الخروج من الثورة البنيوية: حالة تزفيتان تودوروف (الجزء الرابع)

أحمد رباص
2024 / 4 / 3

تضمين، تحلل
كيف يمكننا أن نحدد في صيغة هذا المسار الفكري، الذي حاولنا تسليط الضوء على تفاصيله الحاسمة؟ يمكننا القول إن فكر تودوروف يتبع حركة "تضمين" تدريجي للفضاءات الجديدة، منتقلا من الأدب إلى كل تلك الخطابات التي، وفقا للرأي الحالي، ليست أدبًا. إن هذا التوسيع ل"مجال ما نسميه عادة الأدب" ينطوي، في الوقت نفسه، على ظاهرة تحلل – خصوصية الأدب.
ينطلق تودوروف من فرضية استقلالية الأدب: مكانة هءا الأخير ستكون راسخة بما يكفي للسماح بوجود علم الخطاب الأدبي، الشعرية. ومع ذلك، عند الشروع في طريق التحليل البنيوي للسرد، يواجه تودوروف تعدد الأصوات في اللغة الأدبية - الخطوة الأولى التي تقربه من باختين - وفي نهاية المطاف، لاخصوصيتها. وهو يحلم بجدول للإمكانات الأدبية، إذا به يكتشف أنواع الخطاب: الشيء الذي سيقوده، بمفارقة، إلى تجاوز الإطار المفاهيمي ذاته – تعريف اللغة الشعرية من خلال النزعة الغائية الذاتية – الذي جعل بحثه ممكنا.
هذا التجاوز فعال في "مفهوم الأدب". هنا، يضطر تودوروف إلى الاعتراف بأن الفكرة الوحيدة ذات الصلة، من زاوية نظرية، ليست فكرة "الأدب"، بل على وجه التحديد، فكرة "الخطاب": وبالتالي، فإن أي حاجز بين الأدب وغير الأدب قد تم كسره إلى الأبد. يصبح المجال الجديد لدراسة المنظر الفرنسي البلغاري، منطقيا، هو النصية: ما يفسر العديد من الأعمال القادمة، مثل "مواجهة المتطرف،" - الذي يهتم بالنصوص الواقعة على الحدود بين الشهادة والأدب - والرباعية الوثائقية لأعوام 1992-1999، التي تركز على الحياة المشتركة خلال الحرب العالمية الثانية وعلى الأيديولوجيات الشمولية.
إن هذه الدينامية الداخلية للشعرية، التي تحتوي في داخلها على موتها الخصيب، هي أول عوامل التغيير التي تبعد تودوروف عن البنيوية بالمعنى الدقيق للكلمة.
خلال هذا الوقت، أصبح تودوروف مدركا لحقيقة أن المنهج البنيوي، مثل أي أسلوب آخر، محدد تاريخيا، وأنه يتضمن خيارا أيديولوجيًا لصالح الفردية والنسبية. ومن هنا رفضه للنسخة الراديكالية من البنيوية: تلك التي تتجاهل معنى العمل، و"القيم" التي يحملها، و"الذات" التي يتم التعبير عنها من خلاله.
منذ الثمانينيات فصاعدا، تعلم تودوروف تدريجيا تطوير مفهوم جديد للنص الأدبي: كانت "رواية تعلم" (العنوان الفرعي لكتاب "نقد النقد"). اكتشف البعد المعرفي، الأخلاقي، السياسي، الأنثروبولوجي للنصوص؛ تجلى فيه اهتمام جديد بتاريخ الأفكار أو الفكر، وهو ما يفسر أيضا تعاونه مع بول بينيشو Paul Bénichou: بين الأخير وجيرار جينيت، الأنا الآخر لتودوروف خلال الستينيات والسبعينيات، الفرق واضح. وبقدر ما يفقد الأدب استقلاليته، فإنه يكتسب شحنة أيديولوجية، قوة معرفية، قيمة أخلاقية: في نظر تودوروف، إذا استعرنا كلمات سارتر مرة أخرى، يصبح الأدب كشفا عن الإنسان والعالم. لم يعد الأدب يشير فقط إلى الخصائص الداخلية للخطاب الأدبي: فهو يستعيد صورة العالم، ويسمح لنا بتغييرها. وكذلك يفعل النقد، على الأقل هذا ما ينبغي أن يفعله:
"الخطابات هي أيضا أحداث، ومحركات للتاريخ، وليست مجرد تمثيلات له. وهنا يجب علينا تجنب بديل كل شيء ولا شيء. الأفكار وحدها لا تصنع التاريخ، فالقوى الاجتماعية والاقتصادية هي التي تصنع التاريخ أيضا؛ لكن الأفكار ليست تأثيرا سلبيًا بحتا. أولاً، تجعل الأفعال ممكنة؛ ثم تسمح لها بأن تصير مقبولة: هذه، في نهاية المطاف، أفعال حاسمة. إذا لم أصدق ذلك، فلماذا كتبت هذا النص بالذات، الذي يهدف أيضا إلى التأثير على السلوكات؟".
في هذه الحركة المزدوجة، من الأدب نحو النص، ومن البنيات نحو المعنى والقيم، هناك عامل ثالث له دور حاسم: (إعادة) اكتشاف فكر باختين. ومثل تودوروف ومن قبله، "تخلى باختين ببساطة عن البحث عن الخصوصية الأدبية": لقد أخضع المنهج الشكلاني في الأدب للنقد الدقيق، واضعا جانبا "مسألة الهندسة المعمارية" للتركيز على الإشكالية الكبرى للغيرية.
إن باختين هو الذي غذي تفكير تودوروف حول مكانة العلوم الإنسانية والطابع الاجتماعي البارز للإنسان. فضلا عن ذلك، فإن المبدأ الحواري الباختيني يبرر تعريف النقد الحواري الجديد. لذا ـ ورغم أن عواملنا الثلاثة متشابكة بشكل وثيق، إلى الحد الذي يجعل من المستحيل إقامة أي علاقة سببية بينها ـ فمن الواضح أن قصة تودوروف كانت لتصبح مختلفة تماماً لولا هذا اللقاء مع باختين.
يعترف تودوروف نفسه بأنه بفضل باختين جزئيا تمكن من الخروح من الثورة البنيوية:
"خلال هذه الفترة (أواخر السبعينيات)، قرأت ودرست الكثير من كتابات ميخائيل باختين، وهو مفكر روسي ربما أثر فيّ، وساعدني بالتأكيد أيضا على تجاوز الشكلانية في الدراسات الادبية."
المصدر: https://books.openedition.org/puc/21041?lang=fr

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت