راحة صيف قادمة، وان الشتاء تاخر عن الحديقة، لا يخاف من برج المراقبة المطل على المخيم، ولا من وحش يتجول في احلام النائمين، لا ينطق، ولكنه يخوض صراعا مع المفردات العابرة، يرقص حتى الصباح، ولا يترك الزفة الا عندما ينام القمر ... علي عجارمة ولد يشبه المخيم يتسلل اليك في اي وقت وهو ليس فضوليا ولكنه ضحية الذين نسوا صورهم على الينابيع، وفقدوا الرواية في تفسير نصوص المؤرخين
ص٢٩.

في هذا الكتاب يخبرنا الدهيشي كيف تم اعلان حالة الطوارئ في الكنيست الاسرائيلي، مستفيضا في قصة الاسير وليد دقه، وكيف استطاع الاسير وليد دقه اعلان حاله الطوارئ في الكنيست الاسرائيلي؛ وتلك قصة ومقاربة ومفارقة جميلة ذات تفاصيل مشوقة باح صاحبنا بسرها على لسان وليد دقة في رائعته "حكايات سر الزيت" التي كتبها داخل السجن ص٤٣.

يتابع الدهيشي نسج حكاياته في كتابه الاثير؛ فيروي لنا حكاية ابو السعدي... فصافرة ابو السعدي اجابت على اسئلتنا العميقة حول الحضور والغياب.. نفخ بانفاسه في الغياب، ليرى الحضور واضحا واضحا، ويرى نفسه حرا وهو يردد مقولته المشهورة:" تبدا الدول بوجود الشرطي بصوت صافرتي التي تعلن باننا هنا ،وكنا هنا، وسنبقى هنا" ص٥١.

تم يتابع الدهيشي حكاية الغواطة حيث دابت قوات الاحتلال على قمع مخيم عايدة للاجئين الواقع الى شمال مدينة بيت لحم بوحشية بالرصاص الحي وبقنابل الغاز وبقنابل الصوت، لم يكتفي جنود الاحتلال بتخريب كل ادوات البطش تجاه سكان المخيم، بل بداوا باستخدام الغواطة، وهو صهريج عسكري مليء بالمياه العادمة وذات الرائحة القذرة والنتنة، يرشونها على السكان والمنازل وفي الشوارع والازقة [الخراية]... واذا دخلت المخيم سوف تشم رائحه فطائس وتلعن المخيم مرة اخرى بعد ان لعنته التاريخ بالنكبة والمجزرة ص٥٥.

الغواطة هي رائحة الاحتلال الاخرى، فعندما يستحكم العسكر بالشعب يبدا بالتغوط على حياته ومعيشته لتصبح الحياة كريهة، تقف بين معادلتين متلازمتين، الاولى تبدا بتنظيف الوعي بالغائط حتى تتعفن الافكار، والثانية اطلاق النار او الاعتقال طويلا في متاهة قوانين عسكرية عنصرية كافية ان تبقيك سجينا للابد...
الخراء السياسي يتسع، فكلما مدت الضحية يدها للسلام المنشود قطعوها واتهموها انها تمارس الارهاب كون السلام في المفهوم الاسرائيلي شكلا من اشكال الحرب وعودة مجددة لهذه الضحية من غياهب النسيان ص٥٩.

ذات يوم شرح لنا ذلك المعلم عن اللاجئين فقال: نعرف اللاجئ من شكله ورائحته، يسكن الريح، له اسمان ولغتان وفصيلتان من الدم، يخرج عن النص احيانا، اذا احس بوخز الحصى، او داهمه الحنين ص٦٢.

في هذا الكتاب يعرف عيسى قراقع كيف يشدك اليه فمن ضمن ومن جمله ما يشدك في هذا الكتاب عناوين تلك النصوص الفاقعه ومنها ذلك الفتى الذي نسف دولة الاحتلال بشمعة ص٨١.

ثم يحدثنا الدهيشي عن حق العودة على الطريقة الدهيشية ويخبرنا بتفاصيل تلك الحكاية على متن ص 123 من الكتاب:" في السادس من اب من عام 2017 وفي العاصمة الاردنية عمان وفي قاعة زهر اللوز، التقى المئات من ابناء مخيم الدهيشة ومن مختلف الاجيال والاعمار، وربما هو الاول الذي يجتمع فيه المهجرون والمطرودون من قراهم عام النكبه 1948، والنازحون عام النكسه 1967، وما بين النكبة والنكسة اجيال جديدة تتلاقح وتنمو وتتفتح وتخطو خارج الازقه الى فضاء الكون...ص١٢٣.

في ذلك اللقاء الدهيشي كتبت اسماء القرى على الجدار، الكل عرف نفسه نسبة الى قريته التي طرد اهله منها... ينتسب الحاضرون الى البئر الاولى ليروا الذكريات، ولهذا لا زالت ترتفع في المخيم اسماء القرى على اللافتات: دكان الرفاتي، ملحمة الجراشي، فلافل الولجي، محلات العرتوفي، مشحمة الديرباني، فالمخيم لا يغفل ولا ينام لا نوم للوقت ولا وقت للنوم تختلط الذكريات باللحم والزيت والصحو يتعلمون كيف يستقبلون الغد ١٢٧ص.

وفي المخيم يروي لنا الدهيشي كيف راى شعبا لا يتحرك الاّ نحو السماء، ويسرد بطريقة نثرية مشوقة علينا تفاصيل تلك الحكاية فيخبرنا ان ام يوسف ابو حميد الملقبة بخنساء فلسطين تجلس في وسط البيت تقول: لن ارحل لو هدموا البيت فوق راسي، كم مرة سوف ارحل، لقد هدموا بيتنا في قرية السوافير الشمالي عام 1948، وعشنا مشردين بين مذبحة ومذبحة، وخيمة وخيمة، لقد هدموا هذا البيت مرتين، خرجنا من تحت الانقاذ والركام، وليس لنا مكان اخر سوى هنا، ليس لنا بيوت اخرى خارج حدود فلسطين...
على الجدار في البيت حديقتان حديقه للذاكرة وحديقة للحلم ، وفي هذا المكان يوجد بيت واسع للحياة، وبيت واسع للموت وما بينهما تناسل للاجيال وتوالد بلا انقطاع... هذا الجدار نسقيه بالدم كما النعناع تقول ام يوسف ص١٣١.

في كتابه الدهيشي يمر صاحبنا على سيرة كثير من الابطال والفدائيين والفدائيات الذين صنعوا تاريخ ومجد هذا المخيم وعطروا حكاياته بتلك الرائحه الازلية التي لا تزول...
منهم عائشة تلك الفدائية التي ولدت خلية نسائية تولدت عنها خلايا عدة من رجال وفدائيين .... عائشة من سكان مخيم الدهيشه تجدها في بيت فاطمة الجعفري تقود خليه نسائية: ربيحة ذياب، حلوة جقمان، سامية مصطفى، مريم ابو غلوس، عايشة عمارنة، مريم هديب، عفيفة بنورة، شيخ الرشايدة، عائشة عبيد، نهى عبد الله ص١٤١.

ويستطرد الدهيشي وهو يتذكر سيرة هؤلاء الرواد فيعرج على ذكر ثلة منهم: ابو صدود وعون المشني واحمد عودة وحسين شاهين وعاطف ابو عكر وعدنان جابر وابراهيم ابو غلوس وحسن مناع ابو جودت واحمد شابون واحمد ابو سرور وصلاح التعمري واحمد محيسن وحسن عبد الجواد وابراهيم مزهر وعطا الله رشماوي وحمدي فراج والياس جرايسي وابو علي شاهين وقافلة الرواة والاسانيد والخلايا الطويلة...ص ١٤١.

لم يقتصر حديثه عن الذكريات في المخيم على الرجال والشباب بل ذهب به الى ذلك الاصل والمنبع فتحدث عن زوجة ماجد التي صارت الاب والام وتربي الايتام وتزرع في قلوبهم صوت الزلازل، وكتيبة نساء المخيم تترصد بالجنود عند كل بوابة وحارة، ام خالد مزهر، ام نضال ابو عكر، ام جميل فراج،ام احمد الجعفري،ام عيسى عبدربه،ام اكرم عطالله، ام سميح شاهين، ام عماد فرارجة، ام ماهر فرج، رحمة القصاص، ام جودت مناع، فرحة رمضان، ام خليل بلعاوي، عائشة عبيد،معزوزة شاهين،... نساء يربين الاطفال كي يتعلموا المشي السريع الى الشجر ويحرروا حائط الصمت ويفتح الشوارع كي يمر الحجر...
ما اكبر مخيم الدهيشة يقول مدير مصلحة السجون الاحتلال: الدهيشة جمهورية مستقلة ص٢٠٠.

في الصفحة ٢٠٣ يمر صاحبنا من امام المخيم فيحدثنا تحت عنوان "40 يوما على الرصيف" فيختصر تاريخ المخيم عند استعراض تلك الاحاديث التي تجري تحت سقف خيمة التضامن مع الاسرى... تلك الحكايات التي جمعها طيب الذكر والكاتب والاسير المحرر صالح ابو لبن في كتابه التوثيقي " 40 يوما على الرصيف" والذي يرصد الحالمين المعتصمين في خيمة التضامن مع الاسرى المضربين عن الطعام امام مخيم الدهيشة للاجئين، ويقرا همساتهم وافكارهم وخلافاتهم وجدلهم السياسي المفتوح على المدى المجهول، ويرى بام عينه شعبا يدرب صوته على النداء ، وشعبا يدرب اولاده على السير وراء الحلم بما ملكه من دم وبرهان ص٢٠٣.

لابد للدهيشي لكي تكتمل حكايته عبر شهور السنة من ان يحدثنا عن مقطع زماني لليلة من شهر رمضان في مخيم الدهيشة، فيقول: بعد صلاة التراويح ينزل سكان مخيم الدهيشة الى الشارع الرئيسي الواصل بين القدس والخليل...
تفتح المحلات حتى اذان الفجر، الناس يتجمعون امام صرح الشهداء ، يجلسون على الكراسي نساء ورجال، يمشون في الشوارع ... اصوات واغاني وحياة ليست كالحياة.. باعة القهوة والخضروات والملابس والقطايف ينتشرون على الارصفة... ينادون على بضائعهم ..
حلقات نقاش سياسي وادبي واجتماعي للمثقفين والكوادر والسياسيين، اولاد صغار يركضون ويلعبون، البيوت في المخيم فارغة، الكل نزل الى الشارع، ليل شهر رمضان في مخيم الدهيشة اشد من النهار حزنا واقوى من كل ما قاله القانونيون وجهابدة اللغة والتوقعات عن نهاية الماساة والوصول الى الخاتمة ... قنبلة الغاز لا زالت رائحتها في الاصدقاء .. ذكريات الشهداء تملا العتمة والعتبات وملامح الامهات البائسة، اسرى محررون يحملون اوجاعهم منذ 70 عاما يعانون ضيق التنفس في زحمة العاصفة...

ما هذه الصور والالوان التي تملا الجدران والسقف في مؤسسة ابداع، صور قرى دمرت ومسحت عن وجه الارض، زيتونة باقية مدرسة او جامع او جرسية كنيسة، صور اولاد يعشقون صوت العصافير في زرقة ذلك الفجر، راهبة تحمل الخبز والماء الى المشردين، ولد ينحني ليلتقط حجرا ويطير مع انحناء النقافة حتى لا يموت على غفلة دون ان ينتبه الشجر ص٢٢٣.

في هذا الكتاب يخبرنا الدهيشي بقصة الحواشة وما سرها ومن بطلها، ويضيف ان الشهيد الاسير الشاب الجميل رائد الصالحي ابن مخيم الدهيشة والذي سقط شهيدا بعد اعتقاله مصابا برصاصات جنود الاحتلال، قام قبل استشهاده بعدة ايام بتوزيع المبالغ المالية التي جمعها في حواشته [حصالته] على عائلات الاسرى في المخيم، وهو الفقير الذي رحل بالبؤس ودمه، بعد ان تفقدنا من الوريد الى الوريد حتى فقدناه ص٢٥٤.

في تجواله الاثير في حواري المخيم يلج صاحبنا الدهيشي الى بيت نضال ابو عكر ليروي لنا تفاصيل تلك الحكاية الاثيرة والمريرة يقول صاحبنا: نجد البيت عبارة عن متحف وطني وانساني تنثال منه كل الحكايات والذكريات، صور شهداء واسرى؛ صور القرى المدمرة والمنكوبة، مفاتيح البيوت معلقة على الجدار، مجسمات وهدايا صنعت في السجون، بوسترات كوفيات كلمات وشعارات تؤرخ مراحل نضالية متعددة في المخيم...اسماء رحلت واسماء تقبع في السجن، تاريخ فلسطين كله في هذا البيت، الحارة التي يقع فيها منزل ابو عكر حارة منكوبة، حوله عائلتي الشهيد ساجد مزهر واركان مزهر، كل اصدقاء نضال زجوا في السجون، وتقرا على الحائط في صالون البيت عبارة لغسان كنفاني تقول: الوطن ليس شرطا ان يكون ارضا كبيرة، فقد يكون مساحة صغيرة جدا حدودها كتفين ص٢٦١.

صفحه ٢٧٦ يحاول ان يذهب صاحبنا الى نهاية مناسبة لهذا الكتاب تبقي ابواب الامل مشرعة على حدود الشمس... يختار صاحبنا نهاية رمزية لها دلالات كبيرة تفتح كل ابوابها ونوافذها على الامل. يبشرنا عيسى قراقع بقدوم حفيده عيسى... فيوصيه صاحبنا بوصاياه الاخيرة، فيقول:

"عيسى الصغير حاول ان لا تشبهني، لا يكن قلبك رهيفا مثل قلبي ، لن تتحمل حكايات تنفجر في كل بيت لحما ودما وذكريات.... الليل ثقيل بين عيني امهات اسرى وشهداء ومفقودون ومبعدون، اطفال اعدموا واعتقلوا ، دمهم فوق يدي الموت... ينهضون ويسالون الاحياء... يصعدون جثث تعود في اكياس سوداء من السجون...
عيسى الصغير حاول ان لا تشبهني، ابحث عني في ...
الصغير عيسى حاول الا تشبهني لا تعد بعد منتصف الليل مقتولا او جريحا؛ امك تقف على العتبة تضيء لمبة الكاز توقظ حلمك ....
عيس الصغير حاول ان لا تشبهني، اعشق الاشياء البسيطة، اشرب القهوة ساعة المساء...
الارض تنام على صدرها عشبة تدلك على خطى جدك...
عيسى الصغير حاول الا تشبهني، لا تكن وسطيا ولا تقبل نصف الاشياء وتؤجل مواعيدك...
عيسى الصغير، لا تصدق الا دمك المضيء وفاس الفلاح يجري النهر تحته كلما ازداد الحرث وقوه حضورك امام قوة البطش المتتالية والمتعالية...
عيسى الصغير حاول الا تشبهني ولا اريد ان تصير اطرش مثلي ضجيج في اذنه صراخ اطفال يتعذبون ويداسون في اقبية الظلام، صراخ نساء في الزنازين والسجون، مرضى بلا دواء، عكازات، شهداء محتجزون متجمدون في الثلاجات، عتمه تسيل في اعصابي تغلق دهاليز جمجمتي طنين في راسه صمت وجنازات...
الصغير عيسى حاول ان لا تشبهني لا تعبد الاصنام والصور.. ابدا حياتك بالصلاة في هيجان الربيع بحماسة، ولا تسمع غير قلبك..." ص ٢٧٦ وحتى ٢٧٩.

ترفق بنا يا عيسى الكبير...
فكلنا مثل عيسى الصغير ووصاياك تدمينا وتجرحنا...
لكن عزاؤنا الوحيد باننا جميعا مثل عيسى المسيح...
فكم عذبنا وقتلنا وصلبنا ولم نغب او نموت ...
فنحن الباقون "كأننا عشرون مستحيل
في اللد , والرملة , والجليل...
ونصنع الأطفال .. جيلا ثائرا .. وراء جيل

إنا هنا باقون
فلتشربوا البحرا

نحرس ظل التين والزيتون
ونزرع الأفكار , كالخمير في العجين...

يا جذرنا الحي تشبث
واضربي في القاع يا أصول
أفضل أن يراجع المضطهد الحساب
من قبل أن ينفتل الدولاب
لكل فعل : ... إقرأوا
ما جاء في الكتاب"*.

.............
*قصيدة للشاعر توفيق زياد

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت