الدين الابراهيمي !

عبدالله عطوي الطوالبة
2024 / 3 / 30

تشكَّلت في وزارة الخارجية الأميركية، سنة 2013، ما تُعرف بإدارة الحوار الاستراتيجي مع المجتمع المدني. وقد ضمت 50 دبلوماسيًّا و50 رجل دين يمثلون الاسلام والمسيحية واليهودية. أما الهدف، فقد أُعلن بوضوح ومن دون مواربة: الاستفادة من تأثير رجال الدين في منطقتنا، للدفع باتجاه "المسار الابراهيمي"، أو ما بدأ يُتداول في بعض الأدبيات العربية بإسم الدين الابراهيمي.
وفي عام 2015 صدرت وثيقة عن جامعة فلوريدا الأميركية، موضوعها "الاتحاد الفيدرالي الابراهيمي". وبين حين وآخر، بدأنا نلتقط في وسائل اعلام عربية تعابير من نوع "صهر الأديان السماوية الثلاث الاسلام والمسيحية واليهودية في دين واحد جديد"، و "التقارب بين الأديان، ثم توحيدها، وصولًا إلى دمجها".
في السياق، نستحضر القولة الشهيرة للسيد المسيح:"لا تظنوا إني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء، ما جئت لأنقض بل لأكمل"(متَّى 5: 17). فُسِّر هذا القول بإقرار المسيح أنه جاء مُصَدِّقًا للتوراة وسيرة أنبياء اليهود، وأنه مُتمم فقط. من هذا الباب دخلت الاسرائيليات "كعمد أساسية للإيمان المسيحي" بتعبير فقيد الفكر العربي الراحل الكبير سيد القمني. وعلى هذا الأساس ابتَلَعَت اليهودية المسيحية، و"توحدت" أسفار التوراة والأناجيل في كتاب مقدس واحد. لم يتقبل الكثيرون من أحرار المسيحية وأتباعها الأمر بهذه السهولة، ولجأ بعضهم في الغرب إلى تأسيس مذهب الثيوزوفيرية أو الأزوتيرية السري الجديد، اثر اكتشافهم تناقض العهدين القديم والجديد. وتتركز جهود أتباع هذا المذهب على تخليص المسيح الروحاني وديانته من بطن الحوت التوراتي. على هذا الطريق، رفضوا العهد القديم بأنبيائه وشرائعه. ولجأوا إلى تفسير جديد للأناجيل ينهض على الإيمان الروحي بالمسيح بمنأى عما خالط المسيحية ولحقها من مفاهيم ناموسية يهودية. يقول أحد المبشرين العرب بهذا المذهب، وهو ندرة اليازجي: "يُخطئ المسيحيون إذ يُبقون على الصلة بين المسيحية واليهودية، فقد استغل اليهود نقطة الضعف هذه منذ بداية عصر التبشير المسيحي، هذه البدعة التي تقوض المسيحية وتعيد لليهودية كيانها، وإذا لم تعمل المسيحية على تخليص نفسها من اليهودية، فإن كلام بولص وتحذيراته تظل صحيحة إلى الأبد". أما المرحوم أنيس خوري، فقد اهتم بالأمر وانشغل به فكريًّا من موقع المسيحي العروبي، ووضع مؤلَّفًا بهذا الخصوص اختار له عنوان "نسف الأضاليل مرحلة أساسية في إزالة اسرائيل". يقول خوري في كتابه:"الوشائج الدينية الغامضة القائمة بين المسيحية واليهودية، والعلاقة غير الواضحة تمامًا، ما بين العهد القديم والعهد الجديد للكنيسة المسيحية، وهي الأمور التي جعل منها التضليل اليهودي ركائز دينية وأدبية قوية، متأصلة في ذهن الغرب المسيحي، لمدة طويلة، سبقت اعلان الأمم المتحدة قرارها بالتقسيم سنة 1947، تمهيدًا لقيام اسرائيل في السنة التالية". ومن الأسباب التي ساعدت على تهويد المسيحية، بنظر المرحوم خوري،"اليهود المتنصرون الذين اندسوا بين المسيحيين عبر السنين، وأخذوا يغذونهم بالتفاسير والنظرات والتفاسير المضللة، الأمر الذي سهَّل اختلاط الأمر على المسيحيين".
تأسيسًا على هذه الإضاءة، أليس من حقنا الاجتهاد، ثم القول بأن ما حصل للمسيحية يُخطط لحصوله مع الاسلام، تحت عناوين من نوع "الاتحاد الفيدرالي الابراهيمي" و "صهر الأديان السماوية الثلاث الاسلام والمسيحية واليهودية في دين واحد جديد"، و "التقارب بين الأديان". هذه العناوين يربطها ناظم واحد: الدين الابراهيمي. وفي سياق الاجتهاد وداخل إطاره، نرى أن السياسة والمصالح حاضرة في مجمل الأحوال. وعليه، نعتقد أن الهدف الرئيس لما يتردد حتى اليوم على طريقة "جس النبض" في وسائل اعلام عربية وأجنبية باسم الدين الإبراهيمي، يروم تحقيق هدفين رئيسين. الأول، توظيف الدين في خدمة أجندات السياسة الأميركية في منطقتنا. والثاني، تصفية القضية الفلسطينية، ثم دمج الكيان اللقيط في المنطقة كما لو أنه "دولة طبيعية"، وضمان هيمنته فيها بغطاء ديني.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت