صكوك غفران سياسية

عادل صوما
2024 / 3 / 30

هناك فرق واضح ما بين دعم المسألة الفلسطينية اليوم، ومنذ خمسين سنة أو أكثر. منذ نصف قرن كان هناك أقطاب كبرى تدور دول في فلكها، وكان دعمها يستند إلى الشرائع الدولية الصادرة في هذه المسألة.
دعم اليوم، تعاظم فيه استعمال المرويات الماورائية، ويغذيه التيار الإخواني ذاتي التمويل لتضخم أمواله وأصوله ونفوذه، فقد تمكن هذا التيار من تجنيد الكثير من اليساريين والليبرو فوضويين أو ما يطلق عليهم ليبراليون، ناهيك عن زرع أعضاء في هذا الكونغرس أو ذلك البرلمان أو جمعيات حقوق الإنسان في الغرب. مع عدم نسيان الداعمين لمسألة فلسطين من المؤتلفة قلوبهم أو المتعاطفين أو الجهلة بخباياها عند الذين يهمهم بقاءها حية من أجل السلطة والتربّح من التجارة بها.
أوراق كثيرة دخلت اللعبة؛ ورقة الدين وورقة حقوق الإنسان وورقة العويل والمظلومية وأخطر الأوراق ورقة تأجيل عملية السلام الشاملة مع إسرائيل بواسطة دول إسلامية ذات وزن، لتستريح منطقة لم تشهد الراحة منذ خمسة عشر قرناً.
قديمة مستحدثة
بدأت محنة لبنان باشتباكات مسلحة مارونية/فلسطينية، بسبب رفض الموارنة توطين الفلسطينيين وإقامة جمهوريتهم في لبنان، وتمدد سلطة منظمة التحرير من حدود لبنان الجنوبية، كما نص اتفاق القاهرة، إلى حصار بيروت بالمخيمات وإقامة "جمهورية الفاكهاني العرفاتية" في غربي بيروت، ثم تطورت هذه الحرب المُحقة عند الموارنة، عقب زيارة الرئيس السادات إلى القدس، وتحولت إلى حروب لتأجيل عملية السلام. تغيرت اللعبة عند أمرائها الجدد، من رفض توطين الفلسطينيين في لبنان وإقامة جمهوريتهم، إلى تأجيل عملية السلام الشامل التي بدأها الرئيس السادات.
عملية التأجيل التي تمت في سبعينات القرن الماضي بواسطة سورية ومحور الصمود والتصدي والتحدي، تشبه تماماً ما تفعله إيران الآن بواسطة جماعاتها الإرهابية المسلحة؛ حماس والحوثيون وحزب الله، بعد التقارب السعودي/الإسرائيلي في السنوات الأخيرة، للوصول إلى حل شامل واقعي للفلسطينيين بعيدا عن المرويات المتضارب على تفسيرها حتى من المؤمنين بها أنفسهم.
صفقة القرن
الولايات المتحدة الأميركية انسحبت من عمليات السلام الشكلية غير الجادة بعد فشل كل الادارات الأميركية في ايجاد حل، كان أفضلها ما توصلت إليه إدارة الرئيس بيل كلينتون التي أرست اتفاق دعائم حل الدولتين، الذي تملص ياسر عرفات من التوقيع عليه في صباح يوم الاحتفال.
قررت إدارة الرئيس دونالد ترامب التدخل بصورة فعَّالة واقعية لفرض حل سُمى في الدوائر الغربية One State Reality "دولة الأمر الواقع". هناك دولة قائمة على أرض الواقع، هي إسرائيل، يمُنح داخلها حُكم ذاتي موسع في بعض الأماكن من الضفة الغربية للفلسطينيين، ويكون التعامل مع قطاع غزة بشكل منفصل عن الضفة الغربية، وقد يُلحَق بسيناء، أو يصبح تحت السيادة المصرية كما كان منذ قيام دولة إسرائيل حتى 1967، كما تقول بعض التحاليل السياسية.
صحيح أن "صفقة القرن" تجاوزت القرارات الدولية مثل قراري مجلس الأمن 242 و338، وغيرهما من قرارات متعلقة بالقضية الفلسطينية ووضع القدس، لكن الرئيس ترامب برَّر "صفقة القرن" وقراره باعلان القدس عاصمة لإسرائيل، بأنه اعتمد على وقائع مستدامة يستحيل تجاهلها على الأرض.
المؤكد أن عدم وجود النية والارادة عند الجانب الفلسطيني لحل واقعي للمشكلة، وتقديم تنازلات والقبول بما تم على الأرض وليس ما ورد في المرويات، ناهيك عن عدم أهميتهم (الفلسطينيون) اقتصادياً أو دولياً للشرق الأوسط والعالم، قد ساعدت ترامب أيضاً على نسف الأسس التي قامت عليها اتفاقية أوسلو التي كانت برعاية أميركية. ولما لا؟ ياسر عرفات نفسه وصفها بانها اتفاق الحديبية، ما يعني انها عملية موقتة سيتملص منها حين تسمح الظروف أو يُنادى في البوق ليوم القيامة!
الرؤية الأميركية الجديدة ل"القضية" كما يقول عنها الناطقون بالعربية، بدأها الرئيس ترامب بحسم أهم وأخطر مواضيع المماحكات السماوية بين الجانبين على الأرض، وتعامل مع الواقع وأعلن القدس عاصمة إسرائيل، وبمنطق الاعتراف بالواقع الذي خلقه الفلسطينيون المماطلون الذين يعتمدون على المرويات والبلاغة اللغوية والحماسة والتجييش بالدين، أصبحت المطالبة بعودة ستة ملايين لاجئ إلى فلسطين التاريخية مستحيلة، وكذلك الأمر بالنسبة لإزالة المستوطنات في الضفة الغربية، التي نصحهم الرئيس أنور السادات بالتفاوض عليها وهي أراض خالية سنة 1978، بالتزامن مع مفاوضاته بخصوص سيناء، لكن زعماء الفلسطينيين فضلوا "الجهاد السيميائي" لتخدير شعبهم، والتربّح من وراء استمرار القضية.
صكوك الغفران
هناك دول اليوم وبسبب الدماء في غزة بدأت تعود إلى منطق الأوهام عوضاً عن الواقع، فاجتماع وزراء خارجية دول مجموعة العشرين بالبرازيل شهد اتفاقاً في الرأي على الحاجة إلى حلّ الدولتين باعتباره السبيل الوحيد لتحقيق السلام في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
كما صوّت البرلمان الكندي على قرار غير ملزم يدعو المجتمع الدولي إلى العمل على الوصول إلى حل الدولتين لإنهاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وتأجل التصويت بسبب خلافات في اللحظات الأخيرة على صياغة تدعم إقامة دولة فلسطينية.
وشدد الأمين العالم للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرس على ضرورة إلقاء المجتمع الدولي بثقله خلف حل الدولتين لإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بصورة نهائية. وغير مفهوم كيف تناسى غوتيرس أن حل الدولتين وخريطته الموجودة في أرشيف البيت الأبيض قد رفضه الفلسطينيون من أكثر من ربع قرن!
وصعّد الرئيس ماكرون لهجته في اتصال هاتفي مع نتنياهو، وعارض مجدداً أي هجوم إسرائيلي على رفح ونقل السكان القسري الذي يشكل جريمة حرب. ودعا ماكرون إلى وقف مستدام وفوري لإطلاق النار في غزة.
عمداً أو سهواً؟
غير مفهوم على الاطلاق عدم ضغط المذكورين آنفاً وغيرهم على إسماعيل هنية لإرجاع الأسرى، ومن ثمة يصبح نتنياهو في وضع دولي صعب لا يمكنه معه استمرار العمليات العسكرية، وتعود الأمور إلى ما كانت عليه من وقف مستدام لإطلاق النار في غزة.
تناسى سالفو الذكر عمداً أو سهواً من بدأ التنمر وخطف مدنيين واغتصاب نساء، ولم يرفعوا عقيرتهم ضده، بل رفعوها على من استعمل القوة المفرطة التي يملكها لإرجاع الأسرى وجثث القتلى، وسط مماطلة مريبة جداً من "حماس" تشجّع إسرائيل على المزيد من العمليات العسكرية في غزة. هذه العمليات تتيح لزعماء "حماس" الابتزاز السياسي ورفع وتيرة عويل مرتزقتهم في الغرب واستمرار عمليات السلب الاقتصادي المنظم للدول للمساعدة في حل "القضية"، وملء جيوب الزعماء الفلسطينيين بالمال، لإدارة وتضخيم أعمالهم في قطر و وتركيا والغرب.
بالرفاه والبنين
من قال لمجموعة العشرين وغوتيرس بأن "حماس" ستقبل بصكوك الغفران السياسية هذه؟ أو بحل الدولتين وتنسى وهم بروباغندا الارتزاق والتربّح من شعار "تحرير فلسطين من النهر إلى البحر".
صكوك الغفران السياسية بسبب الدماء والضحايا لن يشتريها حتى فلسطيني واحد، لأن عداوة اليهود في جينات غير اليهود الذين يعيشون في الشرق الأوسط بالوراثة والتلقين والترديد، رغم أن ربهم واحد.
هل تدرك مجموعة العشرين وترودو الليبروفوضوي أن عملية 7 أكتوبر ليس هدفها تحرير فلسطين من النهر إلى البحر لأن هذا الأمر مستحيل، بل تأجيل عملية سلام واقعية بين دولة إسرائيلية قائمة مُعترف بها، ودولة إسلامية ذات وزن هي السعودية، سيستفيد فلسطينيون مشرذمون منها، عوضاً عن زعماء فلسطينيين يتربحون من مأساة شعبهم، وغير متفقين في ما بينهم على أي شيء؟
زعماء كذابون يروجون لإزالة إسرائيل كفرض ديني مقدس، ويدعون المسلمين للذهاب إلى فلسطين للجهاد، لأن الله وملائكته سيآزروهم.
على أرض الواقع، لم نر أي تحركات إسلامية باتجاه غزة، وعمليات إسرائيل والخراب الواقع على أهل غزة يؤكدون عدم مؤازرة الكائنات الماورائية لمقاومي الأنفاق، وفي الوقت نفسه الذي تُحاصر فيه رفح وأهل غزة يبيتون في العراء والدول الغربية تطبع صكوك غفران سياسية وترسل المساعدات وتبيعها "حماس"، يُشاع ويُنشر في وسائل التواصل بفيديوهات الزواج الثامن لصاحب إعلان الجهاد المقدس عشية 7 أكتوبر 2023 إسماعيل هنية (ثروته المعلنة حوالي خمس مليارات دولار)، وقد أعلن وهو يتلقى التباريك بأنه سيلتقي بضيوف عرسه في غزة إن شاء الله، و "لا اعتراف بدولة إسرائيل".
كوميديا سوداء ما يزال المؤمنون بها يصدقونها ويتهمون بالخيانة من ينورهم ليفيقوا من أوهامهم، مع تصفيق حاد مستمر وطاعة عمياء للمرتزقة غير المبالين، ومباركة ضمنية لزواج هنية (إذا كان صحيحاً) لأنه يقع في نطاق "القنبلة السكانية" التي دعا إليها يوسف القرضاوي.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت