رواية ( ارقص... انت في المسلخ)

الحسان عشاق
2024 / 4 / 3

الحافلة الصغيرة المهترئة تهتز، تبعث الخدر في الأرجل، النوافذ ترتعش، من بين الشقوق تتسرب الرياح الدافئة، تحاور السحنات على تخوم الخوف والانقباض، تصفع تجاعيد الوجه الهارب من الابتسامة إلى جحور الانكسار،ينكمش الشاب الشقي المنتصب في الجمجمة، رفرفة الحرية معلقة على عقارب امزجه حاكم توقظ فيه نبضات الانتقام، أخر حلقة في الكأس المتقيحة ليلفظ على أبواب المجهول ، الدور السكنية تنسحب بشدة إلى الوراء، أشباح كبيرة تتفتت ،تصفر، تختفي كانها لا تعرفه، الأشجار العارية تفر عابسة، مكشرة، يشيع النظر إليها في حسرة وندم كبيرين، لا وقت للعويل ونثر مداد الرثاء على ناصية المخيلة، لا وقت للابتهال فوق سجادة الصلاة وإعلان التوبة النصوحة، لا وقت لسفك دماء العفريت النازف بين الضلوع، انتحرت حروف الانتصار تحت حوافر الطغاة، يطلقون عليه نيران الشماتة، يلعنون في السر و يتنفسون الصعداء، ابن الحرام استجاب الله للدعوات لم يوقر لا صبيا ولا شيخا، كل شيئ متواطئ مع المخلوقات الإدارية التي تطبق بالنظرات الماكرة على الأنفاس، تقززنه، تحاصره بالعيون الثاقبة المتفحصة، يختلس النظرات في انكسار وبلادة، يشعر بالرهبة تجتاحه من أرنبة الانف إلى اخمص القدم ، يتنمل الجسم، البدلة الكاكي تتدلى منها أزرار ذهبية في حجم حبات المشمش، ثمة مكاتب مكدسة بالأوراق، رؤوس تختفي خلفها، الآلات الكاتبة تمزق الصمت المغتصب برعونة بين الفينة والأخرى، تشتد المسافات في أوعيه التحقيق، أحذية عريضة ثقيلة تقرع الإسفلت في تحد كبير، تنشر الرهبة في النفوس، هواتف سوداء ترن باستمرار، وجوه مكهربة خائفة منكمشة، جماجم تحتضر تحت صرير الآلة الكاتبة، الأيادي مصفدة مشدودة إلى الخلف، تلوي الأعناق باستمرار، تنتحب من اتهامات خطيرة في موسم قطاف الاعترافات ، يلعق بالعيون المترهلة الأجفان، المكاتب والوجوه الذبقة الفولاذية ، أطفال في عمر الزنابق يساقون كالغنم إلى الجحيم يدخلون إلى حجور التيه، عيون باكية، وجوه راعشة متورمة من شدة الصفع، دفعهم الرجل الغليظ في الأدراج، سدد لاحدهم ضربة قوية على الرأس ارتطم الجسم بحافة الأدراج وتدحرج ،ندت عنه أنة متقطعة ،تكور على الأرض بدون حراك، في الوطن الكسيح يجدون لذة كبيرة في ضرب الرأس ضربا مبرحا ثم ينتقل الضرب إلى المؤخرة لذلك نصف السكان أغبياء توقف التفكير عندهم بسبب الضربات الرأسية المركزة والمتعمدة والنصف الآخر تجذبه المؤخرات اكثر من انجذابه للوجوه .
الساعة تشير إلى العاشرة ليلا تقريبا ، الحركة في المكاتب خفت كثيرا ، الطابق تحت أرضي صمم لامتصاص الأصوات والصراخ، المفاتيح تدار في الأقفال بصخب كبير، الأبواب الكبيرة تفتح وتغلق بشدة، تسمع خطوات في الممرات الضيقة، يسحب جسم مرتعش من وسط الزنزانة، يبدأ العرس البدائي، عرس حقيقي أبطاله سكارى وحشاشون ومجرمون حقيقيون، يتفننون في صقل الأبدان بالصفعات والركلات، بالهراوات والصعقات الكهربائية، والخنق بالماء الملوث.

- كبلوا الكلب... أرفعوه فوق المشواة

الكل يهرول لتحيق النتيجة خلف دقات الساعة، الساعة تحبو فوق العقارب ثقيلة ، الشرطي ينفخ في جعبة الترهيب، الألم يرتفع ، تتمزق الأشلاء، يرتفع الصوت مطالبا بالحقيقة، تموت الأجوبة في عذريتها،يشتد الغضب فيحزمون تحت القبضات نعال الجحيم، تعوي المصارين والأضلع،ومناجل الحصاد تجتز أزرار العناد، ترتج القضبان الحديدية، يتمزق لحم المعصمين، يسيل الدم، لم ينبس ببنت شفة مند أن اطلق صرخاته الأولى في زوبعة الموت، ولا ملاك ينتشله من سوط الجلاد، وحده يكتب ملحمة الصمود لن يفك رموزها سوى حفار القبور، يحمل نعشه بين الضلوع ولا يبالي، شعروا باليأس والارتباك، الصيد لم يكن سهلا، لم يرفعوا أنخاب الانتصار ، انهم ينهشون جسدا ميتا، شعروا بالتعب والإرهاق لكنهم لا يكفون عن التهديد، وانفض الجمع على أوتار الهزيمة، الشوط الأول من التعذيب انتهى بغرز نصال في اعين الجلاد، يبتلع في الم لعاب التحدي، متعقبا حالة النرفزة فوق الجباه، يجتاز كوابيس الليل بهمسات الأب أن يكون رجلا، كلمة تهمس في الأوردة طوابير الأبطال الذين خلدهم التاريخ، أذيقوا العذاب لكنهم ظلوا واقفين في وجه الريح التي لم تستطع اقتلاعهم من الجذور، الأرض الباردة تزيد من مخاوفه، فصل آخر من فصول الوجع، يخاف أن يضعف أمام الجلاد، يتحسس الأوردة على ضفاف الكدمات، لاشيء يستحق، ولد من فوهات القحط والضرب والجرح ، تنتصب غصة الحرمان في المخيلة، التعذيب مجرد طقس في مأدبة اللئام، من يختار صقل الأبدان في فضاء لم يقرا عنه سوى شذرات في كتب وروايات الخيال ، اقبح وظيفة في الكون تقشير الألم على صفحات الصراخ إنها مهنة اللقطاء و الشواذ ،يأكلون الخبز مغمس بالدم والدود والصديد والصرخات والآلام .
" الطيارة" الم يكن شاعرا مرهف الإحساس عميق التفكير من اطلق على آلة التعذيب ( طيارة)، قد لا يعرف الإنسان العادي "طيارة" المخافر والأقبية السرية حيث يمارس التعذيب لانتزاع الاعترافات، ربما سيذهب الخيال إلى تلك المركبة التي تقطع البحور والصحارى والجبال، تسافر بالزبون إلى حيث يريد، قد تظنون أن "الطيارة" لعبة من لعب الأطفال المفضلة، تعانق الفضاء الواسع بكبسة زر أو تلك المشدودة إلى خيط رفيع، إن الحديث عن "الطيارة" في مسالخ المخافر ستجعل الأسنان تصطك، ستشعرون بالحموضة بالغثيان والدوار ، ستتمنون الموت ألف مرة في اليوم الواحد.
مشدود اليدين والرجلين بوثاق صلب يعيق حركة الدم في العروق، قضيب حديدي ثقيل وصلب، يمر فوق اليد والرجل اليمنى ليخرج من الجهة الأخرى فوق اليد والرجل اليسرى، أعمدة ثلاثية بها حصارات في الوسط، يحمل المنذور للسفر في الطيارة مثل كبش معد للشواء على الطريقة البدائية، معصوب العيون، المسلخ صغير ، رائحة البول والدم المتخثر تزكم الأنوف، خرق بالية مرمية في جميع الأركان، قناني بلاستيكية فارغة وأخرى مليئة بمحلول صناعي لتنظيف المراحيض، خرقة بالية تسد الفم، القنينة تفرغ، يد تسد منافذ التنفس في الانف، يختنق، يسعل، يبتلع كميات من محلول المراحيض، ينتفض بشدة كالديك المذبوح، الحلق يجف، يسمع صليل الموت، يأتي زاحفا مزهوا، يتمنى أن تستمر عملية الخنق بضعة دقائق، بضعة دقائق كافية لتنتهي الحفلة وتهدم الخيمة الدموية ، ينتهي كل شيئ ، يا ليتهم يستمرون في وضع الخرق البالية المبللة على منافذ التنفس، القتلة يعاودون الكرة مرات عدة، لا يملون ولا يخافون الذهاب أبعد، سمع في حوارات مقتضبة في الكلية انهم لا يكترثون أن يموت الإنسان أو يصاب بالجنون، يتلقون التعليمات بممارسة جميع أنواع التعذيب على الموقوفين لحملهم على الاعتراف، إذا توفي احدهم بسبب التعذيب يصدرون وثائق طبية تفيد بتعرض الموقوف على ذمة التحقيقات لازمة قلبية أو سقوطه على الرأس، يرتفع صوت مهددا متوعدا .

- قل يا ابن القحبة… هل مزقت وأحرقت صورة الملك… قل يا ابن القوادة يا ابن الكلب هل أحرقت العلم الوطني.. سنجعلك تتكلم
- اه… اه
- ألا تريد أن تعترف … لا يهم اعترافك الآن … سوف تعترف ليس لنا شغل سوى جلدك حتى ينفصل الجلد عن العظم.
- والله …
- الله … لقد جلدناه واعترف انه ليس خالق الكون... والآن يستريح في الزنزانة.

ضحكات مجلجلة تغرق المسلخ الضيق ، الصراخ يرتفع يشق سقف المسلخ، يهرب من الفتحات الضيقة، يعانق الفراغ والخواء، الصدر يرتج، العضو يتمزق يتفتت، الرأس تدور، يرتفع الطنيين و الوجع، الصور المضببة لوحوش قبيحة تتضاعف أمامه، يدور المولد الكهربائي بقوة، يسمع الهسهسات، ما أقسى العذاب المهيض والمر، رعشات حادة تبعثر دقات القلب، النبض يرتفع باستمرار، صرير المولد الكهربائي يرتفع، لا يكل من ضخ الشحنات إلى الجسم عبر سلكين ربط احدهما في العضو التناسلي والأخر في المؤخرة، الشحنات تمزق الأوصال، تفصل بين الحياة و الموت، يرتج الكبش ، ينتفض، يختنق، يتمزق الجسد إربا إربا،سكاكين حافية تدفع في الأحشاء، ما أقسى العذاب، الجسد لم يعد منه، لن يتركوه بسلام حتى يعترف أو تزهق الروح، حمل وديع بين الذئاب الشرسة، الجائعة ، المتعطشة للدماء،دجاجة مبللة طلع عليها النهار، السيدة تنتظر منها بيضة اليوم المعتاد، هؤلاء الوحوش لا يريدون أية بيضة.

-ألا تعترف يا ابن الحرام… سنجعلك تأكل الخراء، أترى هذه الزجاجة، انها في انتظار ثقب مؤخرتك.

ضحكات مجلجلة ترددها الجدران المتسخة والمليئة ببقع الدم، المسلخ مستفز يدخل الرهبة إلى النفوس الهشة لتنهار وتعترف، جزء من التعذيب النفسي لهزم عتاة المجرمين وجعلهم يفرغون ما في الجعبة، استدرج إلى حظيرة البكاء، لم يبق أمامة سوى البكاء ليرميه عليهم كتحية، ليكتب وصيته الأخيرة إلى آلهة الموت والخراب، كؤوس من العلقم تختلط بحفنة من الذكريات، يرتفع الضرب والصفع والركل، لابد أن يرقص الجلاد على نعش الاعتراف،يبحث بين الضلوع عن دودة هزيمة تدفعه إلى إنهاء عرس العذاب، تمر صور الشهداء فوق الجبين ، يأتيه صوت من الداخل، محذر، منبهه إلى العار، العار سيطارده في وطن هارب منه إلى يوم القيامة، صوت مولد الكهرباء يلعلع، يغزو الصداع أوتار الجمجمة، ولا وقت لإعلان الهزيمة .

- انزع سروالك
- ارقص فانت في المسلخ .. ارقص... أبناء القحاب يجيدون الرقص مثل أمهاتهم.

الأيدي والأرجل منتفخة، حركة الدم ثقيلة، الرقص يعيد إلى الأطراف بعض الحيوية والنشاط، يتوقف عن الرقص والتصفيق، العصا تلسع الظهر في المسلخ القذر،يأمره احد الجلادين الضالعين في الجلد وتطويع الأرواح المتمردة بصوت مقتحم بنزع الملابس في عرس الهروب من الهروب، النوايا مزدحمة بالضجيج والخوف.
تسقط الملابس قطعة قطعة، يرى نفسه في ثوب ادم، الرقص يستمر والضحك المستفز والسباب والشتائم تنهال عليه، الأطراف تستعيد حيويتها، الجو بارد تصطك الأطراف، أصابع تمتد إلى المؤخرة، صفعة قوية، يمر الطابور الطويل أمام المعلم واحدا تلو الآخر، ربما يجد لذته في عري الآخرين، أطفال صغار في عمر الزنابق يلبسهم الرعب والحياء، الوحش ينام تحت المقاعد والطاولات، يفترش علب الكارطون، عشرات الكراسات ويتوسد دزينة أخرى، سرير من الدفاتر التي لا تصلح سوى للافتراش، صوت الشخير يرتفع، الهدوء التام مطلب ملح، يحب سماع طنين الذباب، مدمن على الليالي الحمراء وكرع كؤوس الخمر، سكير من الطراز الأول، مدير المدرسة يخاف ثوراته لا يستطيع توبيخه، مسنود من شخصية سياسية ذات نفوذ واسع ، شكايات الآباء لم تردعه بل زادته قوة ،صلابة ،تمردا وتحديا ، حركة لا إرادية من تلميذ يسقط السبورة الخشبية المشدودة بحبال مهترئة، ترتطم بالأرض المبلطة وتحدث قعقعة عالية ، يستيقظ الوحش محمر العيون، تلمع برغبات قبيحة،يرغي ويزبد، أركان الحجرة تهتز، يسب الله والعالم، صور الزينة المعلقة في الحجرة تتمايل، الفلاح في الحقل ينقلب راسا على عقب، قوائم الأحصنة تلعب في الهواء،الأسنان تصطك، صورة الخضار تسقط يتهشم الإطار الخشبي، دموع تنساب دافئة على الوجنات الصغيرة، مغص بالمعدة، تلميذ يتبول في السروال.

- أولاد القحبة... سأعاقبكم واحدا واحدا ، سأقتلكم

يشهر عصا غليظة سحبها من القمطر ، يضرب بها الكف الفارغة، السراويل تتساقط، ممرض يلقح الأطفال ضد الأمراض المعدية، العيون تلمع برغبات محمومة، الجلادون يشتهون مؤخرته، شواذ من الطراز الأول، يأمره المستكرش (حميد الصحراوي) بالجلوس على الزجاجة المنتصبة في وداعة، زجاجة لمشروب معدني، يرفض الاستجابة بشدة، عشرات الأيدي تنهال عليه دفعة واحدة، يحس بالزجاجة باردة، تمزق المصارين، قطرات الدم تمسح الإسفلت المتسخ، أفاق من الشرود والتيهان على الصراخ، حاولوا إجلاسه بالقوة، لكمات ركلات، لم يعد يشعر بأي شي، الجسد لم يعد منه، روح بدون جسد، جسد بدون روح ، المقاومة تزداد والعناد يزداد اكثر، سوف يسقط مثل جيفة متقيحة، عنادهم اكبر، يبصقون عليه، يضرب الزجاجة بالرجل الحافية، تنكسر، الهراوة ترج الضلوع، دم دافئ يطل بين الأصابع، تمتد اليد إلى قضيب حديدي، يرفعه في الهواء ، ضربة بقوة على الرأس، ينشدخ الرأس، دم دافئ يهبط على الوجه ، المفاجأة لجمت العقول وخلقت التردد والخوف، انسحبوا دفعة واحدة من المسلخ، غابوا لأكثر من ربع ساعة، استعاد وعيه وصمم أن يتحداهم، منهم الضرب ومنه اللحم والدم والصراخ، سمع الخطوات تقترب،ظل جامدا لا يتحرك يتنفس بصعوبة، وضع احدهم يده على الوريد، حملوه من الأربع إلى الزنزانة التي تأكل البرودة بدون رحمة لحم النزلاء ،رموه فوق الإسفلت البارد في زنزانة انفرادية مليئة بالبراز البشري وبحيرات البول، عقاب جديد، يريدون تكسير شوكة العناد.
الساعة تقارب الثانية عشرة ليلا، لم يعد يدري كم مضى من الوقت في المسلخ يتعرض قهرا لحفلات التعذيب، العيون متورمة، جميع مسام الجسم تؤلمه، الأطراف منتفخة كمن لسعه النحل، الحذاء لا يتسع للرجلين، الحركة بطيئة، أية حركة يأتيها تصدر لها أنة متقطعة، تمنى النوم في الهواء عاريا سابحا بدون أن يلامس أجسادا صلبة، تمنى الحصول على أقراص منومة، ليغيب عن العالم المحسوس إلى ما لانهاية، لفافة حشيش تعيد التوازن إلى الجمجمة، تحلق بعيدا خارج أسوار المخفر بدون أجنحة.
السيارة الزرقاء التي يتوسط هيكلها الخارجي خط ابيض يمتد من المقدمة إلى الوراء، تهتز لكثرة الحفر، المطبات، طرقات المدينة مليئة بالثقوب والأحجار ، ملاعب غولف حقيقية، الاهتزاز يبعث الخدر في الأرجل المسترخية في بلادة، يقف الجزاز في الباب منتصبا ، البطن تهتز والعرق يغسل الجبهة، الصوت الخشن سكين ينغرز في معاطف الموقوفين،يشدو أغاني الدم والموت، تتلاحق الضربات والأوامر،لا جواب تحت إبط الركل ،( ارقص يا ابن القحبة ارقص)، كلمات قاسية تطن في الأذان، بالصمت يخيط الدمار المنبلج من الأحداق، وساعة الحشر على بعد خطوات، وملائكة الرب في عطلة مفتوحة، الركل، الخنق لا ينتهي، مد وجزر بين جلاد يهدي بلعاب الرجولة والاستقواء بالمنصب وضحية شفاهه تقيحت من الحلم بالثورة.
النوم عاكسه في الليلة القاسية والمرعبة، يتهادى في الأشلاء عويل من نبضات الترقب، يسمع وقع الأقدام وصرير الأبواب، يجري الدم في العروق بقوة وترتفع دقات القلب، نبضات القلب تسمع عن بعد، رعشات حادة تلبسه من اخمص القدم إلى أرنبة الانف، الساعة تقارب الواحدة صباحا، الارتياح يزحف على المخيلة، ارتياح مشوب بالحذر والترقب ، فكر أن الجلادون قد لا يأتون هذه الليلة، الأبواب الثقيلة تفتح ، شرطي لم يبق منه سوى هيكل عظمي،ينادي على سجين بالزنزانة المحاذية، يعالج الباب بقوة، كل حركة يقومون بها عقاب من نوع خاص، أولى الدروس في الانتماء إلى الجهاز الأمني، على الإنسان أن يشعر بالرعب والخوف طيلة فترة الإقامة في مسالخ الوطن الجريح، فكر أن إعادة فتح الباب بعد دقائق فان السجين جاءته زيارة عائلية، إذا غاب السجين طويلا يعني انه سيق للمسلخ ، تنتظره عرس العذاب، حفلة جهنمية لا تنتهي ألا بالحصول على ما يريدون واكثر مما يريدون على طبق الاعترافات، المفاتيح تعالج الباب بعد خمسة دقائق تقريبا، بصيص أمل تسرب إلى الحوباء باهتا مشوب بالترقب والرهبة، تمنى في قرارة النفس الأمارة بالوهم أن تدور عقارب الساعة بسرعة جنونية، أن يتوقف الزمن في هذه اللحظات العصيبة.
الجلادون ينامون في أسرة ناعمة، بعدما أخدوا حمامات دافئة، ربما ينامون في أحضان العاهرات، يفترشون الأجساد البضة، يشربون أنخاب الانتصار على القوم الثائرين على الفقر والتهميش والحلم بحرية أوسع، على جميع الحالمين بمدن فاضلة وحياة تسود فيها العدالة الاجتماعية،خمر من النوع الجيد هدية من مروجي الخمور بدون ترخيص في الأحياء، حماة القانون هم خارقوه.
في اليوم الثاني في حضرة الجلادين تم اعتقال ثلاثة شبان يدرسون في قسم البكالوريا، وجدوهم يمارسون الجنس على امرأة متزوجة بمهندس، أية في الحسن و الجمال ، ضبطت متلبسة تفتح الحوض للشباب، في الليل يسمع نحيبها المتقطع ، يسمع صرير الأبواب تفتح وتغلق، تناوبوا على الحوض عنوة، الخوف جعلها تستسلم لحماة الناس، هؤلاء ليسوا بشرا انهم مسخ يجب أن يوضعوا مع عتاة المجرمين، يفترش الإسفلت المبلل بمخاط الاستجواب، البرودة اللعينة تأكل لحمه، يتوسد الحذاء النتن ويغرق في بركة النكوص، المصارين تبقبق ، تذكر انه لم يتذوق رائحة الطعام مند الأمس ، لم تعد له شهية، رغبة عارمة في التدخين تستبد به ،رغبة أكيدة أن يفني الجسد المتورم المليء بالكدمات في سحابات الدخان المر، يلتقط أعقاب السجائر المرمية قرب المرحاض الذي تطلع منه رائحة مغثية، لم يعد يخجل من العيون المتلصصة على المؤخرة، بدوره يرمق مؤخرات الآخرين وهم يمارسون حقهم الطبيعي في التبرز والتبول دون حرج ولا لعنات من الناظر والمنظور، الضرورات تبيح المحضورات، إذا عمت هانت، هكذا يقول فقهاء وتجار الدين، الرائحة الكريهة لم تعد تستفزه وتغثيه، ربما مع الأيام ستألف العظام الصعقات الكهربائية والخنق بمنظف المراحيض والتعليق فوق الطيارة...
في المخيلة يستجمع قواه ويقرر تحمل المزيد من التعذيب، مزخرف بطرقات الوصول إلى الله، ضحك في قرارة النفس الإمارة بالسوء، الله لم يكن ابدأ حاضرا في وعيه، صهيل الشدائد والمصائب تعيده إلى الإيمان والكتاب المقدس، الدين أفيون الشعوب،رأي ينفخ في الرئة الحرية المشتهاة في ساحة مكتظة بالتناقضات، يركل أكاليل النار والجنة ويزيح عن الوجه تكشيرة الأساطير، تهاوى في رمشة عين حطب أحلامه، على تخوم المسلخ يتهامس الجلادون، التهديد يرغي في محطات الجثو على ركب العناد ، الأصعب في كل شيئ البداية وقد قطعها بنجاح، الدماء على الوجه تخثرت، كدمات المعاصم اسودت، باقي الموقوفين ينظرون إليه بخوف شديد، لا يدري إن كانوا يخافون عليه أم يخافون من المصير الذي ينتظرهم في المسلخ أم يخافون منه.

- لن اعترف لو قطعوني إلى ألف قطعة والقوا بها للكلاب... هل يعترف بشيء لم يفعله .

هكذا قال له الشاب الموقوف الذي وجده متكورا على نفسه داخل الزنزانة في أول يوم من القبض عليه من داخل المنزل ، اقتحموا البيت الأمن والمسالم بالقوة، رفسوا الأب والأم الإخوة، احتجزوهم في حجرة تحت فوهات البنادق، الدهشة والخوف تركبان الوجوه، تسافر بمآقي الدمع إلى مدارات الآلهة لترويض صهيل الصدمة، ، حملوه إلى السيارة الموشومة عاريا إلا من التبان، تحمل جميع أنواع عذاباتهم وأساليبهم الوحشية، يستمد قوته من إصراره وعناده، يفتخر بكونه الجاني، اللعين افتض بكارة شابة في مقتبل العمر، استباح الجسد النضو عشرات المرات، يتسلل إلى بيتها مستعينا بالقفز فوق السطوح في جنح الظلام، اللعينة تترك الباب مفتوحا وينسل إلى الحجرة، يعاشرها معاشرة الأزواج، حين يسمع صياح الديكة يغادر في هدوء، دبت الحياة في الأحشاء، شعر بالخوف والاضطراب ولفظها مثل الجيفة، لا يمكن الزواج من شابة فتحت الحوض لأول عاشق تستقبله خلسة ، تذكر أن مستقبلك سيضيع ستصبح ملفوظا منبوذا من الأهل والمجتمع ،بهذه الكلمات يداوي أيام المحنة، لكنه يحترس من كل موقوف، البوليس يدس المخبرين بين الموقوفين لجمع الأخبار ، فكم من شخص ذبحه لسانه ، سقط في فترة زهو وانشراح والثقة العمياء في الآخرين.
ترمد عقب السيجارة في اليد، الأصابع بدأت تصفر، مقرفص على الإسفلت، يدس الرأس الثقيلة والمشوشة بين الرجلين، لم تعد تستهويه ثرثرات الموقوفين، حاول احدهم استدراجه في اليوم الثاني، أسئلة كثيرة ومتنوعة مطرقت الدماغ ، الحذر مطلوب في الوطن المخصي المليء بالمخبرين، المدينة اللعينة يتخرج منها أفواج من المخبرين والقوادين ينقلون الأخبار إلى الأجهزة السرية والعلنية، عرف فيما بعد أن البوليس اهتدوا إلى المنزل بسبب مخبر صغير لا يتجاوز عمره عقدا من الزمن ،قالت له الوالدة أن ولد الرحمانية ارشدهم ، طرقات قوية تكاد تنزع الباب الخارجي، فتحت الأم ،اندفعوا إلى الداخل، سقطت الأم أرضا وظلت مشدوهة، مرعوبة تبحلق في الزوار المجهولين، يرتفع من الأرض ببضعة سنتيمترات، صاحب العصا يشده من التبان، تنفلت الخصيتين ،تتدليان، تتأرجحان في الهواء الطلق ، كبل الأيدي وراء الظهر في لمحة البصر، الأساور تطقطق كابسة على المعصمين، تجمهر سكان الحي، بعض الوجوه يعرفها، أخرى جاءت للفرجة والتشفي، صار في تلك اللحظات الحرجة والعصيبة قردا في ساحة عمومية والشرطي قرادا، حافظ على الهدوء، لم يحتج ولم يثر، كان الأمر لا يهمه، كانهم اصطادوا شخصا آخر، أهي الحرية التي اجهد نفسه بالبحث عنها ولم يجدها التي جمدت الحركات وردات الفعل، طيور عديدة سلبها الحرية، حبسها في أقفاص صغيرة، هي التي تعودت على الفضاء الواسع، فضاء اكبر من الأقفاص ومن المياه الموضوعة بعناية في قارورات، جاء دوره ليشعر بطعم فقدان الحرية.
دفعه الشرطي الغليظ داخل السيارة الموشومة،سقط بكل ثقل على الوجه، جرح صغير في الشفة السفلى النازفة، الدم مالح ينزلق إلى الحلق الناشف، ما أقسى العيون التي تحاصره، ما أقسى نظرات الأم الباكية، ما أقسى نظرات الأخوات والإخوة وما اتعسهم في هذه اللحظات العصيبة، ما أقسى العيون الخبيثة التي تحاصره، يركز النظر في الشرطي الغليظ ، ما اكبر الجثة وما أصعب واقبح المهمة،يدخن بشراهة سجائر شقراء بتلذذ، ينفث الدخان من منخريه التي تطل منها شعيرات بيضاء ، مدخنة فران الحي الذي يقطن فيه، يراقبها تنفث الدخان يعانق الفضاء الواسع، عناق متوتر، صاحب الفرن الأعرج يدخن الكيف ، يسحب عود مزخرف طويل ، يسحب محفظة صغيرة، يحشو محبرة من طين ( شقف) يملأه بالمسحوق الأخضر المعد سلفا، يضرم النار ويسحب نفسا عميقا،حين يشعر بالنشوة يغازل المتزوجات والمطلقات والفتيات الصغيرات، يشتهي جميع الأفخاذ، الأسنان سقطت منه والباقية مسوسة متفحمة، لأول مرة تتسرب إلى الحوباء رعشة خجولة، أراد مقاومتها حتى لا ينكسر ويتسرب الضعف إلى المسام، لم يستطع الصدمة أقوى من الكبرياء والصلابة، انزلقت دمعة دافئة متكورة على صفحات الخد، شقت طريقها وسقطت على الفخذ العاري، لحقت بها دمعة أخرى، دمعات متلاحقة ، عبرات حارقة لم يعد قادرا على حبسها، تذكر في قرارة النفس المضطربة انه لم يبك مند أعوام، مات العديد من أفراد العائلة حضر الجنازات ولم يبك، ماتت جدته المقربة لكنه لم يسكب دمعة واحدة، مشاهدة حزينة مؤثرة لا تحرك الدواخل، الدموع منه متحجرة، حتى عندما يجلده الأب بعصا الزيتون كانت الدموع والصرخات مقلبا ليخلي سبيله، اللعنة على كل الآباء إذا كانوا مثل أبوه، يرمقه مكشرا على أسنان صداة، السيارة الصندوق تهتز، الدور تنسحب إلى الوراء في عبوس ظاهر ، من خلال المخاوف والدموع، ابصر الأخ الصغير يفتح طريقا بين الجموع الغفيرة التي تقف متفرجة على الشيطان الرجيم، يلاحق السيارة الموشومة، تمسك بالجانب الأيسر، لم يستطع الاستمرار في الركض ومجاراة إيقاع السيارة ، السرعة ارتفعت،لوح باليد في الهواء مودعا، لاحت أمامه صورة الأم المريضة باكية، تجلس أمام الباب الخارجي تندب الحظ التعس، سيرتفع لديها ضغط الدم، ستبكي وترضخ للأمر الواقع، فكل ما يحدث وسيحدث هو اختبار من الله.

- إنها العين أصابتنا

تذهب عند المشعوذات والفقهاء يكتبون لها التمائم، يستطلعون المجهول، تحرق البخور وترش الحجرات بمحلول مطلسم، جميع المحاولات باءت بالفشل، الأب طرق أبواب كثيرة لكنه فشل، القضية خطيرة وصعبة، بهذه الكلمات العنيفة والقاسية يتم ردعه،بعض مفتشي الشرطة استقبلوه مرة بأدب ولباقة، حين فتشوا في أسباب الاعتقال أمروه بالانصراف ، القضية اكبر منهم ،الابن متهم بالتامر على الملك ،ينتمي إلى جماعة مخربين، ينشدون الثروة والانقلاب على النظام القائم، أمره شرطي أن يترك الملابس التي احضرها والانصراف، احضروه من الزنزانة عاريا إلا من التبان مرتجفا،يفرك العيون بشدة ليتآلف مع شعاع الشمس المطل من النوافذ ، هزيل شاحب الوجه ،راقبه الشرطي يرتدي الملابس بتواده.
أخذ الحزام، خيوط الحذاء، الدراهم التي دسها الأب في الجيب، قيد اسمه في دفتر كبير، وضع أصابعه في صفيحة مداد اسود، طبع البصمات على الورق تماما مثل اليوم الأول، دفعه أمامه في الأدراج حاملا رزمة المفاتيح التي تصدر رنينا خاصا، يفتح الباب الأول والثاني والثالث صف طويل من الزنارين بكوات بها ثقوب صغيرة، اغلب الكوات تضرب في الحائط، ثمة نساء في الزنزانة الأولى، الأبواب مشرعة،ربما مومسات ضبطن في بيت من بيوت الدعارة المنتشرة في المدينة ، فكر لماذا لا يغلقون الأبواب على النساء، ربما لان جرائمهن عادية ولا تستدعي الحذر أو لربما غير قادرات على الهرب أو التفكير فيه، بينهن فتاة في العقد الثاني تقريبا، جميلة وأنيقة، صدرها كبير يلفت الأنظار، الحمامات ترفرف عند كل حركة لتعلن رقصة الحياة، تتحرك بنعومة وترفع دون أن تدري آذان العشق، ستمطر الليلة لا محالة ، الشرطي يلتهمها بالعيون، فتيحة الجارة اجمل منها بكثير، ترملت في العقد الثاني ونصف العقد،ترك لها الزوج بعض العقارات وثلاثة أولاد اكبرهم لا يتجاوز السبعة سنوات،التقى بها صدفة في موسم التبوريدة، طلقات البارود ورقصات الشيخات تستقطب المتفرجين، لا فارس يزمجر بفرحة الانتصار، شاهدها تجر الأولاد تتفرس في الوجوه كمن يبحث عن شيئ ما، لعق الشفاه ، اعترض طريقها ،راودها عن نفسها، امطرها بكلمات الغزل، امتنعت في البداية، أمام الإلحاح والمطاردة والثناء والكلمات المنتقاة بعناية، أذعنت وفتحت باب القلعة الموصدة، صار عشيقها، يتسلل إلى البيت في غفلة عن العيون، تستدعيه ليصلح مصباحا ، تركيب قنينة الغاز، إعطاء دروس للابن وشرح بعض المعادلات الرياضية، يعرف أنها تحتاج إلى لعبة الفراش، فتيحة السوسية تزوجت في سن مبكرة باختيار الأباء الذين رأوا في الزوج مستقبلا مشرقا، مات شريك العمر في حادث مروري،في كل اللقاءات تبوح بأسرار النهار، الموج يشبهها في وثيرة الخفقان، الصغار تعلقوا به اصبح أبا ،يلعب لعبهم ويطاردهم في المنزل الكبير،الحي بكامله يعرفون علاقته مع فتيحة السوسية،اعتقد في أول الأمر انه احبها، مجرد وعاء للتفريغ مثل الكثيرات ، فتيحة سخية لا تقيم وزنا للمال تنفق بغير حساب، حين تزورها العائلة تظهر استقامة لا مثيل لها، تمثل دورة الزوجة المنكسرة، تنفحه كل شهر مبلغا ماليا لشراء السجائر، في احد الأعياد الدينية استدعته وطلبت منه مرافقة الابن البكر إلى السينما، هم بالانصراف دست في اليد ورقة نقدية ثمن اقتناء التذاكر وأشياء أخرى، ترى فيه زوجا فقدته ويرى فيها نزوة عابرة، بعض النسوة حذرنها من شره وغدره، لكنه اثبت العكس عاملها برقة وحنان زائد، حين انتقل إلى الجامعة تباعدت اللقاءات، لم تعد تطيق الانتظار ربطت علاقة مع جزار الحي، الفت اللهو على دبدبات القشعريرة، تنفست في أول اختبار للحب أبجديات الخيانة،تلاقت النظرات وفتشت في الفؤاد عن مقاسات ابتسامة .

- كيف الحال...؟
- بخير والحمد لله
- كيف حال الأولاد....؟
- انهم يفتقدونك

دعته للدخول بعيون مستعطفة، تحجج بالدروس والامتحانات، فهمت أن طريقهيما لن تلتقيا مرة أخرى على فراش المتعة المحرمة،تزوجت من الجزار لكن الزواج فشل قبل أن يكمل عامه الأول، الجزار سكير طماع أراد الاستيلاء على الأملاك ولم يفلح،زارته مرة في الدار البيضاء محملة بالمأكولات والمشروبات وبعاطفة جياشة،أخته الكبرى عائشة مكنتها من العنوان،طرقت الباب واستقبلتها صاحبة المنزل بما يليق من الترحاب،رآها فسقطت منه جعبة الكلام،تلعثمت قدماها في الأدراج، امسكها بخفة، حين أفردت الأشجار أغصانها في جنح الليل أشعلت ثورة في المسام ،أيقظت في رحم الوجدان طفلا تعلم أدبيات الحب في المواخير، ألقى على مسامع الهضاب همسات الحنين ،دوي القبلات يزيد الالتحام اشتعالا،آهات تزف بشرى ولادة في بيت عاري ألا من سرير وعشرات الكتب والمجلات العلمية، ودعها في محطة الحافلات وعيناها مغرورقة بالدموع.
في الليل يسمع نحيب المرأة ، زوجة المهندس الناجح، ألقى عليها مرة نظرة خاطفة ، جميلة، ذات قوام رشيق، يشتهيها اغلب الرجال، ومن خلال الأحاديث عرف أنها أغرمت بشاب في عمرها، أغرته بالهدايا والمال، صار عشيقها السري يتسلل إلى المنزل يضاجعها في غياب الزوج المنشغل بجمع المال وتقوية المركز الاجتماعي،بعد فترة بدا العشيق ينسحب خوفا من افتضاح الأمر، خصوصا أن الزوجة الخائنة أصبحت تلاحقه في الثانوية حيث يتابع دراسته في قسم البكالوريا ومحل الإقامة،في تلك الأثناء اغتنم صديق العشيق الفرصة وبدا يراودها عن نفسها، صرفته وهددته، لم يحفل بالتهديدات ولم يستطع مقاومة الرغبة الجامحة في النهل من الحوض، طرق الباب ذات صباح متسلحا بالشجاعة، أدخلته وتركت الباب مفتوحا، بدا يتحرش بها متغزلا في جمالها الأسر للقلوب، حاول جرها إلى السرير، صدته بقوة، اسودت الدنيا في العيون الملتهبة، شعر انه لا يساوي شيئا ،بدون قيمة أمام امرأة فاجرة تفتح حوضها لزملاء القسم،انقض عليها، قبلها في الفم في العنق، غرست الأظافر في الوجه،اشتعلت الوجنة بصفعة قوية، هوت على الأرض، أطلقت صرخة عالية، تسللت من الحجرة ثقبت الجدران والنوافذ، تقاطر على المنزل عشرات الرجال والنساء، اقتحم بعض الشباب المنزل والقوا القبض على الشاب، حضرت دورية للأمن وصفدته.
كل ليلة يسمعها تبكي بحرقة والم مهيض ،حتى في الزنزانة لم تسلم من المضاجعة، بعض مفتشي الشرطة وشرطة المداومة يتسللون الواحد تلو الآخر استجابة للنزوة الطائشة، غير قادرة على قول لا، التهديد بإدخالها عارية إلى زنزانة انفرادية مليئة بالقاذورات البشرية والحشرات والفئران، تنتحب بصوت يمزق نياط القلب، ربما نادمة على سقوطها فريسة سهلة للنزوة العابرة،تحولت إلى مومس في الداخل والخارج،امرأة غير سعيدة في الحياة الزوجية ارتكبت الأفدح وتدفع الثمن من لحمها، هناك فتيات عانسات يبحثن عن زوج وبإمكانهن شرائه بالمال.

- إن جذورها مسقية بالفساد والخيانة

هكذا علق احد الموقوفين بسبب السكر العلني والفوضى في الشارع مصغيا لقصة العشيق، الكسير يتحدث بصوت مرتفع مثيرا السخرية والضحكات، سخر الأمن ،رفضوا اعتقال صاحب الخمارة، سخر من تهمة السكر العلني لأنه احتسى القنينات داخل الخمارة، انه قانون الزفت واللفت ، ترمق العشيق يفترش أفرشة صوفية دافئة، العظام منه باردة، أوراق الكارتون لا تحمي من البرودة، الرأس تؤلمه بفعل نتوءات الحذاء النتن الذي يتوسد، يدخلون للعشيق المأكولات الجيدة وسجائر شقراء، يفرغ مثانته في الزنزانة المجاورة، بطرقة واحدة على الباب يستجيب الشرطي، حتى في المخافر توجد فوارق اجتماعية،ما معنى أن تدخل اغطيه صوفية ومأكولات متنوعة ولذيذة إلى الموقوف، من ادخلها ولماذا...؟ من ادخلها قبض عمولة أو لان العشيق ينتمي إلى أسرة ثرية، اللعنة على هذه البلاد التي لا تقيم وزنا للإنسان إلا كان ذا مركز اجتماعي مرموق، العشيق يضحك باستمرار غير مهتم بالمصير الذي ينتظره، صديقه الذي فضح أمره و الخائنة عابس، يلبس جلبابا صوفيا ثقيلا، ملامحه وحركاته تظهر انه بدوي،ربما نادم على فعلته التي ستقوده إلى السجن،لأنه اعتقل قبل أن ينال المراد، أن ينهل من المحرم ليثبت ذاته.

- لا تخف سوف نخرج

يرمقه خلسة، حاجباه كثان، عيناه اكثر سوادا، يكبره بسنتين تقريبا، قوي البنية يقارب وزنه الثمانين كيلوغرام،يبدو نحيلا أمامه،هزيل شاحب الوجه، عظام الصدر بارزة، يعدها الواحدة تلو الأخرى،القسوة تكمن في الأشواك الجافة وليس في تلك الخضراء صدق صاحب فرن الحي، يلوي العنق إلى الأسفل، سوء التغذية ومعاملة الأب القاسية، أي عمل قبيح تأتيه يجازى بالضرب ، عصا الزيتون في الانتظار دائما، إنها عصا الجنة كما يقول دائما، لا تفاهم لا حوارات لا أسئلة، العصا لمن يعصى، عنف يزيد من جرعات الحنق على الوضع الداخلي والخارجي ،شجارات عنيفة مع أبناء الجيران ، تصل في أحايين كثيرة إلى إراقة الدماء، عندما اشتد عوده، يهرب من الدار والحي، يتسكع طوال النهار، تبتلعه الدروب وتتقيؤه مثل طعام عسير الهضم، في الليل يتسلل كاللص إلى داخل البيت، دائما يجد الشيطان في الانتظار،يبدأ العرس المحموم ولا ينتهي إلا بإراقة الدماء، اللعنة على كل الآباء إذا كانوا أقسى من أبوه الذي ينظر إلى الأبناء نظراته إلى فردات الأحذية التي تحتاج إلى الغراء والمسامر و المطرقة والسندان لتستوي.
تمر السنوات متلبكة عسيرة محملة بالسام والقنوط، التمرد يزداد ويكبر الحنق على الأشياء المحيطة ،ترتفع معدلات العناد والشراسة، التذمر من الحياة التي يحياها ويكبر الفوران الداخلي، خصومات تزداد وكذلك السطوة والرعونة على الحي، العراكات وتبادل الضرب تضطره إلى المبيت في الخارج، غالبا يقضي لياليه في عربات القطار المعطلة أو في الدور المهجورة، يدخن الكيف ويحتسي كؤوس الخمر.
يتذكر أول مرة دخن فيها سيجارة شقراء، كان ذلك أثناء لعبة ( العيطة) نوع من القمار يمارسه اغلب الشباب في الأحياء، امتدت اليد إلى سيجارة أهداه إياها رفيق الحي، السجائر الأولى كانت هدية حين اصبح التدخين عادة وإدمانا ، اصبح طلب سيجارة يقابل بعبارة ( سير شريه) لعنة الله على المدخنين، بدا يدخن في الأماكن البعيدة خوفا من أن ترصده العيون المتلصصة، حين ينتهي يمضغ الورود حتى تختفي رائحة التبغ، مع الأيام صار التدخين داخل الحي بدون خوف من مباغتة الأب القاسي والعنيف،التدخين يؤكد لأقرانه انه اصبح شخصا خطرا يجب الاحتياط وعدم الاحتكاك به، قسوة الأب والزمان وأشياء أخري حولته إلى وحش مهاب من الأتراب، بسط نفوذه في أحياء مجاورة، لم يعد الشباب الأكبر سنا ولا الأصغر قادرين على شتمه بلون بشرته السوداء،لقبوه بعنترة ابن شداد ليس بسبب فحولته وشجاعته وسط القبيلة وقوله الشعر بل بسبب سواده، ثم ما لبث لقب عنترة أن اختفى وحل محله لقب كافور ، وكانت قصيدة المتنبي الشهيرة ( عيد بأية حال عدت يا عيد... بما مضى أم بأمر فيك تجديد) التي يهجو فيها كافور الاخشيدي لأنه نكث بوعده ورفض تمكينه من إمارة ،سبب ظهور اللقب الجديد، لكن لا احد يجرؤ على رميه في وجهه، فالشباب والأطفال يتجنبون الاحتكاك به، صار عنيفا سريع الغضب لا يسيطر على التصرفات، ينتفض لأتفه الأسباب، ذئب مستعد للفتك بأول نعجة ضالة عن القطيع.

- باليماكو، العنطيز، العزوة ،عنترة، كافور ، العبد، الغراب، بلال…؟

القاب وشتائم لازمته مثل الظل طيلة سنوات، في الصغر لم يحتمل الشتائم والانتقاص من شخصه بسبب سواد البشرة، أن تولد بلون اسود وسط الجهلة معناه أن تعيش على الهامش، السواد جريمة في الأحياء الهامشية ، مصدر تطير النساء والأطفال ،صار يحقد على العائلة التي خرج من صلبها، يحقد اكثر على الأب الذي لا يرحم، يفجر غضبه في الجميع ،كل نظرة إلى المرآة في الصباح تزيد من تعاسته، أينما حل وارتحل يحمل الجرح، يقرا في العيون تبرما، استهزاء وتهكم زائد، مع الأيام ابتعد عن الجو العائلي، يشعر بالامتعاض والقرف حين يمعن احدهم النظر في ملامحه، إخوته ليسوا بسواده، انهم سمر بملامح جميلة، قالت له الأم يوما انه يشبه جده الكبير، وانه يحمل اسم الجد الذي عاش يحفر الأبار والقبور ويفهم في غرس الأشجار والخضر في البساتين ، وورث ابنه ذات الحرفة ليرتها ابنه أيضا لكن والده سطر لنفسه مستقبل آخر بفعل الجفاف وقلة التساقطات المطرية وتحول إلى إسكافي يتفنن في تسوية الأحذية، إنها سلسلة متماسكة من استعباد الطبقة الفقيرة، ابوبكر اسم الصحابي الجليل ابوبكر الصديق أول الخلفاء الراشدين واحد الصحابة العشرة المبشرين بالجنة وكان من أغنياء قريش في الجاهلية بويع بعد وفاة الرسول،لم يكن من أغنياء الحي ولا سلالة حكام ،مجرد عابر سبيل في الحياة الملغزة.
أسبوع كامل ينام في عربات القطار ، يقتات على الطيور التي يصطادها والخضر التي يسرقها من سوق الجملة القريب من الحي،ينهض قبل شروق الشمس يتجول في أطراف المدينة يسطو على كميات الحليب والخبز وصفائح الياغورت الذي يتركه الموزعون أمام الدكاكين، تعلم طهو المرق في علب السردين الكبيرة، الحاجة أم الاختراع والجوع احسن طباخ.
الأب يتردد باستمرار على منزل الشباب الذي شدخ راسه بحجر لأنه دهسه بالدراجة الهوائية حين فقد الفرامل، يلف ضمادة على الرأس، يطلب منه التنازل عن الشكاية خوفا من الاعتقال من طرف الشرطة، بعض الأصدقاء يأتون بالأخبار والتفاصيل وما يجري ويدور في الحي.
انفتح السكين في اليد بحركة بهلوانية سريعة،تهوي بكل خفة على اليد التي تقبض على العنق، تمنع من التنفس، لم ير أي شيئ ، اظلمت الدنيا في العيون، الغضب يعصر الأوصال، العرق يتصبب دافئا من الإبطين والجبين، يود نهش كتلة اللحم التي أشبعته لكمات وركلات مؤلمة، الفم يقطر دما، ملابس متسخة، تراجع إلى الوراء، يشد اليد الجريحة، تمزق الثوب واللحم، بان الشحم، الهزيمة يعني نهاية السطوة وهالة الاحترام على الأتراب خارج الحي وداخله، هالة شيدها حجرا حجرا عبر السنوات، بعض الأصدقاء يتفرجون، ينتظرون السقوط مثل الجيفة، في الأعين يقرا الارتباك الواضح المقرون بالدهشة، صرخات تعلو( امي قتلني)، أطلقت الساقين للريح، يستعيد ضربة السكين الحاد وصرخات الشاب الثخين لا تزال تطن في الأذنين.
جاء الفرج في ذلك الصباح الصيفي ، تنازل ابن مدير البنك عن الشكاية، لم تصدق في الأول أن الفرج جاء على ظهر توسلات الأب، ابن الشوافة عبد الهادي جاء بالخبر اليقين، اختفى الشاب الغليظ عن الأنظار، الهزيمة والضربة المركزة جعلته يلتزم الصمت ويحترس، يجتر الهزيمة خجلا بعيدا عن الحي، كيف لصاحب اكبر جثة أن يهزم نحيفا يتدرب باستمرار على فنون الحرب والقتال، أفلام الكراتيه تستهويه، بروس لي بطله المفضل والدائم، جميع الأفلام شاهدها واعجب كثيرا بالبطل النحيف الذي يتفوق على عشرات المجرمين بالضربات المركزة بالأرجل والأيدي الفارغة.
بعد أسبوعين من الاختباء والتسكع ونهب أرزاق الآخرين يستطيع الاستحمام والنوم في المنزل،لا حاجة بأوراق الكارتون،الملابس متسخة رائحة العرق والحموضة والدخان المر تزكم الأنوف، كل شيئ سيتخلص منه، لكن الشيء الأكيد أن الذي ينتظره في البيت شوطا آخر من التوبيخ و الضرب المبرح واللعنات، لربما احضر عدة عصي من شجرة الزيتون القريبة من الحي، كم كرهت تلك الشجرة المقدسة، وددت في مرات كثيرة قطعها بالمنشار اشعل فيها النار، صفيحة بنزين كافية لتموت واقفة ،لذة التسلق تمتزج بكراهيتها،يعشق تسلق شجرات التين، يطلع فوق السطح ويرمق أطراف المدينة البعيدة، ما اجمل أن يرتفع الإنسان عن الأرض، شعور غريب يهدهده من الداخل، تمنى لو كان في بيته سطحا أشبه بنطاحات السحاب التي يشاهدها في الأفلام، ليسرح البصر إلى ما لا نهاية،صعب أن تتحقق النوايا الداخلية للبشر ،تصطدم العيون بالجدران الكئيبة والباردة ، خربشات على الحائط ، أسماء وتواريخ من مروا من الزنزانة، أبيات شعرية مكتوبة بالعامية ( الحبس ولبرودة اشيبو لقرودة ) قراها عدة مرات ربما الذي كتبها يرتاد الزنازن باستمرار ويعرف انعكاسات البرودة والسجن على الصحة البدنية والعقلية، في الحائط المقالب ثمة عبارة تحذر من الاقتراب ممن النار ومعاشرة المخزن( واياك تصاحب المخزن والعافية) حكمة فيها ما فيها من تحذير ذكي،حكى له جده حكاية عن شاب تقرب من المخزن عكس ما حذره من والده، ربط علاقات قوية من اكثر من شخصية، وأراد أن يختبر حكمة الأب، قام بذبح خروف، وذبحه في الخلاء، لطخ الملابس بالدماء دخل على الزوجة واسر لها ارتكابه لجريمة قتل، أسرعت الزوجة إلى الشيخ والقائد أصدقاء الزوج المقربين وأخبرتهما بجريمة الزوج، اعتقلاه في الحين بدون تردد، حفرا القبر ووجدا فيه خروفا.
فوق ثقب المرحاض العاري كتابة بالدم أو بالقاذورات البشرية مند زمان، كثيرا ما تجد كتابات بالغائط في المراحيض العمومية،حاول فك رموزها لكنها باهتة ومضطربة،على الباب الحديدي الثقيل والضخم، رسم كامل لشابة عارية ، في ثوب حواء بدون ورقة التوت ،النهود تتدلى بصخب تغطي البطن، الشعر منسدل للوراء ،شفتاها تفتر عن بسمة ماكرة، العيون واسعة معاتبة، من رسمها وكيف وبماذا ولماذا...؟ ربما لان افتقاد الحرية تدفع المحروم إلى الاجتهاد والتعبير عما يعتمل بالحوباء ، إنها طريقة لتفريغ المعاناة والحرمان ، لربما الرسام احب شابة وتنكرت له ، ولم يعد يراها سوى عارية بدون قيمة ، ربما يكون دخل السجن بسبب امرأة ،النساء سبب المصائب ( ان كيدهن لعظيم) الكتب المقدسة تقول الحقيقة.
في اليوم الخامس اصطادوا مجموعة من الطلبة الأصدقاء، اسمعهم يتنادون في الزنزانة الملاصقة ،ربما يظنون انه الواشي ، لا يعرفون انه تحمل كل أنواع التعذيب طيلة المقام ، خمسة أيام من القمع والشتم والسب والتهديد بالاغتصاب ، الجسد لم يعد منه، كل ليلة يدخلونه إلى المسلخ ويخرجونه شبه ميت، يحمل مثل كيس إسمنت ويلقى على الأرض القاسية، عيون خائفة تتفرج ولا تنبس ببنت شفة، الخوف يلبس الجميع، نعاج تنتظر أن تساق إلى المسلخ، حين يفشلون في انتزاع اعترافات تحت التعذيب يتبادلون النظرات، الفشل يربكهم الواحد تلو الآخر، في عيون الرئيس انهم بدون قيمة ولم يعودوا قادرين على البدل والعطاء، حميد الصحراوي يسب العالم ويجذف على الله، لم ير في حياته أوسخ و اقبح واحقر منه، مفتش شرطة يستمتع بتعذيب الآخرين، رائحة الخمر تضرب منه ،مستكرش من الأمام والوراء والقفا.
الحمى الملعونة تفتت عظامه، تقيا عدة مرات خيوط من اللعاب اللزجة أشبه بخيوط العنكبوت، البطن فارغة المصارين تعزف موسيقى حزينة، الأسنان تصطك، الرأس تكاد تنفجر، طنين خبيث في الأذنين، نام تلك الليلة دون حركة، في الصباح أفاق على الشرطي الجديد، يعد القطيع ويرفس بالحذاء العريض المستغرقين في النوم ،يسب العالم و الله ويلعن الخدمة البائسة، الشرطة يفضلون قضاء الساعات في الطرقات يقبضون الإتاوات من الحافلات والشاحنات والطاكسيات الكبيرة، أن تأتي مخالفة طرقية أو لا تأتيها عليك بالدفع ،ثمة قفاشات كثيرة عن رجال الشرطة الذين يقبضون الإتاوات، واشهر تلك القفاشات أن ثمة شرطي حديث العهد بالعمل أخبروه بوجوب طلب المال أو شيئ من الحمولة، لم يجد مع السائق مالا وطلب منه أن ينزل جملا من الشاحنة،التهكم من المعاملات القاسية سلاح الابرياء في مواجهة الظلم.مرة رأى صاحب العصا السوداء يمسك بتلابيب بدوي يتبول في الحديقة العمومية، هدده بالحبس، ضرب البدوي يده في الجيب وسحب ورقة نقدية حمراء ودسها يدي المخازني واخلي سبيله، الورقة الحمراء أشبه بالبطاقة الحمراء يسحبها حكم المباراة من الجيب تخرج اللاعب الذي ارتكب خشونة في حق لاعب اخر.

- الله يعفو عنكم وعنا في هذه الحياة

الصفريوي شرطي شريف ونزيه يتعامل بإنسانية مع الموقوفين، لو كان جميع البوليس محترمين ودودين مثله ماذا سيحدث... ستكثر الجرائم والجنح والمخالفات، يكثر النهب والقتل وتزداد سطوة الضعيف على القوي، تطبيق القانون وعدم تجاوز المسموح به.
مرمي على الإسفلت مثل سمكة نافقة لفظها البحر، ينثن، يتعفن، يتقمل، الأظافر تكبر، بينها وبين اللحم علقت الأوساخ، يحك باستمرار الجلد المدبوغ،لم تعد النظافة تهمه، الهم الوحيد في هذه اللحظات العصيبة المحضر الذي أعدوه سلفا، الوطن يغلي بالحركات الاحتجاجية،خرجت الانتفاضة الشعبية من المدارس، مورس في حق التلاميذ قمع وتنكيل من طرف قوى الأمن والجيش رغبة في إخماد الانتفاضة في المهد، القمع جاء بنتيجة عكسية و التحق طلبة الجامعات بالشكل النضالي العفوي مما زاد من إشعال فتيل التمرد على الجاهز والمتكلس، مطالب بإسقاط النظام ترتفع هنا وهناك، المخبرون يندسون بين الطلبة والعمال، اعتقالات عشوائية من الأحياء والأزقة، الزيادة في ثمن أسعار مواد غدائية أساسية وارتفاع معدلات البطالة تستقطب فئات اجتماعية عريضة للمظاهرات، لعلع الرصاص في اكثر من جهة ،وقع ضحايا في الشمال وبعض المدن الداخلية،أسبوع من التمرد كان كافيا لتتراجع الدولة عن الزيادات ووصف الملك سكان الريف في خطاب متلفز ( بالأوباش).

-وقع ...ألا توقع يا ابن الكلب
- أريد أن اقرأ المحضر أولا لأعرف على ماذا أوقع
- اللعنة الكتب المستوردة من الغرب أفسدت عقولكم

ركلات، لكمات، يسقط من فوق الكرسي، يرتطم بالأسفلت، بصاق يهبط من صفحات الوجه، الصحراوي يضغط على عقب السيجارة بقوة في المرمدة، تحرك من فوق الكرسي، يأمر رفاق المسلخ بالابتعاد، يضع النظرات الطبية جانبا، جميع الحركات التي يقومون بها متعمدة ومدروسة سلفا لإرهاب الموقوفين، يتحرك بتثاقل، ترتعد البطن والمؤخرة، رشاش اللعاب يسبق الكلام.

- الا تريد ان توقع المحضر؟
-…
-هذه المرة لن يقتصر الأمر على الطيارة والتعليق والصعق بالكهرباء… سنضعك عاريا في زنزانة انفرادية… سنجلدك حتى أن امك لن تتعرف عليك.
- امه (ضحكات عالية) إن هذا الكلب لا أم له وان كانت فإنها قحبة

الخصيتين تكاد تنفجر، حموضة تطلع من المصارين، الأعضاء الداخلية تشرئب من العيون، من الفم والانف، شركائي في محاولات قلب النظام مثل الأرانب المحاصرة من الكلاب الشرسة منكمشون ، وقعوا دون معارضة ولا مقاومة،انهم لا يعرفون أن التعذيب والجلد بكل الوسائل لا يساوي قيد أنملة من جرة قلم، اضربه بالقلم ولا تضربه بالقدم.
صوت ينتصب من الشرايين، يرفع الروح إلى ما لانهاية ،يزيد من صلابة الأنفة والعزة والتحدي والصمود في وجه أعتي آلات القمع، بلال مؤذن الرسول جلدوه ليرتد عن الدين ولم يفلحوا، انه ليس جنديا بارعا في اصطياد دهاليز الخيانة، يصرخ من حرقة الأشلاء المتمزقة، ولا صدى للصرخات ، ينتظرون أن يرفع بفخر واعتزاز الراية البيضاء على رصيف الاستسلام المخزي، ستلتئم الجروح وسيصبح التعذيب في خبر كان ، طافت في المخيلة عشرات الصور لشخصيات تاريخية ومفكرين تعرضوا للاغتيال والقمع والسجن/ قابيل قتل هابيل بسبب الصراع على النفوذ ، كتاب اتهموا ظلما وعدوانا بالخيانة لأنهم رفضوا التنازل عن الأفكار التي يؤمنون بها ، طوماس مور اتهم بخيانة الدولة واعدم لتمسكه برايه، الشاعرة السوفيتية آنا أخماتوفا اعتقلت في عهد ستالين واعدم زوجها واعتقل ابنها لكنها لم تستلم وكتبت قصيدتها الشهيرة( قداس جنائزي) التي خلدتها باعتبارها واحدة من ابرز شعراء الحقبة السوفيتية، عشرات العلماء العرب أحرقت كتبهم وقتلوا والبعض تم نفيهم لاتهامهم بالزندقة وتحريف الأيات القرانية، الإيمان الراسخ بالقضية يزيد من العزيمة والإصرار على المواصلة في الطريق الصعبة،لم يهزم طوال عشرين يوما من التعذيب والجوع والبرد ،ماذا سيفعلون اكثر مما فعلوا...؟ جملة تمطرق الدماغ صباح مساء، رأى عيونا لا تشبه العيون البشرية، تجحظ، تخرج من المحاجر، تتدلى على الوجنات ككرات ملتهبة، سمع الأصوات الخشنة تهدد ، ترتفع ، تثقب الجدران والسماء ، تعود على النظرات الثاقبة و الصرخات المتوعدة مند الولادة ، لكن هذه النظرات إنها للعفاريت التي تطلع من وسط البراكين والنيران.

-وقع يا ابن القحبة … وقع الا توقع

ينظر إليه باحتقار كبير، متهورون ذووا السحنات القاسية، يريدون التأكيد أمام زملاء المسلخ انهم متمرسون، أفكار كثيرة تعبر الرأس، رأى نفسه يطير في الهواء، بعيدا عن النتانة والخوف الذي يلبسه بحدة، آهات تصرخ في الأوردة، اندفعت في الرأس آلاف القصص التي تروى عن السجون السرية الرهيبة في الوطن، عن الاختطاف ووسائل التعذيب الجهنمية التي يتعرض لها المعارضون للنظام، الإغراق، الاخصاء، اقتلاع الأظافر، التخدير والرمي في البحر، القتل والدفن في المقابر الجماعية،هناك روايات أكيدة تفيد بإحضار توابيت خشبية ويوضع فيها المعتقلون ويدفنون أحياء في قبور خاصة لمدد طويلة، ما يتركهم أحياء أنابيب التنفس .
اليوم الواحد والعشرين ، امتلأت الزنازن بعشرات التلاميذ والطلبة والعمال والمعطلين،الأغلبية ترحل إلى وجهات مجهولة أثناء الليل، تسمع محركات الشاحنات تزار في الليل، الأقفال تفتح وتغلق، الزوجة الخائنة رحلت إلى السجن بمعية التلميذ الذي اقتحم عليها المنزل وأراد اغتصابها بالقوة، العشيق وبقية الشلة اطلق سراحهم، تمشي وجوه وتأتي أخري، لكل موقوف قضية لا تشبه الأخرى.
في الليلة الأخيرة حلم حلما جميلا، يمشي مبتسما في حديقة مزهرة، أفنان الأشجار ترقص ، العصافير تغرد بروعة، الوجوه باسمة ضاحكة، أطفال صغار يرتعون ويمرحون، أشعة الشمس الدافئة تتسلل عبر الأشجار الكثيفة، وحيدا يجلس على الكرسي إسمنتي متآكل، تائه بالمخلية إلى حيث لا قرار، تمر أمامه مثل حمامة، بشرة موردة، بخطوات واثقة، تبتسم، توزع الابتسامات كمذيعة غبية، استأذنته في الجلوس، شيعها بنظرة خاطفة، انحصر النظر في تلك الهضبة المنذلقة وكاد يختنق، ما اجمل الشفتين ذات الأحمر الباهت، عيناها سوداوان، تبحلق، تضحك، يعريها بنار الخيال الجامح، تمتد اليد في حركة لا إرادية، تحتضن اليد الناعمة المسترخية، باردة يدها، ارتعشت قليلا، حاولت سحبها، ضغطت برفق، ناشدتها في الخيال، استسلمت، لم يعد تبصر شيئا، وحده في الحديقة، الأزرار تنفتح، يطل الثعبان من الفتحة كالسيف في يد الفارس،تدخله، تخرجه، تمرر اللسان، دافئة الأنفاس، أجفلت عندما لامست اليد مستودع الأسرار، انطلق تعدو،الروح تعدو ورائها، العيون تدمع من لذة لم تكتمل، فراشات تمر فوق الجبين بسرعة، مؤخرات تتعرى،تتبرز، فروج تتبول، دقات القلب ترتفع، دوخة خفيفة، ارتج الباب، الشرطي الشرس عبد الله الدباغ، يعد الموقوفين، شيئه منتصب أشبه بتمثال في مدينة منسية، يشتم الشرطي في الجمجمة، اللعين أطفأ شموعه، حتى الأحلام لها نواطير في المخافر، اللعاب خضب اللحية الصغيرة، رائحة البول والغائط يطل من ثقب المرحاض مقرفة للغاية.
لم يجد قطرة ماء ليغتسل بها، لبس سرواله بدون وضوء، مؤخرته لا تزال بها نفايات، الحيوان افضل من الإنسان، براز الحيوان اقل قذارة من براز الإنسان، رأى في القرية الصغيرة التي يتحدر منها أجداده ويزورها في العطل الصيفية النسوة يقمن بتمشيط الحقول وجمع روث البقر الجاف تحت أشعة الشمس ويستعمل في الطهو في الأفران التقليدية.
الشرطي الصفريوي الرجل الطيب، اخبر الموقوفين أن زوجة المهندس غادرت أسوار السجن، تنازل المغفل عن الدعوى القضائية ووقع الصلح بين الأطراف، التلميذ القروي حكم عليه بشهر موقوف التنفيذ لاقتحامه المنزل، تدخلت جهات عليا لطي الملف، هكذا القضاء في المغرب ، قضاء التعليمات، اللعنة على جميع الأزواج من طينة المهندس، انه قواد، أية حقارة وغباوة، في القديم الرجل يزهق الأرواح في سبيل أولاده وعرضه، الشرف لم يعد له قيمة في الزمن العجيف، اللعنة على كل الأزواج إذا كانوا مثل المهندس، يا الهي الرحمة، الرحمة، الرحمة ، ظل يرددها في الحوباء اكثر من مرة، الله يذكر ويستحضر في وقت الشدة، الإيمان ضعيف في بلاد المسلمين، الآن يشعر بوخز الضمير عن الأفعال التي ارتكبها في حق الأتراب، أين كان الضمير طوال عشرة سنوات من الصعلكة والفحش.
الحافلة الزرقاء المسيجة نوافذها تهتز، تزار، تكدس الموقوفين المصفدين مثنى مثنى، مصير الأغلبية حسم، تلاميذ وطلبة يرسلون إلى السجن، أبرياء وضالعين في الانتفاضة الشعبية في كفة واحدة، سجن الجرذان ينادي، قاضي التحقيق شاب وسيم، تعامل مع الموقوفين بلطافة، الأسئلة سهلة ودقيقة،لماذا شاركتم في المظاهرات، من احرق العلم، من مزق صور الملك، من اشعل النار في المحلات التجارية، من رمى الأمن والجيش بالقنيات الحارقة...لكنها تهم تؤدي إلى الجحيم، بجانب القاضي تجلس شابة آية في الجمال، أنيقه بدون تبرج، تدون كل كبيرة وصغيرة، ابوبكر الناجي، سمع اسمه وانتشله من الشرود والتيهان، والتهام جسد الشابة، مطرقت الدماغ نفس الأسئلة، طالب جامعي متفوق في العلوم الرياضية ينساق مع المخربين،ظل القاضي يخربش ،يلتهم أوراق المحضر، يقلب الأوراق ، يزفر، يتأوه، يحرك الرأس ذات اليمين والشمال،يمثل دور المتعاطف والمتأسف على الاعتقالات العشوائية التي طالت الطلبة، لم يختاروه صدفة ليحكم بالعدل بل لينفذ التعليمات.

- لم افعل شيئا ولم أوقع المحضر … تعرضت للتعذيب طيلة 26 وعشرين يوما
- لكنك شاركت في المسيرات ورفعت الشعارات
- ليس هناك دليل واحد يورطني…
- هل تعتقد أن الأجهزة الأمنية تضطهد الناس وتلفق لهم تهم
- أتكلم عن نفسي وان كان هناك دليل ضدي فانا مستعد لنيل العقاب المستحق.
- سنرى
بخفة سقط القميص والسروال، بانت الكدمات وبصمات الأحذية على الظهر والأفخاذ، جرح غائر في المعصمين بفعل الشد بقوة لتثبيته فوق الطيارة، تبدلت الوداعة واللطافة إلى تهديد حقيقي ، لم تحقد عليه، كلاكما يدافع عن حقه في الوجود والاستمرار، من الأفضل الموت واقفا على الموت راكعا لأزلام النظام، انزلقت الحكمة العميقة في المخيلة ، ظل يرددها في صمت،تقدم الشرطي صفده واقتاده إلى زنزانة المحكمة المكتظة عن آخرها، اغلب المعتقلين طلبة وتلاميذ من أبناء الحي والأحياء المجاورة وبعض المعطلين والجانحين وأصحاب السوابق الذين تم إطلاق سراحهم عشية اليوم الثاني من المظاهرات حسب الأخبار المتداولة ليتم وسم الجميع بالمجرمين واللصوص وتسقط عنهم صفة المعتقل السياسي والرأي ، جميع من شرفوا المخافر مذنبون ولم يطلق سراح أي واحد، السجن ينتظر الجميع، من السجن الكبير إلى السجن الصغير.
أضواء بعيدة تلوح في الأفق، بناية تمتد على مسافة كبيرة، تدور الحافلة دورة خفيفة، على اليسار طريق ضيق مليء بالأشجار، أشجار التوت والكليبتوس، تسلقها في السابق ، قط وحشي يقطف الثمار ، يأكل فراخ عصافير الدوري، وخرب الأعشاش، تمر مسرعة أمام العيون،تفر منه كاناها لا تريد رؤيته، دارت الحافلة دورة أخري، ومرة أخري، باب اخضر كبير، فتح باب صغير في قلبه، نساء ينزلن أولا ثم بعض الكهول،وطأت قدماه الأرض، ما اكبر البوابة الخضراء، كتابة بارزة فوقها، لحظات وسيبتلعه الفم الفاغر، النبي يونس ابتلعه الحوت، لا يعرف لماذا تذكر قصة النبي يوسف في اللحظات الحرجة والصعبة، ظلمه الأخوة وظلمته اكثر امرأة العزيز، سجين حليق الرأس بدلة بيضاء بخطوط سوداء، حذاء من الخيوط الملونة، سيعرف فيما بعد أن تلك الأحذية صناعة محلية.
أخذوا منه الدراهم المعدودة ، سجل اسمه في دفتر اسود كبير، أعطوه رقما مكتوبا على قطعة ورق زرقاء، خمن انه اصبح مجرد رقم باهت لا معنى له،اقبل حارس من مكتب غير بعيد، تفحص السلعة الجديدة بنظرات ثاقبة، قاده مع قطيع من المساجين الذين يعرفهم حق المعرفة، وآخرين لا يعرف منهم أحدأ، بدأ ينادي على الأسماء والأرقام.

- انتم أعداء الملك توجهوا إلى الأمام

عمارة كبيرة تشبه باخرة معطلة في ميناء مهجور، نوافذ حديدية مشبكة اكثر سمكا، مساجين في ساحة صغيرة يجمعون النفايات، سجين ينادي بصوت جهوري، صدى الصوت يتردد في العمارة، حارس قصير القامة مستكرش يحشو فمه بشريحة لحم، ينفلت المرق من بين الفكين وينزلق على الذقن، يتلطخ السروال الأصفر الباهت، آخر يدخن سجائر شقراء، يرتشف ثمالة كاس شاي في تلذذ مسموع، الحارس الذي ساقهم مثل قطيع تائه، يلتهم ما تبقى من المرق بنهم شديد، نهض سجين ببدلة بيضاء ونادى على سجين اقرع، اقبل مسرعا متأبطا علبة خشبية، عيناه حوراء جاحظة، دفعهم الحارس القصير بعد أن فتش الجيوب تفتيشا دقيقا إلى بيت صغير تحت الأدراج، وراء كل تفتيش تفتيش آخر، خصلات شعره الملولبة الجميلة والمتسخة تسقط، آلة الحلاقة حافية، تقتلع خصلات الشعر من الجذور، يجزون الواحد تلو الآخر، رأى في السابق كيف يجزون الأغنام بالمقص الكبير برأفة ورحمة، هذا الحلاق الأحول ينكل بالسجناء لكي يدفعهم إلى نفحه بعض السجائر، السجائر عملة السجون.

- اجلس ايها العزوة اجلس جاء دورك

تحسس الرأس الصلعاء،ثمة ندوب في كل مكان، مخلفات الشجارات العنيفة في الأحياء، لا يستطيع الشاب فرض وجوده بالعلم والمعرفة في الشوارع، القبضات والسكاكين وحدها تفرد مكانة محترمة بين الأتراب، كم شاب ضعيف تحول إلى وعاء للتفريغ، إذا لم تمارس عنفا على الآخرين سيمارس عليك عنف وإذلال، تمدد على الفرش المتسخ، عبارة عن أغطية ممزقة مغبرة تفوح منها رائحة النتانة والحموضة، هرب النوم عن الجفون، ليس لأنها أول ليلة يقضيها في السجن مع المجرمين وقطاع الطرق، اغلب النزلاء شيوخ وعجزة، يكحون ،يبصقون من الأفواه والمؤخرات، لم يكونوا سوى سبعة شباب جدد، تم تفريق المئات على باقي الزنازن، يستعرض في هدأة الليل شريطا طويلا من الذكريات،جيوش الأسئلة المستعصية تندفع في المخيلة، لم يفعل شيئا سوى انه تواجد في المكان الخطأ والوقت الخطأ، الحلقة تتسع بالطلبة من كل لون سياسي، وحدتهم الزيادة في أثمنه الخبز المرتفعة، غدا ستفرقهم الأفكار و التوجهات المتنافرة، كل فصيل طلابي يدعي انه صاحب الحق والأصلح لقيادة الثورة ، شعارات نارية تنادي بالثورة، دعوات للتكتل والتضحية بالدم، ترفع شارة النصر، تطلق الزغاريد، الحرارة ترتفع، يتولد التحدي والشعور بالقوة ، يحرق العلم الوطني، تمزق صور الملك، تصفيقات مجلجلة، لا احد يدري من أين خرجوا مدججين بالهراوات و الغازات المسيلة للدموع، تراكضت الجموع، سقوط، ورفس، ضرب مبرح، بقايا دماء ، فردات أحدية ، خصلات الشعر ومناديل منسية في الساحة شاهدة على شراسة التدخل العنيف والأهوج ، عشرات الطلبة في قبضة الأجساد الفولاذية،ركض يكل قواه، نط فوق السور المسيج بقطع الزجاج المسننة، يلاحقه صوت شرطي يأمره بالتوقف، الدم ينزف من اليد اليسرى، شعارات الاستنفار والالتحاق تركض في الشرايين هادرة دافئة.

- يا رفاق انضمو … انضمو كل طالب يضحي بدمو…
- زغردي يا أمي، يا أم الثوار اوطيم( اختصار للاتحاد الوطني لطبلة المغرب) حبلى بالثوار ...

الدم يقطر من اليد دافئا، التنفس مقطوع، يسعل بقوة، مند سنوات لم يركض مسافة طويلة، هاربا من المطاردة اللصيقة للعساكر، في دار مهجورة اختبأ، دخن عشرات السجائر، ثمة طلبة تسلقوا أشجار الكاليبتوس، دخلوا الحانات والمساجد والحمامات،المناضل آخر من يعتقل، كل الذين سقطوا في ايدي قوات القمع تنتزع عنهم تيمة النضال ، تبا لمنظري الحركات الطلابية التافهين الذين يتبرزون التفاهات ويسنون قوانين اتفه، يعرف انه في قائمة المطلوبين للقصاص، الجامعات الوطنية تجيش باعين المخبرين، تمدد على السرير بعدما استحم بالمياه الساخنة، غسل الجرح في الكف باليوود،وضع الدواء الأحمر والضمادة، خيل إليه انه لم ينم سوى دقائق معدودة حين انخلع الباب الخارجي، سحبوه من الفراش عاريا إلا من التبان، سمعهم يتهامسون فيما بينهم، استطاع رغم المفاجأة التي كبلت الدماغ التقاط كلمات( خطر) و( عنيف) انزلوه من الدرج مصفدا، الشرطي يشد بقوة على التبان، الخصيتين تتدليان في الهواء، الثوب يدخل بقسوة بين الفجين ويختفي، شر البلية ما يضحك، الجماهير الغفيرة تضحك من الموقف المخجل، رموه داخل السيارة الموشومة بعنف شديد، عشرات الموقوفين يتملكهم الرعب، طالب في كلية العلوم يبكي بحرقة.

- كن رجلا كل شيئ سينتهي
يرمقه الأب بعطف وحنو زائد ، يغمغم بكلمات مبهمة، بقايا دموع في عينيه المحمرة، بالقرب امه تنتحب بصوت مسموع، تضرب كفا بكف، خاطبها في الخيال متوسلا ( لا تبكي يا أمي... دموعك غالية ، لا تبكي حتى لا اضعف وانهزم..) ،
دخن الا تدخن...؟ تدمع عيناه، الدخان المر يغمضهما تماما، رائحة مخدر الكيف له نكهة خاصة، أضاف رفيقه في التسكع والتشرد،( انك تضيع الدخان. حاول ان تتركه في الصدر مدة أطول..) أولى الدروس في دروب الانتشاء والهرب من الواقع المر، تنفس تنفسا عميقا، يكح، يختنق، ترتخي العضلات، تتثاقل الصور والمشاهد في الجمجمة، يشعر بإحساس غريب كمن يخرج من مسبح دافئ، يسافر في رحلة فضائية غامضة، عالم فيروزي يدخله بدون جواز سفر ولا تردد ولا خوف، ينسى المشاكل والمشاغل والهموم، سيد نفسه الآن بطل من أبطال القصص المصورة التي يلتهمها بشهية زائدة، فرحة لا مثيل لها تهدهد الكيان، تهزه كالعصافير فوق الأفنان، يتمنى لو تدوم النشوة آلاف السنوات حتى لا يعاوده التفكير في الفقر وقسوة الأب، صور عديدة تندفع في المخلية، شلالات هادرة من الذكريات والحماقات، يحسها ترفرف فوق الجبين كأنما عاشها بالأمس ، ما اقرب اليوم والبارحة، يحاصر الألم الذي يعتصره، ينبث في كل مسام الجسد مشوكا، يعب الرئة بالهواء النقي من فتحة الزنزانة، الزنزانة تعبق برائحة العرق والروائح الكريهة المغثية المنفلتة من المؤخرات، نفايات المجتمع، موسيقى مضحكة، مسيلات دموع سرجية، قذارة المدن تتكدس في الباخرة العملاقة المنسية في ميناء مهجور، سجناء الحق العام مع سجناء الرأي في نفس المركب،خلطة غير متجانسة، النظام القائم يحاول نزع الصفة عن المعارضة ووسمها بالأجرام ،سمك نافق رماه البحر مند زمان عافته القطط وطيور النورس وظل فوق الشاطئ يتحلل .

- ماذا تفعل يا ابن القحبة

لكمة مباغتة أصابته على الانف، الدم ينزل بغزارة،دوار شديد يلم به، يتأبطه من أرنبه الانف إلى اخمص القدم، تجمهر الناس، بعضهم لامه على فعلته الشنيعة، فتشوه يبحث عن حافظة نقود سقطت منه في الزحمة، لم يجد شيئا، سواد البشرة والحركات الرياضية جعلاه يشتبه فيه،امرأة قمحية بدينة، أخذته إلى مقهى مجاور، طلبت سطل ماء،احس بالأرض تنسحب من تحت قدماه، الدم تبتلعه التربة،غسلت راسه بيدها بحنو زائد، الانف متورم ازداد حجمه بشكل قبيح، انتبه إلى القميص الممزق، اللعين هشم الانف ومزق القميص. قسوة الأب، عنف الحياة، لون البشرة المستفز والمنفر،ساعدت في اضطرابه النفسي، المتنفس الوحيد للتغلب على العوامل المحيطة صقل المواهب في الصعلكة ،تدخين لفافات الحشيش، كرع كؤوس الخمر، التردد على بيوت الدعارة، رغم الموبقات والعنف سجل الأول في الدراسة في علوم الرياضيات والفيزياء، المنحة الدراسية الشحيحة تبدر في اليوم الأول، له عقد قديم مع الفقر، يجد لذة في لعب القمار وسلب الأتراب نقودهم، لتلبية الحاجيات الأساسية،يلبي جميع الطلبات من العمل في الأشغال الشاقة والمقرفة، السينما هواية مفضلة بعد الطيور وتربية الحمام فوق السطح، كل يوم يتعمق الشرخ بينه وبين العائلة، العذابات يذيبها التسكع وقضاء سحابة اليوم في الأزقة والأحياء، يضطره الليل الرجوع إلى المنزل يشعر كانه مقبل على الجحيم، يعرف ما ينتظره، كل يوم يسمع نفس المواويل والموشحات، نفس الإهانات والسباب والشتائم، يستحمل الضرب والمبرح وفي الغد يعيد نفس الكرة، التعذيب لعبة مسيلة، فكلاهما في نفس المركب الممارس للتعذيب لاعتقاده انه وسيلة لتقويم الاعوجاج والخاضع للتعذيب.
النار لا تطفئها النار، هكذا حدثه الجار العامل في محطة القطار ،يشفق عليه لأنه يكون كل ليلة مع حفلة من السلخ والجلد والصراخات المقتحمة للمنازل المجاورة،الأب بدا يفقد السيطرة ولم تعد حفلات السلخ تستمر لوقت اطول كما في السابق، السن بدا يلعب لعبته.

- البدنسي، الطوك،لكار، لبيل، لفاي، سرجان، كابران، بريفيني، البوجادي، شاف شمبري، غارد شامبري…

مصطلحات فرنسية معربة، لا يفهم معانيها سوى من زاروا مخابئ النمل،أناشيد حزينة تفيض مرارة، تعري الواقع والمعاملات الخبيثة للبوليس والعدل وحراس السجون،مئات سجناء الرأي، يخوضون أضرابات عن الطعام ، يريدون تعاملا خاصا وسجنا خاصا واستكمال الدراسة ، الفكرة انتشرت بسرعة البرق كالنار في الهشيم، الإدارة استعملت الترهيب والترغيب، اعتقال في السجن الانفرادي، إغلاق الزنازن والمنع من الخرجة اليومية،وجد في الاحتجاج روحا جديدة، انخرط في جميع الأشكال النضالية، ما ضاع حق وراءه مطالب، انتدب إلى لجنة الحوار مع الإدارة ، النقاش تهديدي، عشرات الأجساد المسترخية على الكراسي، رائحة العطور تضرب من القاعة الصغيرة، فتشوا اللجنة قبل الدخول، انهم يخافون على الرؤوس القادمة من بعيد لامتصاص غضب السجناء الطلبة، إنهاء الإضراب عن العام الذي وصل إلى يومه الرابع والعشرون، ثمة طلبة يستعجلون الموت، الماء والسكر وجبات لإطالة بقاء الروح في الجسد، مقاومة سلمية لإشعار الآخر بالذنب، جميع المصادر تؤكد أن الإضراب عن الطعام مارسه الشعب الإرلندي، وغالبا ما يقوم المضرب عن الطعام بالمرابطة أمام منزل الغريم لاسترداد الدين، ويعتبر صاحب المنزل موت المضرب عار سيطارده،ونفس الفعل مورس في الهند للحصول على العدالة، واشهر من مارس الإضراب عن الطعام في العصر الحديث المهاتما غاندي الذي اعتبر الصوم وسيلة فعالة لإيصال الرسالة، دار الحديث عن الحقوق والواجبات، عن ضرورة إنهاء الإضراب لإعلان حسن النية، الجو بدا يتكهرب حين أصرت لجنة الحوار على وجوب السماح بمتابعة الدراسة وتخصيص زنازن للطلبة، ضرب على الطاولة ترتج الجدران ، يتلملم باقي السجانين، عيون تجحظ، تهديدات مبطنة، محاولات شق اللحمة بالمساومات،الفشل يلوح في الأفق، ليس للطلبة ما يخسرون، خسروا الحرية والمستقبل في كف عفريت، تهم ثقيلة تجز الأعناق،في اليوم الثالث والثلاثون حمل المضربون على ناقلات إلى المستشفى، لم يبق سوى هياكل عظمية، ما سلبه المسلخ من صحة وقوة يستكمله الإضراب اللعين، فرق كبير بين أن يمارس على الإنسان التعذيب أو تمارسه على نفسك في سبيل تحقيق أهداف ومطالب مشروعة، خبر الإضراب عن الطعام انتشر إلى باقي السجون ، العائلات تنتظم في وقفات احتجاجية أمام مؤسسات الشعب للمطالبة بالتدخل وإيجاد الحلول قبل فوات الأوان، الدولة ليس من مصلحتها تحمل المزيد من الشهداء، الرأي الداخلي والعالمي يراقب عن كثب مجريات الأمور، الإرادة الجماعية تكسر شوكة النظام،زنازن خاصة للطلبة والتلاميذ،أول الغيث قطرة، متابعة الدراسة الدراسة يحتاج إلى ترتيبات إدارية معقدة.

- لكي يستكمل الطالب دراسته يستوجب حكما قضائيا وعقوبة سجنية.
- وإذا برات المحكمة المتهم من التهم المنسوبة له من يتحمل مسؤولية ضياع مستقبله
-….؟

اصبح ذا نفوذ وثقة بين الطلبة المساجين، السلوك الأرعن بدا يتهدب يوما على مصر يوم، بعد ستة اشهر من التحقيقات أحيل اغلب الطلبة والتلاميذ على جلسات الحكم، مجرد مسرحيات مدروسة لمحاكمات صورية، ترافع عشرات المحامون عن المتهمين من توجهات سياسية يسارية وديمقراطية، تقدم عشرات آخرين لمؤازرة الطلبة، محاكمات تستمر لساعات طوال، لا براءات تلوح في الأفق، الوطن يغلي الكل يتجسس عن الكل، النظام يستعرض قوته الضاربة في القمع والتنكيل بالمعارضين،الصحافة تتناول الملف باقتضاب،المغامرة مكلفة وقول الحقيقة اكثر تكلفة،لا يمكن لأي حزب أو تنظيم سياسي أو حقوقي دخول الحرب نيابة عن الآخرين، هناك خطوط حمراء يمنع تجاوزها،ضرب المطرقة على القطعة الخشبية، خيم صمت جنائزي على القاعة الغاصة بالمتفرجين، أصحاب البدل السوداء ينسحبون الواحد تلو الآخر، رفعت الجلسة،انسحب القضاة،وراء كل مسلخ مسلخ اكثر قسوة، سقطت الفكرة في الدماغ وظل يرددها في تلذذ،أعادوهم إلى زنزانة المحكمة،الضجيج يرتفع والدخان يكبس على المكان، الشرطي الحارس يدخن بشراهة،يلتهم الإسفلت، يتأوه باستمرار، سحب من الجيب قطعة خبز محشوة بالسمك المعلب في كيس بلاستيكي ابيض، يقطر زيتا متبلا،قضم قضمات متتابعة وبلع بدون مضغ، سال اللعاب على البدلة الكاكي والحذاء العريض، الجوع فتك به مند زمان، لا يستطيع مغادرة المكان خوفا من العقاب،افرغ نصف قنينة ماء في الجوف، مسح يديه وفمه بورق، تخف حدة الضجيج ،الليل أرخى سدوله، الحافلة الزرقاء تنهب الطريق، وجوه هرب عنها الدم، احمد السباعي ومصطفى البوزيدي، عمر القاضي، سمير العابر، رضوان الغالي ..حكم عليهم بعشرة سنوات سجنا نافذا، آخرون نالوا عقوبات اقل، لم يكن حظه افضل، خمس سنوات وراء القضبان على جرائم لم يرتكبها، وفي جل أطوار المحاكمة الصورية صرخ بانه بريء ، انه ضحية الاعتقال التعسفي والتعذيب والمحاضر المطبوخة، على من تقرأ زبورك يا داوود، تشفق على هؤلاء القوم المتبجحين القابضين على جمرة العدالة، لم تحقد عليهم مجرد خدم في رقعة الشطرنج، التعليمات والهواتف من يحدد الأحكام، القاضي وزع في ليلة واحدة اكثر من عشرة قرون، ولا زال هناك جيش ينتظر نفس المصير،رأيت رضوان الغالي يبكي بصوت مسموع، حتما لن يستطيع استحمال السجن ، في جميع النقاشات العابرة للوقت يهدد بالانتحار، أثناء خوض معركة الأمعاء الفارغة، أصر على الاستمرار في الشكل النضالي، يريد أن تزهق الروح، يطلب الشهادة لكي تتحرر الروح من الأسر، العائلات صدمت وكذلك هيئة الدفاع،البكاء وراء الميت خسارة، حكمة شعبية تنسجم مع الواقع المر،صار للطلبة المحكومين وضع خاص، احترام تام من السجانين، الاحتكاك بهم يولد ردات فعل قاسية،الإضراب عن الطعام وسيلة فعالة في تحقيق المطالب ووقف التحرشات والاستفزازات.

- المعركة الحقيقة بدأت الآن

الموسم الدراسي على الأبواب اغلب الطلبة أصدرت في حقهم عقوبات سالبة للحرية، جميع النقاشات تستحضر المستقبل الغامض، الإدارة وعدت في السابق بإيجاد الحل لاستكمال الدراسات العليا،هل ستخلف الإدارة الوعد...؟ رضون الغالي يدفع في اتجاه التصعيد، الموت ولا المذلة شعار يرميه كتحية في جميع النقاشات، إنسان يعشق الموت ويبحث عن الطرق الاستعراضية لتحقيق المبتغى،المسكين استنفذ قوته في مخفر الشرطة،لم يعد قادرا على الاستحمال،الحرية المغتصبة تشغل حيزا واسعا من تفكير الإنسان، تحيل السجين المرهف الإحساس إلى ضحية للهلوسات لأنه محروم من الاختيار ، مكره على العيش في الظلام وفق قانون الأجهزة القمعية بعد سلب قيمة ذاتية مقدسة،كل من في الزنزانة اصبح يرتاب من تصرفات رضوان الغالي، ( مَن تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيه خالداً مخلداً فيها أبداً ، ومَن تحسَّى سمّاً فقتل نفسه فسمُّه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً ، ومَن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً ) حديث عن ابي هريرة ورواه البخاري، وقال تعالى (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ) سورة النساء يمسك بالكتاب المقدس يقلب الأوراق بحنو زائد، احمد السباعي طالب في السنة الثانية شعبة الشريعة الإسلامية، يطلق عليه اغلب المعتقلين بالفقيه،شاب ملتحي بلباس ابيض، يقيم الصلوات بانتظام ،منفتح، بشوش، متفهم، صاحب قفاشات.

- قل لن يصيبنا الا ماكتب الله لنا...؟
- الله … الله هل سينصفنا أم سنترك هنا لنموت
- الله عليم حكيم (ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون )
- اتعلم... اننا لا نؤمن بالميتافيزقيا .

دقات عالية ترج الأبواب، تردد الصدى في المدينة النائمة، صراخ ينتزع الأموات من القبور، يأتي صوت الاستغاثة مجلجلا، المساجين يطرقون الأبواب بقوة، الصراخ يتعالى يثقب الآذان، قتل سجين في الزنزانة أربعة وثلاثون...؟، يزداد الطرق صلابة والصراخ يشق الظلام، أين غاب حارس المداومة، من المفروض انه موجود يحرس الزنازن،لربما يغط في النوم العميق أو يمرر كؤوس الخمر ويدخن لفافات الحشيش الوطني.
تألم بداخله، الذي حصل لسجين الحق العام يمكن أن يحصل لأي سجين آخر، ما معنى أن يهشم راس نائم بحجر، ما معنى ان يضع السجانون مختلا عقليا مع الأصحاء،ما معنى أن يختلط القتلة باللصوص وسجناء حوادث السير والشيكات بدون رصيد والمخدرات والجنح والمخالفات… الطلبة احسن حالا، القاتل يضيف جريمة قتل أخرى إلى سجله الإحرامي الدموي، في الصباح افرغوا الزنزانة من المساجين، دماء على الأرض وفي الحائط رشاش، بقايا شعر الرأس المهشم والمخ، مسرح الجريمة مروع يدفع إلى القيء والبكاء .
بدأت عملية التفتيش( لافاي) أخدوا أكياس الفحم والمجامر الحديدية المصنوعة من علب القهوة والأسلاك، حجزوا الأغطية الزائدة، التفاوض لاسترداد الممنوعات يجري في سرية تامة،جميع الممنوعات تدخل إلى العنابر بفضل السجانين، في اليوم التالي حضرت لجنة خاصة من العاصمة لتقييم الوضع، مصير سجان ليلة القتل يلعب في الهواء، معلق على تقرير مدير المؤسسة السجنية ، استقبال لعائلة القتيل وتقديم التعازي، القاتل وضع في زنزانة انفرادية مكبل اليدين والرجلين طوال اليوم،سجين طويل عريض المنكبين قوي البنية يحرسه، يطعمه، يمنعه من الانتحار بعدما اقدم على قطع الشرايين بشفرة حلاقة.
تقدم نحوه السجان، دخنا معا لفافات الحشيش، في هذه اللحظات يتجاهل الجميع، ينكر علاقاته بالمساجين، خصوصا الطلبة منهم، فتشوا الزنزانة، أمر الجميع بنزع السراويل، الرفض يسري في الدماء، لسنا مجرمين صرخ عمر القاضي ، استسلموا خوفا من الدخول في حرب الأمعاء الفارغة.

- اقعد، انهض، اقعد…

تشاهدهم من النافذة يجردون المساجين من الثياب، يعتقدون انهم يحشون المؤخرات بالممنوعات،هناك سجناء الحق العام يجعلون من مصارين المؤخرة مخزنا سريا، مخازن من لحم ودم، تمتد اليد إلى الصفائح المائية يفرغها الواحدة تلو الأخري، أخد الفحم والمجمرة، مئات الأشياء المصادرة، عيون تلمع، مسمرة على علبة السجائر الشقراء، عاود التفتيش مرة أخري، يريد من السجين دفع الإتاوة، يتجاهل الحركات البخسة، يحقدون عليه، لا تصاحب المخزن ولو لبس ثوب الملائكة صاحت في الجمجمة حكمة الأب، تجارب الحياة تكشف للإنسان حقيقة ومعدن الآخرين، يثق الإنسان في الشيطان ولا يثق في المخزن، الكلاب الحقيرة والذميمة تمتص دماء سجناء الحق العام، يتاجرون في كل شيئ ، اللحم البشري له سعر خاص، السجائر الشقراء تجعل من السجان كلبا مستعد أن يلعق الأحذية، يبرمون الصفقات مع تجار المخدرات لاستقدام الشواذ تحت الطلب إلى الزنازن، السجن مملكة سدوم حقيقية لكل شيئ ثمنه.

أغلقت الأبواب بعد تفتيش الزنازن تفتيشا دقيقا، عزوز الحاذق سجان مرتشي وجشع، بوجه مليء بالثقوب الصغيرة، مخلفات البثور أو مرض الجذري، قصير القامة لا يمل من طلب الإتاوات، تهديد السجناء بالحبس الانفرادي شعاره الدائم يرميه كتحية على الرافضين منطق الابتزاز، زميله في العمل عبد الله القاصر صورة عكسية عنه تماما، يتعامل بلطف مع ساكنة الباخرة الغارقة في الأرض اليابسة، بوعزة بلعربي يلعب دورين مختلفين، مرة يساند القضايا العادلة ومرة يصبح عنيفا وقاسيا، حجاج يونس قليل الكلام صارم في التعامل مع الجميع لا يطلب إتاوات يضع مسافة بينه وبين المساجين يطبق القانون بحرفية زائدة، اكرم مسلول، شاب وسيم، يتحذر من عائلة ثرية حسب الشائعات ، حديث العهد بالوظيفة، يعشق لفافات الحشيش والشواذ، حين يكون مداوما يحيط به ثلة من المثليين، يجد لذته في مجالستهم وسماع قصصهم ، هناك مساجين يحظون بمعاملة خاصة، يتمتعون بنفوذ اقوى من السجان، الروبيو تاجر مخدرات يدير السجن بالطريقة التي يريد،له ضيعات ممتدة الأرداف لزراعة القنب الهندي في مدن الشمال، يصدر مسحوق الكيف ( الشيرا) بالأطنان إلى أوربا وباقي مدن الوطن، يمتلك سفن وشاحنات وسيارات من مختلف الأنواع، لديه عشرات القصور، مئات الخدم والحشم والنواطير، أفردت له زنزانة خاصة في جناح المرضى، حر طليق غالبا ما يبيت في الخارج في منزل مدير المؤسسة ، يستقبل العائلة الصغيرة وبعض المقربين جدا ، ملك السجن بدون منازع، يربط علاقات قوية مع مسؤولين كبار في أجهزة الدولة، اغلب السجانين الصغار يطلبون وده، رآه مرة يوبخ سجانا لأنه صفع احد الاتباع المقربين، الروبيو سيد المكان ،لا صوت يعلو فوق رغبته وإرادته، ولأنه مدمن على اللفافات بمعية بضعة طلبة، لا يتردد في طرق بابه للتزود بالمسحوق العجيب، قطع أشبه بالشوكلاته، لكنها شوكلاته تسقط جدران الضغط والغضب، تذهب الأتراح وتعم الأفراح المؤقتة.

- استثمروا الاعتقال في الدراسة والبحث ، لا يجب أن يهزمكم السجن، السجن مجرد جدران وحراس وضجيج … انتم مستقبل الأمة رغم المحن سيصبح السجن من الماضي.

حين تعمقت المعرفة اكثر، اصبح الروبيو يزود المدمنين من الطلبة بأجود الأنواع وعلب السجائر الشقراء مجانا ، اطلق عليه لقب الروبيو لان له لحية حمراء كثيفة، بارباروسا السجن ،لكنه يختلف عن الفارس العثماني الذي انقد مسلمي الأندلس من محاكم التفتيش وغيرها من الإنجازات الحربية، انه فارس التجارة في الممنوعات عبر المحيطات، استغرب كونه لا يدخن ولا يقرع كؤوس الخمر.
رجلاه مشدودة في الهواء بحبل غليظ، العصا ذات الإطار الحديدي تلهب عظامه، السجانون يتبادلون الضرب، الضربات المتلاحقة تفتت العظام، العرق يتصبب من جميع مسام الجسد باردا، الصراخ يرتفع، ينتفض، يقاوم، الرأس تدور، غاب عن العالم المحسوس، عشرة دقائق تقريبا، ماء بارد يغسل الجثة المتهالكة، أراد النهوض، سقط على الأرض، تقدم نحوه سجينان في مثل سنه، لربما زملاؤه في الزنزانة حملوه من الأربع، مددوه فوق الفرش المتسخ المليء بالقمل، في المساء حلقوا راسه، انهالوا عليه بالمزيد من الشتائم والصفعات، الإهانات تتقاطر عليه من كل جانب، الشاب الذي اتهمه بالتحرش الجنسي أثناء الليل نقلوه إلى زنزانة أخرى خوفا من الاغتصاب، لولا شهادة نزلاء الزنزانة لقضى عشرة أيام في الزنزانة المنفردة، اللعنة على هذه البلاد من يقترف الجرائم الحقيقية لا يحاكم والابرياء يدفعون ثمن أفعال لم يرتكبوها.
صمت جنائزي يلف المكان، كحات متقطعة، يلوي العنق يمنة فيسرة، قاعة المحكمة مضروبة عن آخرها بالعائلات والمتفرجين والمتحرشين بالنساء، السماسرة والقوادين والمخبرين يندسون بين المرتفقين، أجساد متهالكة،رائحة العرق تزيد في خنق الجو الحار ، فصل الصيف اكثر حرارة وقساوة، يستهلك مياه كثيرا ، قبل الدخول إلى جلسة الحكم دخن لفافة حشيش، نشوة عابرة للمحيطات والقارات تسري في الحوباء، شفتاه القرمزية تفتر عن بسمة غامضة،لم يعد يفكر في أي شيئ الخوف الذي لازمه طوال فترة الصباح اختفى دفعة واحدة، انه سيد العالم والأمكنة، هذه البرانس السود المخضبة بقماش اخضر لا تثير فيه أي إحساس،المخيلة تسافر باستمرار إلى مدن فاضلة، تستعرض أشياء جميلة لم يعشها، يطير في الهواء مع العصافير والفراشات، يقطع البحار والصحاري والغابات، اللعين أخرجه من سفره الفيروزي.

- هل شاركت في تقطيع وحرق صور الملك والعلم الوطني
-لا
- هل رفعت شعارات مسيئة ضد النظام والدين
- لا
-لكنك اعترفت عند البوليس بحضورك شكلا احتجاجيا
- فعلا ...لكنني لم اقترف أي جريمة تستوجب التعذيب والصعق بالكهرباء والتعليق وخنق الانفاس بمحاليل التنظيف
- هل لديك ادلة على ذلك ...؟
- كلامي مقابل كلامهم وهناك عشرات الطلبة الذين تعرضوا لنفس المعاملة القاسية
- هناك من الطلبة من اعترف
- ذلك امر يخصهم

كلماتي شجعت عشرات الطلبة للحديث عن التعذيب والمحاضر المطبوخة، عن انتزاع اعترافات بالقوة، العرق يتصبب من إبطية، النقاشات العقيمة لا تنتج سوى الغضب والانتقام، ليس هناك جناية أو جنحة ارتكبها ضد رموز الدولة ،انه ضحية حملات القمع والاعتقالات العشوائية ، العيون تحمر ، اللسان ناشف، اللعاب لزج يبتلعه بصعوبة.

- ان الضنين الماثل أمامكم سيادة الرئيس بريء مما نسب اليه، واكد ذلك في جميع أطوار البحث، عند البوليس وقاضي التحقيق وأمام هيئتكم الموقرة، إن موكلي شاب متفوق دراسيا يتمتع بسلوك حسن….
- رفعت الجلسة

من وراء زجاج النافذة المسيجة يودع العائلة الصغيرة، ترتفع اليد المغلولة بالأصفاد، يلوح بها بحركات مبهمة، لأول مرة يرى الابتسامة الحزينة تتمرغ في الوجوه، ربما هم فرحون لان عذابات الشوط الأول انتهت، الأشواط القادمة ستكون أقسى وأصعب.
بناء على الأدلة والقرائن، تدينكم المحكمة بخمسة سنوات سجنا نافذا وغرامة مالية، ظلت الكلمات تتردد في المخيلة لعشرات الساعات، عندما سمع عقوبات الطلبة الآخرين هانت عقوبته، رئيس الجلسة وزع مئات السنين على الطلبة المعتقلين، عشرات آخرين ينتظرون المقصلة لتجز الألسنة التي تتفوه بالاختلاف في الرأي والتفكير الحضاري المتقدم.
ملابس المؤسسة متسخة، يرى العديد من السجناء يحكون جلودهم، الحر شديد، الدخان المتصاعد من المجامر الملتهبة يخنق الجو، العنابر اكثر اتساعا من الزنازن، أشلاء مترامية، وجوه محروقة، أيادي موشومة، شواذ بالجملة اغلبهم من مدينة عتيقة، يتاجرون في المؤخرات دون حرج، علبة سجائر شقراء كافية لممارسة الفاحشة ،بعض الشواذ يمتلكون عضلات قوية،بإمكانهم هدم الجدران بقبضات اليد، لكنهم نسوة في أجساد الرجال.
“ شاف شمبري" اسود فاحم أضوأ ما في جسمه أسنانه وعيناه، فكر لماذا السود لهم أسنان بيضاء ناصعة، لامعة، سقط الجواب في الدماغ( لانه الشيئ الابيض الذي يمتلكونه) شفتاه كبيرتان ، انف افطس، يدخن الكيف بشره، له (غلامه) الخاص يتعامل معه كما يتعامل الزوج مع الزوجة، يقبل فمه أمام السجناء، يضاجعه في النهار والليل، يخاصمه عندما يأتي عملا لا يرضاه، يقوم بجميع الأعمال، يطهو ، يصبن، ينظف عش زوجية يشهد مرارا وتكرارا عراكتهما الغرامية.
تحرش به مرات، يشتهي مؤخرته، لعابه يسيل، يغازله كلما أتيحت الفرصة، صده اللعين بقوة، لم ينهزم، لم يحقد عليه، انه مخلص لسيده كما تفعل الجارية مع السيد، والإخلاص عملة نادرة في الزمن العجيف زمن السفالة والغدر والطعن من الخلف، بعد أسبوع سيكون وحيدا، الأسود عانق الحرية انتهت محكوميته، ملفوظ من السماء لا يزوره احد، ربما يتيم أو ربما عائلته فقيرة، أسئلة كثيرة مطرقت الدماغ، عالم السجون عالم غريب معقد ومتشابك.
اغلب الطلبة المعتقلين يحظون باحترام كبير من الجميع، يدخلون جميع الزنازن دون خوف ،لكن سجناء الحق العام ممنوع عليهم دخول زنازن الطلبة، في المساء تتحول العنابر إلى سوق للسلع المعروضة، خضر فواكه، حشيش وخمر، كحول الحريق، غراء العجلات( سلسيون) شفرات الحلاقة، سكاكين، كل الممنوعات تقايض بالسجائر، لعبة ( العيطة) نوع من القمار منتشر في العديد من العنابر، في المصحة التي لا تشبه المصحات في شيئ سوى الاسم تباع الحبوب المهلوسة من كل صنف ونوع، أشلاء مرمية على أسرة مهترئة، رائحة الحموضة واليوود تغثي، بعض الأجساد ملقية على الأسفلت عارية، بثور متقيحة كثيرة تفتك بالأجساد، دم متخثر، الموت يزحف اليهم في تثاقل، الجرب يأكل لحمهم المنسي على جنبات العفن .
يخرجون من الصباح الباكر حتى المساء، الدراسة الجامعية تتطلب حضورا يوميا للدروس التطبيقية بالنسبة لطلبة العلوم الرياضية، السجانون احتاطوا في أول الأمر، الأصفاد تشل الحركات، خوفا من فرار احد المعتقلين، بعد اشهر تحولوا إلى أصدقاء، فهموا أن الطالب يحمل فكرا تنويريا وغير مستعد أن يتسبب في فصل موظفين،لم يعد يجلسون في سيارة المؤسسة لساعات طوال في انتظار مغادرة الطلبة للكليات، يفترقون عند الأبواب، وتتم اللقاءات في المقاهي المجاورة، نقاشات عميقة تفتح،السجان ضحية القوانين الإدارية المجحفة،السجان بيدق في لعبة الأنظمة، إما أن ينفذ التعليمات أو يجد نفسه مفصولا عن العمل، بعض الطلبة استقبلوا في الكليات بالترحاب الكبير، المعتقل في نظرهم بطل قومي.
العائلة تزوره باستمرار، تحمل له ما لذ وطالب، علب السجائر، كراسات، كتب وأقلام جافة، لأول مرة يرى والده يذرف دمعا، من أين نزلت عليه هذه الحنية ، التقدم في السن يلعب دوره،إنها دموع الفرح حين علم بنجاحه وحصوله على الإجازة بامتياز ، ضيع سنتين بسبب التحقيقات وجلسات المحاكمة،لم يستسلم يؤمن أن كل شيئ سيصبح من الذكرى ،في السنة الأخيرة من المحكومية،استقبله مدير المؤسسة بوجه بشوش وفرح طفولي، أطباق من الحلوى وكؤوس الشاي المنعنع فوق الطاولة الطويلة المخصصة للاجتماعات اليومية، شكر الطلبة على النجاحات المحققة والتي تعلي من شان المؤسسة ومسؤوليها، وطلب منهم بكل أدب واحترام الانخراط في إعطاء دروس لسجناء الحق العام للقاصرين منهم، رفاقه في الزانزن من المتفوقين دراسيا استحسنوا الفكرة ووافقوا بدون شرط.

- بكل سرور ولكن على الإدارة منحي مزيدا من الحرية
- لك ما شئت لدينا الثقة الكبيرة فيكم

يخرج من الصباح الباكر حتى المساء، الحرية لا يعرف قيمتها الحقيقية ألا من يفتقدها بالباطل، الأشياء الجميلة تصفو في الدماغ،يمارس العمل اليومي بهمة ونشاط، السجناء القاصرين عالم آخر، البعض لديه شهية للدراسة والآخرون تشربوا الجريمة في سن مبكرة، لا يمكن إصلاح الأنية المكسرة، اغلبهم يتحدرون من عائلات فقيرة، بعضهم يجهل نسبه نشا بدون هوية، هناك مستويات دراسية في السجن تحظى بالرعاية اللازمة، مستوى السادسة ثانوي والباكالوريا،هناك تلاميذ متفوقون يرون في الدراسة وسيلة للانعتاق من الأسر والابتعاد عن مصارين الجريمة، الأيام تتشابه، نفس الوجوه، نفس السجانين بالبدلات الزرقاء، يصرخون ، يسبون ، يلعنون السجناء، تشاهد بعضهم يحملون صناديق ثقيلة من الأزبال في سبيل بصيص الحرية وتنفس الهواء النقي خارج الزنازن،اغلب العاملين في الأعمال الشاقة المحببة لم يبق لهم على معانقة شمس الحرية سوى بضعة اشهر، يتم اختيارهم بناء على السلوك والانضباط، يملا الصدر بالهواء المنعش، يفتح ذراعيه للريح، يختلس النظرات الطوال إلى الصدور المكتنزة، الازدحام أمام أبواب الزيارات، يشتهي الأفخاذ البضة، تذكر أوكار الدعارة وليالي العربدة والمجون، لاحت صورة زميلة الكلية، احبها بصدق لكن فكرة الزواج وتربية الأولاد تفزعه، الزواج سجن من نوع خاص، لا يمكن أن تعيش مع نفس الشخص لسنوات طوال، تتقاسم معه الفراش والمأكل والمشرب، تتحمل تكاليف التطبيب واللباس، شيئ مقرف أن تنتهي حياة الإنسان في حلقات مفرغة، الزواج لم يعد صالحا في العصر الحالي.
يستقبل العائلة في الحديقة المجاورة، الأب شاخ واصبح اكثر هدوءا، يفرك الأيدي بتواده، قليل الكلام ساهم في اللامعنى، لربما نادم على التعامل القاسي مع الأبناء، النار تولد النار ، قبل راسه وراس الوالدة وطلب منهما السماح،استعرض أمامهما جملة من القفاشات، انتزع البسمة من الرؤوس العابسة والمنكصة،حفيف الأشجار له طعم خاص، زقزقات العصافير رنات ملائكية قادمة من السماء البعيدة ،نباح الكلاب ، نقنقة الضفادع ، صوت الصراصير فوق الأشجار العالية، كل شيئ رائع في الكون اللامتناهي، حتى القمامة تتبدل رائحتها الكريهة، تتفسخ، تتلاشى في الهواء.
رفض الواقع المر لا يعطل الاستمرار في الحياة ،ولا يمنع المقاومة والإصرار على التقدم ،ذهب مجرمون وحضر آخرون، انتقل طلبة إلى سجون أخرى بطلب من العائلات كما حصل معه، استقبل في سجن العدير استقبالا يليق بطالب متفوق ،حصل آخرون على العفو بمناسبات دينية ووطنية، الأيام تمر ثقيلة مشحونة بالانتظار الأجرب ، فصل الصيف قاسي وحار جدا، يستبرد اكثر من مرة، الزنازن أشبه بأفران مشتعلة، بطلب من مدير المؤسسة نقلوه الى العمل في بساتين الخضر والمبيت في إسطبلات معدة لتربية الخيول سابقا، أسماء سجناء مروا من المكان مدونة على الجدران، يخرج بالليل والنهار بدون حراسة ولا قيود على الحركات والسكنات، يبتلع حبات الطماطم وجزر وبصلات طازجة، في المساء يبيع بعضها في السوق المسائية، بعض المساجين يبيتون في الخارج ،يتسولون، يستعطون الدراهم المعدودة، بعضهم يتاجر في الحشيش والكيف ، الروبيو بارباروسا السجن اصبح اكثر انعزالا وانطواءا ، أضافوا سنوات إلى محكوميته ، عليه أن يقضي عشرون سنة وراء القضبان، بعض المساجين يستدرجون المومسات ويقيمون ليالي داعرة، يكرعون كؤوس الخمر، "إذا ابتليتهم فاستتروا "هكذا قال فقيه السجن معتليا درجا متآكل وهو يخطب في أمة المجرمين، الفقيه ضبط متلبسا بجريمة الزنا، يحفظ بعض الآيات المقدسة،دائما يبتسم في وجه المساجين، في السجن يمكن أن تكون أي شيئ، عالم في الأنساب، أستاذ القانون الجنائي، قاض يفهم في العقوبات وظروف التخفيف والتشديد،استدرج مرة مومسا تم إطلاق سراحها، زارته كما وعدت، المومسات اكثر التزاما بالوعود، وعدت ولم تخلف، جاءت في الوقت المحدد، تسللت إلى الحقول المجاورة، سنابل القمح تتمايل ، أسراب عصافير الدوري تغير على الفدادين، شجرات التوت مورقة،الظلال وارفة،سحبها بعدما حل الظلام،وجدها تنتظر وسط حقل القمح،افترشا السنابل، الهدوء يلف المكان إلا من أصوات الحشرات،ثمة نهيق حمار غير بعيد ،الجسد الممد فوق العشب الأخضر في استرخاء ووداعة يتلألأ على ضوء القمر، نجوم سابحات في الفضاء الواسع، يرتوي الجسد، غير بعيد تلمع أضواء الباخرة الرابضة في الخلاء، قريبا ستطفئ مصابيح الزنازن و ستغرف في الظلام،الحمولة الثقيلة تفرغ، احس باللزوجة في الحوض،سحب البندقية بتوادة ثمة آثار دماء في الحشفة، المومس حائض الحرارة عجلت بالعادة الشهرية، لم يغضب ولم يحقد عليها لأنها أفسدت الحفلة يكفي أنها ركبت المغامرة ووفت بالوعد، مسحت البندقية بحفنة أعشاب، لاحت في المخيلة صورة الطالب رضوان الغالي، سحب شفرة حلاقة ومزق شرايين اليد اليسرى، تفجر الدم الاحمر القانيب وفاض بغزارة على الإسفلت، ارتخت العضلات وسقط أرضا، نداءات استغاثة تملا الزنزانة، اقبل سجانون تعلو وجوههم علامات الهلع، سحبوه إلى المصحة، استعجلوا سيارة إسعاف ونقلوه ألي المستشفى، خبر محاولة انتحار الطالب طافت المدينة وخارجها، بعض اليساريين يحاولون الركوب على القضية لأذانة الإدارة، شنوا حملات إضراب عن الطعام، المصارين الفارغة تربك الحسابات، مدير السجن يفتح الحوارات تلو الأخري، حين فشل في راب الصدع وتليين المواقف استدعى لجنة خاصة من العاصمة بعد حملة تفتيش واسعة، بقع الدم لا تزال متخثرة في الزنزانة، شاهدة على الإرادة الداخلية التي لا تهزم، يمكن أن يسلبوا من الإنسان حريته لكن ليس بمقدورهم سلب الإرادة والقدرة على المقاومة.

- لا تمسحوا بقع الدم اتركوها لتكون شاهدة على عزيمة الطلبة

مصطفى البوزيدي لم يعد يستحمل عذابات السجن، الجمجمة مليئة بالأفكار المتناقضة والمتضاربة، عمر القاضي ساهم عيناه مغرورقة بالدموع، سمير العابر يرتعش مند شدة هول المشهد، احمد السباعي هرع إلى دورة المياه وتقيا ما في الجوف ، وحده ظل متماسكا ،صلبا ، قويا، يصرخ بأعلى صوته يكاد يمزق الحبال الصوتية، مسحوا الجرح وغسلوه باليوود وضمدوه، رفعوه فوق النقالة وانسحبوا، الصدمة كبيرة والفعل اكبر.
العائلة تزوره باستمرار، علامات الفرح والارتياح بادية على السحنات،بعد أربعة اشهر سيقيؤه الباب الأخضر الكبير كما ابتلعه بالأمس البعيد،سيترك وراءه الباخرة المعطلة في ميناء مهجور، خمسة سنوات وراء القضبان، اسئلة كثيرة وعميقة تمطرق الدماغ، بعد اشهر ستنتهي عذابات السجن، سيبقى ذكرى منذملة، رحلة جديدة تنتظره في عالم لا حول ولا قوه له في مواجهته، يشعر انه تغير كلية من الداخل، إنسان اخر ولد داخل أسوار السجن، طالب مجاز في علوم الرياضية ينتظر في العالم الواسع والرحب مستقبل زاهر ، سؤال ماذا سيفعل ينطح الراس يتدافع في الذاكرة كركام الاحجار، يسيطر عليه، سفر آخر نحو المجهول في وطن يفتك بالأبناء النجباء ويرسلهم الى غياهب الظلمات؟، ما اقبح الأمس وما أشقى الغد.
فكر انه عليه دفن الماضي في دهاليز وأقبية معتمة ويحكم الاغلاق يرمي المفتاح في قعر مظلمة، ماضي قذر، قذر، لكن ما معنى ان يجلد ،يعذب ،يسحل ، يسلخ، يخنق، يصعق بالكهرباء، يعلق في الطيارة، يدخل السجن بتهم واهية وحكم خيالي رغم البراءة التي ظل يصرخ وينادي بها ، لكن الآذان صماء والقاضي متحكم فيه عن بعد.

- على سلامتك يا ولدي، على سلامتك، الله يجعلها مغفرة للذنوب
- لا تلتفت إلى الوراء

تعانقه بحرارة ويشعر بالأمان، طفل صغير يفتقد إلى الحنان،دموع حارقة تلمع في العيون، الأب واقف متسمر يتفرس في الملامح،دخل في نوبة بكاء، كره نفسه والعالم، أخدت منه حقيبة الملابس، عشرات الكتب والكراسات المشدودة بعناية بخيوط رفيعة، القت بالملابس القديمة بعيدا، فكر انهما يتخلصون من الماضي، لكنهما لا يعرفان انه يحمل الماضي اللعين بين الجوانح، يجري في الشرايين ويسكن الحوباء، الإخوة كبروا وانتصبوا رجالا، كذلك الأخوات اصبحن اكثر رقة وجمالا، عانقهم الواحد تلو الآخر، ارتمى فوق السرير القديم، احكم إغلاق الباب، وغاب عن العالم المحسوس.
العربة المجرورة تطقطق، الحوذي يلسع الحصان بالسوط، تزبد الخياشيم، الغبار ينتفض من تحت العجلات ويتصاعد في السماء ، الطريق المتربة مليئة بالحفر، شجيرات التوت المنتصبة بشموخ على طول المعبدة، مزهرة، حبات التوت السوداء اكثر إغراء لامعة،طيور فرحة تنقر الحبات تشعل الجو زقزقات ،فكر انه تحت الشجر يسقط منه الكثير، لا يحتاج الفرد إلى تسلق الشجرة يكفي أن يبحث بين الحشائش ليعثر على كميات كبيرة، آلات الحصاد التهمت حقول القمح،تذكر ليلة العربدة والمجون، يحترم في دواخله تلك الفتاة التي غامرت وقبلت أن تمنحه بعضا من المتعة في العراء دون خوف من العواقب،حين قدم لها مبلغا ماليا رفضت في الأول وحين أصر دستها في الجيب مطأطأة الرأس، اشفق على وضعها حين عرف أنها يتيمة وتعيش مع قوادة تستغلها ابشع استغلال،مساجين بلباس السجن الأبيض المخطط بالأسود، يجمعون أكياس القمح، يحملون المحصول إلى عربة الجرار، كومات التبن المنتشرة، تسوى على شكل أهرام، صوت الجرار يغطي جميع الأصوات، انحرفت العربة مرة أخرى الى اليمين، السوط يصفر يلهب ظهر الحصان المتعب، صوت الحوذي يرتفع يغطي القعقعات.

- هوه...هوه… يا ...يا

صوت الحارس العجوز اقوي من صوت الحوذي، لم ير في حياته أوسخ واقذر من سجان يمضمض في الذهاب والإياب الكلام الساقط والعاهر، كل سجين في وعيه القبيح هو بالضرورة ابن عاهرة، انه ليس بشخص سوي، غالبا عاش في وكر للدعارة يقتات من عرق الأفخاذ وشاهد امه تفتح الحوض للغرباء لذلك يرى الجميع لقطاء وابن العاهرات، اللعنة على جميع الخبثاء والحقراء الذين يشتمون الضعفاء بسبب او بغيره.

- اجمعوا القمامة… نظفوا المكان يا أبناء العاهرات …

طيلة ايام الأسبوع باستثناء السبت والأحد يخرج المساجين إلى العمل في الحقول، تشتهر المنطقة بأجود الأراضي والزراعات المتنوعة،كل سجان يجر طابوره من المساجين بعد عملية العد والمناداة بالأسماء،تقفر الساحة والعنابر، الطلبة الأساتذة لهم مكانة خاصة، يدخلون ويخرجون بدون تفتيش أو مراقبة،التلاميذ اكثر احتراما، حين يدخلون الفصل، يلتهمون كل ما يقدم لهم بشره زائد، بضعة جانحين يحضرون الدروس بالأجساد لكن عقولهم غائبة،شعر بفرح طفولي حين اجتاز اغلبهم الامتحانات الإعدادية بتفوق،بعضهم اجتاز امتحانات البكالوريا ،المؤسسة صارت حديث الصحف وإذاعات الراديو، ظهر للوجود مصطلح إعادة الإدماج وتأهيل المساجين ظهورا محتشما.
الحمام الشعبي دافئ وفارغ، مستحمون قلائل منبطحون على البطون يستلذون بحرارة الزليج المزركش،افرغ سطلا من الماء المغلي على ركن بالقاعة الطويلة، تمدد على البطن، الدفئ يزيد من الانتعاشة، العظام ترتخي، الوزن يخف، يحس نفسه فارغا، سنة كاملة لم يحمم العظام بالماء الساخن، يغالبه النوم في الحجرة رغم الحرارة التي بدأت في الارتفاع،ضباب كثيف بدا يلف الحجرة يغلفها،لم يعد يبصر الأرجل ولا باقي المستحمين، صوبن لحمه اكثر من مرة، رائحة الصابون المعطر تزيد من الانتعاشة، حلق الشعر من الأماكن التي لا تراها الشمس ،وضع التبان في الماء المغلي حتى يموت القمل وأعشاشه ،القضيب ينتصب، احسه ينتفخ، يحمر يلهث، صورة كثيرة تعبر المخيلة، مؤخرات نساء في غاية الجمال يركضن فوق الجبين.
ينتظر نوبته للاستبراد في الحجرة الأولى عند المدخل،الحجرات الحارة خفت فيها الحركة، هسهسة الماء لها وقع خاص، رائحة الصابون المعطر تملا الانف،طلب منه صوبنة ظهره، يداه متعبة، الظهر يحمر، التبان لا يغطي السافلة، يشتهي هذه الكومة اللحمية، انفلتت الصابونة من اليد، انزلقت واستقرت في ثقب مسرب المياه، بحركة نشطة سحبها، تلامست المناطق المشتعلة، احس بالثعبان يقيم صلاة صامتة، الحركة بدأت تفتر،الظمأ الجنوني يستبد به، في الخيال يطرق بكل شوق ولهفة أبواب المدينة الساحرة، دون اكتراث ولا خجل، سحب الثعبان من التبان، صوبنه، هدهده بنعومة،يلطع ،يهبط من المنبث إلى الحشفة، تقيح الثعبان سر الحياة.

- الإنسان ضعيف أمام رغبات الجسد

يلعن الشيطان القابع في الدواخل، يلعن النزوات الطائشة ،نطف من لحمه ودمه تبتلعها بدون رحمة البالوعة،لماذا هو الإنسان يسعى إلى ارتكاب الحماقات، الممنوع مرغوب، لكي تتحرر عليك تكسير الطابوهات هكذا قال رفيق الزنزانة احمد السباعي، وحده يشكل مدرسة متنقلة، استطاع بفضل الاحتكاك بالتلاميذ الأحداث التأثير على العشرات منهم، فكوا الارتباط بالدين والله، الجسد هو الله، والله هو الجسد، شعاره الخالد والدائم،نحن ضحايا أزمة الفكر والهوية، الهوية تصنع الرجال والأجيال ،نحن شعب مسلوب بدون هوية،أسبوع أو اكثر يتحرش بالغلام، صده في المرة والثانية، كان يجب أن يرعوي، لكنه ازداد إصرارا ورعونة،يحس انه إنسان بدون قيمة، مجرد نخلة مسوسة في صحراء مقفرة، تلقي بالظلال على بقعة صغيرة مشتعلة، إنسان لا فائدة منه لا يصلح لأي شيئ سوى ارتكاب المحرمات
والمعاصي ، ما ذنبه إن كان مسيرا لا مخيرا، فالذي يحدث معه ليس له دخل فيه و مدفوع إليه من قوة خارجية.

- ابتعد عن المحرمات لتلقى رحمة وعظمة الله

ترك الملابس الداخلية القديمة في الحمام،سيظن صاحب الحمام انه سنيها،سيحتفظ بها لمدة طويلة، حلق شعر الرأس عند أول حلاق، الراس صلعاء تلمع مع أشعة الشمس،خرب أعشاش القمل، القمل في الزنازين يعد رفيقا دائما لا يمكن التخلص منه بالاستحمام وتغيير الملابس، مطاطا الراس يمشي ينقل النظرات الثاقبة في الازقة والوجوه، غائب التفكير، اصطدم بجسد قوي، حصان مشدود الى عربة، اجفل الحيوان وصهل، ابتعد في خفة، اماكن تعرفه معرفة دقيقة، يرى نفسه متسكعا ليلا ونهارا،الان تتبرم تتجاهله، تعبس، تكشر، الهواء منعش وقوي يعب به الرئتين، هواء الحرية ليس له مثيل، احس بدعة وطمأنينة ممزوجة بلذة، رجلاه تلامس الأرض المبلطة، بنايات ضخمة لم تكن موجودة، الشارع الرئيسي ازدان بالمصابيح وبضعة أشجار، الحديقة القديمة اختفت، أشجار النخيل اقتلعت الحمام الذي اتخذها مأوى للتعشيش هجرها الى العمارات القريبة، راى نفسه طفلا صغيرا، يذرع الحديقة جيئة وذهابا صحبة أبناء الحي.

- انظر إنها حمامات… إذا أسقطت إحداها ستكون وجبة دسمة
- راقب الحارس إياك ان يباغتنا

في الصباح الباكر أو وقت الغذاء، نتسلل إلى الحديقة مدججين بالأسلحة التقليدية، نصطاد الحمام بالمقالع، ابوبكر الناجي اخطر المجموعة تصويبا ودقة في إسقاط الأهداف،مع الايام قل الحمام واقترب من الانقراض، وبدل انتظار ساعات طوال لاصطياد حمامة، اتجهت الزمرة الى ضواحي المدينة بحثا عن الوجبات الدسمة، الدجاج والديك الرومي أهداف مطلوبة، ضربات مركزة في الرأس كافية لشل حركات الدجاجات،في مرات كثيرة تفضح قدومنا الكلاب، النباح يبعدنا عن الأهداف،شجرات الزيتون التي يستظل بها الناس امام المؤسسات العمومية في الشارع الكبير اقتلعت هي الاخرى،الزليقة التهمها الشارع،الزليقة فضاء خطر يستقطب الصغار والكبار،منحدران كبيران على اليمين واليسار، المنحدر الأخطر الطويل يتوسطها، علب مضغوطة وقطع البلاستيك المنزوعة من الصفائح توضع تحت المؤخرات، الرحلة إلى الأسفل محفوفة بالمخاطر، الانزلاق السريع مضمون،سراويل تمزق من الركب والوراء، لحم بشري يفتح بقطع الزجاج المرمية بعشوائية، حمى اللعب لا تحد منها المخاطر،ليس هناك فضاءات للعب الطبقات الفقيرة، ولا إمكانيات مادية للذهاب إلى المسابح وقضاء العطل الصيفية في خيام منصوبة في شواطئ المدينة، التخييم يحتاج الى ميزانية، والسباحة تنادي على الجوع.
بدا تعلم التزحلق في الماء المطحلب، صار بطلا للتزحلق، العديد من شباب الحي يشهدون بذلك، انطلق بسرعة فوق المنحدر الزلق،قطعة زجاج مزقت رجله اليسرى، الجرح غائر، الدم يسيل بغزارة، دم دافئ، جلس على حافة الوادي، حمل حفنة من التراب من غار نمل، وضعها على الجرح، ضغط لفترة وجيزة، كفت الدماء عن التدفق، الندبة في الرجل يستعيد بها تاريخا بريئا من الرعونة وفرض الذات،

غير بعيد حي الملاح، دخل أول ماخور، سحب مومسا شبه عارية، ترتدي فستانا شفافا، رائحة العرق تضرب من الحجرات، ضحكات ممزوجة باهات، الفرش متسخ، رمت الفستان بعيدا، انبطحت على الظهر فاتحة الحوض، الحديقة قاحلة، خمن أن لعبة التلاقح اليومي حولها إلى وعاء للتفريغ، الة لاستقبال المقذوفات البشرية، سحب السيف من الغمد، عنترة ابن شداد يدود عن القبيلة، المرأة سلعة في سوق الرقيق، الفروج تحولت إلى وسيلة للتكسب، تجارة الأحواض في الوطن تجارة مربحة، الآهات والحشرجات الجريحة ترتفع من الحجرات المجاورة، اشتعلت الفوانيس في الدماغ، يشعر بالقشعريرة تسري في كامل الجسد، تنسحب من تحته في خفة، تتلهى بفرقعات العلكة، يضرب اليد في الجيب ، يرمي الورقة النقدية، يستكمل تزرير السروال في الزقاق، الهواء في الخارج منعش، زبائن كثر ينتظرون نوبتهم لتفريغ الحمولة، فكر لولى الدعارة والمخدرات لانفجر البشر، لحصلت ثورات تأتي على الأخضر واليابس، عل شاطئ البحر ثمة زوارق تتمايل، صيادون يرمون الشباك المشدودة الى صفائح صفراء طافية، اخرون ينقلون الصيد الى اليابسة، جمهرة حول المعروضات السمكية، أشياء كثيرة اندثرت ولم تعد موجودة سوى في الذاكرة، خمسة سنوات تبدلت الأمور، النوارس تحلق في السماء تلاحق البواخر، في الميناء عجزة يثرثرون بدون انقطاع، حمالون يتسابقون لنقل البضائع، الحركة التجارية نشطة، بائع سجائر بالتقسيط يعرض السلع على الرصيف، اقتنى سيجارة شقراء، راح يدخن بشراهة، عيون فضولية تنهش الحركات، رؤوس تشرئب، يحس انه في المسلخ، جلادون مهرة يصقلون جثته، ترتفع الصرخات والعويل والبكاء، حميد الصحراوي يعرق ، ينشف، يجذف على الله، الحاج الصفريوي شرطي المداومة يوزع كؤوس الشاي والخبز على الموقوفين، يطلب المغفرة له ولهم، عبد الله الدباغ شرطي شرس يشتم بدون سبب، جميع الموقوفين أبناء العاهرات والقوادين،لربما تناسى ان هذه العينة المحتقرة من يضمنون له الخبز، شفيق معزوز ضابط مفتول العضلات يظهر برعاته أمام الزملاء في قهر المجرمين والطلبة، يقسم بأغلظ الإيمان انه مستعد لإزهاق الأرواح ، كل الذين سحبهم إلى المسلخ اعترفوا انهم شاركوا نيرون في حرق روما، وصلب المسيح، المفتش مصطفى الساخي يمارس تكتيكا مختلفا، يتقرب من الموقوفين لانتزاع الاعترافات بأساليب متقدمة، مراد الصافي حديث العهد بالعمل ، تخرج مند شهور والحق بمصلحة الشرطة القضائية، يرفض اللجوء إلى الضرب والجلد، افضل وسيلة بالنسبة له ضرب الموقوف بالقلم، ضربات القلم انجع من ضربات القدم واللكم، خليط من البشر المريض نفسانيا، انتزعوا منهم الرحمة اثناء التدريب، في نظرهم كل شخص مجرم، البراءة لا وجود لها في قواميس الجلادين، العنف دليلهم لتطويع الآخرين، يقف طالب مرعوبا، الآلة الكاتبة تطقطق، الأسئلة تنهال الواحدة تلو الأخري، تلعثم، ينتفض من مكانه ويسدد له لكمة مركزة على الانف، يسقط على الظهر، الدماء تسيل بغزارة، الجسد ممدد على الإسفلت بدون حراك، امتقعت سحنات الشرطي، الحجرة امتلأت بالوحوش الأدمية، حوارات ثنائية وثلاثية، ساعة من عمر الزمن انقرضت، الطالب يتنفس بصعوبة، حضرت سيارة الإسعاف ونقل مصفدا إلى المستشفى.

- انزع السروال….لا تخف… التفت إلى الحائط

يداها بضة رقيقة ، يتنمل الجسم عند الملمس، رائحة عطر قوي تملا الانف،ابتسامة ماكرة تعلو شفتيها الحمراء المستديرة في لون شقائق النعمان، قرص احمر معلق في الوجه،الإبرة الدقيقة تدخل في المؤخرة، حقنة البنيسيلين تحمل مصل الشفاء، غسلت مكان الحقنة باليوود ،يشعر ببعض الدوار، الأرض تميد، يفقد التوازن، الدم يندفع من الرجل اليسرى ،يستعيد السقطة في المخيلة عشرات المرات، الزجاج يشدخ الرجل، الجرح غائر، التراب المستخرج من ثقب النمل لم يكن فعالا مع كل خطوة ينزف، رتق الطبيب الجرح، عشرات الرتقات،حين انتهى كتب وصفة الدواء المجاني، الضمادة الناصعة البياض تلتف حول الرجل بنعومة، الممرضة تطلق القفاشات المشجعة على تحمل الالم،( يا الله يا اسمير ، يا لوين نوض على سلامتك) صوتها أشبه بهمس، صدرها المكتنز يتمايل عند كل حركة، يبحلق في الفج المشتهى، يلعق الحمامات النافرة في صمت، المستشفى الكبيرة سورت عن آخرها بالأشجار العالية، مداخل سيارات الإسعاف من كل جانب، مواقف المركبات منظم، نمل بشري يدخل ويخرج، فكر أن جل ساكني المدينة مرضى، المستشفيات مثل السجون مكتظة عن آخرها.
نسوة يتجاذبن أطراف الحديث مع صاحب عربة مجرورة ببغل مثقلة بأنواع الخضر ،شابة تقضم عرق جزر باشتهاء،ثوبها الشفاف محصور فوق الركبة، مشعرة رجلاها، فكر ( ملعب معشوشب) أبواب موصدة وأخري مشرعة، يعرف كل الساكنة، عدد الأولاد، الأحياء والأموات، المنزل ملكيتهم أم يكترونه، ابن الحي عاش بينهم مند الولادة حتى اشتد عوده، تعارك من سخرية الاخرين على لون البشرة ، كلمات ‘ عزوة’ و’ العبد’ و’ العنطيز’ وغيرها من الشتائم الحاطمة من الكرامة، تستنفر العفاريت الداخلية، شجارات عنيفة تنتهي في الغالب الأعم بحفلات ضرب مبرح، مع الأيام صار الأتراب يتجنبون الاحتكاك به، اصبح عنصرا خطرا، لا احد قادر على الاعتراض أو مناقشة ما يقوله وما يطلبه، أي تحد تقابله ردة فعل وقحة، يندم على اليوم الذي اطل من فرج امه، تأوه عدة مرات، فقدان الشعور بالزمن شيئ رائع ومثير، حين عاوده الماضي تمنى ولو لم يعد، لان ماضيه قذر، قذر.
صبيان يتراكضون، يتصايحون، يلاحقون الكرة، يلهثون حول بالون منفوخ بالهواء، العرق يغسلهم، سحنات محروقة بأشعة الشمس، الكرة مخدر الشعوب الجديد، يوميا تقام مباريات في الطرقات، يكفي أن ترسم الشباك بكومة حجر، يجتمع أبناء الحي وينقسمون إلى فريقين، الجولات تستمر لأكثر من ساعة بدون أشواط ولا حكم، كل مرة يرتفع صوت فرح طفولي معلنا عن تسجيل هدف وتتعالى الصيحات والتصفيقات.

- كول كول

تهدا الحماسة وتفرع الطريق، تمر السيارة ويعود الضجيج والصراخ، اغلب الأزقة تحولت إلى ملاعب للكرة، يكفي أن يجتمع خمس شبان ويقتنون كرة بلاستيكية بدرهمين ويبدأ اللعب، الحياة في الماضي كانت سهلة.
يغطي الرأس بقبعة مصنوعة من نبات الدوم، سلة بها قفص وشباك، ماكولات خفيفة، شاب في مثل سنه مولوع بصيد العصافير يرافقه في الذهاب والإياب، الشمس ترسل لهيبها بدون رحمة كان لها عداء قديم مع أهل الأرض، الغابة الكبيرة على بعد كيلومترات، في الطريق لا شجر ولا جدران تقيهما من الحر الشديد، طائر الحسون في القفص يفتح منقاره، يرشه بالماء ليستبرد، يمشيان على جنبات الوادي، يستبردان كل مرة، الأجساد مقشرة، منسلخة ، الوجه ازداد سوادا، والشعر بدا يصفر، لا احد يبالي، كل شيئ يهون إذا تم اصطياد سرب من العصافير، يحتفظ بالعصافير المغردة ويقوم بطهو الأخري، شواء طيور الدوري لذيذ.
يسحب الحبل بقوة، الشاب يعدو كالمجنون، بدوره يركض بتهور حافي القدمين، سباق محموم لنيل الجائزة، أشواك النباتات الوحشية تنغرز في الأرحل، لكنه لا يبالي، يسحب العصافير من الشبكة التي أطبقت عليهم،تنتفض،يحس بنبضات القلب المرتفعة، يعيد بناء الشرك، يزيل أعواد الريش، يرميها بعيدا، عصفور الحسون في القفص يقفز برشاقة، يغرد يملا الفضاء ترنيمة ولا روعة، ينقر الحب، اصبح متواطئا يسمع زقزقات العصافير ويرد عليها، الشجرة المشوكة التي غرسها غير بعيد من الشرك لها دور مخادع، وفعال، العصافير العطشى تهبط عليها دون تردد، تظل مسمرة هناك لهنيهات قليلة حذرة، تقفز إلى الماء،شربة ماء تنهي حياة الحرية والفضاء الواسع والرحب،تبدأ حياة الأقفاص والرفرفات المجنونة، يراقبها تدس الرأس الصغير بين الأسلاك، تبحث عن منفذ، تعيد الكرة آلاف المرات بدون نتيجة. مثل فار محاصر من الجهات الأربع، ينتفض يتقوس، العمود الفقري يطقطق، الوجه يلتهب، الرأس ثقيل، لا يسمع أي شيئ، الماء يقطع التنفس، يختنق، سيموت جيفة لا محالة، في المخيلة يستحضر بعض صور الكتاب المقدس، يتمتم في المخيلة.

- اشهد أن لا اله الا الله وان محمدا رسول الله

احمد السباعي يرى أن الدين والإيمان والاعتقاد له علاقة بالظروف الصعبة التي يمر بها الإنسان، وقت الشدة والضيق، يستحضر الله والملائكة والأنبياء والرسل، وحتى أولياء الله الصالحين، قديما قدمت القرابين للنار والأنهار والشمس لصعوبة فهم الأشياء المحيطة، عبد الإنسان القمر والسماء والأصنام حين اكتشف أنها لا تجدي نفعا بحث عن شيئ يستحيل فك شيفرته، اهتدى إلى الله بعد بحث مضني عن الخلاص الروحي، المولد الكهربائي يلعلع، يرسل إلى الجسم شحنات قاتلة، يتنمل البدن، تسري القشعريرة،الموت يأتي فاتحا الجناحين، يقترب،يغرس مخالبه في الأشلاء، يفر في اللحظات الأخيرة، حتى الموت متحالف مع هؤلاء القتلة، صرير المولد يرتفع،موسيقى حزينة، مبهمة،صوت مبرد متقادم في المنزل، طقطقات الطواحين الهوائية،بضعة دقائق من الضغط كافية وينتهي العذاب المهيض والمر، بضعة دقائق وتموت الجرثومة، الوحش حميد الصحراوي والعصابة مدربون على وسائل التعذيب، رائحة الخمر تضرب منهم، عينا حميد الصحراوي اكثر احمرار تماما كالذي استغرق طويلا في حجرة الحمام الحارة.

- لا نريدك ان تعترف...لا يهمنا اعترافك حتى… ليس لنا هواية سوى جلد الخارجين عن القانون...سنجلدك حتى ينفصل الجلد عن العظم…؟

انهم يختبرون عزيمته، صلابته، إصراره على التحدي، قواه تخر، تنهار دفعة واحدة، العصا تمزق الضلوع بوحشية،الصراخ يرتفع، كبش يحتضر، قوائمه تركل الفراغ، السكين لا تزال تقطر دما دافئا، يحدث ثقبا في القائم الأيمن، يدخل عصا الزيتون في الثقب ، يستمر في دفع العصا، يضع فمه في الثقب، ينفخ ويضغط لكي لا يخرج الريح، جثة الكبش تضاعفت، بالون يستعد للتحليق، يضرب ضربات متتالية على الجثة، يرفعها ويعلقها على مسمار في الحائط، عملية السلخ بدأت، في سرعة انفصل الفراء عن اللحم، قطع القوائم والرأس، غسل البطن بالماء لإزالة بقايا الفراء، يدخل السكين بتواده، يسحب المعدة والمصارين ،يسحب ملاءة الشحم النفيسة ، تعلق على حبل غسيل لتجف،إنها القطعة الثمينة التي بها تلف أسياخ اللحم ،فراء الرأس والقوائم تحترق فوق المجمر الملتهب بالفحم، أسنان الكبش بارزة يضحك ضحكته الأخيرة،لم يبق من الخروف سوى بقايا دماء تخثرت بفعل الحرارة، الأم والأخوات يزلن الأوساخ، الأب يمسح العرق من على الجبين، جلس فوق الكرسي منهك القوى، الصينية أمامه يرتشف من كوب الشاي المنعنع رشفات بصوت مسموع، أحضرت الأم الرأس امسك بساطور واقتلع القرنين، قطعه إلى عدة قطع وسحب المخ ووضعه في صحن صغير، الضربات تطن في الآذان، ترتفع الشتائم واللكمات، ارتخت العضلات، الدم يفور من الرأس، ينظرون إليه بخوف، يرمي العصا بعيدا كانها تحولت فجأة إلى ثعبان،تخمد الحركة ويعم صمت متقطع، يحرك حميد الصحراوي الجثة برجله، يضع يده على قلبه، يراقب النبض والتنفس، العيون متسائلة مرعوبة، حملوه الى زنزانة فارغة،افرغوا عليه سطلا من الماء،زالت الدماء التي تغطي الوجه، الملابس ملطخة بالسائل الأحمر، ينهرها في تذمر مهددا متوعدا.

- اتركيه فليمت….لنستريح من حماقاته
- إذا مات ...ستذهب إلى السجن

في صوتها نبرة خوف، تخاف أن تنال حصتها من الجلد والضرب المبرح، كما يفعل في العديد من المرات، لم يقل شيئا جر رجليه إلى الحجرة، اغلق الباب ورائه، الأخوات والإخوة تحلقوا حوله، منظر الدم هالهم. مسحت دمه غسلت الأرض، غيرت ملابسه، يرتعد ويرتعد، الأسنان تصطك حرارة الجسم ترتفع، بات محموما تلك الليلة، كوابيس مريبة تكبس على الدماغ، في الصباح لم يأكل شيئا، احس بوزنه ينقص، الحركات ثقيلة، الرأس تؤلمه، الجرح غائر.
غسلت شعره بالماء الدافئ، ملات الجرح باليوود والسائل الأحمر الذي يصلح للبثور والكدمات، طريح الفراش منهك القوى، الحرارة ترتفع وتنخفضن يومان لم ير الأزقة، يشتري بعض المأكولات الخفيفة، مشروبات غازية، يسترضيه، عندما يحس بخطواته يجر عليه الغطاء، يكلمه دون أن يجيب، يعاقبه بطريقته، يموت غيظا وألما، نبراته تؤكد ذلك.

- المسخوط... لا تكلمني

يظل يثرثر، يعيد نفس الكلمات والوعظ، لا جواب ولا ردود،إذا أردت أن تعذب شخصا وقع لك معه خلاف تجنبه، لا تكلمه، لا تنهره، لا تناقشه،دعه يتصرف على هواه، الغيه من الذاكرة حتما سيحس انه بدون قيمة، لكن الوصفة لا تصلح مع كل إنسان، أبوه لا يفقه شيئا في المعادلات الذهنية، التفاهم عنده باللكمات والكلام القذر، لا احد من الإخوة اسلم من فتوحاته، مثلما يتعامل مع الأحذية الممزقة يتعامل مع الأبناء، الأحذية لا تستوي إلا بالمطرقة والسندان والمسامير والغراء، من أين يستمد هذه القوة وهذا العنف المتعاظم والمتكاثر.

- ضرب مخبرا للاستعمار وفج راسه

جدته من أبيه تعيد الحادث اكثر من مرة على مسامعه، اعتقله النصراني لكن أبوه تدخل واطلق سراحه لقد نفح النصراني بضعة دراهم، حدث ذلك ولم يتجاوز عمره بعد أربعة عشرة ربيعا،جده الكبير عبد الله كان إقطاعيا جمع ثروة مهمة من التجارة في الذهب والمعادن النفيسة الأخري، افتتح محلات في اكثر من مدينة لصناعة وبيع الخواتم والأساور و حلقات الأذن، صرف الكثير من أمواله على حياة العربدة والمجون سافر إلى دول أفريقية عدة، في الرحلة الأخيرة نحو الأرض المقدسة لأداء مناسك الحج انقطعت أخباره، قيل أن قطاع الطرق قتلوه بعد سلبه ممتلكاته، شب ابنه البكر العربي على نفس المنوال لكنه احب الأرض الوطن وانخرط في سن مبكرة في حركة التحرير حين اكتشف المعمر تورطه، صادروا أملاكه واعتقلوه لفترة، استطاع الهرب بمعية العائلة إلى منطقة دكالة، في بضعة سنين كونوا ثروة مهمة من العمل في البساتين وحفر الآبار وصناعة الدلاء، تزوج من عدة نساء، انجب بدون حساب،ورث عن والده بضعة خصال، تزوج أيضا وطلق بدون حساب( من شابه أباه فما ظلم) يبذر بدون حساب، لم يشارك في المقاومة لكنه قدم الكثير من المال لشراء الأسلحة، من حسنات الحفيد عباس انه شج راس الجار الخائن بسبب خلاف على الحدود، والده العربي احب الحياة، احب مطاردة عذارى القبيلة، يسب ويشتم، يتعارك مع الأتراب، سمع من بعض الشيوخ الذين عاصروه انه قتل إحدى الزوجات غير المطيعة التي تزوجها بالإكراه، ربطها اللعين من كلتا يديها بحبل طويل، ركب الحصان الأدهم ذي السرج المطرز واللجام المدهون بالزيت، جرها على الأرض المليئة بأشواك التين الشوكي والسدر، جده العربي امتلك عشرات الخيول شارك بها في مواسم التبوريدة والاحتفالات الشعبية، سافر بالجياد إلى المدن المجاورة، احب مدينة الدارالبيضاء المهرة الجامحة غير المروضة كما يسميها، يتردد على بيوت الدعارة يضاجع الجواري البيض ،في جلسات الأنس مع الأصدقاء يتفاخر بالفتوحات العظيمة، لا يخجل من سرد قصص الغزوات الجنسية، الجنس محرك العجلة الاقتصادية، المصيبة انه يقيم الصلوات في الأوقات ويؤدي الزكاة ويصوم رمضان ، مرضت المرأة وظلت طريحة الفراش لعدة أيام، تقيحت القروح، نزع الأشواك من الجسد المليء بالثقوب والكدمات لم يكن مفيدا، ماتت في صبيحة احد الأيام، حملت إلى المقبرة ودفنت، لا تحقيق ولا بكاء ولا عويل، اللعنة على كل الآباء الذين يرفعون الأيدي على الزوجات ويفجرون غضبهم على النساء، اللعنة على كل الأمهات اللواتي لا يهتمن سوى بشحن البطون وفتح الحوض كل ليلة، اللعنة على المدينة التي ساقه القذر إليها، اللعنة اللعنة، اللعنة على اللعنة ذاتها.
الظهر مقوس ، السروال يرتفع أعلى الركبة، الجفاف ثقيل، يغوص في الماء الوسخ والمغثي، رائحة البول والغائط تتسلل من بين المصارف المهشمة، الم في الظهر، يتباطأ شيئا ليسترد الأنفاس المتقطعة، زميله في زنزانة المخفر افرغ جوفه،كانت الرائحة أشد فتكا بمسام الروح، الشرطي يتمتم من انفه، تاهت أبجديات الحرية المشتهاة والمتغنى بها في استحضار الشعارات، البلوعة تقيئ الموت والفئران السمينة، أربعة موقوفين يدخلون قضيبا حديديا في مجرى المياه العادمة، يسحبون بشدة، أكياس علب السجائر الفارغة، أعقاب سجائر، خرق بالية، أعادوا إدخال القضيب اكثر من مرة المواسير الأسمنتية، بسرعة انجرفت المياه المغثية ، لم يبق سوى بقعة في مربد سيارات الشرطة.

- اسمع يا ابن القحبة… اشتغل والا تكلمت العصا في الظهر

أينما ادار الوجه ثمة عصا تنتظره على احر من الجلد، في الدار لا حديث سوى عن العصا الخارجة من الجنة، العصا التي لا تترك من يعصي، العصا في الدار في المدرسة في الشارع في المخفر في السجن، الوطن يؤمن بالعصا لحل الإشكالات وتقويم الاعوجاج والانحراف.
ينظر ألية نظرات شزراء واحتقار، العصا تلسع الظهر،يئن ويتوجع، يجر قدماه، ينحني في تثاقل روماتزمي، يسحب القضيب الحديدي، العظام تطقطق، فكر في الهرب بينه وبين الحرية سور ارتفاعه لا يتعدى المتر، اندفعت الفكرة في الدماغ بقوة، طغت عليه بشدة، شيع الشرطي بالبدلة الزرقاء الباهتة، لن يقدر على العدو اكثر من عشرة أمتار،الهروب يعني القضاء على حياته المهنية،تعريضه للتحقيقات والتوقيف، لا يمكن استغلال الموقوفين في الأعمال الشاقة القذرة، انهمك في إدخال القضيب الحديدي في( قادوس) الوادي الحار، الأيدي تعرق، ينزلق القضيب، يمسح العرق في السروال، فكر( الاعمال الموسخة رياضة كباقي الرياضات، المهم ان يحرك الموقوف عضلاته ويستنشق الهواء النقي ممزوجا برائحة البول والغائط المخمر…) السيارات في الشارع تمر مسرعة، الأرجل تغرق في المياه العادمة، الشرطي عيناه تتحرك بسرعة غريبة، صوته الوحشي يرتفع.

- ادفعوا لقصيب في القادوس يا اولاد القحاب

يقف ببدلته المتقادمة الباهتة، وقفة ديكتاتور في ساحة تاريخية، يلقي خطابا على الشعب المقهور والمقموع، تنقصه الأوسمة لتكتمل الصورة، يضع اليد على المسدس الثقيل والصدأ، لم يطلق رصاصة مند استلامه، مجرد ديكور لتسويق الخوف، يسوي القبعة المتآكلة، دف في يد طفلة في ليلة عاشوراء، الماء يفور، اسود فاحم.
عشرات السجناء يسحبون خرقة بالية ( الجفاف) يغسلون الأرض الملوثة على الدوام ،وجوه صفراء تدلف إلى الخارج، تحمل فوق الأكتاف مئات الأعوام، جرائم لا تعد ولا تحصى، وجوه مألوفة في هذه المدينة التي تشبه باخرة معطلة في ميناء مهجور، تدخل من جريمة إلى جريمة، يجدون لذتهم في حياة السجون، حياة السجن افضل من حياة الحرية،هنا لديهم قيمة ، ينامون تحت الحراسة، يأكلون، يمارسون الشذوذ بحرية، يتحركون تحت الحراسة.
- لا عائلة لي ..فتحت عيني على الحياة وجدتني وحيدا، اشتغلت عند نجار
لم يكن يعطيني اي شيئ، اشتغلت ماسح احذيه، تعلمت التدخين، دخنت الحشيش، عندما لا أجد ثمن الحشيش اقتني زجاجة من كحول الحريق…

الفم فارغ من الأسنان، يشبه مؤخرة قرد، رذاذ اللعاب يصيب رشاشه المتحلقين حوله، يعرف هذا السكير ، كان سباحا ماهرا، يصاحب الناس الطيبين، يلبس جيدا، انقلب الى عالم التسكع والتسول، ارتمى في أحضان المخدرات، رائحة كريهة تضرب منه، لقب الميكروب ملائم جدا،يدخن عقب سيجارة بشره، الأصابع منه صفراء،حشرة بدون قيمة، سيظل كذلك إلى تزهق روحه أو يقتل في جلسات الخمر الرخيص ، مخلوق ملفوظ من السماء، يستدر العطف والشفقة داخل الباخرة المعطلة في ميناء مهجور، يستعطي السكر والشاي والنعنع، يقوم ببعض أعمال السخرة.

- قنينة زيت الزيتون

مقابل قطعة حشيش من النوع الجيد، قدم قنينة نصف لتر من زيت الزيتون للسجان، ساعده مرات عدة في إدخال الأوراق النقدية، أثناء زيارات العائلية وبعض الأصدقاء الطلبة وأبناء الحي، لا يهم ثمن قنية الزيت الأهم وضع السجان في الخدمة، سيصبح سفيره الى الخارج،كلما كان العطاء سخيا كلما ادعن السجان للطلبات، السجانون مثل الكلاب يخافون ولا يحشمون، العيون تخرج من المحاجر إذا لاحت له علبة سيجارة شقراء، الأفواه تتحلب إذا سقطت نظراتهم على شرائح اللحم،حين توطدت العلاقة مع مدير المؤسسة ابراهيم الطاهري اصبح اقبحهم و أوسخهم يتقرب منه،يمعن النظر فيهم يلتهمون الأطعمة المجانية المتصدق بها بشره كبير، ما اتعسهم وما اقبحهم من بشر، السجناء يعيشون افضل منهم يقضي العقوبة ويرحل، انهم سجناء بدون جريمة، سيظلون يقبعون في الزنازين طوال الخدمة، يتمنى ان يقضي عمره حرا طليقا تحت اشعة الشمس ونسمات الربيع وهواء البحر، بين الوديان والهضاب والشهول وتحت الاشجار الوارفة الظلال.
عناق حار أيادي مرتفعة تلتقطه، تحتضنه بلطف، دموع تنهمر وآهات، غمره شعور طفولي، حب صادق وحنون افتقده مند زمن بعيد، الدموع تمسح السحنات، دموع الفرح أم دموع الخلاص، تنهدة عميقة، تعبره ترسل القشعريرة في الجسم، تضطرب مثل موجات في الصيف، الانسان هش امام المواقف العاطفية، القسوة رغبة أكيدة للتفريغ عما يعتمل بداخل الحوباء من تناقضات وصراعات مع الحياة والذات والأخر،لو شملوه بهذا العطف والحنو الزائد، لم يكن ليتمرد على القيم والأخلاف ويحمل بين الضلوع مواكب مثقلة بالضغينة والحقد تجاه الحياة، هل لابد من حدوث أشياء فظيعة حتى يعيد الإنسان ترتيب الأوراق والمصالحة مع الذات.
تشره الأم بالماء البارد، تامره بوضع رجليه في طست بلاستيكي مليء بالماء ، استجاب للرغبة دون تعليق، قرا في عينيها فرحة عارمة، وجوه الإخوة والأخوات المتحلقين حوله باسمة، فكر انهم كبروا ، الماء بارد ، يعرف أن بعض الجارات هن اللواتي أوحين لها بهذه الترهات والخزعبلات، المشاكل المستعصية تحمل الإنسان على تجربة المستحيل كالغريق يتشبث بأي شيئ في سبيل النجاة، وهنا يلغي القدر من الجماجم ، رائحة الطعام تضرب من المطبخ، الساعة تشير إلى الواحدة بعد الزوال، قضى وقتا طويلا في الحمام والتسكع في أرجاء المدينة،ودقائق معدودة في الماخور، المومسات يتشابهن في السلوك والتذمر، ما أن تسحب السيف البتار حتى يبدأن في التشكي، (انتظر انك تؤلمني، ليس هكذا، اللعنة على هذه الحرفة الوضيعة) حين تضاعف الأجر تصبح اكثر استجابة.
المشط الحديدي الثقيل، يدخل بين الخيوط المتشابكة والمستقيمة، يدكها، يصففها، دفات ثقيلة متلاحقة، دفات ساعة كبيرة في ادارة عمومية، يراقبها، تدخل الخيط الملون في النسيج المشدود إلى أعمدة خشبية طويلة مثقبة، رسوم مبهمة، تشكيلات دقيقة، مستقيمة، منتظمة، متداخلة، لوحة فنية رائحة تتشكل بتوادة، أين درست فن الحياكة، وكيف تكون لها هذا الصبر في الجلوس لساعات أمام خيوط مشدودة في ألواح ذات ثقوب متباعدة و متساوية المساحة، أهل الأمازيغ يتفننون في نسج الأغطية الصوفية والزرابي، ليس هناك شابة أو مسنة لا تجيد الحياكة والتطريز،يتناقلن جيل بعد جيل هذه الحرفة عند جداتهن وأمهاتهن لكنها في الطريق إلى الانقراض والزوال.
يشعر بالمرارة لأنه أصوله ليست من الأمازيغ ولا من المغرب، فكل اسود بالضرورة له جذور في أفزيفيا العميقة،سمع مرات من جدته أن جدنا الأكبر هاجر من السنغال واستقر في المغرب، تشبع الأولاد بعادات وتقاليد الأمازيغ، أتقنوا اللغة وامتهنوا الحرف التقليدية برعوا فيها ، في المغرب لا يشعر السود بالعنصرية والتميير العرقي ولا يتعرضون للتنمر، مندمجون في المجتمع بسلاسة.
- المراة التي لا تعرف غزل الصوف وحياكة الأغطية والأفرشة لا تتزوج

هكذا أجابته جدته من ابه وهو يمطرها بوابل من الأسئلة، في الأرياف كل النسوة يقمن بالأعمال الشاقة والمضنية، رأي في ما مضى نساء يشمرن عن سواعدهن الموشومة، يقطعن الحطب بالسواطير، تهوى على الشجرة الميتة واقفة بضربات مركز، نساء يقمن بالحصاد والحرث إلى جانب الرجال، بين الحرث والحصاد تقع اشياء كثيرة، العيب الوحيد في الأرياف أن الواحد يتزوج وينجب دزينة أولاد، يكبرون ويموتون في الشقاء وتستمر السلسلة.
منبطح على الظهر، يراقب السقف، يستعيد تاريخا طويلا عريضا مضطربا من الحماقات والصعلكة، طفل صغير يركض بخفة ومرح، أشياء رائعة تمر أمام المخيلة، مناظر خلابة، صوت البحر يأتي هامسا في جنح الظلام، لم ينم طوال الرحلة التي استمرت عشرات الساعات،صراخ الأطفال يرج الحافلة، البسمة تعلو الوجوه التي تكابد الأرق، أول مرة يسافر إلى مدينة بعيدة في الشمال قريبة من الحدود، أول مرة يفترق عن الوالدين والإخوة وأبناء الحي، المخيمات الصيفية متنفس للطبقات الكادحة.
وجدوا في الاستقبال عشرات الوجوه الغريبة، وجبات باردة فوق الموائد، بيض مسلوق وقطع خبز يابسة، الثالثة صباحا قليلون من قضموا قضمات صغيرة وتخلوا عن الوجبة المقرفة، تفرقوا على خيام منصوبة في الخلاء، سحبوا الأفرشة، وناموا بدون حراك، شاطئ رائع وأمواج تغري بالسباحة، أناشيد حزينة، حنونة، تطوف به في عوالم غريبة، تقطر ألما، طفل اعرج تدهسه سيارة مسرعة، سيدة طيبة ماتت فجأة، رجل شريف يتعرض للطعن في واضحة النهار، لاحظت صورة الخالة تحتضر وبالقرب منها الأبناء يذرفون الدمع، الكل يبكي ويتصايح، حتى الجيران الذين لا تربطهم بالخالة أية علاقة انخرطوا في نوبات بكاء هستيرية، ربما تذكروا أقرباء رحلوا بدون استئذان، فقيدا عزيزا على القلب.

- لقد ماتت خالتك هنية

الدموع متحجرة في المآقي، أول مرة يذهب إلى المقبرة والميت من الأقرباء، الخالة هنية ظلت تعاني من الداء اللعين مند سنوات، كانت قوية غليظة، عيون سوداء واسعة،قاومت سنين لكن الداء هزمها أحالها إلى كثلة عظام بالية، الوصفات الطبية والعقاقير المصنعة في المختبرات ومحاليل الأعشاب لم تنفع،( إذا المنية أنشبت أطافرها ألفيت كل تميمة تنفع) أبو ذؤيب الهدلي نطق الحقيقة مند قرونه، وضعوا الجثة في السيارة البيضاء، مشى القوم وراء المركبة المطرزة بكلمات من الكتاب المقدس، رددوا في خشوع بعض الآيات القرانية وبصوت جهوري يمزق السماء، جده يحفظ القران عن ظهر قلب، يرتكب أخطاء إملائية ونحوية، حفظ كتاب الله عن طريق السماع، يرتله بصدق وعميق الأحاسيس،فقهاء الأضرحة والمقابر يغلب على ترتيلهم طابع الصنعة والتجارة، اللعنة على فقهاء الدنيا وعلى عجينة الشرذمة من المنافقين والكذابين، يتزاحمون من اجل حفنة اوراق ودراهم معدودة، اغلبهم يدخنون الحشيش ويكرعون كؤوس الخمر.
الاطباق الشهية تطير، أيادي رقيقة تندفع للحصول على وجبة طعام، سمك مقلي وسلطات، ومسحوق البطاطس، تفاحة وياغورت، صديقه لم يكن عاقلا، اكثر حماقة وخسة منه، اخطأ الأب مرة أخري.

- لن تذهب بمفردك
- ولكن لن اذهب بمفردي… هناك أطفال في عمري
- قلت لن تذهب
- لماذا...؟
- لأنك احمق ...سترتكب حماقة
- ابن العسكري… وابن رقية وابن الخضار موسى سيذهبون
- إذن سأتحدث مع ابن العسكري ...انه طفل عاقل
رائحة الحوت المقلي ومسحوق البطاطس الذي يشبه براز رضيع، تلوي المصارين، عصافير البطن تتألم، لم يكن السمك مقليا بما فيه الكفاية، اخدوهم الى ساحة كبيرة بملابس البحر، قاموا بالحركات والتسخينات، ألفي المدربون على المسامع عشرات الموانع والتحذيرات، السباحة خارج الدائرة ممنوع، دائرة رسمت بالأيادي المتشابكة، المربي يعلق سيجارة شقراء في الفم، يلعن ويسب، راى من خلال المخاوف انه أينما ولى وجهه يجد شبيها للاب القاسي الذي تركه هربا من الضغط والتسلط على بعد مئات الكيلومترات، ليجده منتصبا في الطريق يلبس شكلا اخر ويتكلم لغة مغايرة، الشعر الملولب مبعثر، مغمض العيون، يقف مستسلما في صف طويل، طوابير عديدة، ثكنة عسكرية تنقصها الملابس والاسلحة، العلم الوطني يرفرف عاليا، يتمايل يمنة ويسارا يهزه نسيم البحر، يصفق تمام مثل رفرفات الحمامات عند الطيران، بصوت جماعي يردد النشيد الوطني، الذي لا يحفظ منه سوى بضعة كلمات.
تلبس شورطا ابيض مخططا بالازرق، حملات النهود من نفس الالوان، غليظة شيئا ما، لكنها رائعة شقتاها ممتلئتا يصلحان للعض والمص، تبتسم باستمرار، عندما تقوم بالحركات التسخينية، تهتز الحمامات كأنما تحاول الانفلات من العقال،حلمتاها بارزتان مرسومتين على الحمالات، سواد مشتهى يحيط بهما، الشعر يسافر بدون قيود، بعض المربين لعقونها بالعيون، يشتهونها، يعرونها بنيران الخيال.

- امينة … امينة

جميع الأطفال أحبوها، تغني بصوت عذب، ترقص، أناشيدها دافئة تثير الانتباه تضحك وتكشر عن اسنان ناصعة البياض، تحت القفاشات والمزاح، لا تخجل ان سمعت نكتة داعرة،بل تشجع على سماع المزيد.
بعد اسبوع من الاقامة في المخيم الشاطئي، سيعرف عن طريق الصدفة ان امينة عاهرة صغيرة، تدخن وتسكر، تفتح أفخاذها للكلب ان غازلها، اللاعنة على الجمال والصوت العذب والاناشيد الدافئة، اللعنة كل المربيات التي يعتبرن نفسهن سلعة رخصية، تحول الإعجاب إلى تذمر ونقمة وسخط وكراهية، انها جرثومة قاتلة، تفتك بالابرياء ،في كل صباح عندما ترفع عقيرتها لترديد الأغاني يشعر بالامتعاض، أصوات خافتة، قهقهات متقطعة، وشوشات، جميع من في المخيم صار يعرف من تكون، مجرد وعاء للتفريغ، في اليوم العاشر للتخييم مباشرة بعد الظهيرة، انتشل غواصون جثة شاب غريق، الذعر ينتشر بين الأطفال، غير بعيد صيحات وعويل، بكاء ولطم على الخدود، أنات ودموع تكفكف، الحفرة الصغيرة استوت، أحجار ملساء طويلة تغطي الفتحة خليط من التراب والتبن، اختفى الجسد الملفوف في الثوب الأبيض، الخالة كومة من تراب محدودبة، يا اله الإنس والجن والشياطين والعفاريت أي مصير ينتظر الإنسان، تفرقت الجموع، رئيس الفقهاء يمد يده يفاوض زوج خالتي على مبلغ قراءة الآيات القرانية، يلتقط الدراهم والأوراق النقذية في فرح طفولي، لذة تكتمل بالتجارة في الجنازات وأتراح الناس،عيون خبيثة تدوس على القبور بدون رحمةـ يقطعها يمنيا وشمالا ، لربما يتمنى الموت لهذه الجموع الغفيرة، في الجنازات يلتقط رزقه، حيت تولد التعاسة والحزن يولد مورد الرزق، الحفار يفاوض ، بائع صفائح الماء يسعر الصفيحة الواحدة، الفقهاء يقفزون على الصور القرانية يمضمضون الكلمات ، يلتزمون الصمت، حين ينفحون الاوراق يستعيدون نشاطهم، اللعنة على الخبز الممزوج بدموع الآخرين.

- الخبز يابس… الخبز يابس يجرح الأفواه الصغيرة

تعالت الصيحات، والصرخات، الانتفاضة الأولى على رداءة الوجبات لم تأت أكلها، مرت عشرة أيام على الوعد يتحسين جودة الأطعمة، تراشق الأطفال بقطع الخبز اليابس، هرب المربون، قاعة الأكل تحوت إلى ساحة حرب حقيقية، انقذفت الصحون والملاعق في الهواء، أسقطت الموائد، هرع الى القاعة عشرات المسؤولين، تفرق الأطفال في المخيم، عصافير البطن تصفر، انتشر الخبر في الشاطئ بسرعة البرق، مدير المخيم والمكلف بالتموين في ورطة حقيقية.
كل شيئ كان عاديا وهادئا أثناء وجبة الفطور،لكن التذمر يظهر على الملامح والسحنات،العاصفة أتية لا محالة، رجع الأطفال من البحر يجرون الأرجل من العياء والتعب الشديد والجوع، لا يسمح بالسباحة حتى تبح الحناجر من كثرة الصراخ والزعيق المفروض، جلسوا أمام الموائد الخشبية المكسرة والمتسخة في انتظام، أحضرت الطباخات قطع الخبز، بدا الدق بالأيدي على الموائد المهترئة، طاخ ...طاخ ...طاخ ، انتشرت عدوى الضرب، ملاعق تقرع الصحون، الضربات ترتفع والحناجر تنفث الغضب،( الغضب الساطع ات...وانا كلي إيمان.. سامر على الأحزان…) سقطت في المخيلة أغنية فيروز إنها تعكس الغضب الذي نشب الأظافر في أجساد الأطفال تمردا على وجبات بائسة وكسرات الخبز /الحجر.

- سوف نعمل على تحسين الوجبات

تكلم صاحب البدلة الأنيقة وربطة العنق، مدير المخيم، طال الانتظار والترقب، أصحاب البذل اغلبهم لصوص وخونة، التمرد وصل ذروته، اطفال في عمر الزنابق يقلبون المخيم الهادئ راسا على عقب، الاطباق الزجاجية المخربشة تكسر، الكراسي التي تئن عند الجلوس تهشم، الفواكه الرخيصة العفنة تصيب الرؤوس، معركة حقيقية، من ايت استمدت هذه البراعم كل هذه القوة والغضب… اللص المدير يرغي ويزبد، مقطب الحاجبين، العيون تقذف لهبا، اعتلى طاولة، مرعوبا، مرتبكا، تمتم بضعة كلمات مبهمة، يلوح بيديه، يهدد ويتوعد، يخنق الصغار في الهواء، العيون تجحض، أصابته تفاحة في الوجه، وتقاطرت عشرات التفاحات الفاسدة على الرجل الفاسد، تدخل المربون الذين أعادوا الأطفال إلى المطبخ لسماع كلمات مقدودة من طمي الرعب ، الهراوات في الأيدي، المطاردة بدأت، لكنهم لا يضربون هم الذين دفعوا الأطفال للتمرد.
وجبة العشاء شهية وغنية بالأطباق، الخبز رطب ولذيذ، المرق تنقصه التوابل، شرائح اللحم هزيلة، الفواكه كانها سقطت من الأشجار وظلت هناك لمدد طويلة، الأخاديد تقسمها طولا وعرضا، العدس مليء بالأحجار الصغيرة، الجزر متسخ تم طهوه بدون تقشير،الإدارة اللعينة لا يمكن أن تستقيم، الوجبات المحترمة تكلف ميزانية مهمة، هكذا هي المخيمات المجانية، وراء كل لص صغير لص اكبر منه، سلسلة متداخلة ومتشابكة.

- مع الأيام ستأكل الخرق البالية ولن تعافها

صدق السجين الضالع في الحالات النفسية للسجناء الجدد، الجوع افضل طباخ وامهرهم على الإطلاق، الجوع يحول الإنسان إلى أداة تبلع الأخضر واليابس دون تفكير،كلمات عمر القاضي تطن في الأذن، يضحك كثيرا عندما يرمقه يركز النظر على تلك الحشرات الصغيرة السوداء التي تشبه الابزار والتي تكثر في وجبات الفول والعدس، يضع الصفيحة جانبا، يكتفي ببعض الخبز والجبن الطري، تمر الأيام في الزنازين، ثقيلة، مشحونة بالتوتر، ممزوجة بالبؤس والشقاء النفسي، صدق الطالب، يوم على صدر يوم بدا ينصهر مع الوضع وينصهر الوضع فيه، لكنه ليس انصهارا إلى حد الذوبان، عصافير البطن تعزف موسيقاها المطلسمة،الجسد يهزل، الروائح الكريهة للمراحيض تزيد من مرضه الداخلي، إذا استمر نفوره من كل الأشياء المحيطة، سيسقط لا محالة ويتحول الجسد إلى خزان للأمراض الخبيثة، شاهد عشرات المساجين أجسادهم مثقوبة تحمل بثورا متقيحة، الأوساخ ترفع من معدلات الإصابة،لا يريد ان ينتهي حاملا لاوشام الجرب.
في الشهر الثاني الشهية انفتحت لوجبات السجن الرديئة، الحشرات العائمة في المرق يعتبرها شرائح لحم عصافير مشوية على نار هادئة في الخلاء، العدس المليء بالأحجار، إذا لم تحترس فان تكسير الأضراس حاصل لا محالة، العدس يعاد غسله، تنقيته، إزالة الشوائب،شرائح اللحم الموزعة مرة كل أسبوع أو مرتين، تشبه قطع منزوعة من إطار العجلات، الطلبة يعتبرون الشرائح تخص ( النطيحة والمتردية وما اكل السبع).

- إذا أردت اكل شريحة النطيحة فاستدعي السجان اولا… قبل أن تحدث مصيبة
- انهم لا يذبحون سوى تلك المريضة التي تغوص رجلاها في الوحل ولا تستطيع سحبها … حتى الكلاب الضالة تعافها….

يمضغ ، يمضغ، الشريحة تقاوم، يتعرق، يحاول البلع، تتعثر اللقمة في الحلق، عيناه تدمع، يختنق، الموت يحتك به، حميد الصحراوي يضغط على الخرقة البالية، يرتجف، ينتفض، منافذ التنفس مغلقة،يبتلع الماء الملوث بمحاليل الغسيل، يهتز الحصان الحديدي، بقية العصابة تشل الحركات بالأيدي، يتضرط، الريح السرجية تصفع الوجوه، ترتخي القبضات، ينسحبون من المسلخ، ضربات على العنق، تطير شريحة اللحم بعيدا، شريحة في حجم راس قط، ضحك الطلبة بجنون، نسجت القفاشات، تقيؤ ابوبكر الناجي اصبح يوما تاريخيا، قبل القيء بأشهر وبضعة أيام وبعد القيء بأيام او اشهر ، ابوبكر يلد من فمه فارا، لم ينزعج ولم يغضب، انهم ينتزعون الفرحة من أنياب الترح.
جاء ثملا تلك الليل، رجلاه لا تستطيعان حمل الجسد المرتخي، عيناه حمراء في لون الجمر الملتهب، يتمايل، يضحك، طفل اكتشف لعبة جديدة، يتفون بكلمات نابية، يسب العالم ويجذف على الله، يبصق على المومسات، يلعن الفروج و المؤخرات.

- أمينة… أمينة ، أين انت أيتها القحبة.. والله سأبول لك في فمك..

يكشر عن أسنان مكسرة صدا، يغمغم كلمات غير مفهومة، اول مرة يجد نفسه وجها لوجه مع سكير، رأى في السابق سكارى لكن من مسافة بعيدة، فالسكير في الأحياء الشعبية يتعرض لأنواع الفضح والتقريع مثله في ذلك مثل المتحرش بفتيات ونساء الحي، فشباب الحي في السنوات الماضية أمناء على النساء والفتيات،في الوقت الراهن تحول رجالات الأحياء إلى قوادين يتحرشون بالمحصنات، يتاجرون في أعراض التلميذات دون خوف ولا خجل، مات الضمير ودفنت الأخلاف في الوطن.
يرتمي بكل ثقله على السرير الاسفنجي، يبصق على اناس وهميين، يفتح عينيه بصعوبة ويغمضهما، يضرب الرمل بقبضة اليد،، يتنفس مثل ثور هائج، الاطفال خائفون، متكورون ،لم يره احد على هذه الحالة، لماذا يسكر الانسان...؟ ضحكت عليه وعدته بليلة ذاعرة لكنها اخلفت الوعد، ربما تقضي ليلة دافئة مع عشيق اخر،يكرعان كؤوس الخمر، ويفترشان بعضهما.

- امينة

خرجت من فمه أشبه بهمس، تنهد تنهدة عميقة، راح في سبات عميق بسروال الجينز الأزرق والحذاء الرياضي، قي الليل أبضره يتبول من فتحة الخيمة، عاد للنوم دون ان يزرر السروال، النوم هرب من جفون اغلب الأطفال، الموقف ارعبهم، ليلة ليست كباقي الليالي، الزمن تحول إلى ساعة معطلة والأفكار تيبست في الجماجم الصغيرة ، ملابس منسية على حبل غسيل، الصمت يلف المكان بوحشية أصوات الصراصير التي تؤنس وحدة الصغار الذين هرب عنهم النوم اختفت.

- قل يا ابن القحبة لماذا مزقت العلم الوطني واحرقت صور الملك… من أمرك بذلك ولأي تنظيم سري تنتمي...؟
- انهم ينادون بالثورة وقلب النظام ...؟

ترتفع الضحكات ، ينتفض بحركات سريعة كمن صعقة التيار الكهربائي على حين غرة،الأفواه المطاطية تكشر ، فروج الحمير عند التبول والتبرز، يضحكون بصوت عالي، يستفزون الداخلين إلى المسلخ، الضحكات لا تشبه باقي المخلوقات الأدمية، ضحكات مصطنعة لوجوه فولاية قبيحة،الات مبرمجة على التعذيب وتفتيت ذرات الجسد،احالة الدم الى بركة قيح والراس الى بالوعة محشوة بالهواء تتحرك باتجاه الريح.
مشدود من الارجل بوثاق رقيق يدخل في اللحم، الهرواة تنزل على الارجل، تتمزق، يفور الدم في العروق، تنتفخ، تزرق، جاء دور الصديق العاقل ابن الجندي الجار،حملوه بخفة، من وراء الدموع والصراخ يرمق العصا تهوى على كمشة اللحم، تذكر نساء القرية حيث يصطاد عصافير الحسون ،يغسلن فروة كبش العيد في الوادي، الضربات تمشي في تناغم موسيقي يتردد على الضفاف المليئة بالأشجار، والخيمة اللعينة لا تردد صدى الضربات والصوت المبحوح الذي يقطر ألما.

- لقد تحرشا بي

يلعنه في الخيال، كانوا يضحكون، يمزحون، يهزلون مع ابن الحي، أخذ المسالة على محمل الجد ، طوال الليل يحرس مؤخرته، اشتكى إلى المدرب السكير،يبكي مثل فتاة تكسر حوضها في لعبة استدراج باسم الزواج، يسمعه في الليل يبث الشكوى، المربي يشتم ويلعن ، يهدد ويتوعد، في الصباح منعا في الإفطار مع باقي الأطفال، سيكون هناك إفطار من نوع آخر، ساقوهما إلى خيمة مجاورة، ورقة معلقة في باب الدخول تشير الى الادارة، تفرجا اولا على طفل يتعرض للسلخ والجلد، وجدوه يتخدر بغراء الدراجات ، السليسيون مخدر يجدب الجانحين والباحثين عن السفر الى العوامل الغريبة بأقل الأثمان.
في القسم الثالث ابتدائي جلده معلم العربية على المؤخرة، استعان بالتلامذة الشيوخ، تلاميذ في العقد الثاني، يرسبون ولا يفصلون، يقضون سنوات في نفس القسم، يرتفع في الهواء،الصدر يلتصق بظهر التلميذ الشيخ، الارجل مشدودة بقوة، مع كل ضربة يرتفع الصراخ وسط القسم، اغلب التلاميذ مرعوبون، خائفون، انه انذار لكل تلميذ يرتكب افعالا غير مسموح بها، يرفض الاجتهاد وحفظ الدروس، عندما كل ساعده، تركوه، وضعه الشيخ التلميذ على الأرض، لم يستطع المشي، تقدم نحوه والهب ظهره بالعصا، قفز كالملسوع، جلس في مكانه وراحة رجلاه والمؤخرة تؤلمانه، معلم العربية الغليظ المستكرش اقل قسوة من معلم الفرنسية الذي ينام تحت الطاولات يقيم الدنيا ولا يقعدها إذا تم إيقاظه من النوم العميق، طوابير التلاميذ الخائفين المرعوبين يمرون أمامه، حملة حقن ضد الأوبئة ودواء العيون لمحاربة الرمد تتم في الساحة، الفصول تتقيا التلاميذ من مستويات مختلفة، المدير يقف بعيدا يراقب العملية الاستشفائية، السراويل والتبابين تسقط.

- اخلعوا سراويلكم يا اولاد القحاب ...تقدموا صفا واحدا..

اليد القوية تصفع المؤخرات الصغيرة البضة، تحمر، تشكيل اليد يظل مطبوعا لساعات ، مدير المدرسة القصير القامة يخاف من معلم الفرنسية بشكل رهيب، ابن احد أعيان المدينة النافذين والمتنفذين في أجهرة الدولة، احتجاج المدير قد يعيده إلى الفصل الدراسي في منطقة نائية، يتغيب باستمرار لكنه لا يبالي بأحد، يحب التلاميذ غيابه اكثر من حضوره القاسي ، يتمنون موته في حادث مروري أو شجار عنيف في حانة من الحانات التي يتردد عليها ليلا طيلة أيام الأسبوع، يرفون الأيادي إلى السماء أن يبقر بطنه من طرف مجهول، لم يكن تلميذ متفوقا ولا فاشلا، في السنوات الأولى من عهده بالمدرسة.
أيام العطل احب الأيام إلى القلب، الحرية المفقودة في الفصول الدراسية تترجم ضجيجا ولعبا وعرقا في الطرقات والأزقة، الأحياء تمتلا بالعصابات الصغيرة، لعبة كرة القدم افيون الشعوب الجديد، فرامل قوية تغطي على كل الاصوات بين الفينة والاخرى، سائق يشب ويشتم، اخر يمزق الكرة، يصفع طفلا، الحياة ذات قيمة ومعنى، لاعبوا الورق يلغطون، خصومات برئية واتهامات عفوية بالغش ، مشروبات غازية تملا الموائد، لفافات الحشيش تمرر بين الرؤوس، ليس هناك خيارات أمام أبناء الطبقات الكادحة، أما الدراسة واما الانحراف، الربح السريع يجدب العاقل وكيف الحال بالصغار، الفتيات ينشغلن بلعبة الحبل الدوار الذي تقبض كل فتاة طرفا وتبدأ عملية القفز تجنبا للتعثر في الحبل، فتيات يرسمن مربعات على الاسفلت بالطبشور ويبدأن في القفز على المربعات والحذر من ملامسة الحدود، تسلق الأشجار متعة، لعبة الغميضة اكثر إسعادا.

- اغمض عينيك … عليك العد من واحد إلى عشرة...اياك ان تغش… انك تنظر ...احني راسك.
يحني الراس مستسلما، كل الرؤوس منكصة، لا حاجة للتمرد، يطيع الأوامر، يختلس النظر، يقبلها، يشرب رضاب الثغر ، يعها يأكلها، يمرر اليد على تضاريس الجسد، التنورة ترتفعـ الأفخاذ بيضاء عاجية، تبانها وردي في لون التنورة، تغمغم بكلمات مطلسمة، تبعده، خوفا من أن يذهب أبعد، تنفسه يرتفع، تهمس له شيئا في الأذن، يسمح بنظرات غاضبة الرؤوس المطأطأة، يبصق على اللوح الأسود المثبت على الحائط المقشر، البصاق ينزل في خط مستقيم، يتدلى ،خيط العنكبوت يسقط على الأرض، يفتح الباب بعصبية، يرجه.

- ارفعوا الرؤوس…

تسحب مرآة ذات إطار معدني مذهب،تسوي الشعر، تضع احمر شفاه، البسمة تعلو الوجنات المنقبضة، عشرون دقيقة والدرس متوقف، تسرق لحظات المتعة على حساب التلاميذ، حين تستبد الرغبة الجنسية يفقد الفرد عقله، ينخرط في ممارسات مفضوحة، لا يقيم وزنا للأخلاق والاحترام الواجب للآخرين.

- سأخرج...إذا حدثت ضجة، سأعاقبكم جميعا… سأعود بعد حين مفهوم…
- نعم يا معلمتنا ...؟

صوت جماعي خاضع ، اللعنة على كل المعلمات إذا كن مثلها، تظن التلاميذ بلداء لا يفقهون ما يجري ويدور، هي الآن مسترخية في أحضان العشيق في دورة المياه، تسلل قبل لحظات وينتظرها بلهفة ليتكمل العرس الذي بدا في القسم، العري ولذة الالتحام تفقد العقل لا يهم المكان، شاهد مرات عدة الكلاب تلتحم في المزابل والشوارع والأزقة، عشرات الكلاب الشرسة تنتظر نوبتها في تلقيح الأنثى، لكن اكثر المشاهد الجنسية رعبا وقسوة تلك الخاصة بتزاوج انكر الأصوات.
مدرسة ابن تومرت القائد الامازيغي التاريخي والسياسي العظيم مؤسس دولة الموحدين تحولت إلى وكر للدعارة، التاريخ تحول إلى قواد، حجرات الدراسة فضاء لإفراغ المكبوتات الجنسية، شيخ التلاميذ يستمني كل يومـ يسحب العضو يلاعبه، يحممه، تستمر عمليات الدعك لهنيهات وترتخي منه العضلات، يتحرش بتلميذ منحرف يبوسه أثناء الاستراحة ولا يمانع، قال له مرة.
- إذا أردت مضاجعته اتفاهم لك معه….

نوبته في اقتحام الجزر المسورة والمقفلة لم تأت بعد، المفتاح في اليد، يقبض عليه بشدة، خائف يسرح به الخيال ، يستحضر صورا كثيرة لتلاحم الأجساد في الأفلام، احب ابنة الجيران، تصغره بسنة تقريبا، درسا في نفس القسم وانتقلا سوية إلى المستوى الإعدادي،اصطحبها مرة إلى الحقول قبلها لكن حين أراد الذهاب أبعد من ذلك أجفلت، خافت على الحوض من الانكسار في لحظة تهور، أمامه اثنان يحملان كبتهما فوق الظهور، التجربة الأولي تعد الأصعب على الإطلاق، تطرق الأبواب الخشبية بكل شوق ولهفة،لابد من إذابة جليد الخوف في البراكين الملتهبة، درهمان كافية لتجريب الفحولة، لينام فوق جسد عاري، دور الصفيح تحتضن عشرات المواخير، اجساد هرب عنها الزمن تعيش من عرق الأفخاذ،رائحة الرطوبة تلف المكان، ترتفع نبضات القلب وتتسارع، الارجل متخاذلة، يكاد يسقط، يطل الزغب من الحوض الواسع، ما اكبر بيت الاسرار يتسع لمضاجعة اثنين او ثلاثة دفعة واحدة، صوت شبيه بفم سقطت اسنانه يمضغ الطعام بصعوبة، دفته برجلها لم يقل شيئا، انه التلميذ وهي المعلمة، تعرف ما يجب ان يفعل، وقف عند الباب مبهوتا.

- احرس الباب اذا رايت احدا قادما ابلغني

شيخ التلاميذ يدربه، يريده ان يجرب الحلال والمحرم، المسجد فارغ في هذه الاثناء ، صلاة العصر على بعد ساعة تقريبا، المؤذن غائب ، خلع الحذاء وفعل المنحرف نفس الشيئ، الحقائب المدرسية تستريح على سارية في الجانب الايسر، اختفيا داخل المرحاض، الهدوء يزعجه، دقات القلب ترتفع، سن المراهقة قبيح، المراهق لا يقيم وزنا للدين وأماكن العبادة، كل ما يهم تجربة اي شيئ ممنوع، يقف مضطربا مرعوبا عند الباب يحرس الجريمة النابتة في بيت الله،مذعنا لرغبة اقوي غامضة، اقوي من المغامرة، الجريمة نبات وحشي ينبث في مستنقع متسخ يرعاه الجهل والمعاملة القاسية، يورق لينشر ظلالة على القيم الإنسانية ويقضي عليها تماما.
هل تموت الإنسانية في دواخل الفرد مع تعاظم المشاكل، فكرة ومضت فجأة في الرأس في حجم حبة العنب وبدأت تكبر وتكبر حتى أصبحت في حجم الجبل لكنه لم يستطع الحصول على الجواب الشافي والمقنع...؟

- هل تؤمن بالله...؟
- وهل تعتقد أن الإيمان يشكل فرقا ...؟

الدخان المر يغلف الزنزانة،الجو بارد يرعد الأشلاء، الزنزانة الضيقة أشبه بمبرد، شاهد جزار الحي كيف يدفع سقيطة خروف كاملا في المبرد، أفخاذ العجل المعلقة في قضبان حديدية معقوفة، سكاكين حادة يبري واحدة بأخرى في حركات سريعة مدربة، صوت احتكاك النصل يلفت الانتباه، سبعة طلبة يرتعدون ينفخون في الأيادي طلبا للدفئ، الأغطية البالية تزيد من برودة الأجسام المتكورة، الفحم ملتهب، علبة الحليب المصبر تحولت إلى إبريق شاي تغلي، يضع حبوب الشاي والنعنع والسكر، يختنق بالدخان، عيون الطلبة تراقبه، يتابعون الحركات والسكنات،لفافة الحشيش تطوف على الأفواه، ينظر الى الباب الحديدي السميك، ينظرون بدورهم، المخدر ذا مفعول جيد،كؤوس البلاستيك تمتلأ بالمشروب الشعبي الوطني، الخبز والشاي والبيصر والعدس والفول أكلات الطبقات الفقيرة، أجيال بكاملها لحم أكتافها من الخبز والشاي،يرتشفون جرعات السائل الحار بأصوات مسموعة، افكار خبيثة تنطح الرأس بشدة، تحوم حول الشيء واللاشيء،الشيطان اللعين ينفخ في الجمجمة التمرد والشرور.
يحدق في الجدران كانه يترقب سقوطها في أية لحظة، خلايا الدماغ تحترق، تعبره جيوش وأسراب من الأسئلة التي يكره الأجوبة التي يهتدي إليها، انتظار ممل مشحون بالترقب، أخيرا انقلب على الجانب الأيسر،المؤخرة تلتصق بالعضو، امهلها بعض الوقت لتستغرق اكثر في النوم اللذيذ، استوى تنفسها، تسللت اليد إلى أزرار التنورة، يفك الواحدة تلو الأخرى بحذر شديد، الأصابع متعودة على الفعل، يزيح التبان بليونة، يراقب التنفس، لن تستفيق رقصت ما فيه الكفاية في العرس،شاهدها تتلوى توزع الابتسامات يمينا وشمالا، الحمامات الرابضة في الصدر تعلو وتهبط،همس لها بكلمات غزل، ضحكت لكنها الضحكة لا تعني القبول، عيون كثيرة تراقب الشابة المرحة ، نحلة في حقل مليء بالطيور والقوارض،مرر اليد على الربوة السبابة تندفع في الفج العميق، الضغط يرتفع، سحب الثعبان المتربص في الخميلة،بزقه،ادخله بين الفجين، يمكنها الان تصرخ، ان تطلب النجدة، لقد صارت له، وعاء التفريغ الخاص، سهر الليل جميعه يحرس نومها من الكوابيس المزعجة، تحركت يداها قبضت على شيئي، لا توسخني، خرجت الكلمة الهامسة مشجعة،حين اقترب موعد التفريغ افرغ الشحنة في الفراغ، في اليوم الموالي نظرت اليه نظرة باسمة لم تغضب ولم تعاتبه، في السماء تكرر الفعل بمبادرة منها، تسللا إلى السطح والكل نيام، التحما طويلا، فتحت رجلاها وكبست عليه بشدة، يحس بالأرحل تطوق الظهر، تتأوه تئن تتوجع، الحدقات تتسع، الحرارة تزداد، ذهب الخوف والحياء، لم تكن عذراء هناك من لعب في الحوض، الغشاوة سقطت مند زمان على العيون، وتقطعت فرامل الضمير، الجنس وحش ينطلق من العقال يفجر الجلد والخلايا،يستسلم البشر أحيانا إلى المشاعر المتضاربة لينال قضمة من المحرم.
في الصباح التالي قرأ في عينيها فرحا طفوليا، ودعته بحرارة وطلبت منه زيارة الأسرة في القرية القريبة، انه سرها وذكراها التي ستظل حاضرة في المخيلة، راقبها تنزل الأدراج بحيوة ونشاط، تبتعد بمعية الأسرة الصغيرة،احس بانه احبها بكل الجوارح، مجرد عصفورين شقشقا قبل الربيع.
يشعر انه يعيش في بحر اسود النقطة المضيئة الوحيدة حين يتسكع في الخلاء، الحرية توجد بعيدا عن البشر، المدينة مستنقع لعين، الحياة مفككة الضوابط والحقيقة تقبع في فراغ الأشياء المحيطة، نحن في الزمن السفالة والغدر والطعن من الخلف، نحيا في بحيرة كلها تماسيح شرسة لا مكان للسمك الصغير فيه، لا يمكن أن تعرف جوهر الناس إلا حين يصبحون أعداء،هكذا تحدث الطالب مصطفى البوزيدي ذات صباح حين شاهد سجانا يعذب سجينا لأنه رفض الانصياع للأوامر،الحرية معدومة في الوطن، عليك الخضوع لسلطة الأقوى، فكرة الغالب مرغوب لا تستقيم مع التوجهات الحداثية والفكر الكوني.

- الإنسان بضاعة تخص الأنظمة
- نحن بضاعة فاسدة يعيد تشكيلنا من جديد
- بل نفايات المجتمع المتحضر
- لأننا نتلمس طريق الخلاص من القيود والتبعية بالفكر
- إننا ندافع عن واقع صعب بأفكار مستوردة
- كل شيئ مستورد

المعلم الذي يدرس التلاميذ ولا يدفعهم إلى الاجتهاد والإلهام وتفجير الطاقات لا يستحق شرف الاهتمام بأجيال المستقبل، العمليات الرياضية تدفعه إلى ما وراء الطبيعة، الإثارة توجد في فك طلاسم النظريات الرياضية المعقدة وليس في قراءة قصيدة شعر ولا توجد في الأماكن المغلقة المزدحمة بالضجيج، أستاذ العلوم الرياضية يشجعه، منحه عشرات الكتب النادرة ليقوي معارفه ومداركه اكثر،يتوقع له مستقبلا باهرا ، العلم مفتاح المستقبل، ليس في هذا الوطن طبعا وإنما في أوطان تقدر المجتهدين وتفرد لهم مكانة في الصفوف الأمامية، الكلمات تتردد بحدة في الدماغ، صدق أستاذ الرياضيات، عشرات الطلبة يهربون سنويا إلى بلاد العجم بحثا عن مستقبل اكثر إشراقا، أوطان الدول المتخلفة عبارة عن مواخير ومشتل للطابوهات ، سجون للفكر الحر، التعليم تعرض لأكبر عملية تخريب من طرف الوزارات المتعاقبة، التعريب اضر بالمناهج الدراسية، ولا عجب أن المدارس والكليات تفرخ العاهات.
اية حياة هذه التي يسير فيها...؟ الحقد على الأجر ولون البشرة حوله الى شيطان رجيم، مند الصغر يحمل بين الجوانح جرثومة خبيثة، ترعرعت مع مرور السنوات، لم يلق العناية والحنان اللازم، الأب الاسكافي وحش يرغي ويزبد، الإخوة مجرد أحذية لا تستقيم سوى بالضرب، يركل، يلكم، يبصق، يتف يلعن الجن والانس لأسباب بسيطة، الكلام ممنوع، السفر ممنوع، الخروج بالليل ممنوع، لتخلص من السجن المهترئ والمقرف المبني على خرافات وهمية وسطوة لا تلين، لابد من التمرد على الواقع، الزقاق يتسع ليحتضن التعساء والأشقياء ، الأزقة المغبرة والمحفرة متنفس يمتص الأحزان والغضب النابت في الضلوع، الحقد ينمو أشبه بالنباتات الوحشية على جنابات المستنقعات الأسنة.
الرائحة كريهة، ماء لزج ابيض يلفها في لون قطرات الشمع، يستلق الشجرة ، هواية مفضلة في المدينة الغريبة التي يقضي فيها الشباب وقتهم في لعب الكرة والذهاب الى المدارس، لا أصدقاء اوفياء دائمون ولا أعداء أبديون، الشجرات الواقفة في تحد في الأزقة والشوارع هم الأصدقاء الأوفياء،يكلم الشجرات ولا يجبن، يسمعن فقط، لغته الدارجة مبعثرة لا تسعف في إيصال الفكرة والتحاور مع الآخرين، اللغة الأمازيغية تلبسه يتكلم بها بطلاقة، لست امازيغيا قال له أستاذ الفيزياء مرة، الأمازيغ لا يوجد بينهم سود، الأمازيغ حضارة تمتد في أعماق التاريخ، ليسوا عربا كما يحاول بعض المؤرخين إقناعهم لاستمرار محو تاريخهم وطمسه لدفهم للاذعان للسطة الحاكمة، انهم خليط من الثقافات الوندالية والإغريقية والبيزنطية والرومانية حين جاء العرب قتلوا واغتصبوا وهجروا قبائل وصادروا الممتلكات والأراضي، ابوعبيد البكري قدم وصفا دقيقيا للإبادة والتهجير الذي تعرض لهه الأمازيغ حين دخول العرب القادمين من الجزيرة العربية.

- العرب سيطروا على مناطق شمال إفريقيا وقاموا بمحو ثقافة الأمازيغ.

انه من قوم قدموا من كوكب آخر، لغته مختلفة وتقاليده أيضا، الامازيغي مدعاة للتهكم من العاقل والجاهل، الامازيغي يعني البخيل الجائع، دعاهم الجار تجار المواشي مرة إلى وجبة عشاء، اختلط الأولاد السود بالبيض، قدم له الابن الكبير ذو العيون السوداء الواسعة والحاجبين الكثين، آلة موسيقية في حجم كف اليد ، هارمونيكا، أمره بالعزف، ظل يبحلق في الآلة الصغيرة المذهبة التي تحمل عشرات الثقوب المتناسقة، وضعها على الفم وبدا في النفخ وطلعت موسيقى أراده أن يجرب، امتنع بشدة،يعتقد لربما انه متخرج من معهد موسيقي أو لربما يريد دفعه حب السخرية والتهكم من الامازيغي الغبي، رغم أن العائلة قدمت إلى المدينة مند عشرات السنين فان نفس النظرة الحقيرة والشتيمة تتناقل جيل بعد جيل،(قالت الأعراب أمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا اسلمنا…) الأية المقدسة تفسير صادق لما عليه الأعراب القادمين من أصقاع الدنيا لاحتلال شمال المغرب الأفعال والأقوال ليست أفعال المسلمين.
بعد العشاء الفاخر والدسم اختلط الأبناء، الركض والصراخ يرتفع، حجرة صغيرة في السطح مليئة باللعب الغريبة ، دراجة هوائية ، سيارات ومسدسات ترش الماء، أقنعة تغطي نصف الوجه، تابع مرة حلقات مسلس اميركيا لبطل مغامر يغطي الوجه بقناع اسود ، يستعمل السيف بمهارة ودقة عالية لهزم الخصوم وتوقيع الأجساد والأماكن التي يقتحمها بحرف(Z)، احب البطل زورو وشجاعته وخفة حركاته، ينبهر بطريقة القفز باستعمال حبل للهرب من الخصوم، الحصان الأسود الفاحم المدرب تدريبا جيدا يكمل المشهد، يفهم اللغة والإشارات ويستجيب بسرعة.
زاره الطفل الشقي في بيته، منزل واسع بحجرات كثيرة، ورثه عن والده الذي ورثه عن جده، علمه كيف يعزف على الهارمونيكا، المسالة سهلة يكفي ان تضع الفم وتنفخ، تمرر الشفاه على الثقوب ليخرج صوت الموسيقى، من ذلك اليوم صار صديقه، حليب وقهوة، يتبادلان الزيارات، معه يكتشف معالم المدينة الأخطبوط، لكثرة التسكع والشجارات، ادخله الاب الى الكتاب، يريده ان يحفظ القران، عندما يشتد به الحنين الى الزقاق والدروب، يطلب من الفقيه الخروج للتبول، اذا لن يعود، يقضي بقية اليوم في اللعب، لذته تكتمل بتسلق الاشجار، غالبا ما يذكلره التسلق بالقرية الجميلة التي يسافر اليها مع العائلة في المناسبات خاصة الاعياد الدينية، شجرات التين والرمان المنتشرة في البستان يتسلقها بخفة القردة, يلتهم التين بشره، الشفتان تشققتا، الحليب الذي يقطر من التين يدبق الجسد يجعله يحك باستمرار، المصارين تتلوى، يتبرز مثل الطائر من فوق الشجرة، يسمع سقوط البراز في الأرض المغطاة بالأوراق ، يستبرد في الوادي الذي يقسم البستان إلى نصفين، نهر أم الربيع تفرع إلى عدة جداول تسقي عشرات البساتين المنتشرة على طول الضفاف، بساتين تطعم ساكنة المدينة القريبة والبعيدة ، خضر طازجة وفواكه من مختلف الأنواع، إنها الجنة الموعودة .
المدينة القديمة في الدار البيضاء تختنق بالدخان وعوادم السيارات، وجوه تسابق الزمن من اجل كسرة خبز مغمسة بالشقاء والتعب، نمل بشري يتدفق من كل الاتجاهات، بيت الجيران مليء بالفئران السمينة، تخرج من مجاري الواد الحار، تندفع في القمامة المرمية بدون اكتراث، عضته واحدة داخل المرحاض، صرخ عاليا،ساكنة الحي تجندت للقضاء على الفئران، استقدموا عمالا محترفين مدججين بالقضبان الحديدية والفؤوس والمعاول، احدثوا ثقوبا في مسالك المياه العادمة،استخرجوا خصلات الشعر، تبابين وحاملات الصدر، امشاط الشعر، ملاعق ومقابض حبال الغسيل، خرق بالية تحولت الى تجمع للقذارة، الروائح الكريهة تزكم الأنوف ، العمال مدربون لا يكترثون، يضعون النفايات في أكياس بلاستيكية ويتركونها تقطر،تحمل في عربات تجرها أحصنة خارج الحي، اختفت الفئران ، الأعشاش تخربت، عامل ينصح الساكنة باستعمال الماء الحارق لتنظيف المجاري.
يطلع كل صباح الى السطح، بقضي ساعات يراقب الفتيات يدخلن الى الفصول الدراسية، لابسات الوزرات الزرقاء والبيضاء، في العاشرة صباحا يرن الجرس، يخرجن الى الساحة الواسعة المتربة،يلعبن ألعابهن الخاصة.
انتهى العام الدراسي، المدرسة مقفرة، تشتكي الوحدة والفراغ، لم يعد يسمع دقات الجرس ولا صراخ الفتيات، ولا وقع اقدامهن وهن يصعدن الادراج الملتوية اشبه بالعساكر في احتفال وطني، يراقب الاجساد الصغيرة بشغف، ترفع الايادي، تثرثر، المعلم بلباسه الابيض يخط على اللوح الاسود اشياء ملغزة، اشارات هنا وهناك، رسومات واشكال هندسية دقيقة، تقف تلميذة، تقول شيئا، قبل جلوسها ترتفع الاصوات والاصابع.

- استاذ …. استاذ...استاذ

العلم اقل قسوة من الفقيه الذي كسر رجله في الأسبوع الثاني، احب المدرسة وكره الكتاب، صار مهووسا بالعالم الغريب، مهووس بالقراءة والكتابة، سئم الجلوس على الحصير لساعات طوال وبين رجليه لوح ثقيل أمامه، شيخ طاعن في السن يمسك عصا طويلة ورقيقة، يهش بها الأجساد الصغيرة ويلسع ظهورهم حين تركبهم الغفوات.
مدرسة فاطمة الفهرية تقشرت منها الجدران والباب الأخضر الكبير متسخ، السور الخارجي مليء بالثقوب والرسومات الخادشة للحياء، الفحم وسيلة فعالة للتعبير عن الآراء في ممتلكات الشعب، قطعة فحم صغيرة كافية لتحويل السور إلى لوحات فنية معبرة ومقززة في ذات الآن، اغلب التلاميذ يتفننون في رسم الأعضاء التناسلية، مؤخرات، فروج، نهود، جيل بكامله ضحية التقاليد العتيقة، تفجر المكبوتات بعيدا عن اعين الناس،التمرد على الجاهز والمتكلس حاضر في المخيلات.
تقع الثانوية وسط المدينة، يقطع بضعة كيلومترات، يستمتع بالمناظر الجميلة، طرقات ،حدائق، دكاكين، وجوه جديدة،صار مهووسا بالقراءة والكتابة وحب التفوق، في بداية علاقته بالدراسة يمشي الى المدرسة محملا بحقيبة ثقيلة، محشوة بالمكتب والكراسات وبعض الاكل، الفرحة تكبر حين يتوصل الى فك شيفرة الكلمات، الصور الغريبة تغريه الى حد الجنون، تعلم القراءة والكتابة معلمو أقسام الابتدائي كانوا اكثر اقل احتراما للمهنة، لكنهم نفخوا فيه حب القراءة والاجتهاد،.
تمر السنوات ثقيلة، مداركه تتقوى، كتب السنوات السابقة عقيمة ومشحونة بتساؤلات سطحية واحلام مبتورة، اكتشف انها لا تصلح سوى للتعليق في المراحيض، وتلفيف التوابل والحاجيات المنزلية، ما معنى ان يقرا جيل بكامله عن احمد و العفريت، وسروال علي، واكلة البطاطس، والقرد و النجار...زوزو يصطاد السمك، ذكريات محنطة في المخيلة تعاوده باستمرار، قساوة المعلمين وتذمرهم وإهمالهم للواجب يستفزه باستمرار، ما معنى ان ينام المعلم تحت الطاولات واذا تحرك تلميذ او سعل بقوة يشبع ضربا مبرحا...؟
- مال دين امك متسخ اليس في بيتكم ما ...؟
ريشة في مهب الريح، يرتعد التلميذ، سيقع مغشيا عليه لا محالة .نزع قميصه مرغما، مدعنا لرغبة شاذة، طاف به على القسم مثل الضرير، يستعرض جسمه النحيل المتسخ.

- ابصقوا عليه، أرأيتم انه يستحق العقاب

اعاد التلميذ المعاقب طوافه على الصفوف مرعوبا، عارضا جسده للبصق كانما يعرض عاهة على المحسنين لاستدرار الشفقة، يداه متسخة مقشرة تميل الى الاخضرار، بصاق غزير يحمم جسمه، يتقاطر على الأرض المبلطة، يسقط على السروال المرقع، الخوف من عقاب مماثل دفع التلاميذ إلى جمع كميات مهمة من البصاق في الأفواه، يفرغون المضمضات على الجسد العاري والمرتجف والمنكسر، قطرات المطر تعانق الأرض العطشى، يسمع إيقاعها الرتيب على زجاج النوافذ ، أمره أن يغتسل في المراحيض، أخد المسكين قميصه وانسحب، بعد لحظات عاد إلى القسم مبللا، الأسنان تصطك من الخوف والبرد القارس.
يشتد عوده مع مرور الأعوام، ازداد شراسة مع أولاد الحي وباقي الأحياء المجاورة، تعمقت الهوة والشرخ بينه وبين العائلة والجيران والأتراب، عندما كسر الأب الأقفاص وهروب العصافير المغردة بسبب التغيب عن المنزل طوال النهار، انهار عالمه الصغير وكانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر الأحلام ، رفع يداه ليضربه كما العادة، كانت آخر مرة، أراد أن يهشم ضلوعه بالعصا الغليظة امسكها في الهواء، حاول ان يسحبها بكل ما اوتي من قوة لكنه فشل، شاهد الارتباك في عينيه، لعق الشفاه، بلع الريق بصعوبة.

- اطلق يا ولد الحرام … اطلق والا سوف اكسر عظامك
- ها ..ها …

حاول بكل قواه أن يسترد العصا، اخفق وظهرت على المحيا علامات الفشل والانهزام،أدرك في تلك الليلة، وفي تلك اللحظات الدقيقة ان الأدوار انقلبت، وان المقود خرج من يده إلى غير رجعة، التربية المبنية على الضرب والقمع والتهديد والترهيب لم تحقق نتيجة، انسحب مهزوما من أمامه يصرخ بأغلى صوت بان يخرج من منزله، وبانه ليس ابنه، اندفع نحو الباب مطبقا على العصا الغليظة التي استعملها طيلة سنوات لتقويم الاعوجاج ، اقفله بشدة حتى ارتجت جميع الأركان، هشم العصا الغليظة، هوى بها على الأرض بكامل قوته، كانه يتخلص من الغضب الداخلي الذي يعصره، يفتته، يخنقه، مشى في ظلمة الليل غاضبا، حانقا، يزفر مثل ثور هائج، في الرأس يستعيد المشهد بكل الم وغضب مهيض ومر، ألقى طرفا صغيرا مما تبقى من العصا الغليظة، سمعها ترتطم بالرصيف. دخن عشرات السجائر في ركن مظلم مع بعض الأصدقاء، حكى لهم ما جرى مع الأب، ولم ينس انه كسر جميع الأقفاص، كل علق حسب مشيته ومعرفته، جيل الأمس القريب والبعيد ضحايا القمع الأسري والأبوي،ابن النجار يتعارك باستمرار مع الأب المخمور طوال السنة، ضحكوا جميعا على تصرفات الآباء، عشرات الفتيات والشبان هاجروا العائلة بسبب القمع والضرب المبرح،الكثير ارتمى في أحضان المخدرات بسبب القمع المزدوج، الكثير انحرفوا وارتكبوا جرائم نتيجة الضغط المستمر، احتفظ لنفسه بالعديد من التفاصيل التي يرد ان يشاركه احد حتى لا يرمى بالشاب العاق.
عربة القطار دافئة، اقتنوا ربطة ( الكيف) ابن القوادة ولد عيشة منهمك في إعداد المخدر، على ضوء الشمعة المتراقص يظهر الوجه المخربش ، بقايا ندوب عميقة لشجارات عنيفة، حاول أن يأخذهم إلى وكر الدعارة، رفضوا خوفا من إغارات الدوريات الأمنية، ابن النجار حمودة علمه تدخين لفافات الحشيش المعدلة بعناية، أبوه يدخن بشره، يسرق له بعض السنابل من مخدر الكيف، السماء تمطر بغزارة ، البرق يضرب غير بعيد، اشعلوا نارا داخل العربة، وضعوا الفحم فوق قطعة حديد سميكة لكي لا تشتعل العربة، افترشوا علب الكارطون المستقدمة من الدكاكين، ابن الشوافة اشعل لفافة حشيش وظل يتغزل فيها، يشيد بالمفعول السحري للمخدر الوطني ، سحب منها الدخان، احمرت منه العيون ، مررها لباقي الزمرة، ينتقل المخدر بين الأفواه بالتناوب، يعشق تدخين العقب، يحرقه بين الأصابع ولا يبالي، اراد التخلص منه حذره ابن الشوافة.
- الا تعرف ان السم في مؤخرة العقارب، وكذلك (جوانات ) السم في العقب لان زيت الحشيش يجتمع فيه...؟
وضع العقب في راحة اليد، احكم عليه الإغلاق، يسحب الدخان من فتحة ضيقة، كالذي يكهكه في اليد تجنبا للبرد، يصدر النصيحة الدائمة انكم تضيعون الدخان… اتركوه في الصدر لمدة طويلة وستروا المفعول، نفس العبارة قيلت له اثناء تدخين اول لفافة حشيش، يدخن خلسة تحت شجرة كثيفة دافئة، بعيدا عن اعين الفضوليين، البرد القارس يرعد الفرائص، يرج الاشجار العالية، يسمع طقطقات الاغصان، طيور ترفرف فوق الرؤوس خائفة من الريح، البرد يسلع الوجوه، رجلاه تلمس الارض، السور لم يكن عاليا، تسلقه بسهولة، التفت الى رفيق الدرب ابن التجار، يتبول في المزبلة، لوح بيده مبتسما تلويحة الوداع، احس في تلك اللحظات من سريان مفعول المخدر انه لم يعد هو، انفصل كلية عن العالم المحسوس، الأذن تلتقط أصوات مبهمة آتية من أعماق الأرض،أصوات شبيهة بتلك التي يحدثها صوت الراديو في يوم عاصف، الأسلاك الكهربائية تصفر، خيل إليه أنها تتمايل، ترقص، تنفصل عن الأعمدة، الطريق إلى المنزل تبدو بعيدة وطويلة، الناس ينسحبون إلى الثقوب كالنمل، لسانه ناشف يلتصق بالصدغ، الحلق جف ريقه، نبضات القلب مرتفعة، العيون مسدودة لم تعد تبصر أي شيئ، خيالات تلوح أمامه، انتابته مخاوف وظنون، ذكريات بعيدة تندفع في الراس ، الموت يتعقبه، فقد عقله دفعة واحدة تحت تلك الشجرة الكبيرة والعالية، لم يعد يذكر سوى ذلك الوداع لابن النجار، يستعيده مرات ومرات، خاف من دخول المنزل محاصر بجيوش الهلوسات والتهيؤات،اشترى حبات برتقال من اقرب خضار، دسها في جيب المعطف الطويل، جلس شاردا فوق عتبة بيت مهجور، حالم يطوق الوجه الدافئ بكلتا يديه، مسمر النظرات على ضوء المصباح الذي يقترب ويبتعد،قشر البرتقالة وابتلعها بدون مضغ،يحش بنشوة عابرة للوقت، اطفال صغار يتراكضون في كل اتجاه،البراءة في لعب الاطفال، ماتت فيه البراءة مند سلك طريقا اخر،رائحة السيجارة تعيده الى العالم المحسوس،جلس بالقرب منه، مد له سيجارة وراح يكلمه لكن عقله شارد، والتفكير مشتت، ضحك ضحكة ماكرة .
- سكران او ماذا...؟
- ماذا
ضحك بصوت عالي، وانتشله من من الدوامة التيهان، انت اسعد انسان، الحشاشون اسعد بشر على وجه الارض، مدد له البرتقالة الثانية، راح يقشرها بسرعة فائقة، رمي القشور فوق الرصيف،تهبط قطع البرتقال عبر الحنجرة و البلعوم وتهبط الى المعدة باردة مثل قط قطعة ثلج، أخد قطعة قشرة ودفعا في الفم، مضغها، لسعته المرارة، بصق المسحوق، ابن الشوافة احضر الخبز وعلب السردين المزيت،اكلنا حتى الشبع.
في الصباح الباكر التقوا في ناصية الشارع،قبل بزوغ القرص الأحمر عانق الأحدية الطرقات المتربة في اتجاه الوادي، محملين بالخضر واللحم وأدوات الطبخ، عطلة الصيف تستنفر أبناء الأحياء ،يهاجرون جماعات إلى الوادي لقضاء أوفات ممتعة في السباحة والاستجمام على جنبات الوادي ، على مرمى البصر عشرات الرؤوس منهمكة في طبخ الوجبات، الدخان يتصاعد إلى السماء، صيحات وركض وتسابق محموم ، غطس وتحطيم الأرقام في عمليات حبس التنفس تحت الماء،الحشاشون لا تستهويهم المنافسة، يكتفون بالغطس والصعود، استهلكت قوتهم المخدرات.
في السنة الخامسة ثانوي تصادق مع ابن قاضي التحقيق،تعركا في البداية معركة دامية، سدد له ضربات موجعة على الوجه والبطن، الانف يقطر دما، تقيا وجبة الصباح، سحب السكن الذي لا يفارقه، هوى على ساعده، تدفق الدم بغزارة الطلق ساقيه للريح، في اليوم التالي تصالحا وتوطدت العلاقة،يكبره بسنتين تلميذ فاشل، غليظ يشبه برميل، ملابس أنيقة باهظة الثمن، لأول مرة يفتح عينيه على المظهر الخارجي الذي لم يعره أي اهتمام في السابق، الرغبات تزداد ، فترة المراهقة أصعب مراحل تطور الإنسان،أبواه فقيران يتناولون نفس الوجبات الشحيحة على طول السنة، ابن القاضي ينفق بغير حساب، أموال الحرام تجري بين يديه،يقبضها الأب المسؤول القضائي المهم في محكمة الاستئناف من المتقاضين الذين يرابطون صباح مساء على مقربة من المنزل الكبير بحثا عن مخرج للقضايا المعروضة أمامه ويسرقها الابن،يبذرها على ملذات الجسد، خمر وحشيش وسجائر شقراء،والدته ائتمنتني على فلذة الكبد، ادخل كل مرة إلى المنزل الكبير اكل ما لذ وطاب، استغرب كيف لامرأة انجبت خمسة أبناء عن تحافظ على اللياقة والجمال، تبدو في العشرين من العمر رغم اكبر الأبناء يبلغ خمسة وعشرون سنة،ترتدي سراويل الجينز والقمصان الضيقة، الزوج اكتسحه الشيب،وتقوس منه الظهر،لا يبتسم ولا يكلم أحدا، دائم التكشير،
نتردد على دور الدعارة والسينما ،الأم لطيفة وحنونة مع الأولاد، لم ير الأب يصرخ فيهم أو يعاتبهم أو يهدد احدهم، يدخن بشراهة، ويأكل بشراهة،ويضحك بدون سبب، انتهت أيام التيه والتشرد والجري وراء العصافير،مرافقة أبناء علية القوم أضافت لمسة سحرية إلى حياته الخاصة، تبدلت تصرفات ابن القاضي، صار يتغيب باستمرار عن الدراسة، طرقهما تباعدت وتقلصت الزيارات إلى المنزل الكبير،يلتقيه بالصدفة ويفترقان، يطلب سيجارة أو سيجارتين، عرف انه في خصام حاد مع العائلة الصغيرة، تردد في المدرسة انه يرافق الشواذ والمنحرفين جنسيا،شاهده مرة بصحبة قناص للغلمان، ما يشاع حقيقة، لم تكن تبدو عليه في السابق آثار الانحراف، يبدو طبيعيا ، يرتاد المواخير، يتحرش بالفتيات،لربما أخفى عاره عن المقربين جدا مخافة التوبيخ، فالمنحرف إنسان مريض يحتاج إلى العلاج، تطارده اللعنة الى يوم القيامة، دمر الخالق مملكة سدوم التي اشتهر أهلها بالفاحشة.
حين علمت الأم أن ابنها منحرف يفترشونه في الغابات والدور المهجورة والمراحيض يجربون فيه الفحولة، كرهته بشدة لأنه لم يقم بأخبارها عن تحويل الابن إلى وعاء للتفريغ من طرف الأتراب، حقدت عليه بشدة،ولم يعد مرحبا به في المنزل الكبير.
لم يعد يخسر النقود في لعبة ( العيطة) صار مهووسا بالمظهر الخارجي، الأموال التي يجنيها من الأعمال الشاقة الموسخة في فصل الصيف أو أيام العطل يقتني بها الملابس الأنيقة، صار همه في الحياة العلم، والدة ابن القاضي ضربت به المثل مرة في التحصيل والاجتهاد أمام الأبناء الكسالى لربما لتغيضهم ، يضحك بداخله على الإطراء الجميل، رغم انه يحسد الأبناء على العيش الراقي، تمنى ان ينام ويستفيق على تبدل أحوالة المادية، ينقل من عالم الفقر الى عالم الثراء.
تمر الأيام رتيبة محملة بالسام والقنوط،تصالح مع العائلة، الاستقامة أعادت المياه الى مجاريها، تخلص من جميع الصداقات المزعجة، قليل الكلام دائم التفكير في الغد،اماني بالملايين لم تتحقق منها ولا واحدة، الحظ العاثر ظل يكبس عليه مند الولادة،كل شيئ ينبت في سمائه متحللا، احزان وكبوات ترافقه، مصائب بالجملة يدخل ويخرجا منها منكمشا، منكسرا، تائها، يدور في حلقات مفرغة، طائر وديع يقفز، يصطدم بالموانع،باحثا عن منفذ للحرية المطلقة، القفص الحديدي محكم الإغلاق، لا ليس طائرا سلبت منه الحرية، بل انسان تائه ينقصه الهدف في الحياة، لابد من وضع هدف نصب الأعين، لينطلق على الدرب ويتخلص من الماضي اللعين،لا يهم ما يفعل الاخر بحياته، كل انسان حر في تصرفاته وافعاله.
اسبوع كامل يغلق عليه الغرفة، ياكل وينام، وينام لياكل،يعيد في الذاكرة تاريخ حياته العنيف والقاسي، رغبة التدخين تستبد به في اليوم الرمضاني، عندما يشتد عليه وجع الراس، تمتد اليد الى الكتب، ينهل بغير حساب من الروايات والقصص، الكتاب المقدس يدخل السكينة والرهبة الى النفس الأمارة بالتشكي، القراءة تحولت إلى هوس يومي، الأخوة بأتونه بالمؤلفات وأمهات الكتب يلتهمها بشراهة، دخل عالم غسان كنفاني المدافع الشرس عن القضية الفلسطينية، واكتشف الغزوات الجنسية لبطل رواية موسم الهجرة الى الشمال للكاتب السوداني الطيب صالح ، السيرة الذاتية للنازي الكبير هتر كفاحي، كتابات نوال السعداوي اكثر تطرفا، شارلز ديكنز افضل من الروائيين في العصر الفيكتوري اعتمد على السخرية اللاذعة في فضح الأوضاع الاجتماعية العامة ولعل قصة مدينتين تجسد تصوره للحياة،احب كتابات اميل زولا، والحقيقة العارية لمحمد شكري ، كتابات ترحل به عوالم الخيال الواقع، الخبز الحافي اكتشف فيه ذاته وتشابه في الأحداث رغم اختلاف الأزمنة والأمكنة.
قرر في هذا الصباح الخروج والسفر إلى الدارالبيضاء ،ارتدى ملابسه، لمع الحذاء، رش الجسم بعطر خفيف،وعد الأم انه لن يغيب كثيرا، فكرة زيارة كلية العلوم عين الشق اختمرت في الذاكرة لعدة أسابيع، اجلها اكثر من مرة، نزل من الحافلة المهترئة التي تطلق أدخنة سوداء، مشى بخطو وئيد،رأي نفسه طفلا صغيرا سرح من سجن المدرسة،يركض في الأحياء الهامشية المسورة بالقمامة والنفايات البشرية، احب العطل المدرسية الطويلة، عطلة الصيف الأحب إلى القلب، زمن زئبقي ينفلت بسرعة، يفر من بين الأصابع، الطريق الى الكلية استعملها الاف المرات في السابق،استعملها حرا واستعملها محروما من الحرية،يحرسه سجان مرعوب، يخاف ان يهرب منه، حين توطدت العلاقة وفهم انه منذور للعلم والنجاح، استسلم وصارا صديقين يتبادلان أطراف الحديث في أمور الدنيا الصعبة والشقية،دخنا معا لفافات الحشيش، ناقشا مشاكل الإدارة وبعض الموظفين الفاسدين،الرحلة من السجن إلى الكلية تستغرق ساعة ونصف الساعة ،الجديدة مدينة رائعة،ذاكرة تاريخية لم تستغل بالشكل الجيد،رعشة في منتصف الطريق، الأسئلة العميقة تقض مضجع الصمت،كل الأصوات همس قوي في ماسورة الخوف، يحمل بين الجوانح خطابات معتقة بالقهر ،لا سبيل لدندنة الخلاص على وقع النسيان،عشرات الطلبة يندفعون الى الداخل، يلتقط ذبذبات الخطوات ،يبحث عن شبح بالأمس كان ظله ،يلملم في عناء مفردات صوته الهارب.
- اهلا بطلنا …
- …
قبل أن يفتح فمه ، احتضنته عشرات الأيدي،طاف في أرجاء الكلية، المدرجات الكالحة والمقشرة لم تتغير، الجدران متسخة، قاعات الاجتماعات بائسة، المقصف في حلة جديدة، كراسي أنيقة وكنبات ، شابات يخدمن الزبناء باتسامات عريضة، الوطن يحارب العلم والمعرفة، بدل الاستثمار في المستقبل يتم الاستثمار في التفاهة والضحالة. احتسى كاس قهوة وامتنع عن التدخين، صافح عشرات الأيدي المرحبة، تطور النقاش إلى نقاشات، تقاطرت الأجهزة السرية، المخبرون في كل مكان، طلبة ملتحون يتابعون الجمهرة الصغيرة في المقهى، أعينهم مشدودة إلى المحتفى به، جهاز الاواكس تم استنباته داخل الكليات لمطاردة وقمع المظاهرات المطالبة بتحسين وضعية الطلبة،اغلب المنتسبين إلى الجهاز القمعي محدودي التفكير، ينفذون الأوامر بدون تفكير، عشرات الاعتقالات تتم في جنح الظلام او في النهار، حين تخرج المظاهرات للاحتجاج على وضع معين، فان مطاردة المشاركين في القلاقل يعتبر صيدا سهلا، فالمناضل اخر من يعتقل، تلك تيمة الحركات الطلابية في الوطن الذبيح، كلما اشتعل فتيل الاحتجاج والا اشتعل معه فتيل التراشق بالاتهامات بين الطلبة القاعديين و الإسلاميين، الصراعات الهامشية تلهي عن المطالب المشروعة.
ظل يمشي في المدينة الكبيرة بدون اتجاه، عرج على الحي الذي اكترى فيه بيتا صغيرا، طرق الباب على الباب طرقات خفيفة، السكون يخيم على المنزل، الجارة المقابلة اقتربت منه وأخبرته أن لالة رحمة توفاها الله مند سنتين، وان أخوها اغلق المنزل ووضعه للبيع، انتبه إلى اللوح الذي خطت عليه عبارة (البيع) المعلقة فوق الباب الخشبي مباشرة، امرأة حنونة أصيلة، طيلة المقام اعتبرت ساكني المنزل من الطلبة بمثابة الأبناء،تدعوهم في مناسبات عدة لمشاركتها الطعام، أيام الجمعة تمتلأ البطون بالكسكس واللحم المقدد، لالة رحمة خبيرة في أعداد الكسكس المزدهر بالخضر، رحمة الأم المغرب الحقيقية، لم تنجب أطفالا لكنها أحبت جميع أطفال الحي،الأموال التي تجنيها من السومة الكرائية لبضعة محلات تجارية وكراء وحجرات للطلبة تنفقه راضية مرضية على حفلات الخطوبة والزواج وعيادة المرضى وتقديم واجب العزاء وشراء الألبسة لليتامى والكتب المدرسية، سمع من بعض الشيوخ أنها عملت في خلايا سرية أيام الاستعمار، تخرج في المظاهرات وتقود عمليات فدائية جريئة، تزوجت في سن مبكرة من تاجر مواشي ودام الزواج أربعون عاما، قيل أن رصاصة طائشة أصابتها في البطن تسببت لها في العقم، إنها أيقونة الحي التي عاشت كريمة محبة لفعل الخير، قطرات دموع دافئة تركض على الخدود، احب لالة رحمة من كل القلب، إنها الأم الثانية للكثيرين من الطلبة وشباب الحي الشعبي.

- اسمع يا ابني الدراسة شيئ مهم ...مستقبل الوطن يبنى بأيادي أبناءه .
- فعلا ولكن يحتاج الأبناء إلى الرعاية والاهتمام
- سوف يحصل... مسألة وقت الوطن يخوض حربا داخلية مع المعمرين الجدد

إنها تنطق عن حكم وتجارب، لالة رحمة تحمل فوق الظهر سبعة عقود، عاشت تحولات وانقلابات، مظاهرات ، قمع وتنكيل ،أحلام مجهضة، ثورات وادت في المخيلات، المحاولات ستستمر طمعا في وطن يتسع للجميع، والنشيد الوطني سيعزف فوق الرؤوس،احتفالا بتتويج الحرية والنصر،تذكرة الدخول إلى المستقبل، الشوارع والأزقة كالحة، عابسة، الفم مسكون بحكايات القمع والاعتقالات العشوائية،تسائل عمن كان يشد الوثاق حول المعصمين والركب، يبصق على الوجه في مسلخ الاستجواب، يصلي صلاة الجحيم بعد ترتيل الاتهامات، الله لم يكن حاضرا في الحفلة التنكرية، وحميد الصحراوي يعلن نفسه إلاها مطيعا للوطن،يسافر بالسباب والشتائم إلى خيال مزدحم بغبار المؤامرات والدسائس، إنها الطريقة إلى مقصلة الحقيقة،وكل المسافات في الوطن تنزف مؤامرة متقيحة، حتى السماء لم تعد جنة للعصافير، يقف متعرقا يحصي من بترت رجولتهم في دفاتر المسلخ ،تلعلع الكلمات القاسية توقظ الرعشة في المسام، يترنح في اللحظات الأخيرة من خنق الأنفاس،لم يمهلوه كتابة وصيته على دفتر الوداع، ليتمدد فوق الأرض فاتحا ذراعيه، حين يغالبهم التعب يغلقون الزنزانة ويختفون، ينتظرون أن تملا عيونه المنكسرة دمعات السقوط.
يمشي بخطوات وئيدة، فوق الظهر يحمل تابوت كلمات منقوعة بالتذمر، على مقربة من السجن المحلي عين برجة،سقطت في الدماغ آلاف الصور دفعة واحدة،احس بالارتعاش والانقباض ،دوار خفيف الم به، تحت شجرة وارفة الظلال جلس على الرصيف، النمل البشري يتدفق في كل الاتجاهات، سحنات متهالكة، متذمرة، عجوز يخطو محتضنا الظهر بكلتا يديه، سائق تاكسي احمر يسابق الريح على تخوم المغامرة،لا وقت لديه لاحترام إشارات المرور،لاوقت لينثر حبر الزمن الصعب على الراجلين، الطرقات خالية من علامات الانتظار، البوابة الحديدية والسور المتآكل،زنازن مكدسة في حناجر الصمت ،الحياة معلقة على عقارب الوقت الشقي، الآلاف يدفنون أحياء، ولا أجراس توقظ الموتى من الغيبوبة المؤقتة، تأوه بشدة، واحس بقطرات العرق الباردة تنز من الإبطين، لامست اليد المرتعشة الجدران المتقشرة، الخوف العميق المدفون في الكف لا زال قابعا في الخلايا، بين تجاعيد الوجه الهارب منه ،آخر جرعة من كاسه المجروح، استوقفه سجان عند البوابة المتسخة ، ابتسم أو خيل إليه انه ابتسم.

- ابتعد...ابتعد ...هل جئت لزيارة احد
- كنت هنا سابقا في جناح الطلبة ونقلوني إلى سجن آخر
- اه...؟

نظرات السجان الحاقدة توقظ فيه نبضات الاشمئزاز، تقلب صفحات الوجع، في الرأس يطن حوارا قديما حول الانتقام، تذكر رواية الكونت مونت كريستو، احمد السباعي يحفظها عن ظهر قلب يلقيها على المسامع كل ليلة بأسلوب شيق وممتع، إنه حكواتي الزنزانة ، تحكي القصة عن بحار مجتهد، سيعين مساعدا لقبطان السفينة وسنة لم يتجاوز 19 سنة ، تعيين لم يستسغه أحد البحارة الأكثر اقدميه، مما دفعه إلى إفشاء سر رسالة تلقاها من نابليون المنفي في جزيرة ألبا ، فأثناء النوم تسلل الغريم ودس يديه في جيب البحار ادومند دونتيس وسحب الرسالة وعرف مضمونها،وقام بالتبليغ عنه من شدة الغيرة والحسد ، وتم استدعاؤه واعترف بتلقيه رسالة من نابليون، وحين فتحها الوكيل العام تبين أنها موجهة لوالده، ومخافة فقدان المنصب والاتهام بالتامر على النظام الملكي اعتقل البحار البريء الذي كان يستعد للزواج من حبيبته مرسديس، وبدل إقامة الفرح وجد نفسه مكبلا بالأغلال متهم بالخيانة والتامر ضد الملك، وتم نقله إلى سجن قصر شاتوديف، بعد 14 سنة من العذاب واليأس والقنوط،باتي الفرج من محاولات سجين الفرار واستطاع حفر نفق لكنه نفق في الاتجاه الخطأ،توطدت العلاقة بين السجين الأب فاريا ذي الأصول الإيطالية و الذي يعاني الأمراض وادموند ، علمه الرياضيات والجغرافيا والفلسفة و طريقة استعمال السيف وعدد من اللغات و يتم ذلك في سرية تامة وفي احتياط شديد من السجانين الخبثاء ،استطاع الفرار والاستحواذ على كنز الأب فاريا الذي خبأه في جزيرة مونت كريستو، واصبح من أغنى أغنياء عصره، اختار لنفسه شخصية جديدة باسم الكونت مونت كريستو، سافر حول العالم ، ليبدأ رحلة الانتقام من الأعداء القدامى الواحد تلو الآخر.

- لتنتقم من أعداء الأمس تحتاج إلى ثروة حقيقية، هاجر الى بلاد العجم اشتغل هناك، لديك شهادة تفتح أمامك أبواب السعادة
- احتاج إلى جواز سفر
- ما عليك سوى الركوب في باخرة محملة بالسلع إلى حيت تريد... حين تصل اختر البلد الذي تريد الإقامة فيه.

تخمرت الفكرة في الدماغ، عشرات الشباب يهربون من السجن الكبير إلى بلاد الحرية، شاب متعلم افضل من شاب دون شهادة، ابن الشوافة اخبره عن لائحة أسماء أبناء الحي الذين تسللوا إلى بواخر وشاحنات وانتقلوا إلى الضفة الأخرى بدون عناء، يمشي حاملا الحق فوق الظهر مند زمن الولادة لكنه تعاظم،قادته رجلاه إلى الشارع الرئيسي، سيارات أنيقة تعبره، تحت شجرة كثيفة عاشقان، يتبادلان القبل غائبان عمن حولهما، انهما سيدا العالم، لا تهمهما العيون المتلصصة و الفضولية، كل الكائنات لا تساوي شيئا، لا يدري كيف قفزت صورتها من بين آلاف الصور، في مثل سنه تقريبا، يجلسان جنبا الى جنب في الطاولة، قليلة الكلام،تحمر عند الملمس، احبها أو خيل إليه انه احبها، يتبادل معها أحاديث هامشية، يرافقها وترافقه في الساحة وخارج أسوار المدرسة، التلاميذ يتحدثون عن العلاقة البريئة، يقبلها كل صباح على صفحات الخد، لا تتذمر، ولا تحمر كما في السابق، أصبحت القبل الصباحية شيئا مألوفا، صار يهتم اكثر بالهندام والسلوك الأرغن، ابن القاضي يمكنه من بعض الملابس الأنيقة، النظر في المرآة يقتل بدور الأمل،كيف لفتاة بيضاء البشرة ان تحب اسودا، المرآة تدفعه إلى طرح الأسئلة.

- هل تحبني ام مجرد نزوة عابرة
- لا يمكن أن تحب اسودا
- ربما تشفق عليك أو تتقرب منك لأنك تلميذ مجتهد ومتفوق في المواد العلمية.

أسئلة عميقة تنطح الرأس، ولا أجوبة تلوح في السماء، الأجوبة التي يهتدي إليها يمقتها، تنوشه الوساوس و الأوهام ،عبئ ثقيل ينوء به لوحده، العيش في دوامة الشك معذب وقاتل لكنه ارحم من الحقائق المرة التي لم يكن الإنسان ينتظرها ويرتضيها، يسامر الشك ويثور منقبضا تائها عن الطريق،ينثر على المسامع رسائل مبهمة المقاصد ،لا رغبة له في البوح لحراس مملكة الهزيمة.

- انك واهم لن ترضى بك أيه فتاة... ألا إذا امتلكت الأموال وتتمتع بجمال أخاذ

ابن حارس ملاعب التنس زير الفتيات، دائما يشاهده برفقة شابات جميلات، يحسده يتقرب منه ليتعلم فن الاستدراج، تربطهما علاقة عابرة باسم الحي الشعبي، كاشفه بالحقيقة التي تقض مضاجعه وجعلته في حيرة من أمره،كلام الشاب ظل يطارده مدة من الزمن، أراد أن يثبت أن الفلسفة المادية لا تطال القلوب، فالقلوب أعضاء هشة تتأثر بسرعة وتلين وتقسو، عبلة أحبت عنترة،دعاها للخروج في نزهة أيام العطل، المشي في الحديقة والجلوس فوق الكراسي المتآكلة،رفضت في الأول كانها فهمت أن العاصفة أتية، الح عليها، قبلت مرغمة، مشيا قليلا، ضاعت كل الكلمات والعبارات التي اعدها للمناسبة الكبيرة، شاردة، مشتتة التفكير، مطأطأة الرأس، بدت كفتاه لم يسبق أن رآها ولا حاورها، شفتاها ترتجف ارتجافا خفيفا، كانها خائفة، بعد تردد كاشفها بحب يسكن بين الضلوع، متلعثما، حائرا، نبضات القلب ترتفع، انه أول اختبار للعواطف الداخلية.

- انحرفت بالعلاقة إلى منعرج خاطئ
- كيف
- اعتبرك أخا ... ولكن يبدو انك تنسى بعض الأشياء
- أه... لقد فهمت

كانه يسقط من منحدر وعر وعميق، احس بنفسه فارغا من الداخل، تلقى صفعة مباغتة، فهم يا سيدة الحسن والجمال والرقة والعذوبة، نسي أسباب الرفض لبعضة هنيهات، اللون الأسود لون الغموض والقسوة والتطير، نسي أن يقول لها أن له أخوات، فلا حاجة له باخت أخرى، صديقتك تدخل منازل الأستاذة، قالتها الفتاة الشقية في القسم ومحياها تعلوه مسحة من الخجل،ما اتعسه من مخلوق، تلاميذ القسم ينظرون إليه نظرات شامتة، يرى نفسه فاشل عاطفيا، كل الطرق التي يمشيها تشرئب منها الخيبة، طريق الشر والعنف يفتحان أبوابهما من تلقاء نفسيهما.
أستاذ العلوم الطبيعية يأكل من الشجرة التي حاول أن يجعلها محرمة إلا على نفسه،لم يصدق في البداية روايات التلاميذ، ظل الشك يساوره يقبض على الأشلاء ، لكي يقف على الحقيقة جند التلاميذ الكسالى الذين ينفحهم الأجوبة في الاختبارات الكتابية، جاء الخبر الفاجعة، الفتاة التي احبها بجنون، عاهرة تفتح الأفخاذ للأساتذة، تنتقل بين الأسرة كما يتبادل التلاميذ كراسات المواد المدرسية. الغضب والانفعال الشديد صارا يلازمانه في الذهاب والإياب، يحقد على الأساتذة، قمة الاستغلال أن يعبث مدرس بحوض فتيات في عمر الزهور، تعارك في الأسبوع الأول مع أستاذ الفيزياء ، طرده من القسم، اعترض طريقه لإبداء الرأي، هدده بالمجلس التأديبي، بعد شهر تصالحا واصبحا يتشاركان لفافات الحشيش وكؤوس الخمر،تربص به وضبطه يستقبل فتيات القسم في المنزل،عندما فاجئه بالأمر الجلل، جحظت عيناه، تعرقت الجبهة، ارتبك وبلع الريق بصعوبة،وأضاف في تحدي ظاهر انه كان بإمكانه إبلاغ الشرطة، مضيفا انه فكر في مستقبله الذي سيضيع في رمشة عين، توطدت العلاقة المشبوهة، اصبح سفيره إلى سوق المخدرات والخمر، اصبح المدرس قواده، في بيته ضاجع العديد من التلميذات من مستويات مختلفة، تعرف على باقي الأساتذة الشركاء في الجريمة الأخلاقية، يحترمونه الاحترام الكبير، صار له مفتاح المنزل يدخل متى يشاء وفي أي وقت، أيام العطل الأسبوعية يتحول المنزل إلى ماخور حقيقي، علبة ليلية، متزوجون وعزاب ، يسكرون ، يتحششون، يفحشون بالبراءة، الموسيقى الصاخبة تصم الآذان،فتيات يرقصن بتهور، الصدور الطازجة تعلو وتهبط، المؤخرات المشدودة بالمناديل تبدو بارزة، تثير الرغبات الجامحة،أجساد بضة تلتصق بالأجساد،قبلات حارة تطبق على الأفواه العطشى الباحثة عن اللذة، المحرم يجذب العاقل والجاهل، طوال السنة تتواصل عمليات نهش الأجساد البضة، يبتلع الضمير صدى الوقار والاحترام،يحتضن في لهفة الأنفاس الحارة عديمة التجربة في الحب،تركض رعشات النبض في المآقي، منتظرة طلقات الخلاص، مخاض في غرفة الإنعاش وترتفع درجات الانتشاء، ظهرت من طعنته في الصدر في احد الأيام، التقت العيون وبدأت في قضم الأظافر،تبتلع غصة في الخيال، تلاقت النظرات لكن ولا كلام، حبل الود انقطع، ماتت الأحاسيس والقلب لم يعد يخفق بقوة عند التلاقي، لم يعد الجنس مشكلة كما في الأمس القريب، عشرات الصدور تنتظر من يضمها ويدخلها دخول الفاتحين، لتشعر بالأنوثة المشتهاة ،البكارة عملة نادرة، الشرف لم يعد له قيمة، صور بالية مدفونة تحت الشرايين، الوطن يتقدم إلى عفونة الضياع،يسدل الستارة عن الأخلاف والقيم،( من ذهبت أخلاقهم ذهبوا...) ظلت ترمقه تفتر عن ابتسامة مغلفة بنزيف الهروب، نفس الابتسامة في كل اللقاءات ، لربما تشتهي الفرس الأسود،تساقطت أوراق الغنج والدلال من تحت الأجفان،جرى الحوار بهمسات مرتجفة،اللمسات صاخبة بارتعاشات الصمت،الكلام ممنوع في حضرة العري،يبتلع الريق لزجا مشحونا بالآهات،فوق الصدر النافر يكتب تاريخا مقدودا من اللوعة الموؤودة،الحرارة تزف ولادة الانتشاء،تلاقت العيون للمرة المائة، راودته بلملمة الحروف المستترة تحت اللسان،لم تعد تشعل فيه رغبات مكدسة في نيران الشهقات، مجرد وعاء للتفريغ استهلك بما فيه الكفاية،الحديقة مليئة بالأزهار الجميلة، توطدت العلاقة مع المدرسين اكثر، منهم المال واللحم والبشري ومنه الخمر والحشيش، التلميذات يقمن بالتنظيف والطهور والتصبين، الأيام الجميلة لا تدوم، في السنة الأخيرة من التعليم الثانوي، انتقل اغلب المدرسين إلى مدن أخري،لم يبق من تلك الأيام سوى الذكريات،اغلب التلميذات اللواتي ترددن على ماخور الأساتذة تحولن إلى مومسات،بعضهن تزوجن وانتقلن إلى مدن بعيدة وأخريات اختفين عن الأنظار، القلة القليلة منهن من تابعن دراستهن في الجامعات .

- صديقتك القديمة تتردد على دور الدعارة
- هي من اختارت الطريق ...

التفكير في الهجرة ينطح الرأس بشدة، الهرب من التشرد والضياع، المستقبل معدوم في الوطن، لا أحضان تنتشل العاطلين من فك المفرمة، المقاهي حبلى بالقهقهات والنميمة ، رفيق الدرب الذي هاجر مند سنوات نصحه بالهجرة،لا افق يسيل على خدود الأيام، عبد اللطيف بودراع ودع المدرسة في سن مبكرة واشتغل في ورشة ميكانيكي، يأتي كلما مساء مبلطا بزيوت المحركات ومخلفات عوادم المركبات، أضحوكة الأتراب من أبناء الحي، بمرور الزمن صار المتعلم يتقرب منه طمعا في كرمه وسخائه، تعلم سياقة المركبات الكبيرة والصغيرة،الشاحنات والحافلات، سافرا إلى مدينة طنجة أثناء الطريق حدثه عن المهجر، هناك يمتلك ورشة لإصلاح السيارات، المداخيل اليومية جيدة، في السنة الأولي استطاع الحصول على أوراق الإقامة، تزوج من ابنة مهاجر وانجبا طفلا، يحمل الجنسية الفرنسية، سحب جواز السفر الأزرق، اظهر صورته المختومة بأختام بلاد نابليون،تناولا وجبة الغداء في احد مطاعم طنجة القريبة من البحر، وظل يحدثه محاسن بلاد العجم، الحقوق مضمونة، يكفي أن تعرف مالك وما عليك وتحترم الآخرين،في العيون تلمع أضواء برج ايفل،والاليزيه، متاحف، مسارح،تماثيل اهرامات الفكر والأدب، بيارق الثورة الفرنسية، فكرة الهرب والانتقام اختمرت في الدماغ، حميد الصحراوي عليه ان يدفع الثمن.
الشمس فيكبد السماء ترسل الأشعة الحارقة، لايدري فيما يفكر، دخل مخفر الشرطة محملا بوثائق لتجديد البطاقة الوطنية، يدخل مكتبا تم آخر، عرج مكاتب الشرطة القضائية، اهرامات السحل والتعذيب غائبون، ثمة وجوه شابة تجلس وراء مكاتب أنيقة، سئله شرطي عما يبحث، تردد في الأول واستفسر عن حميد الصحراوي، يمشي مشية عسكرية، من بعيد يسمع وقع النقر على الآلات الكاتبة، هواتف ترن بدون انقطاع، السيارات الموشومة في الساحة الكبيرة تضاعفت أعدادها، اختفت السيارات القديمة وحلت محلها مركبات حديثة، يلوك الوجوه يقرا في السحنات الرعب والعسف والقسوة، ترتفع معدلات الامتعاض، على مقربة من الشارع الكبير تمر مركبة مسرعة، مزهوة بالوشم الظاهر على الجانبين ومن الأمام، السائق ينقل بصره بين الطريق والمارة، النظرات الخبيثة تمسح الوجوه مسحا، طابور طويل من المرتفقين،يغمس الأصابع في الحبر الأسود، يطبع البصمات على أوراق بيضاء في الحواشي ثمة كتابات باللغة الفرنسية، عليه الانتظار لشهر يتوصل بالبطاقة، تحت البناية يوجد المسلخ، المسلخ يمتد على آلاف الأمتار ، تذكر عدد الزنازن قام بعدها اكثر من مرة ،ثلاثة عشرة زنزانة في ممر واحد ويقابله نفس العدد في المرر الثاني، سجن حقيقي تحت الأرض، هناك مقبرة جماعية في الساحة التي تحولت الى مراب للسيارات ، احب مدينة الدارالبيضاء، جده عشقها واعتبرها فرسة جامحة تحتاج إلى الترويض،مند سنة تقريبا يكتري حجرة في المدينة العتيقة، يعمل في مؤسسة للتعليم الحر، الأجر هزيل لكنه مرحلة انتقالية، أيام العطل الأسبوعية يجلس أمام البحر، يراقب الغروب مسجد الحسن الثاني معلمة دينية حقيقية بدون متدينين، تزوره العائلة بين الفينة والأخري، الإخوة التحقن بالجامعات، الأب لا يزال يمارس عمله المضني، إصلاح الأحذية المهترئة، صوت المطرقة والسندان موسيقاه المفضلة،بدأت حرفة الإسكافي تعرف صعوبات بظهور شركات الأحذية، ونقل المهاجرين لمزابل النصارى، مزابل تجدب الباحثين عن الألبسة المستعملة الفاخرة من الماركات العالمية.

- لماذا لا تحول الدكان الى محل لبيع الأحذية
- وما ذا سأفعل اجلس في البيت ...حين أموت حولوه الى محل للأكلات الخفيفة أو إلى خمارة

يجلس الى المائدة محاطا بالعائلة، ينثر على المسامع رسائل مبهمة العناوين، الهجرة الى اوربا الطريق الوحيدة الى الخلاص، هربا من مشنقة رحم الانتظار، فالوجه مدون على قائمة الممنوعين من المستقبل، محروم من جواز السفر ، محروم من الوظيفة، صحيفة السوابق تؤكد عدائه للنظام،المخبر ينبش في النوايا ويشهر ورقة المنع،لا جدوى من دغدغة الرقيب بالشعارات الفارغة، القوانين تغيرت لكن العقليات متحجرة، في طريق العودة الى مسرح سقطته،طفت فوق المخيلة حوارات ونصائح صديقه المهاجر، الوطن لا يصلح للوطنيين،لم يبق من الوطن سوى عواء الكلاب تجتهد في مطاردة الأشباح ،المدينة الرازحة فوق القلب صارت تركله،كلما فتح بابا في أسوارها كلما غاص في التيه والإفراد، انه أشبه بشهقة الموت في دفاتر المغيبين قسرا، التقى مرة صدفة رفيقه في الزنزانة احدد السباعي، جلسا في مقهى مجاورة للكلية، طافت في السماء ذكريات الاعتقال، الإضرابات عن الطعام، الحوارات مع الإدارة لتحقيق ابسط الأشياء، النضال المصلحي، علم أن مصطفى البوزيدي وعمر القاضي وسمير العابر ورضوان الغالي استفادوا من العفو الملكي، الغالي وضع في مصح للأمراض العقلية المسكين أصيب بالجنون،سمير العابر شخص الأطباء حالته بالمستعصية، العلاج عدوم ولا طبيب فك طلاسم الوباء الفتاك ، السرطان يأكل لحمه، هيكل عظمي لا يغادر السرير، كل ليلة يستمع الى عويل الاشلاء،يبتلع ادوية بدون قيمة، طار شعر الراس والجسد، ينتظر في فرح طفولي الموت، لينال الحرية المشتهاة ، سقطت دمعات حارة من العيون، تألم كثيرا لمصيرهما، الطفل الصغير الذي فر من جلده عاد دفعة واحدة، ربما كان يحتاج إلى البكاء للتنفيس عن الضغط الداخلي، مند سنوات جفت الأحاسيس وفتحت تحت الجناحين طعنات الجحيم، النظام مسؤول عن محنتهما،مسؤول عن ضياع جيل كامل، مناجل الحصاد لا تستثني أحدا، فاعل أو مفعول به، الحر يمشي ميتا نحو الشمس،يضاجع الأمنيات العظام في الزنازن، الذليل يقبض الهدايا من حراس المعبد.
عليه أن يبقى بدون حراك طيلة الرحلة، الشاحنة الكبيرة المحملة بالفواكه تقطع الطرقات، ترسل الخدر إلى الأرجل، ترتفع ،تهبط، تسير بسلاسة ، المهرب المحترف افرد له مكانا بين الصناديق شبيه بالقبر ، عليه أن يبقى مكورا لبضعة ساعات، بضعة ساعات كافية ليهرب من السجن الكبير إلى الحرية، حراس الحدود فتشوا المؤخرة اكثر من مرة، الشاحنة تعبر إلى الباخرة الكبيرة، لم يعد يدري كم غاب من الوقت عن العالم المحسوس ، الشاحنة تفرغ حمولتها في مدينة صغيرة بفرنسا، السائق رجل في عقد السادس تقريبا خبر الطرقات ، أزاح الصناديق، مد له يدا وانتشله من القبر٫ ناوله الحقيبة التي تحتوي على كل ممتلكاته، ودعه وأشار له باليد أن يتبع الطريق ويبتعد عن التجمعات .

- اسمع... لم يسبق أن رايتي
- اعرف... لن أنسى صنيعك معي

أربعة عشرة سنة في بلاد الغربة، انقطعت أخباره عن العائلة لبضعة سنين ليعاود الظهور ،رسالة واحدة أعادته إلى الحياة مرة أخرى، تزوج من فرنسية انجب أطفالا، اشتغل في أول الأمر في مدرسة خاصة، اظهر براعته في العلوم الرياضية، قربه مدير المدرسة ورفع من راتبه، انجذب نحو مدرسة وجد فيها النصف الأخر، أحبته بصدق، تزوج منها وحصل على الجنسية الفرنسية، تقدم بطلب للتدريس في الجامعة، بعد طول انتظار جاء الجواب مرحبا، توصل بالوثائق المطلوبة عبر البريد، أخبار العائلة تصل أولا بأول، الرسائل تم الهاتف، الأب تخلى عن الدكان لفائدة الأخ الصغير الذي حوله الى محل للوجبات السريعة، الأخوات تزوجن وفتحن منازل خاصة، الوالدة ما تزال تتعارك مع حياكة الزرابي الأمازيغية.
لم يعد لون البشرة يضايقه، الاسم اصبح مختصرا، ابوبكر تحول إلى لقب أبو وغالبا يتم اختزاله في اسم بكر...الاجتهاد والبحث والرغبة في التفوق تقوده إلى نيل دبلوم الماستر ثم انخرط في جامعة فرنسية للعلوم الرياضية بحثا عن شهادة الدكتوراه، البحث العلمي في الدولة المتقدمة يحتضن بقوة تخصص له ميزانيات لأنه يحدد المستقبل ويبني الحضارات، في البلاد المتخلفة يعد خطرا يجب محاربته، لان التنوير يهدد المناصب والكراسي،يستثمرون في التفاهة لتضبيع الشعوب، لازالت دول العالم الثالث تفرخ العبيد وتعبد الأصنام البشرية، رغم التشرب بالحارة الغربية لكنها عاجزة عن تكسير الأغلال.
انتقل للعيش في فيلا صغيرة مع العائلة التي ازدانت بولد رابع في حي راقي، محبوب في الكلية وخارجها، نصير القضايا العادلة، صديق الطلبة المجدين والمجتهدين، يضع مسافة بينه وبين العرب بحثا عن راحة الضمير، في كل شهر يرسل لوالديه حوالة مالية، في جميع الاتصالات الهاتفية يسال عن أخبار الحي، موتى بالجملة ووجوه جديدة حطت الرحال بالحي، يستعجلون زيارته للوطن، فكرة الانتقام من حميد الصحراوي رابضة في الدماغ، يجب أن يتخلص من العبء الثقيل الذي ينطح الخلايا صباح مساء، يا الآهي كم يحمل من الحقد والكراهية تجاه اللقيط، عشرون سنة يحمل بين الضلوع مشاهد مروعة، كل ليلة تهطل الكوابيس، استفسر عنه بعض الأصدقاء القدامى عرف انه نقل إلى مدينة خريبكة، لربما تقاعد يجلس في المقاهي يستعرض طابورا طويلا من الضحايا من الابرياء والمجرمين الذين يجرهم إلى المسلخ بدون تأنيب الضمير ولا الخوف من الله، يريد أن ينظر في عينه ويصرخ في وجهه انه رغم التعذيب لا يزال واقفا ولم ينهزم،انه افضل منه بكثير.
في الصيف حمل العائلة وعاد إلى الوطن، قطع آلاف الكيلومترات بالسيارة ليعود إلى الوطن الكسيح والجريح، استقبل في الحي بالزغاريد والهتاف، تلتقطه الأيادي وتحتضنه، ابن الحي ابن جميع الأمهات ، عاد من الغربة لكنه عاد شخصية علمية مهمة،بكت الأم في حضنه، قبل راس الوالد وقدم الزوجة والأبناء، الحي جاثم فوق عينيه، استعرض عشرات الوجوه تحمل آثار السنين، الجزار يقطع اللحم إلى أطراف، رائحة الشواء تزكم الأنوف، الأخوات فرحات بأولاد الأخ المغترب،اضمحل الخجل وتحول المنزل إلى باحة للركض والضجيج، يجلس بالقرب من الأم، ملامحها لم تتغير لكن الزمن سلب منها القوة والإرادة، أنها الأم المكافحة التي انجبت تسعة أبناء ولا زالت تحن إلى الحياكة والعمل المنزلي،الزوجة الأجنبية منبهرة، بسرعة اندمجت في العالم الغريب، في اليوم الثاني آخذوها إلى الحمام بمعية بنتها، حين عادت بوجه محمرة أشبه بالطماطم، البسوهما القفطان ووضعوا لهما الحناء في الأيدي والأرجل، تبدوان اكثر فرحا وسعادة، مناديل ذات أهداب تغطي الرأسين وحزام حريري، في اليوم الرابع قام بختان الأولاد الثلاثة، نصبوا خيمة في الساحة المقابلة، ودعوا اغلب الجيران للمشاركة في العرس، أخواه يرافقانه في الغدو والرواح، زار دكان الأب القديم، عمر اصبح طباخا ماهرا، حول محل الإسكافي إلى دكان للوجبات السريعة، يشتغل معه ثلاثة عمال مدربون، المدخول اليومي جيد، علي موظف في إدارة عمومية راتبه الشهري هزيل، لكنه يكافح من اجل مستقبل افضل، التقى مجموعة من الاصدقاء في المقاهي، سئل عن الشلة القديمة، كلهم غاصوا في دروب الحياة الصعبة، طرق باب عبد اللطيف بودراع الميكانيكي الشهم الذي احتضنه في بلاد الغربة لعدة شهور،تنقل به عبر المعامل والمصانع بحثا عن عمل، استقر به المقام في مؤسسة خاصة للتعليم، كرم وصبر الميكانيكي لا ينسى دين كبير في رقبته، فتح له بيته ومنحه مبالغ مالية لشراء ما يحتاجه في الذهاب والإياب، أخ حقيقي لم تلده امه، حين انفتح الباب تعانقا بشدة، تفرقت بهم السبل في بلاد الغربة بسبب الانشغالات ،ظلت حرارة الهاتف حاضرة،دعاه للعشاء في بيت الوالد ، حضر بمعية العائلة الصغيرة، الأب يحيط به عشرات الأطفال الصغار،يضع الأسياخ على المجمر المزدهر بالفحم المشتعل، يفرق قطع اللحم الطازج على الأيدي الفرحة، الضجيج يأتي من اغلب الحجر، النساء اكثر نشاطا وحيوية، مرت العديد من الوجوه والأسماء بين أدغال الذكريات البعيدة، وحدهم الغائبون في قفص مطالب الرحمة والمغفرة،اندثروا في عباب النسيان، تعلو القهقهات ولد الشوافة يطلق العنان للقفاشات مستحضرا تاريخا طويلا منسيا في تلابيب الأدمغة، أعاد على المسامع قصة الرجل الشحيح وبائعي اللبن، كلما سمع صوتا ينادي باللين الا وخرج من المنزل حاملا كاسا ليتذوق السلعة، يختفي بضعة هنيهات ليخبر البائع ان السلعة غير جيدة، عاود الكرة اكثر من مرة وما كان من ابناء الحي سوى ان تطوع ابوبكر وارتدى جلباب صوفي ووضع على الراس قبعة من الدوم، امتطى دراجة هوائية وراح ينادي لبن.. لبن... ، فتح الشحيح الباب قدما كاسا فارغة للتذوق، سحب قنينة ماء وافرغها عليه، الدهشة لجمت الحركة،ضحكا كثيرا على الشقاوة، من يومها اصبح الشحيح أضحوكة الحي، الصغار يتعمدون الاقتراب من مسكنه و الصراخ لبن ... لبن ، يطاردهم بالحجارة ،امتلأت المائدة بالأطعمة الشهية،لاذ الكلام المباح إلى جحور الصمت.
الطريق إلى مدينة خريبكة مليئة بالحفر والمطبات ، فلاحون في الحقول يجمعون المحاصيل، الحرارة ترتفع، السيارة المرسديس البنية ذات الترقيم الأجنبي تنهب الطريق نهبا ،في المعقد الجانبي يجلس صديق العمر عبد الطيف بودراع، يعيد على المسامع ذكريات مكتظة بالحماقات و الشقاوة والتعاطي للمخدرات والتردد على بيوت الدعارة، شافية كانت اجملهن تتعامل بلطف مع الزبناء خاصة الشباب الذين يجربون فحولتهم لأول مرة ، في البدء حاول ثنيه عن مواجهة عدو الأمس، الغربة لم تسافر به إلى حدود النسيان ومسح الصفحة الأليمة، اللعين نتف ريش البراءة من صدره، المخيلة ترتجف من سؤال الحقيقة،حواجز امنيه على طول الطريق، الجواز الأجنبي يخلق التردد، صوت الموسيقى دافئ يقتحم الخلايا، جاك بريل صوت رائع ، يسافر بالمستمع إلى عالم الرومانسية الرحب، لا تتركيني، يمكن نسيان كل شيئ ، نسيان الذي يتلاشى، نسيان وقت سوء الفهم ، و الوقت الضائع في معرفة كيف... الحب الحقيقي والصادق يمطر نشيد الأقحوان، في مقهى بقرية حد سوالم شربا كوبا قهوة ،لا شيئ يشير إلى مرور الحضارة من هذه البقعة، دواب وحمير وعربات منتشرة بكثرة، متسولون بالعشرات، النادل يهشهم ويظهر آخرون، الفقر يركض فوق الجباه، السيارة المرقمة بالخارج تجلب المتسولين، يعتقدون أن المهاجر يجلس فوق تلة من الأموال،مدن وبلدات تعاني الفقر والتهميش،تقتات على فتات الوعود، سنوات بعد الاستقلال ما زال في جعبة الأحلام متسع للكذب والنفاق، يصطدم بقهقهات الشارع في جميع الخطوات، وجوه كالحة في طريقها إلى نعش الاستجداء .

- الإنسان هنا يعيش خارج الزمن
- الشعب المستسلم الخانع يستحق الجحيم

الساعة تشير إلى الواحدة بعد الزوال،مئات الكيلومترات قطعت في اقل من ساعتين، لوحات عند مدخل المدينة، اشهر مدينة منتجة للفوسفاط في العالم، في مطعم صغير طلبا وجبتي دجاج محمر، استفسرا النادل عن شارع المقاومة، الخريطة الورقية لم تسعف في تحديد المكان المطلوب،فلطسين حية في الذاكرة الجماعية للمدينة، شارع أريحا ، حي القدس ، شارع فلسطين، توقفت السيارة عند العنوان المطلوب، سكت المحرك عم الهدوء المشوب بالانتظار والأسئلة العميقة،بائع للفواكه يستظل تحت شجرة هاربة من نزيف التشذيب، في سوق شعبي شاهده يجلس على كرسي متحرك، حميد الصحراوي الشيطان الذي وسم الأجساد البريئة بالعسف والقمع والاضطهاد النفسي ينتهي هزيلا ضعيفا فوق كرسي نقال، استسلم لمطرقة السنين،فوق الظهر يحمل طعنات وصراخات الموقوفين، تفرس الوجوه كثيرا، مسح النظارة الطبية، أعادها بيدين مرتعشتين، يدين كانتا تقبضان تشل حركات الموقوفين، تصفع، تخنق الأنفاس، رائحة البول تضرب منه، اللعاب يتدلى من فمه المعوج، تمتم كلمات غير مسموعة،ظل يبحلق في الوجهين الغريبين، خرج اللحام المنشغل في تلحيم قطعة حديد صغيرة بأخرى اكبر حجما ، شذرات ملتهبة تتساقط عن بعد،نزع الواقي الحديدي وباب وجهه المتعرق، تقدم وسلم، عرفوا انه يعاني من اضطرابات عقلية، القت به الأيام عاريا وحيدا على رصيف الشيخوخة والأعطاب، انخرطا في حديث مطول مع اللحام ،يعرف تاريخه الدموي، اردف أن مئات الأقنعة المخبأة تحت سرير النوم تعرت في الأيام الأولى من قدومه إلى المدينة، تاريخه الملطخ بالدماء والقمع طارده، نبذه الناس ورفضوا التعامل معه، حين يشتد عليه المرض ، يصرخ، يتعارك مع الأشباح، يمزق الملابس يتغوط في السروال، يبوح بأسرار المهنة المقيتة، مند زمان اعتاد التسكع في ثنايا الذاكرة الملطخة بدم الابرياء، اغلب الأبناء في السجون، الزوجة ماتت مند سنة تقريبا، لم يجد سوى بعض الجيران الذين تكفلوا به،الطبول تقرع على مقربة من محطات العودة، تنفس الصعداء وارسل آهات عميقة ،كان يحتاج إلى مواجهة حقيقية مع الجلاد، لديه ما يقوله، القلب مزدحم بعشرات الأسئلة، راودته فكرة الصراخ في الوجه المتعفن هربا من وخز الذاكرة،لا حاجة لمحاورة ميت، احس بحمل ثقيل ينزاح من على الظهر، الأشياء تصفو في المخيلة ، حاول كسره ليبتلع غبار الهزيمة، لكنه استطاع الوقوف، توقف على جنبات الطريق، فتح ذراعيه للريح الخفيفة ،صرخ بأعلى صوته، انه حر ... حر.
مباشرة بعد انتهاء الحجر الصحي انقطعت أخباره، ولم يعد يداوم على الحديث في شبكات التواصل الاجتماعي حتى الحساب الفيسبوكي الذي ينشر فيه رسومات كاريكاتيرية ساخرة عن الوضع العام في الوطن لم يعد نشطا.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت