حياة صباح السهل مستمرة في غنائه

كرم نعمة
2024 / 4 / 1

كانت الكتابة عن الفنان الراحل صباح السهل محفوفة بالمخاطر قبل عام 2003، لكنها تحولت إلى فرصة للخيال السياسي بعد ذلك التاريخ، بيد أن كل ذلك كان على حساب القيمة الغنائية التي تركها صوت هذا الفنان في مدونة الغناء العراقي.
وبينما المحطات الفضائية العراقية تعيد تكرار قصة صباح السهل اليوم وتقدمه كسياسي! فإنها في ذلك توغل في ظلمه الفني، عندما لا تعيد قراءة فنه وتكرر علينا قصته الحزينة، لكن ماذا عن غنائه؟ ذلك هو السؤال الذي بحاجة إلى قراءة متأنية لا تقع تحت وطأة الموت الفاجع الذي واجهه. الأمر الذي دفعني اليوم إلى استذكار حياة صباح السهل في غنائه الذي أريد له أن يغيب تحت وطأة فجيعة موته المبكر.
فصباح الذي أُعدم عام 1993، لم يكن معارضا للنظام آنذاك، وقد كان جزءا فعّالا في الأغاني الوطنية على مدار الحرب العراقية – الإيرانية وسجل عشرات الأناشيد الوطنية المشتركة أو الفردية، وتكاد أغنية “الحرس الجمهوري” التي كتبها مكي الربيعي ولحنها الفنان ياسين الراوي وغناها السهل مع ياس خضر وفاضل عواد وحسين نعمة ورياض أحمد وكريم حسين، المثال الأبرز في تجربته الوطنية.
لم يكن السهل يعاني من العزلة الفنية آنذاك، إلا بعد أن اجتاحت “الأغنية الشبابية” وهمشت أبناء جيله وكان أسوة بهم يشعر بالغبن والإجحاف، وربما ذلك ما أوصله إلى الموت غير العادل بحقه.
أتذكر المرة الأخيرة التي رأيته فيها، كان في ضيافة الفنان سعدون جابر بداية تسعينات القرن الماضي، كان مثقلا بالحزن والخذلان، قال لي “أرجو يا كرم ألا تسألني عن جديدي”! بالفعل لم يكن ثمة جديد له آنذاك ولكل أبناء جيله.
مع أن ألحان الفنان محمد جواد أموري كانت المعبّر الأوضح في تجربة صباح السهل، لكنني سأختار اليوم أغنية من ألحان غيره لأعيد تعريف صباح السهل بعد أكثر من ثلاثة عقود على رحيله.
كان أموري يصنع في صوت السهل أصعب ما يُعبّر فيه، ومن يعود إلى أغنية “بلاي وداع” التي كتبها عريان السيد خلف و”نطرته وراح” التي كتبها الشاعر الكويتي فائق عبدالجليل الذي لاقى مصيرا مشابها لمصير صباح السهل، و”نوبة شمال الهوى” للشاعر جودة التميمي، ثم “شلون أقول هواي” يكتفي بتقديم صورة مكتملة عن غناء هذا الفنان، لكنّ ثمة لحنا تركه الفنان كمال السيد في نص الشاعر كاظم الرويعي صانع جواهر الأغنية العراقية، يكاد يكون الماسة الأثمن في الأغنية العراقية، “خذ شوقي” تلك أغنية لا تضاهى لحنا لكمال السيد وشعرا للرويعي وأداء للسهل.
نص قصيدة الرويعي كأنه صورة شعرية واحدة متدفقة، ومن يقرأها أو يغنيها ستنقطع أنفاسه! لكن اللحن البارع للسيد كان بمثابة تقطيع حسي وإن كان الصوت مستمرا مع استمرار التصاعد الموسيقي، ولفرط الولع والتساؤل والشغف الكامن في الأغنية لا يشعر المستمع بـ”كوبليهات” الأغنية على طولها النسبي “اخذ شوقي يا ريح ومر على الصدو/ وصلو حد الهجر وعلى الهجر عدو/ بعد شما جنو وياي/عسل حنظل أوالفهم/ وتضل حلوه سوالفهم/ لكن كل راح رد وهمه ماردو”.
يستمر هذا التدفق الملتاع ولفرط التساؤل الكامن فيه لا ينتظر المستمع إجابة بقدر تساؤل آخر أكثر وجعا “حاير يا عشق بينا/ جزينا لهفة العاشق/ وجزينا القول والقائل/حاير يا عشك لا احنا فراق ونفارق/ ولا احنا وصال ونواصل”.
فكيف لكمال السيد بهذا النفس التصاعدي من دون أن تخبو لديه الجملة اللحنية؟ كذلك فاقت تعبيرية هذه الأغنية نصا ولحنا وأداء تاريخا من الوجع، مع أن القصيدة تبدو للوهلة الأولى استحالة تلحينها!
دعونا نستعيد تلك الأغنية من أجل حياة صباح السهل المستمرة بيننا ونحن نستذكر موته.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت