سورة -الفيل 105- بين السردية الإسلامية والوقائع التاريخية.

نافع شابو
2024 / 4 / 3

سورة "الفيل 105" بين السردية الإسلامية والوقائع التاريخية.
(سورة الفيل 105) سورة مكية، وآياتها ٥ آيات، نزلت بعد سورة الكافرون . جاء في النص القرآني:
"أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ( 1 ) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ( 2 ) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ ( 3 ) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ( 4 ) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (5)
هذه السورة هي التاسعةعشر حسب ترتيب النزول وهي سورة مكية .
خلاصة التفاسير لهذه السورة القرآنية كما جائت في معظم التفاسير لعلماء المسلمين هي كما يلي :
حوالي سنة 570 ميلادية (وهي نفس السنة التي ولد فيها محمد رسول المسلمين حسب السيرة النبوية والتفاسير)
يؤمن المسلمون ، نقلا عن المفسرين الذين نقلوا عن ابن اسحاق ، أنّ هذه السورة نزلت على النبي محمد لتذكير قبيلة "قريش"، بما فعله الله باصحاب الفيل الذين حاولوا هدم الكعبة، وهم ابرها الحبشي (النصراني) وجيشه الذي كان معه الفيلة.
وجاء في الموسوعة القرآنية الميسرة لمجموعة علماء مسلمين مايلي في تفسير هذه السورة .
تفسير
ألآيات1، 2 "الم تعلم أيّها النبي (محمد) كيف فعل رَبُّك بأصحاب الفيل العظيم: قوم من الحبش النصارى حكموا اليمن، جاءوا بقيادة ابرها لهدم الكعبة المشرفة ، بقصد تحويل العرب الى تعظيم كنيسة بنوها في صنعاء ، حدث ذلك قبل بعثة النبي محمد باربعين عاما . والأستفهام للتقرير. ألم يجعل الله تدبيرهم السيء بتخريب الكعبة وفكرهم الخبيث، في أبطال وتضييع . والضلال في ألأصل : ضياع العمل عبثا
ألآيات 3، 4 وأرسل الله عليهم مجموعات كثيرة متفرقة من الطيور . والطير: كلِّ ما طار في الهواء ، صغيرا أو كبيرا، فيشمل الذباب والبعوض ، ترميهم بحجارة من طين متحجِّر ، فتهلكهم .
ألآية 5 أي فجعلهم كورق الشجر الذي عصفت به الريح ، وأكلته الدواب ثم رائته ، فأهلكهم جميعا .(انتهى الأقتباس).(1)

جاء في موقع (القرآن الكريم) ،عن تفسير مختصر لسورة الفيل ،ما يلي:
ألم تَرَ -يا محمَّدُ- كيف فَعَل رَبُّك بجَيشِ أَبرَهةَ الحَبَشيِّ مَلِكِ اليَمَنِ، الَّذين صَحِبوا الفِيلَ، واتَّجَهوا إلى مكَّةَ لهَدْمِ الكَعبةِ
لقد جعل الله تدبيرهم السيئ لهدمها(الكعبة) في ضياع، فما نالوا ما تمنّوه من صرف الناس عن الكعبة، وما نالوا منها شيئًا
تفسير الجلالين:
«ألم يجعل» أي جعل «كيدهم» في هدم الكعبة «في تضليل» خسارة وهلاك.(2)
جاء أيضا في موقع ويكيبيديا عن خلفية سورة الفيل مايلي:
يؤمن المسلمون نقلا عن المفسرين الذين نقلوا عن ابن إسحاق، أنها نزلت على النبي محمد لتذكير قبيلة قريش بما فعله الله بأصحاب الفيل الذين حاولوا هدم الكعبة وهم أبرهة الحبشي وجيشه وفيها تذكير بقدرة الله على العتاة ولم تكن قريش بند لأبرهة وجيشه وهم يعادون رسول الله محمد.(3)

يقول الباحث والمفكر فاضل الربيعي*:
السرديات الدينية هي سرديات دينية والسردية التاريخية هو تاريخ
هناك فرق بين السردية التاريخية وبين السردية الدينية. هناك من الذين يفرضون السردية الدينية على السردية التاريخية فهم يمارسون علينا إرهابا !!!!!!
كُلّما اقتربت من سردية الدين لتقول ان هذه الواقعة مشكوك بها يقولون أنّك تشكّك في الواقعة الدينية.
عندما شكّكت بقصة الحبش(قصده سورة الفيل وتفاسير العلماء المسلمون الخاطئة) طالبتُ الآخرين الذين اتهموني ان يبرهنوا باي نقش او واقعة مسجّلة على النقش تقول ان ابرهة الحبشي اجتاح مكة أو هدّد الكعبة بالدمار .
ويضيف فيقول :
يجب إعادة النظر بالروايا على ضوء الأكتشافات الحديثة.
أنا كُلّ ما قمتُ به هو تفكيك السرديات الواردة في الروايات الأسلامية :
أولا : الزعم أنّ ابرهة الحبشي غزا مكة لا أصل له لانّ النقوش التي تركها جيش ابرهة في اليمن بما في ذلك النقوش التي تركها على سد مأرب تظهر أنّ ابرهة الحبشي كان رجلا مسيحيّا وهو يكتب النقوش بالخط المسند اليمني( الذي يختلف عن الخط القرآني الحجازي) على جدران وبقايا سدّ مارب مكتوب : باسم الرب المسيح او باسم المسيح الرب . كان ابرهة رجلا مسيحيّا ولم يكن وثنيا.
ثانيا: توفي ابرهة الحبشي سنة 535 م وليس 570 كما ورد في السردية الإسلامية والذين يدعون انه غزا الكعبة . فهذا لم يحصل. لانه لم يكن في زمن ميلاد محمد 570 كما يدعي المسلمون.
ثالثا : لاتوجد أي وثيقة انّ ابرهة الحبشي خرج من اليمن وقصد الجزيرة العربية لانّه طوال السنوات التي كان يحكم فيها اليمن كان مشغولا بقمع تمرّد القبائل اليمنية التي احتجّت عليه وبسبب علاقته بالأحباش ناسب ابنه يكسوم الذي ورث الحكم بعده وهو الذي بنى الدولة المسيحية المشهورة "يكسوم" وهي اندماج جنوب اليمن مع الحبشة بدولة مسيحية جديدة عرفت بدولة "يسكوم". فلا توجد أي دلائل لا بالنقوش ولا وثائق تاريخية موثقة أنّه غزا الجزيرة العربية.
وأخيرا يطرح فاضل الربيعي هذا السؤال الى كُل المسلمين: هل من المنطقي انّ الله سبحانه وتعالى يمكن أن يرسل الحجارة ليقتل جيش مسيحي وينتصر الوثنيينن؟ .
هل للعاقل أن يقبل أنّ الله وقف مع الوثنيين (عبّادي الأصنام في مكة ) ضد المسيحيين قبل الأسلام ؟.(4)

تعليق
في الحقيقة هذه السورة (سورة الفيل 105 ) فيها تناقضات عجيبة وخرافة اسطورية لايقبلها العقل والمنطق لأسباب عديدة يمكن تلخيصها كالتالي:
أولا: ليس من المعقول ولا يقبله العقل ان يهاجم جيش الحبشة مكة باستخدام الفيلة وذلك لوقوع مكة في منطقة صحراوية وبعيدة مئات الكيلومترات من اليمن. والفيلة تحتاج الى كميات كبيرة من الغذاء(اشجار ونباتات وعلف) وماء ، وهذه لا تتوفر في صحراء الجزيرة العربية. لايوجد توثيق تاريخي ولا دليل اثري لما ورد في النص القرآني لسورة الفيل . بينما هناك ادلة ووثائق تاريخية تدحض ما جاء في سورة الفيل وتفاسير المسلمين، كما قال الباحث فاضل الربيعي.

ثانيا: لماذ الله لم يدافع عن الكعبة بعد ان أصبحت قبلة المسلمين عندما دمرها القرامطة وسرقوا الحجر الأسود ولم يرسل اليهم طيور الأبابيل؟ . لماذا الحجاج بن يوسف الثقفي رمى الكعبة بالمنجنيق وقتل الآلاف من المسلمين ولم ينتقم منه إله المسلمين؟هل كان ذلك لأن الحجاج كان مسلم ، والحرب بين المسلمين يتغاضى الله عن عقابهم ، كما حدث للنجاشي النصراني ؟
ثالثا :لايمكن الأعتماد على الرواية العربية لعدم وجود تدوين تاريخ العرب قبل الأسلام (أي قبل العصر العباسي ) بل كانت الروايات شفهية ، كما يقول المؤرخ العربي الدكتور جواد علي في كتابه المفصل في تاريخ العرب قبل الأسلام . فلايمكن الوثوق بقصة خرافية لادليل تاريخي لها عربيا أيام كتابة القران.

رابعا : السؤال المهم والمنطقي هو: لماذا يقف اله المسلمين مع المشركين اهل قريش والذين يعبدون الأصنام ، ضد النصارى الذين يعبدون الله ، وكلنا نعرف حسب السردية الإسلامية ان المسلمين هاجروا الى الحبشة هربا من مشركي قريش الذين اضطهدوا محمد واصحابه في مكة قبل الهجرة واستضافهم ملكهم النجاشي ؟.

أسئلة نظيفها الى الأسئلة السابقة التي لم يجاوب عليها حتى العلماء المسلمين ولكننا نصبر وننتظر ونرجو ونترك الأجابة عليها مهما طال الزمن.

السؤال ألأهم من أين أستقى المفسرون المسلمون معلوماتهم في تفسيرهم لسورة الفيل ؟ .
هناك تشابه كبير، ممكن القول طبق الأصل ذكره المؤرخ سيبيوس من خلال رسالتين عن حدث تاريخي حصل
في الحرب بين الفرس والأمبراطورية البيزنطينية في زمن بهرام جوبين الذي حكم الأمبراطورية الساسانية (590-591) لفترة قصيرة، باسم بهرام السادس
ويكتب هذا المؤرخ عن رسائل بعثها بهرام الى ملك ارمينيا لكي تقف ارمينيا المسيحية مع الفرس ضد الأمبراطورية البيزنطينية، ولكن حاكم ارمينيا رفض عرض بهرام فهدد ألأخير ارمينيا بانه سوف يدمرها بارساله الفيلة المدربة على رأس جيشه للأنتقام من الأرمن (المسيحيين) . ولكن رد حاكم ارمينيا واسمه "موشك الثاني " برسالة جوابية لملك الفرس بهرام، وهي رسالة محفوظة في مكتبة يريفان عاصمة ارمينيا ومترجمة الى عدة لغات. ومن خلال مقارنة هذه الرسالة مع تفساسير علماء المسلمين "لسورة الفيل" سيتأكد القاريء على حقيقة ان كاتب القرآن له اطلاع على كتاب سيبيوس المؤرخ، وانه، أي كاتب القران ، نقل مضمون الرسالة باقتضاب كما هي حال بقية القصص في القران ،عندما لا يستطيع القارئ معرفة التفاصيل او خلفية القصة او تاريخ الحدث ، ولا يعترف كاتب القرآن بأنه يقتبس هذه القصص من المصدر الأصلي لكي لايتم كشف الغطاء عن مصدر القران ،ولأنَّ قريش أهل "مكة ؟" الذين كانوا يتهمون محمد بانه ياتي باساطير الأولين يتلوها عليهم صباحا ومساءا كانوا يشكّون، بل يعرفون ان محمد لم يكن الا انسان يعرف قصص الأولين والحوادث التاريخية، وكذلك يعرف بعض الشيء عن الديانات السابقة. وهو يقوم بترجمتها، بعد ان يضيف او يحوّرها، الى اللغة العربية، ليقصها على أهل قريش.
الحقيقة قد تكون مؤلمة لأخوتنا المسلمين الذين يؤمنون بكون النص القراني منزل من اللوح المحفوض ومصدره وحي إلهي، ولا يمكن ان يكون من مصادر اخرى ومنها وقائع واحداث تاريخية. ولكن ظهر لنا أن النص القراني أسطَر القصة الحقيقية وأصبحت خُرافة تناقلها المفسرون المسلمون في تفاسيرهم لسورة الفيل. كما أنّ القاريء سيكتشف تشابه غريب بين ما جاء في النص القراني وما حدث فعلا كوقائع سُجِّلت تاريخيا .
ويمكن الأطلاع على نص الرسالة الجوابية لحاكم ارمينيا المسيحي المدعو "موشك الثاني " الى "بهرام " امبراطورالفرس في القرن السادس الميلادي ، والتي نصها كما يلي.

"لن يكون المُلك الاّ لمن أراد الله يعطيه لمن يشاء ، ويجب أن تاسف على نفسك وليس علينا ، أعرف أنَّك متبجّح وليس انك بالله تثق ، ولكن بشجاعة وقوة فيلك . اقول لك الآن انَّه ان اراد الله غدا صباحا محاربون شجعان ، ارواح حارسة تحيط بك تهيجُ عليك وعلى عدد فيلتك ، مثل غيوم السماء الهوجاء تقصفك من فوق ، رعود وبروق ، رهيبة . تُهاجمك ابطال مسلحة محاربون سماويّون يخترقون جيشك بصواعق ملتهبة بالنار تنزل من السماء الى الأرض واليابس .ولو انّه لو اراد الله ان يبعث ريح عاصفة تحمل قواتك مثل الغبار فتطير في السماء ".(5)
قارن هذه الرسالة بتفاسير علماء المسلمون عن سورة الفيل
في تحليل رسالة "موشك الثاني،"حاكم ارمينيا "، الى بهرام ملك الفرس ومقارنتها مع سورة الفيل وتشابه اسم بهرام مع ابرهة، قائد جيش ألأحباش، ستبيّن حجم التطابق بين هذه الرسالة ، وبين مضمون سورة الفيل في القران ، لتُأكّد لنا ان كاتب القران اقتبسها من كتاب المؤرخ سيبيوس الذي نقل نص جواب ملك ارمينيا الى بهرام ملك الفرس الذي هدد ارمينيا بالدمار .
سورة الفيل هي نموذج من عشرات السور والآيات التي سرقها كاتب القرآن من مصادر مختلفة، يمكن الرجوع اليها* (راجع الهامش)
، واذ نحنُ نعطي سورة الفيل كمثل، لسرقات كاتب او كُتّاب القران، لكي نشجع القارئ لأن يبحث عن الحقيقة، حقيقة لامفر منها ، وهي انَّ القرآن له جذور ولايمكن ان يكون منزل من اللوح المحفوض كما يدعي علماء المسلمون . وأنّ العلماء المفسرون المسلمون استقوا تفاسيرهم من مصادر كثيرة أيضا(6).
الخلاصة
هذه القصة التي وردت في القرآن والتراث الأسلامي هي دليل وبرهان على أنّ التزوير ، في التاريخ والقرآن والتفاسير ،هي سمة من سمات المؤرخين المسلمين وخاصة في العصر العباسي ،أي بعد مضي اكثر من قرنين على وفاة محمد ، وكما جاء في العديد من القصص الواردة في السرديات الأسلامية ، ومنها قصة نبوة محمد وخرافة الاسراء والمعراج وقصة أهل الكهف....الخ (7)

(1) راجع تفسير الطبري لهذه السورة وكذلك كتاب الموسوعة القرآنية الميسرة لمجموعة علماء المسلمين
(2) راجع الموقع التالي
https://surahquran.com/tafseer-surah-105.html
(3) ويكيبيديا
https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%8A%D9%84

(4) راجع قناه الحياة برنامج صندوق الاسلام 32 للأخ حامد عبدالصمد ، قصة اصحاب الفيل
https://www.youtube.com/watch?v=jXChZJEfsU4
(5)
فاضل العاني
https://www.facebook.com/reel/737368418489942
(6)
راجع مقالة للكاتب عن مصادر القران
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=651144
(7)
وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَـذَا إِنْ هَـذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ (الأنفال 31))
*
فاضل الربيعي
مفكر وكاتب وباحث عراقي متخصص في المثيولوجيا ( علم الأساطير) ودراسات الكتاب المقدس واللغة العبرية
– ولد في بغداد 1952
– مقيم في هولندا منذ عام 1996 ويحمل الجنسية الهولندية .
– شارك في مؤتمرات أدبية وفكرية عربية وعالمية منذ عام1974 وحصل على جوائز أدبية وشهادات تقديرية رفيعة ، ومؤلف العديد من الكتب(راجع الموقع التالي)
. https://www.aranthropos.com/

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت