القراءة النقدية للناقدة إيثار محسن لمجموعة صباح كهرماني للقاصة فوز حمزة

فوز حمزة
2024 / 4 / 2

تتألف المجموعة من تسع وأربعين قصة
عدد الصفحات ١٤٩
صادرة عن دار الدراويش للنشر والتوزيع ، بلوفديف، بلغاريا ٢٠٢٣.

الرمزية والتخييل في نصوص المجموعة القصصية صباح كهرماني
تعريف مختصر للتخييل هو إعادة تشكيل الواقع برؤية مغايرة، فما كان يستحيل حدوثه في الواقع أصبح ممكن حدوثه على مستوى التخييل، وهو نوع من الخداع يلجأ اليه الكاتب، ليس بقصد الخداع والتزييف وإنما ليفرغ الواقع من دلالته المرجعية الحقيقية ويحمله بدلالات متخيله لتوضيحه أو تفسيره على نحو آخر أكثر جمالًا و تشويقاً وإثارةً.
أما الرمزية فهي رد فعل مضادة للواقعية والطبيعية... في مقولة للفيلسوف الألماني( كانت )عن ماهية الشيء...( الشيء هو فكرتنا عن الشيء)...وهي فلسفة مثالية تعلّي من شأن الخيال، الشيء هو فكرتنا عن الشيء بغض النظر عن وجوده المادي الحقيقي، وأن الحقيقية نابعة من داخل ذاتنا.
إن الحجة التي يطرحها كُتّاب المدرسة الرمزية أنهم ملوا الواقعية الطبيعية وأن اللغة العادية عاجزة عن توصيل أفكارهم فاتجهوا للتعبير عن مكنون النفس البشرية باستخدام الرمز والإيحاء والصور والخيال والتعبير عن الأفكار الداخلية والعواطف باستخدام لغة جديدة غير مألوفة، تمتاز بالانفعالية والتصويرية أي صورة حسية مليئة بالمشاعر والخيال.
*قصة ( البوابة)
(مهما جاهدنا للوصول إلى جزيرة الأمان .. سيعيدنا التيار ثانية للغرق ما دمنا لا نغير وسائل الإبحار)
قصة برمزية عالية، أستاذ ومعلم لمادة التاريخ تم سجنه بزنزانة قذرة، لم تكن الزنزانة سوى الواقع الذي يعيشه، أما الشاب الفضولي الذي يتكلم اللهجة العامية، وهي إشارة لنمطية التفكير التي يتبناها الشاب، كانت قذارته تحاكي قذارة السجن، بينما ظل الأستاذ ينطق بالفصحى، فكان تفكيره مثالياً وخارج الصندوق بينما بقى الشاب ينتظر المحامي المخلص الموعود لأف سنة وأكثر.
*قصة ( شاي بنكهة النعناع )
يتعطل المصعد في إحدى التجمعات الأدبية، أثناء حضورهم لمهرجان عربي كبير، كان الروائي والشاعر وكاتب الأغاني والقاصة من مختلف البلاد العربية، داخل المصعد في حال صعود وهبوط غير منتظم، أربك الجمع حتى فرغ صبرهم، لكن الروائي بقي يسجل الأحداث رغما عن ذلك، فكان بمثابة سجل للزمن حيث لا يؤثر فيه أية تعطيلٍ .بينما بقي الشاعر في محاولاته فتح باب المصعد، فهو بهذا يعبر عن حال اللحظة التي يعيشها، أما كاتب الأغاني فقد استغل الظرف الفوضوي لصالح مفاسده، فظلت عيناه تحدقان بشهوة في صدر الشاعرة ويلامس القاصة التي كانت تقف بجواره بحجة اضطراب الحركة، حتى أنها استأنست للحال...ظل الحال على ما هو عليه بين أحاديث واقتراحات لعناوين لتسجيل الحدث روائياً او قصصياً لكنهم بقوا جميعا حبيسي المصعد حتى اختفى العالم من حولهم ولم يعد يعنيهم إلا (رائحة الشاي بنكهة النعناع القادمة من غرفة البواب)
القصة تحمل رمزية لحال الإنسان العربي...فهو لا يرى ولا يسمع إلا ما يراه أمامه ويستشعره بحواسه وربما ما يثير شهواته...
*قصة (الموعد) وهي قصة روح تتجول باحثة عن مطعم المدينة لترى حبيبها وهو يبكي رحيلها، استخدمت الكاتبة آلية التخييل في السرد، وصف الكاتبة للمكان كان لخدمة القصة حيث ميزت الكرسي الذي يجلس عليه الرجل المصنوع من مادة الخيزران بالبرونز بينما بقية الكراسي قد صنعت من السنديان، ما يرمز أن الجالس عليه يمثل استثناءً لدى الروح القادمة نحوه، ولم تنسى الكاتبة أن تشير لتلك الروح بالحمامة الواقفة خلف النافذة، لتنهي القصة باكتشاف المرأة لنفسها بأنها مجرد روحٍ، حين نظرت لنفسها في المرآة ولن تجد انعكاسا لوجهها.
*قصة (زفاف وطن )
لم تستوعب الأم فقدها لأطفالها الثلاثة دفعةً واحدة، وبصورة فجائية صادمة في حادثٍ، أثناء وجودهم في المدرسة، فما كان منها إلا أن تتخيل قدومهم عليها عائدين إلى البيت، يمارسون حياتهم اليومية بشكلٍ اعتيادي...وهو رفض العقل للواقع عندما لا يَحتمِل الصدمة. ومن العنوان المتهكم يبدو أن الوطن يتعرض لحالة من الاعتداء كان ضحيتها طلاب مدرسة.
*قصة (ازواج الزوجة)
قصة تحكي امرأة تعددت ارتباطها...لكن الحديث الذي دار بينها وبين القاضي كان متخيلا بامتياز، إذ لا تجرؤ إمرأة مهما كانت سلطتها ومكانتها أن تتحدث بجرأة غير معهودة مع قاضٍ.
هذا المشهد التخيلي يشد القارئ للبحث عن ما تريد الكاتبة ايصاله من خلال هذا الحديث، ناهيك عن آلية سرد القصة في تفصيلها لأزمانٍ مختلفةٍ عشوائية الترتيب... بعد الترتيب الزمني، من يتابع كلام المرأة يجده منطقياً جداً فهي في تجربتها الأولى كانت تتصور أن زواجها يدوم للأبد وأن حبهما لن ينتهي حتى بعد الموت، بينما في تجربتها الأخيرة ادركت ان الحب لن يدوم للأبد، حين اعترضت في قولها للقاضي(من خولك ايها القاضي ان تعلن اننا سنبقى زوجين).
أما في ساعة الصفر وتسع دقائق... الصفر هو بداية جديدة و الرقم تسع يحمل رمزية اكتمال العدد وهي إشارة واضحة لنضوجها الفكري، بعد عدة تجارب تمكنت من الزواج من قاضي البلاد الأول، وهو بيان لتمكنها العقلي ودليل نضوجها التام.

قصة (زهرة الكالا البرية)
لازم السرد التخييل في قصة زهرة الكالا البرية، تلك الزهرة التي كانت تتثاءب وتحدث نفسها،
شعورها بالحياة وسريان الروح فيها جعلها تتصور أن الصخرة التي تجانبها ما هي إلا مصدر للقبح وأن أية محاولة منها للخلاص من الصخرة سيكون مصيرها محكوم بالموت، الموت الذي تراه في تلك الصخرة العديمة الفائدة، لكن الأيام اثبتت لها العكس بأن الصخرة هي من حمتها من رياح عاصفة قوية كسرت أغصان الزهرات التي كانت تحسدهن على سعادتهن.
استخدمت الكاتبة رمزية الزهرة والصخرة لأخذ العبرة فليس كل ما هو قبيح مضر.
*(اليوم الثامن) قصة قسمت السرد زمنياً حسب فصول السنة فكان نهار جمعة ربيعي ونهار جمعة صيفي وخريفي وشتوي هذه الفصول ترمز للحالات التي تمر بها العلاقة فربيعها جمال ولهفة وصيفيها حميمي مثير أما خريفها فكان إذاناً وترقباً للرحيل لكن رغم الحب (شريان الحب الذي يسري في جذورك، يمدك دوما بأمل جديد)
ليأتي نهار جمعة شتائية فتتركه إلى العالم الآخر دون رجعة لكنها تقول له : (هنالك، لن تتشظى أرواحنا بعد عشرين جمعة...لم تخطئ أبدا موعدها معي).
قصة (حنين العودة) التخييل فيها كان حديث سمكة الزينة مع صائدها، بجمل عميقة وعبارات بلاغية أبدت السمكة ما كانت تشعر به، الترميز كان حاضراً، فالسمكة الحبيسة بحوض صغير ، كانت تحاكي واقع المرأة حبيسة غريزة التملك لدى الرجل، وكان حنينها للعودة للحرية.
(خالتي نرجس) تحكي قصة أخوة متحاربين، حيث ينتمي نصفهم لحزبٍ بينما ينتمي نصفهم الآخر لحزبٍ معادٍ، لكنهم في الليل لا ينامون إلا في احضان أمهم وهي ترمز للوطن.
قصة (زهرة التوليب) مشهدٍ تخيلي لحوار بين أشجار وشجيرات و ورودٍ وهنّ يتذمرنّ من البرد و وطئته الشديدة على أغصانهنّ واوراقهنّ وعطرهنّ والوانهنّ الزاهية، كان الخوف يقف حاجزاً فلا يجرؤن على مصارحة الشتاء بما يتحملن من قساوة البرد، لكن زهرة واحدة كسرت حاجز الخوف وصارحت الشتاء برغبتهن برحيله عنهم آملين بقدوم الربيع الذي يعيد لهن كل ما فقدنه تحت وطأة البرد، لتفوز بالمكافئة وتكون (أول من ينهض من تحت ركام الثلج لتعلن قدوم الربيع)
نظرة عامة على المجموعة:
من يقرأ للكاتبة فوز لا يمكنه القراءة بشكل سريع، رتم القراءة للقصص هو رتم بطيء، أن الأسلوب السردي الذي اعتمدته الكاتبة هو أسلوب دقيق وعميق مع أن القصص تتسم بالبساطة، فهي تهتم بآلية التفكير مع وصف لمشاعر الشخصية اكثر من اهتمامها بمظهرها، كما إن وصفها للاماكن يأتي لخدمة الحبكة، الغموض واحدة من اساليب التشويق التي اعتمدتها الكاتبة، حيث تسرد الحيثيات وصولا للحدث الأكبر، كما تتسم لغتها السردية في كثير من الاحيان بالشاعرية، حتى أن بعض القصص كتبت بصورة أقرب للقصة الشعرية منها للحبكة الدرامية، كما اتخذت بعض الحيل السردية مثل فلتات اللسان وهي غالبا ما تكون لغة نطق الحقيقة، أو مخادعة ذاكرة القارئ لكسر الجمود وإبعاد الملل، تنقلات السرد مدروسة بعناية فهي توفر الكثير من السرد حيث لا إسهاب فهي دائما تأتي بالمفيد.
إيثار محسن / العراق / البصرة

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت