ليالي الطاعون أم ليالي الكوفيد؟

حكمت الحاج
2024 / 3 / 30

قد يظن البعض منا ان الكورونا قد مرت وأصبحت ذكرى جائحة ألمت بالعالم كله ووحدته في لحظة وجود نادرة، وان خيالنا البشري سيذهب قدما نحو وقائع جديدة لاهثة، مخلفا الكوفيد التاسع عشر وآثاره وراءنا.
لكن للفنون، ومنها فن الرواية، طريقتها الخاصة في الاستجابة لحدث هز العالم كله، ولها توقيتاتها المعينة، ومظاهرها التي تعلنها عبر تلك الاستجابة، بقوالب كتابية مختلفة.
لقد قلنا في مقال نشرناه عام الجائحة وزمن الإغلاق بأن الرواية تحديدا ستستجيب للحدث المروع، ولكن بعد حين، وبعد ان يأخذ الروائيات والروائيون كامل وقتهم لهضم الذي حصل، وكل من منظور تجاربه ومشاهداته ومدى انغماسه في الكارثة.
وقبل أسابيع فقط، تحدثنا هنا عن رواية الكاتب الأمريكي الأشهر ستيفن كينغ بعنوان "هوللي"، وكيف عددناها من روايات الكوفيد، أو روايات الجائحة، حيث اتخذت منه ومنها اطارا جامعا لمجريات وأحداث الرواية الضخمة التي صدرت عام 2023، وكان الإغلاق والأقنعة الواقية والموت الفظيع والصراع المجتمعي حول تلقي اللقاح من عدمه، هي أوجه البطولة في تلك الرواية الفذة.
واليوم، نقدم لكم رواية أخرى كوفيدية النزعة، بقلم كاتب كبير قد يفوق ستيفن كنغ شهرة وبراعة ومبيعات، ولكن، وعبر أسلوب مخاتل ساخر ومتهكم، قدم التركي النوبلي العالمي أورهان باموق رواية كبرى عن الجوائح، ووضع لها عنوانا هو "ليالي الطاعون" بينما هو ربما كان يقصد "أيام الكوفيد". فالجوائح تتعدد، والإنسان المستهدف منها هو واحد، في أزمنته وأمكنته.
نحن في شهر نيسان أبريل من عام 1901. جزيرة مينجر -الولاية التاسعة والعشرون للإمبراطورية العثمانية- هي مكان شاعري في شرق البحر الأبيض المتوسط. نصف السكان مسلمون، والنصف الآخر من الروم الأرثوذكس. على مر القرون، كان للجزيرة عدة حكام مختلفين: البندقيين الكاثوليك، البيزنطيين الأرثوذكس، والعثمانيين المسلمين.
تحت جنح الليل، ترسو سفينة ملكية في الجزيرة. وعلى متن السفينة الأميرة باكيزه ابنة السلطان المخلوع مع زوجها الدكتور نوري بيج والكيميائي والصيدلاني الشخصي للسلطان بونكوفسكي باشا. لقد تم تكليفهم جميعًا بمهمة مستحيلة، ولكن ربما لن ينجوا جميعًا في الأسبوع المقبل.
مينجر على شفا حادث كبير: الطاعون على وشك أن يشل الجزيرة بأكملها، ويجب إدانة شخص ما. هل المسلمون هم الذين أتوا به من مكة أم المدينة؟ هل الفئران على متن الأسطول التجاري القادم من الإسكندرية هي المسؤولة؟ أم أن هناك تفسيرا آخر للكارثة الوشيكة؟
"ليالي الطاعون" لأورهان باموق هي رواية رائعة عن الغموض والحب والمصير الإنساني المشترك إزاء الجوائح. هي رواية تاريخية، وتصوير لمسار تاريخي في شكل رواية. لأنه بينما يقوم باموق بتسجيل هذه القصة لما حدث في لؤلؤة شرق البحر الأبيض المتوسط، جزيرة مينجر، خلال الأشهر الستة الأكثر حفلا بالأحداث، والأكثر تأثيرا في تاريخها بأكمله، فإن المؤلف يصف أيضًا جزءًا من ماضي وطنه الأم، تركيا، القديمة والجديدة، العثمانلية والكماليستية.
يقول أورهان باموق في لقاء صحفي إثر نشره للرواية، انه وبعد فترة وجيزة من بدء التقصي في الأحداث التي تحصلت على الجزيرة خلال وباء الطاعون عام 1901، أدرك أن التاريخ وحده لا يستطيع أن يفسر بشكل كامل القرارات التي اتخذها أبطال هذه الفترة القصيرة ولكن الدرامية. ولذلك قرر أن يستخدم فن الرواية ويجمع بين التاريخ والأدب في عمل واحد.
كثيرا ما كتب باموق بشكل غير مباشر عن الثورة القومية في تركيا، ووقع في مشاكل مع السلطات التركية بسبب ذلك. يمكن قراءة هذا الكتاب كتنوع مرح حول الموضوع. من الواضح أنها رواية عن مجتمع دمره مرض عضال. يتحدث –بأصوات مختلفة– عن العزلة القسرية والإغلاق. وهو يتتبع الطريقة التي يبرر بها الوباء الإجراءات الاستبدادية، مما يوفر طريقة أخرى لباموق للإدلاء بتعليق مستتر على النظام الحالي في تركيا. سيُنظر إليها حتمًا على أنها روايته عن الكوفيد. هذا ما قالته أيضا الناقدة البريطانية لوسي هيوز هاليت في مقال لها في صحيفة الغارديان اللندنية. "ومع ذلك، على الرغم من كل صفوف الجثث، نادرًا ما تبدو نغمة مأساوية. بل هي خلاصة تجارب أدبية، مضحكة، جريئة، مثيرة للغضب ومسلية".
إن جزيرة مينجر الخيالية في البحر المتوسط تلك التي خلقها أورهان باموق، هي جزيرة ساحرة للغاية لدرجة أنها تلمع مثل الذاكرة. وقد كتب الروائي والكاتب الامريكي جيمس وود في "النيويوركر" قائلا انه يبدو الأمر كما لو أن رواية "المدن غير المرئية" لإيتالو كالفينو تقابل ذكريات الماضي الحنين لمدينة دبلن المفقودة لجيمس جويس أو الإمبراطورية الأوروبية لجوزيف روث المدمرة. والنتيجة متناقضة بشكل ملحوظ: ليالي الطاعون رواية كبيرة ولكن سريعة، رواية عن الألم والموت كما بيد خفيفة".
ولد أورهان باموق عام 1952، وحصل على جائزة نوبل للآداب عام 2006 عن روايته "اسمي أحمر"، وحصل على جائزة إمباك دبلن الأدبية لعام 2003. وقد ترجمت كتبه إلى أكثر من 50 لغة. يعيش الآن في اسطنبول.
النسخة التي بين أيدينا من رواية "ليالي الطاعون" لأورهان باموق هي الطبعة السويدية للرواية وقد صدرت في 636 صفحة من القطع الكبير عن دار نورشتيدس باستوكهولم عام 2023 بقلم المترجم ماتس أندرشون عن التركية مباشرة. والمترجم معروف بترجماته من التركية والعربية والإسبانية. بالإضافة إلى أورهان باموق، قام أيضًا بترجمة مؤلفين أتراك مثل زولفه ليفانيلي وإحسان أوكتاي أنار.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت