قراءة في قصيدة الكاف للزجال رضوان أفندي

عبد العزيز حنان
2024 / 4 / 4

” حَاجِيتَكْ …. محاولة فهم ( حَجَّايَة ) الشاعر رضوان أفندي الكاف…” للكاتب والشاعر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ




حَاجِيتَكْ عْلَى الْكافْ
و الْكَافْ مَنَّاشْ تْخَافْ !!! ؟؟؟
مَا هِيَ حَاكَمْ ظَالَمْ
مَا هِيَ وَرْطَة نَادَمْ
مَا هِيَ كَلْبَة مَسْعُورَة مَا هِيَ ثَعْلَبْ زَفْزَافْ
صْغِيرَة حَتَّى اٌ صْغَر مَنْ وَالُو
وْ مَا تْخَلِّي حَالْ عْلَى حَالُو
لَا بُولِفَارْ فِي بَارِيزْ
وَ لَا فِي مَكَّة طَوَّافْ
* * *
حَاجِيتَكْ عْلَى الْكَافْ
و الْكَافْ هَازَّة لَكْتَافْ
هَا هِيَ تَتخَطَّى السُّورْ
سَايْبَة هَايْمَة تَمْلِي قْبُورْ
مَا تَحْبَسْهَا دِيوَانَة
قَاطْعَة لَبْرَارِي وْ لَبْحُورْ
وَ اللَّمَّة تَبْقَى مَرْهُونَة
وَ الْغَالِي اٌرْخَصْ مَنْ صَابُونَة
وْ قَاضِي لَمْحَاجِيرْ مَحْجُورْ
* * *
حَاجِيتَكْ عْلَى الْكَافْ
كَافْ مَا مَنْ حَدّْ تْخَافْ
تَحْشَرْ رَاسْ بِينْ رْيُوسْ
تْسَاوِي الرئيسْ و الْمَرْؤُوسْ
و مَا تْبَالِي بْهِيبَة و لَا جَاهْ
و مَا تْقَدّْ تَرْشِيهَا بَفْلُوسْ
و تَسْرَقْ مَنَّكْ مَواعِيدْ
و شُوفْ حْبِيبَكْ مَنْ بْعِيدْ
بْلَا مَا تْسَلّمْ وَ لَا تعَنَّق … وَ لَا تْبُوسْ
آشْ تْكُونْ هَادْ الْمَلْعُونَة ؟
…….
رضوان أفندي
…….
ما أروع الحروف العربية حين تتسامى عن تعلم الهجاء الألف بائي ، و تفتح للمبدع فضاءات الإبحار في كنهها الرمزي و تعدد حمولاتها الدلالية …
جمالية الحرف العربي أعطت للتشكيليين و الخطاطين مساحات رحبة للإبداع المبهر ، و هذا الحرف نفسه يمكن أن يعطي للمبدعين بالكلمة فضاءات أكثر رحابة و أكثر خصوبة للإبحار في كنه كل حرف .
الكاف … بحر من الدلالات و سيل من الرموز …
الكاف عرمرم من الاحتمالات الممكنة ، لكنها هنا رمزية معلنة تتحدى الحسابات الضيقة للكائن المهزوم …و تعلن عن نفسها بلا مواربة ….
الكاف ، من حمولاته نوع من القدسية منحها إياه القرآن الكريم . من خلال :> و قد ورد لفظ : ( كن فيكون ) ثماني مرات في القرآن الكريم مما أعطى لحرف الكاف هذه القوة السحرية .
الشاعر رضوان أفندي و هو المسكون بالشعر الزجلي و بالحميمية مع نبض البسطاء و الأرض ، بدأ قصيدته برمزية جميلة احتلت لدى أجيال كثيرة هذا الانتماء للدفء العائلي و حكيا الكبار خصوصا الجدات و الأمهات
افتقدته الأجيال المتأخرة . و هي عبارة : ” حَاجِيتَكْ …” . هذه العبارة لها فعل السحر على المتلقي تشحذه و تحفزه للانتباه و التركيز على ما سيأتي لفك شفرة ” الْحَجَّاية “
ليبدأ استرسال مفاصل اللغز الذي على الآخر فك شفرته .
و الشفرة هنا ليس من تكون الكاف ، و إنما ما تعريه الكاف من صور نعايشها ساكتين مرغمين أو خانعين .
و الشاعر يعطي مفاتيح الدخول لكنه الكاف يمر بالعديد من السلوكات و الأعطاب التي أخذت في حياتنا شكل الوثن المقدس .
الكاف هنا تتحدى الخوف المستشري فينا :
“و الْكَافْ مَنَّاشْ تْخَافْ ؟ “
و هو استفهام إنكاري يحضن في طيه الجواب ” لا ” . هذه الكاف لا تخاف لسبب بسيط ( مَا فْكَرْشْهَا عْجِينَة ) هذه الكاف لم تدنس نفسها بالقبح و الزيف و الظلم المستشري بين الناس لدرجة أصبح هو الصّح ، و الصّح أضحى هو الخطأ .
الكاف ليس فيها ما تخاف منه ن و السبب … أنها شفافة … مكشوفة لا تخفي شيئا :
” مَا هِيَ حَاكَمْ ظَالَمْ
مَا هِيَ وَرْطَة نَادَمْ
مَا هِيَ كَلْبَة مَسْعُورَة مَا هِيَ ثَعْلَبْ زَفْزَافْ ”
يتوالى النفي ، و ما النفي إلا تأكيد على عدم الانتماء لصورة للمألوف البئيس الذي يعيشه الكائن …
و هي صور لواقع يعيشه الإنسان في أكثر من بقة من المعمور ، و حتما لن نكون استثناء .
لينتقل الشاعر إلى تحديد مواصفات هذه الكاف تحت عنوان ( الْعُودْ لِّلي تْحَڭْرُو ، يَعْمِيكْ ) .
” صْغِيرَة حَتَّى اٌ صْغَر مَنْ وَالُو
وْ مَا تْخَلِّي حَالْ عْلَى حَالُو
لَا بُولِفَارْ فِي بَارِيزْ
وَ لَا فِي مَكَّة طَوَّافْ ”
صغيرة الحجم ، بل صغرها جد متناهي حتى أنها لا تُرى ” اٌ صْغَرْ مَنْ وَالُو ” و لكن قدرتها على التأثير اكبر مما يمكن تصوره . جائحة ..جسم أكثر من مجهري و لكن انتشاره غطى بوطأته المعمور :” و مَا تْخَلِّي حَالْ عْلَى حَالُو ” رمزَ إلي ذلك الشاعر بمكانين لهما دلالتها . بين رمز الحرية المطلقة ، و رمز الإيمان الديني . جائحة مست الجميع ، و لم تستثني لا هذا و لا ذاك .
و يستمر الشاعر في تشكيل ( البورتريه ) للكاف ، معتمدا على الوقفة لاستجماع النفاس و في الآن ذاته شد انتباه المتلقي الذي قد ينشغل عن سرد ( الحَجَّايَة ) و هو تمثُّل للموروث الحكواتي في فن (الْحَلْقَة ) .
” حَاجِيتَكْ …)
هذه الكاف لا تعبأ بأي حاجز لا حدود ، و لا أسوار ، و لا جمارك و لا مسافات بعيدة تتخلها مشاهد طبيعية متنوعة قد تعوق حركة الإنسان ، لكنها لا تعوق رحلة الكاف المعربدة ….
” حَاجِيتَكْ عْلَى الْكَافْ
و الْكَافْ هَازَّة لَكْتَافْ
هَا هِيَ تَتخَطَّى السُّورْ
سَايْبَة هَايْمَة تَمْلِي قْبُورْ
مَا تَحْبَسْهَا دِيوَانَة
قَاطْعَة لَبْرَارِي وْ لَبْحُورْ ”
قلبت كل الموازين ، غيرت العادات … ، فرضت قانونها الخفي / الظاهر … على الجميع . وحتى من يقضي أصبح يشمله حكم هذه الكاف .
” وَ اللَّمَّة تَبْقَى مَرْهُونَة
وَ الْغَالِي اٌرْخَصْ مَنْ صَابُونَة
وْ قَاضِي لَمْحَاجِيرْ مَحْجُورْ “
ساوتْ بين الجميع في عالم جعل من المساواة شعارا مزيفا لا يساوي حتى كلفة الحبر الذي يكتب به . فرضت المساواة بين الجميع مثل الموت الذي يحصد الجميع ، و القبر الذي يضم اجداث الجميع .
” كَافْ مَا مَنْ حَدّْ تْخَافْ
تَحْشَرْ رَاسْ بِينْ رْيُوسْ
تْسَاوِي الرَّئيسْ و الْمَرْؤُوسْ
” و مَا تْبَالِي بْهِيبَة و لَا جَاهْ
و إشارة أخرى إلى البؤس المستشري في هذا العالم المقنع بالزيف ، و المتمثلة في سرطان الرشوة . هذه الكاف تترفع عن هذا السلوك البشري البغيض ،لا يمكن رشوتها .
ليختم الشاعر صورة أقل وطأة من السابق في تصوير للوضع الذي أجبرت عليه كثير من سكان العالم و أكرر ، لسنا استثناء في هذا .
” و تَسْرَقْ مَنَّكْ مَواعِيدْ
و شُوفْ حْبِيبَكْ مَنْ بْعِيدْ
بْلَا مَا تْسَلّمْ وَ لَا تعَنَّق … وَ لَا تْبُوسْ ”
ليختم الشاعر نصه بالسؤال على طريق الحكواتي / الجدة / الأم . ” آشْ تْكُونْ هَادْ الْمَلْعُونَة ؟ “
و يصفها بالملعونة!!! لماذا يختم النص بهذا الوصف بعدما عدّد مزاياها و مناقبها .
هل لأنها كشفت المستور ؟؟؟
هل لأنها أسقطت الأقنعة المزيفة عن هذا العالم المجنون ؟؟؟
أكيد أيها المتلقي تعرف الجواب . فمن خلال المعطيات التي قدمها الشاعر أضحت معروفة لديك . لكن هل توقفت في الرحلة عند المحطات ؟
هل استوعب ما عرته الكاف في حياتك … في سلوكك اليومي … في واقعك الموشوم بالأعطاب …؟؟؟
لك أن تجيب نفسك . ليس عمن تكون بل عما تترفع عنه الكاف في هذه الرحلة ….
هي عودة أو استمرارية موفقة للشاعر الكبير افتقدناه زمنا ، الشاعر رضوان أفندي …….. الصوت الحر الذي ما باع قلبه بمنصب و لا كرسي بدكان انتخابي … عنوان الوفاء للمبدأ و الفكر الحر .
تحية تقدير للشاعر رضوان أفندي ، أعدتني لزمن طفولتي و يفاعتي بمختلف أحياء درب السلطان من زنقة لالة عزيزة بدرب ليهودي إلى درب الفقراء و من ينسى دار الشباب بوشنتوف و مكتبة الكرامة …….
و تحية للشاعر أحمد لمسيح الذي أتاح لي الاطلاع على هذا النص من خلال دعوته الكريمة للانضمام لموقع : المنصة الزجلية .
و إلى نص آخر …

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت