السيد صَهْ صَهْ

إبراهيم رمزي
2024 / 4 / 5

أوْصَل نادلٌ "إكرامية" ـ دسستُها في يده ـ إلى رئيس الفرقة الموسيقية الشعبية ممن يتعهدون تنشيط المناسبات العائلية، ليعلن عن ‏غناء مقطعِ مهدى للسيد (صَهْ صَهْ) *.‏
المقطع جزء من أغنيته المفضلة، التي كان يشرب عليها، ولا يملّ من إعادة شريط التسجيل من أوله. وحين يَطفَح به الكيلُ، كان ‏يقول جملته التي يردِّدها كالمَثل: "اسمعْ وتذوّق يا من لا قلب له". ورغم أن قوله يوحي بمستوى تذوقي مقبول، إلا أن الحقيقة ‏خلاف ذلك. فهو ـ حين يعلو صوته بالغناء ـ يشرد عن إيقاع الأغنية وضوابط اللحن بشكل منفّر، يدعو للإشفاق عليه، والرثاء ‏لحاله. وإذا تمادى أيُّ شخصٍ في تنغيص متْعته أسمَعَه أمْرَه: "صَهْ، صَهْ" الذي صار سبب تلقيبه. أما من يتجاهله ويعانده فقد ‏يُتبِع أمرَه بوصف قدْحي: صه صه.. يا بليد .. يا عديم الإحساس .. يا نخالة الدجاج .. يا حجر قاع النهر .. وقد يفحش فيقول: يا ‏حَزّاقة العُرْس.*.‏
كان ـ في البداية ـ يعترض على لقب "صه صه"، ثم تقبّله ـ على مضض أو رضىً ـ، فقد كان أفضل لديه من تعمّد البعض ‏معاكستَه بتحريف لقبه الأصلي: بو خَرُّوبة، إلى: بوخْرَارَب.*‏

أكثر السيد (صه صه) الالتفات وتفرَّس وجوه المدعوين، باحثا عمن يعْرف هذا "السر" في حياته.‏
غيّرتْنا السنين الطوال التي لم نر فيها بعضنا البعض. فبينما زاد وزني واندلاق بطني، وسُمْك نظاراتي. غزاه ـ هو ـ الصلع ‏والشيب بما يتجاوز عمره أكثر، وبقي نحيلا ضعيف البنية. صوته ـ الذي دلني عليه ـ هو الذي بقي على حاله كما كنت أعرفه. ‏كان أضعفنا بنية ـ ضمن المجموعة ـ باستثناء صوته الحاد الزاعق. وكنا ـ بسبب ذلك ـ نتجاوز عن كثير من هفواته أو إساءاته ‏لأحد منا بين الحين والآخر .. فيبادر إلى الاعتذار والاستذلال لمن أساء إليه .. وهو السلوك الذي رشحه لنيل العفو والتجاوز عن ‏أخطائه وسلبياته دوما ودون استثناء.‏

بعد انتهاء المقطع الغنائي، سِرتُ نحوه، ابتسمت ابتسامة عريضة وأنا أحييه، كنت أنتظر أن يقف لآخذه في أحضاني .. لكنه ‏اكتفى بمد يده لي .. وقال ببرود: أأنت صاحب هذه المزحة السَّمِجة؟ .. ‏
لم أهتم كثيرا بأبعاد قوله، واعتبرته تنبيها مؤدَّبا عند إثارة شيء خاص به، دون استشارته، رغم أن الناس لا يعرفون من هو السيد ‏صه صه، ولا يهتمون بتحديد شخصه بين الحاضرين، فالمدعوون منخرطون ـ جماعات، جماعات ـ في أحاديث مشتركة بينهم ‏عن الذكريات والأصدقاء ومشاغل الحياة ... مرّر يده على أرنبة أنفه. عادةٌ لصيقةٌ به لم يفرّط فيها. تدل على وقوعه في ضيْق ‏وحيرة. حاولت أن أكون أكثر حماسا وحرارة في حديثي. ولكني لم أَلقَ منه تجاوبا مماثلا. وحاولت معرفة شيء من أخباره ‏وحياته ولكنه كان كتوما، بل أشعرني أنه لا يرحب بتاتا باستعراض الماضي. وأن إثارتي ـ لبعض الذكريات ـ سلوك مستهْجَن ‏ومقيت.‏
لم يدْعُني للجلوس، فانحنيت نحوه، وخفَضت صوتي إلى حد الهمس، لألعب بآخر ورقة بقيت لي، وقلت: ‏
ـ يمكن أن أعتذر لك بكيفية ترضيك، إن شئت ورافقتني إلى خارج قاعة الحفل، ففي سيارتي زجاجة فاخرة من النوع المفضل ‏لديْك، تركتُها هناك مراعاةً لِتزمّت صاحب الحفل .. ‏
انتفض في وجهي، وقاطعني، راسما على ملامحه سخريةً واحتقاراً،.. وقال: ‏
ـ هناك تصرفات تموت، فتخلفها أخرى مناقضة لها. لم تعد الصحة تسمح، وصارت تفرض علي أشياء كثيرة، وتمنعني من أشياء ‏أخرى.‏
وكأنما ضاق بالتلميح، فأفصح عن تغيير جلده، وأعلن سَأَمَه مني، فقال بنبرة صارمة آمِرة:‏
ـ عد إلى مكانك .. ربما نتحدث لاحقا.‏
صعقت من نبرته، وبقيت ـ لبعض الوقت ـ جامدا كتمثال زخرفته الطيور بذَرَقها في حديقة مهجورة. ‏
ما أسوأها من صدمة تخرجك من رحاب الأوهام، لتطوي الأشرعة بميناء "الحقيقة".‏

حثّتْني النشوةُ ـ التي منحتْني إياها الكؤوس التي حسَوْت من قبل، بمتعة ولذة ـ على الاستسلام وابتلاع الصدمة، وتجنّب التصعيد. ‏فعُدت أجرّر أذيال الخيبة. والإحساس بالأسف على اندفاعي الحماسي الذي قابَله تصرفٌ صَلِفٌ أرعن.‏
داخِلي يَغلي، يفور، يتمزق، .. وحريق كالنار في الهشيم يلسع أعصابي وحناياي، والعَرق البارد يتفصّد من مسامّي، ويلبّد ثيابي ‏الداخلية على جسمي .. ارتميت على الكرسي خوف أن أسقط من دوار ودوخة.‏
أيُّ ذعرٍ يعتريك يا "صديقي" وأنت تراني قائما أمامك، شاهدا على ماض بعيد؟ لعلك تخاف من انجلاء بعض أسرار صفحاته، أو ‏تخجل من انكشاف بعض ملابساته، بين العالمين؟ ومن قال بأننا "نشبه الملائكة" حتى لا تكون لنا "عثرات" مؤسفة من إملاء ‏جرأتنا واندفاعنا وطيشنا، وحتى من "حمقنا" الأهوج؟ ‏

بعد فترة من الوقت، أحاط به ـ حيث يجلس ـ ثلةٌ من القوم. كان النجم بينهم. أشعرتني مجاملاتهم أن الرجل ـ ربما ـ يدِلُّ برتبة ‏مجتمعية عالية. فكّرت في أن أقصده ـ وسط حوارييه ـ لأنغّص عليه جلسته، ولأقول لهم: هذا كان صديقي سالفا، فهل أحدّثكم عن ‏حياته القديمة كيف كانت متواضعة قبل ثلاثة عقود آفِلة؟
ثم استسخفت الفكرة، واستبعدتها .. إذ تبيّن لي أن لا فائدة ترجى من تصرفٍ صبياني، سوى الإساءة لشخصي.‏
لو فعلتُ، فهل سأبثّ الروح في "جثة" صداقةٍ "يتنكّر" لها، و"أفرضها" أنا عليه؟ صارت اسما بلا مسمى، وتلاشت الوشائج التي ‏كانت تمد حبلا سُرِّيا لإنعاشها وتغذيتها. يستحيل أن تحيي وردة لعق التسوس والتصحر ما تبقّى من رُوائها. أو أن تحوّل السرابَ ‏ماءً.‏

لا لوم على السيد "صه صه" في ممارسة سلوكٍ يمارسه أيُّ واحد منا ـ مختارا أو مضطرّا ـ إزاء أبناء عمومته أو خؤولته، وما ‏تناسل منهم. فهم ـ كلهم أو بعضهم ـ شخوص شبحية .. قد يعلم بوجودهم وبأخبارهم، وقد لا يعلم .. حتى أسماؤهم، ربما يعرفها ‏وربما لا يعرف .. فما بالك بالغرباء ومن ينتحل انتسابا، ظنا منه أنه يخدعك لقضاء مآربه .. في إحدى المرات، اعترض طريقي ‏شاب أنيق الهيئة والملبس. ناداني باسمي. نظرت إليه متسائلا. بدّد استغرابي بابتسامة ثعلبية وهو يقول: أنا ابن بلدتك، وكلنا أبناء ‏حي واحد .. ما زلت أذْكُرك .. كان المرحوم ـ أخى الأكبر ـ صديقا لك ... أجبت إجابة مجاملة مبهمة تشعره بأنه "مجهول ‏وطفيلي" بالنسبة لي. ثم وصلنا لبيت القصيد عندما قال:‏
ـ أنا في ورطة مالية، فهل تتفضل بإعطائي مبلغ (كذا).‏
مددت له ورقة مالية صغيرة، كما لو أني أسعف بها أي شخص كان، دون اكتراث بأي سبب "يفرض" عليّ المساعدة.‏
ومضيت في طريقي دون التفات. ودون اهتمام بما كان يقول. لم أسأله عن اسمه، ولا عن اسم أخيه.‏
ألم أكن ـ في هذه الحالة ـ نسخة من السيد صه صه؟؟

استحضرتُ أحوال الأصفياء الذين يصيرون ـ تحت تأثير الزمان ـ غرباءَ عن بعضهم البعض، فالتمست له عذرا فيما صدر منه. ‏فالصورة الشبابية التي أحتفظ بها عنه تغيّرت أو انطمست. حين كان نزَقُ الشباب يجمعُنا في أوقات متعددة، ومغامرات متنوعة، ‏وظروف مشتركة، .. ثم رمى بي الاشتغال على السفن التجارية إلى الاغتراب بموانيء العالم، فلم أره منذ مدة طويلة، كانت كافية ‏لتحفر بيننا خندقا أعرض من مضيق جبل طارق، لا يمكن تخطيه بقفزة بهلوانية.‏

رجعتْ عيناي إلى الحاضر بعدما اخترقت غيْمات الماضي، ونظرتُ إليه وهو يتوسط مجموعته، التقت ـ بالصدفة ـ نظراتنا. ‏لاحظت أنه اضطرب وأكثر من تمرير يده على أرنبة أنفه. ففضّلتُ الرحيل. ‏
لم أبال بأجواء الحفل .. وتجاهلتُ أن أجامل صاحبُه أو أستأذنه. خرجت نحو سيارتي .. حيث تناولت عدة كؤوس متتابعة .. ‏أحاول أن أغسل بها المهانة التي تمرّغت فيها، وأدفن مرارة اندفاعي الطائش، .. ‏

أتذكّر .. وأعبّ .. خطرتْ ببالي الكثيرُ من صور الماضي .. أشخاص من الحقبة الشبابية .. كان بيننا الكثير من الود والصداقة، ‏والكثير من "الحروب" العبثية، والتصرفات الصبيانية السخيفة .. التي تثير اليوم سخرية وضحكا، ولذة وحنينا، .. أتذكر ‏مغامرات، فيها الفاشلة وفيها الميمونة .. وكلما تذكرت .. أعبّ .. وأتنهد .. وأستنشق الهواء بعمقٍ ومِلءَ رئتيّ، حتى لا يخنقني ‏ثقل الذكريات الجاثمة على صدري ..‏

ضحكت عندما تذكرت تلك الفتاة ذات الخال الفاتن المتربِّع على خدها، والابتسامة الخلابة، والشعر الطويل المنسدل على جسمها ‏الممتليء .. واستعانة "صه صه" بكتابٍ ينقل منه "طلاسم وتعاويذ" للَفْتِ انتباهِها وتَأْخيذِها،.. ولكن "الفاتنة" ما أعارته اهتماما، ‏ولا "رحمت" تقرُّبَه، .. بل كانت تشعل النيران في القلوب وهي تبادل ذاك الفتى الأسمر الاستلطاف والود، رغم أنه لم يكن ‏الوسيم ولا الميسور .. بل يمكن اعتباره مفرط الطول مقارنة بقامتها .. له أنف مفطح يستعمر "مساحة مهمة" من وجهه .. لا ‏يتميز إلا بابتسامة تفتر لها شفتاه الغليظتان، عن أسنان مرتبة ناصعة البياض .. وكان صاحبنا يُغرق خيبتَه وشجنَه في مواكبة ‏أغانٍ رومانسية، يردد مَقاطِعها بلا كلل، ثم يفرّغ أصداء آهاته ومواجعه في قاع كؤوس من شراب محلِّيّ الصنع، ويدمن لفافات ‏تبغ رخيص، تخلّف صفرتَها على أسنانه وشاربه ويديه. ‏
في حالات نادرة كان السكر والنشوة يستبدان به، فلا يشعر بحرج أن يرقص على إيقاعات أغانيه المفضلة رقصا مخنثا، ويأتي ‏بحركات خليعة .. ويَجْبَه ـ بتهور ووقاحة ـ من يفاجئه على هذه الحال بأن الفن الرفيع لا حدود لتأثيره.‏
ولكنه في الأحوال العادية كان يستغرق في السماع، ومواكبة الأغاني بصوت قد شرخه الشراب واستهلاك السجائر.‏

كان له غياب مفاجيء في فترات غير محدودة وغير منتظمة. لا يفصح عن مكان اختفائه، ولا سبب ذلك. كان يعود وهو في قمة ‏السعادة والنشوة .. طلق المحيا .. بشوش الوجه .. كثير الدعابة والمرح ..‏
بعد الضغط عليه، ومحاصرته بالأسئلة .. أجاب كالمتضايق ذرعا من هذا الإلحاح:‏
ـ كنت عندها.‏
ـ من هي؟
ـ مدرستي الأولى في الحب وفنون العشق واللذة الجسدية الرعناء التي لا ضفاف لها. والتي أرشدتني إلى عالم "الموضة" المبني ‏على البساطة وأساليب الأناقة المناسِبة لضيق ذات اليد. وأنا المولع بالوقوف أمام واجهات المحلات التجارية لأغازل ـ عن بعد ـ ‏الأقمصة وربطات العنق والسراويل والمعاطف ... وأتمنى لو اقتنيتها لولا أثمنتها الصاروخية.‏
ـ حدثنا عنها.‏

ـ تكبُرني ببضع سنين .. كانت ـ عندما تعارفنا ـ شابة حديثة التأيم بعد موت زوجها في حادثة سير .. وكنت غرا أخطو في ‏عنفوان المراهقة .. لم تكن لها مطامع مادية في جيبي المثقوب. كان همّها ـ مثلي ـ هو المتعة. علمتني منها صنوفا وأطيافا، ‏وأرتني منها ألوانا وألوانا .. ربما فاقت ما أحاط بها علم الشيخ النفزاوي .. جعلتني أترقب أوقات الخلو بها بفارغ الصبر .. كل ‏خلوة معها كانت شهر عسل، كنت أرجو ألا ينتهي. ‏
وانتقلتْ ـ بعد نضوب مواردها المالية ـ للعيش في الحي "الموبوء". تزامنا مع انخراطها الرسمي في أقدم مهنة معروفة في ‏التاريخ. ولم يمنعني ذلك من زيارتها، كلما أتيحت لي الفرصة وأحرقتني الغريزة. فأغدو إليها محمّلا ببعض المقتنيات بعد أن ‏أصبح لي شغل ودخل.‏

بعد غيبة له، عاد كسير الفؤاد، محطم الجناح، .. كان يرفض الإفصاح عما أصابه وغيّره. كان يغرق في شرابه وأغانيه .. لا يأكل ‏إلا قليلا. كثير الآهات والزفرات .. يغمغم باحتجاجات ومعاتبات.‏
كالراهب حين يمارس طقوسه في صمت وخشوع .. كان السيد صه صه يغوص في غياهب التهيؤات.. قد يستغرق في ذلك فترة ‏طويلة .. فإذا أخرجته من "عالمه التعبّدي الخاص" ليأكل طعاما أو يتناول مشروبا .. ثار في وجهك كأنك اقتحمت على متصوف ‏خلوته، وقطعت مناجاته وأوراده، وعاتبك على إخراجه من بحار الوَجْد و"الكرامات" .. فإذا اعتذرت أنك تقصد أن يوفي جسده ‏حقه مما به استمرار الحياة، .. قال: لا تثقل جرابك بمزيد من الذنوب حتى تملي عليّ أيّ سلوك معين؟ ‏
وبعد هذه الثورة "المصطنعة" يقبل على الطعام والشراب بِشَرهٍ زائد، ونَهَمٍ لا يوصف. ورغم ذلك كان النحول ملازما له. وذاك ‏ما كان يعرِّض "شَبحَه" لسخرياتنا: هيئة الملعقة .. فصالة القلم .. قامة السفود .. بئر بلا قاع .. أَلِفُ ابنِ مُقْلَة.‏

بعد فترة ضيقٍ ومعاناةٍ صامتة، دَلَق ما في مِزْوده ـ مما يثقل على نفسه ـ :‏
زرت بيتها عدة مرات خلال الشهور الأخيرة .. ولم أظفر بلقائها ولا رؤيتها .. في كل مرة يقال لي: إنها غائبة. وعندما احتججت ـ ‏في باديء الأمر ـ بأني أسمع صوتها في الداخل .. تم طردي شر طردة، وتهديدي بسوء العاقبة إن عدت إلى ذلك البيت. ورغم ‏ذلك عدت وعدت .. ولكن بدون فائدة .. إلى أن قيل لي: إنها ماتت.‏

يختلط نشيجه بضحكه وهو يقول:‏
ـ من تناقضاتها أنها كانت تغار علي، ولا تسمح لي بأن أغار عليها. أزورها فتسرع في إبعادي عن الفتيات الأخريات المشاركات ‏لها في بيت الدعارة، كأنها تضن عليهن برؤيتي، أو تضن علي أن أراهُنّ، وأتفرّس في أجسادهن .. يبتعدن قائلات وهن يتغامزن ‏ويتضاحكن: جاء السيد الأمير.‏
في إحدى المرات، شاءت العبث بي، بعد معركة من عدة أشواط، خرجت منها مرتخيا متكاسلا .. حاولت استنهاضي/ـه فما أفلحت ‏‏.. فدعَتْ باقي الفتيات:‏
ـ هيّا لحصّة ترويضٍ مجانية.‏
فلم يدّخرن جهدا في الإتيان بكل صنوف الغنج والدلال واللمس والغمز والكبس والقول الفاحش الساخر من رخاوة الكسلان ‏المتقاعس عن المبارزة. ولست أدري كيف أفْلت عقلي ووعيي ـ من مخالب مجونهن ـ حتى أتساءل: ‏
ـ هل حوريات الجنة يعطلن الدحم، ويمهلن الرجل ـ على الأقل ـ حتى يسترجع أنفاسه، ويستعيد جُهده؟
يتنهد بعمق، ويقول:‏
كانت رائعة .. كانت تمتنع عن استقبالي حفاظا على سلامتي .. حتى لا تُعْديَني بمرضها .. أليس ذلك أكبر دليل على وفائها لي؟ ‏أشعر ـ الآن ـ بالضياع في متاهة لا نهاية لها، حتى الاتجاه الصحيح ـ الذي عليّ اتّباعُه ـ لا أعرفه .. كل قواي محطمة أو صارت ‏متدنية مشلولة في مقاربة: فَهْم الحياة، وتفسير غاياتها، وتحليل تقلباتها، وتعليل ظواهرها .. ‏
ثم لا يتحرج في ترديد ازدرائه لعبثية القضاء والقدر، وخبطاته العشوائية المسلّطة علينا، .. فلا هي ـ في نظره ـ موعظة ولا هي ‏ابتلاء .. والأوْلى أن تُعتبَر عقابا مجانيا، وحشيا، مؤلما، قاسيا، .. لا يتناسب حتى مع درجة "الذنْب"، فما بالك إن لم يكن هناك ‏ذنب .. ‏
قلت: مهما يكن فأنت أحسن حالا مني .. تجربتك العسلية تفضُل تجربتي الحنظلية .. كنت إذا قابلت حبيبتي بنيران أشواقي ‏المشبوبة، صبّت علي جرادل أمواه مثلجة .. أسافر بشوقي وحنيني ولوعتي لألقى حبيبتي .. فتخلف ميعادنا .. وأعود أدراجي ‏خائبا .. أتألم من رحلة المئات من الأميال ذهابا وإيابا .. كنت إذا كتبتُ لها رسالة في صفحات متعددة .. "تكرّمتْ" عليّ ببضعة ‏أسطر جوابا .. كأنها تغرف الحروف من دواة البخلاء .. لو أن حبيبتي بادلتني عُشْر جنوني .. لكُنّا محسودين على سعادتنا .. ‏حبيبتي كانت أبرد من الصقيع وعصف الزمهرير .. شُلّتْ عواطفُنا .. فتجمّد كل منا في قطبه .. وما تزال برودة عواطف حبيبتي ‏تلفعني من حين لآخر .. هي برودة جارحة، مؤلمة، قاتلة .. مخدِّرة.‏
تجاهل محاولتي تعزيته، وتخفيف حزنه .. وقال ـ بعدوانية ساخرة ـ : سببٌ كافٍ ومقنِعٌ لتبرير تخلّفك عن الرَّكْب.‏
لم أر فائدة في مجادلته، فلُذْت بالصمت أرسف في أغلاله ـ رغم مَضاضَته ـ.‏

عندما أيقظتني لسعات الفجر الباردة، والصوت الأجش المنبعث من مكبر صوت المؤذن، وجدت نفسي في السيارة، متوقفا أمام ‏العمارة التي أسكن فيها. لا أعرف كيف قطعت مسافة لا بأس بها، ولا كيف وصلت. مثانتي كانت على وشك الانفجار، وتزحمني ‏بلا إشفاق، ولا يمكن أن تمهلني وقتا إضافيا. ولـِـ"تنفيس كربتي، وستر فضيحتي حتى لا أبلل ملابسي"، ساهمتْ قارورةٌ ‏بلاستيكية في منحِي ـ رغم وقاحتي ـ إحساسا بالارتياح، لما أوْعَبت فيها "الضاغط" الساخن.‏
نظرت إلى محتوى القارورة .. وقلت: ‏
في نظر السيد "صه صه"، أنا وأنت سواء، وليذهب الاندفاع بالصداقة "الوهمية" إلى بئر النسيان وهاوية التنكر والإنكار. من ‏يدّعي أن الغربال لا يحجب ـ بميوعةٍ واقتدار، وتحت تأثيرات مختلفة ـ "شمسَ" العلاقات الاجتماعية؟ فيسمّمها، ويحولها إلى ‏أوهام؟ ‏


‏*صه ـ عند النحاة ـ اسم فعل أمر بمعنى: اسْكُتْ، ‏
‏* بوخرارب: مجرى مياه الصرف الصحي. أما الخرّوب فنوع من الأشجار.‏
‏* حزاقة العرس: من تزعج الملتئمات في عرس بضراطها، فيضطرٍرْن للتفرق، نفورا من رائحتها.‏

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت