بولمهارز -بُقعة- سوداء في الذاكرة..

حسن أحراث
2024 / 3 / 29

كان سجن بولمهارز بمراكش (مغلق الآن) مقبرة "أحياء" بكل معاني الكلمة. وكلُّ من مرّ بزنازينه وسراديبه وحالفه "الحظ" ليرى النور لا يمكن أن ينسى قساوة سجانيه وبشاعتهم. بولمهارز اسم على مُسمّى..
كان لي "شرف" السقوط بين مخالبه صبيحة يوم الاثنين 28 مارس 1984، وذلك بعد حوالي شهر من التعذيب بالأقبية النّتِنة بكوميسارية جامع الفنا (منذ 27 فبراير 1984) مُقيّد اليدين ومعصوب العينين تحت قيّادة الجلاد الخليلي وفريقه "المجتهد".
نُقلت أولا الى مستشفى ابن طفيل (سيفيل) بسبب التعذيب الذي تعرضت له، خاصة استعمال الكهرباء بمناطق حساسة من الجسم ومنها الأعضاء التناسلية، ومكثت به خمسة أيام رفقة الحسين الجمودي (الفصيل الطلابي رفاق الشهداء، حُكم ابتدائيا بسنتين سجنا نافذا) الذي كان في ضيافة نفس الأقبية وتعرض بدوره لتعذيب وحشي يوم 03 مارس (عيد العرش) نتج عنه كسر بيده، لأعود مساء الجمعة 25 مارس 1984 الى نفس الكوميسارية (Geôle، هذه المرة).
والجميل بمستشفى ابن طفيل هو التعاطف الكبير من طرف النزلاء (Patients) والزوار وحتى من قبل عناصر الحراسة وطاقم التمريض. أما الأجمل، فهو زيارة والدتي بعد إخبارها سرّاً من طرف أحد عناصر الحراسة. حضرَت برباطة جأش ولم تذرف ولو دمعة واحدة، علما أنها قد أذرفت أنهارا من الدموع بداخلها. لقد كنت أول معتقل سياسي بالعائلة من جهة الأب والأم. كان عناقها حارا، تزوّدت من دفئها بالكثير من الطاقة الإيجابية ومقومات الصمود والمزيد من الصمود. حقّاً، إنّهُن أمهات من ذهب..
وبعد الكوميسارية، نُقلت من هذه الأخيرة الى محكمة الاستئناف، حيث قاضي التحقيق، ثم مباشرة الى بولمهارز..
استقبلني السجان/الجلاد الهراوي والشر يتطاير من عينيه، وتكلف تلميذه البركاوي بإغلاق باب الزنزانة الانفرادية في وجهي وبشراسته المعهودة، وكأنه يريد أن يقول لي "حذاري، أنا سجّانك"، "أنا ربّك الأعلى".
كانت التغذية (اسماً فقط) مُذِلّة وعفِنة تعافُها حتى قطط السجن. لا أقول إنها غير كافية، لأن الجوع أرحم وأهون من مكوناتها. كانت التغذية الحقيقية وبسخاء، ورغم الظروف المادية الصعبة للعائلة، هي ما كنت أتوصل به من طرفها.
أما "فسحتي" بباحة السجن فكانت قصيرة لا تتجاوز مدتها خمس دقائق، لكن الباحة كانت لي كاملة. فلم يكن يشاركني فيها أحد، زنزانة انفرادية وباحة انفرادية. إنها عزلة منهكة، بل قاتلة..
قضيت بالزنزانة الانفرادية "صحبة" السجان البركاوي أربعين (40) يوما بدون جرائد أو مجلات أو كتب..
كانت مدة الزيارة دقائق معدودة ومرة واحدة في الأسبوع. وكانت تتم عبر شباكين بينهما ممر (Parloir)، وكانت بدورها زيارة انفرادية..
وبعد تلك المعاناة الصامتة، أي يوم انطلاق أطوار المحاكمة (07 ماي 1984) التحقت بباقي الرفاق، أي ما يُعرف بمجموعة مراكش 1984. وحصدت ليلة 25 ماي من نفس السنة حصتي كاملة 15 سنة سجنا نافذا، لتنطلق من دهاليز بولمهارز المعركة الكبرى، معركة الشهيدين بوبكر الدريدي ومصطفى بلهواري التي استمرت أطوارها القاسية (إضرابات محدودة ولا محدودة، التعذيب، منع الزيارة، التنقيل من سجن الى آخر...) حتى يوم 16 غشت 1991؛ آخر محطة/محنة بمستشفى ابن رشد (موريزكو) بالدار البيضاء..
بالفعل؛ سجن بولمهارز، وحتى بوزراوط (من الزرواطة، أي العصا الغليظة)، اسم على مُسمّى...

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت