وارث الشواهد؛ وليد الشرفا

مهند طلال الاخرس
2024 / 4 / 1

وارث الشواهد رواية للكاتب الفلسطيني وليد الشرفا. تقع على متن 158 صفحة من القطع المتوسط، صدرت الرواية بطبعتها الاولى عام 2017 عن الدار الأهلية للنشر والتوزيع في عمّان/الاردن.

يروي الكاتب «وليد الشرفا» في هذه الرواية حكاية فلسطيني يدعى «الوحيد»، والوحيد هو بطل الرواية وحول عائلته و ذاكرته وانثيالها تدور احداث الرواية وتنسج خيوطها.

بطل الرواية «الوحيد» لقبًا، و«صالح» تسمية يقبع في سجن «الدامون» القريب من قريته «عين حوض» التي تحولت لاحقًا إلى «عين هود» بعد الاحتلال الإسرائيلي عام 1948 والتي حولها الإسرائيليون إلى قرية للفنانين،

تسكن عائلة الوحيد في نابلس بعد اللجوء، حيث بنى الجد سليمان في نابلس بيتًا شبيهًا ببيته في عين حوض، يستشهد والد الوحيد المعلن الوقور فيدفن على قارعة الطريق ثم ينقل الى قبر جديد في ساحة البيت، فيصبح له قبرين وشاهدين..

تندلع مواجهات بين الطلبة وحيش الاحتلال وهذه المواجهات تثير القلق والخوف في قلب ام الوحيد ، فتستنجد بالجد لارسال الوحيد للدراسة بالخارج بغية ابعاده عن المواجهات واحتمالية الموت واسباب اخرى ... يذهب للدراسة في الخارج ويحب ويتزوج وينجب ليلى ويعود للبلاد..

يمرض الجد ويرافقه الوحيد في رحلة علاج من نابلس إلى مشفىً في حيفا بعد أن يحصل على تصريح للدخول في الأراضي المحتلة سنة ١٩٤٨. وحين يموت الجد، تبدا فصول الحكاية الاكثر تشويقا...

يغتنم بطل الرواية [الوحيد] الفرصة ويزور بلدته عين حوض، مستخدما ذاكرة جده الحافلة بتفاصيل قريته عين حوض؛ من وصف لبيتهم، والشاهد الذي يعتليه، ويشير الى ملكية صاحبه واسمه، بالاضافة الى وصف شوارع القرية واشجارها وجامعها الوحيد..تلك التفاصيل العالقة والساكنة بذاكرة الجد بقيت تتردد على لسانه، وبقيت هذه الاوصاف والذكريات تجري على لسان الجد طيلة حياته حتى ملأت مسامع وحياة الوحيد... وهنا تبدأ الحكاية والمحاكمة لخرافات الاحتلال وادعاءاته وكذبه وتزويره ...

تسمح الظروف ويزور الوحيد بيت جده في عين حوض، فيجد فنانا صهيونيا يهوديا يشغل البيت. يساله الوحيد بان يسمح له بالزيارة، ويجيب الفنان الاسرائيلي بالرفض، فيسأله الوحيد عن البيت ومن صممه وبناه ..فيجيب الفنان كذبا: بانه هو من صمم وبنى الشاهد. ثم يسأله الوحيد عن الشاهد الجديد الذي يعتلي البيت ويحمل اسم صاحبه الجديد والذي لا يتلائم مع عمر البناء وقدمه .؟ سيرد الفنان الاسرائيلي المستعمر بصراخ وغضب وبتهديده بطلب الشرطة، فيرد عليه الوحيد بينما يحاول بشارة تهدئته:" ان تغيير الشاهد لا يورث ذكرياته واحلامه، وان الشجرة هي التي تصنع اللوحة ، وان شجرة الخروب ام الشروش تعرف من زرعها، وهي لا تهب عذريتها الاّ لمن تحب". سيستشيط الفنان السمين غضبا وسيطرد الوحيد مهددا باستدعاء الشرطة والدخول لاستحضار سلاحه.

يصحب بشارة بطل الرواية الوحيد إلى بار في بلدة «عين هود» وفي مرحاض البار يرى الوحيد شاهِد منزل جده صالح المحمود الذي بني عام 1922 فيشعر بأن لحية جده تتمرغ بالبول والبراز، فتثور ثائرته ويشتبك مع شرطيين إسرائيليين ويضرب أحدهما بالحديد الذي اقتلعه من الشباك فيلقى الشرطي حتفه، أما الوحيد فيظل يصرخ: "أريد الشاهد، ولا أريد قتل أحد" ...

"لقد تربى الوحيد على شاهد القبر، ومن ثم شاهد البيت، وظل يسال لماذا تندر الجنود بقتل مدرس التاريخ الوادع والاعزل والنحيل، وقاموا عندما اقتحموا احياء المدينة ببث اغنية لام كلثوم عبر سماعة المسجد؟ قال معلمي وقتها: كيف لا يكون سعيدا من لا يكون يتيما؟!".

تنتقل عدوى المؤرخ من شخصية الوحيد الى بشارة صديق الوحيد، وهذا ما نجد تفاصيله على ظهر الصفحه 115 والتي تبوح بلب الفكرة المراد ايصالها عبر هذه الرواية [الشواهد]، هذه الفكرة الجوهرية التي تدور حولها احداث الرواية شكلت الاساس الذي شغل الحيز الاكبر من صفحات الرواية وتفاصيلها ومنها جاء اسم الرواية:" المقبرة. مقبرة الاستقلال عيادتي، اضع خيمة اعتصم فيها للمطالبة بكتابة تاريخ الاموات حفاظا على دفء ذكرياتهم. الطفل الاول ابراهيم الذي دفن في الليلة الاخيرة قبل سقوط حيفا في اواخر نيسان من العام 1948 كان في السابعه من عمره....

الطبيب الذي يعيش عدوى الشواهد مع الوحيد يريد ان يضع شاهدا لكل قبر في مقابر فلسطين قبل تاسيس دولة الاحتلال، فالكتابة عن التاريخ الاصيل اولى من الكتابة عن التاريخ الطارئ. قبر ابراهيم هو القبر الاول عند الزاوية الجنوبية لمقبرة الاستقلال مقابل باب مسجد الاستقلال نحو الجنوب الشرقي.

بدات اسمع واستعيد هذا التاريخ مما كتب عن الايام الاخيرة قبل سقوط حيفا من المؤرخين الفلسطينيين. كانت الذاكرة هنا علاج لمرض الموت. لا يمكن نقل الخلايا في الطب، لكن يمكن نقل الذكريات والروايات لتعيش. هذا هو الفرق بين الروايات والحالات. كنت اقول للوحيد: لدي حالات ولديك روايات، فيهز راسه قائلا: الروايات تصبح حالات يا بشارة".

سيكون شاهد قبر ابراهيم الخطوة الاولى لكتابة تاريخ المقبرة المهملة هنا بين العمارات المنبعثة نحو السماء، وكل قبر له شاهد تماما مثل اي بيت . في ذلك النهار الاول سارتب حجارة الشواهد المحطمة وسازيل اثار الاوساخ والبلاستيك المتطاير عن سور المقبرة وسياجها للحديدي، وساقتلع اللافتة المكتوبة بالعبرية، وساكشف معالم القبور قبرا قبرا...".

الرواية فلسطينية بامتياز تفوح منها رائحة الحنين للبلاد وحواديتها وذكرياتها.. والرواية كتبت بلغة بسيطة وسلسة وبنص قصير سهل الهضم شابه بعض الثغرات الفنية واصابه بعض مواطن الخلل مثل القفزات التي تذهب بالقاريء بعيدا وتلقي به في شوارع الريح...

* من الرواية:

"أن يموت الوحيد سليماً أفضل من أن يعيش مريضاً! ترى لو طبقت هذه العبارة على الفلسطينيين كم سيبقى منهم على قيد الحياة".

"كانت الذاكرة هنا علاج لمرض الموت؛ لا يمكن نقل الخلايا في الطب لكن يمكن نقل الروايات والذكريات لتعيش. هذا هو الفرق بين الروايات والحالات، كنت أقول للوحيد لدي حالات ولديك روايات. فكان يهز رأسه قائلا: الروايات تصبح حالات يا بشارة".

"أليست صور الشهداء شواهد قبور تتنفس!".

"ساسرد لكم قصة الحلم الرهيب الذي ظل يلاحق الوحيد في سنواته الاخيرة: كان يصحو مرتعشا غارقا بالعرق يده متشنجة، يشرح لي، احاول ان ارفع يدي لاقتلع شاهد منزلي فلا استطيع... احاول واحاول، قوة رهيبة تمسك يدي ويختنقه صوتي، فاصرخ واشد يدي واشد واصرخ اصحوا قبل ان الفظ نفسي الاخير".

"ان قواكم المتوحشة وسلوككم الرهيب وتناقضكم هو من ايقظ الكبرياء الاخير في روح الوحيد، الذي تريدون منه ان يكون كريما حد التكرم بذكرياته وبيته وشواهد قبور اجداده، لقد دفع ثمن توحش الجميع؛ توحش الفنان الذي تتوقع في تحجر الله ويعيد انتاج دين الانانية، فكيف لفنان مهاجر ان يقيم مجده على تعب وعرق فنان مقيم وان كان لا يدعى رساما ؟ وكيف للعالم ان ينتصر لذكريات منقطعة منذ 3000 عام ، ويتجاوز ذكريات جسدها الان ما زال ساخنا؟ وكيف يطلبون من الوحيد ان يدفن قبور اجداده لتبحثوا انتم عن قبور اجدادكم؟ وما هو الاهم ايها العالم، اللوح الازلية ام الفنان الطارئ؟".

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت